أصوات الشمال
الأحد 24 جمادى الأول 1441هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * نافذة على المنظومة التربوية   * كلمات الى زينب بنت قاسم سليماني   * كيف تكتب رواية جيدة   * هنيئا لك يا أرض الجزائر الطيبة..   * ديمقراطية   * جماليات النص الشعري عند سمير خلف الله-في ديوانه ترانيم عاشق الحمراء-   *  الألم والإبداع / الروح في حضرة الموت    * (الإتفاق على الحرب ) بما يشبه (الإتفاق على الكذب)   *  هل حراك الطلبة بعد النزيف الداخلي، اليوم يدعم صفوفه بمختلف الفئات العمرية؟!   * أحلام منسية   * ابن سبعين نَزيلُ بجاية...فكره وفلسفته   * الى الاديب اسامة فوزي   * قصة مسار التغيير في الجزائر وانتصار إرادة الشعب   * فوق سطوح الغربة للكاتب عبد الحفيظ بن جلولي   * تحية لإيران   * أسئلة المعنى ورهانات الرمز - -قراءة في رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ- بوقربة عبد المجيد   * رثاء البطل الشهيد قاسم سليماني   * بلوزداد، حكاية البطل وقصة العلم(9-10)   * جذور المعضلة الفكرية في بلادنا   * -قراءة في رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ    أرسل مشاركتك
مقتطف(01) من كتاب سعادة عابرة
بقلم : عبد الحليم نغبال
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 708 مرة ]
عبد الحليم نغبال

نهض باكرا كعادته، يمشي على أخفاف رجليه حتّى لا يُحدث أيّ ضجّة، حمل معطفه، ارتداه وسار نحو الباب، لما بلغه مدّ يده إلى المقبض وفتحه برفق ثم خرج وسط ظلام حالك، السّماء ملبّدة بغيوم طَخْيَاء، القمر والنّجوم لم يعد لهما وجود

، وضع كفّيه في جيبي سترته وانكمش وهو يمشي باتجاه الطّريق المؤدّي إلي موقف الحافلات، كانت الرّياح تهبّ وهي تحمل في طيّاتها بردا لاذعا وزمهريرا ينخر العظام، تدمع له العينان وتحمرّ له الوجنتان ويسيل له الأنف ماءً، اتّجه مسرعا نحو الموقف يجري مرة ويرمل أخرى ... كلّ الدّكاكين كانت مغلقة، لا أحد في الطّريق، لا يُسمَع صوت غير صوت مواء القطط أو نباح الكلاب، أو صوت الرّياح الخريق المرعب، الّذي أدخل إلى نفسه الشّعور بالخوف في كثير من الأحيان، لذلك كان ينظر يمنة ويسرة وأخرى يلتفت إلى الخلف.
في طريقه التقى أحد المشرّدين الّذين اتّخذوا لهم من الأرض فراشا ومن السّماء غطاء، هذا المنظر ليس غريبا عليه لأنّه اعتاد رؤيتَه كلّ يوم، بل صار شيئا مألوفا بالنسبة إليه، وعند زاوية غير بعيدة شدّ انتباهه كومة لم يعهد رؤيتها من قبل، فأخذه الفضول إلى تفقّدها، اقترب منها وهو يرتعد.
كانت دقات قلبه تتزايد وتتسارع كلّما خطا خطوة نحوها كأنّه مقبل على امتحان صعب، دنا منها قليلا، لكنّ الرّيبة أخذت بقلبه، لم يطمئنّ لهذه الكومة وهذا اللّفاف الّذي يراه أمامه، والشّعور الّذي يحسّه ليس له به عهد، غير أنّه استجمع أنفاسه وتشجع واقترب منها حتّى كان قاب قوسين أو أدنى، مدّ يده إليها وهو يستعيذ بالله من الشّيطان الرّجيم ويسأل الله أن يقيه شرّ ما فيها، حركها قليلا ثمّ سحبها بقدر ما يتيسر له رؤيتها بوضوح، هنا أحسّ ببلَلٍ على كفّي يديه، سحب يده وأبصر فيها بتمعن إنّه دم!.
تراجع نحو الوراء، وهو يقول: "أعوذ بالله من الشّيطان الرجيم، ما شأني بما يوجد في الكومة؟!، عليّ مواصلة طريقي والتّوجه نحو مقصدي، أكاد أصل إلى المحطة. سار خطوات غير بعيدة من الكومة ثم توقّف يفكّر، والفضول يجذبه ليعرف ما تخفيه اللّفافة يحدّث نفسه: "أعود وأرى ما في اللّفافة، فأنا هنا بمفردي ولا أحد يرْقبني".
بعد أخذٍ وردٍّ بينه وبين نفسه قرّر الرّجوع إليها، تقدم منها، سحبها ثم راح يفتحها، ما إنْ انكشفت له تجمد جسده وشخص بصره وجحظت عيناه وانقطعت أنفاسه وكاد يتوقف قلبه ويغمى عليه، لم تعد ركبتاه تقدر على حمله، لما تبصره عيناه من مشهد مهول، فتاة لم تتجاوز ربيعها التّاسع عشر قد مُثّل بجثّتها، ذُبحت من الوريد إلى الوريد، تفقّد الجثّة جيّدا وراح يتفحّصها بتمعّن، إنّها جثّة ابنة الجيران!
أعاد اللّفافة المكوّمة كما كانت بسرعة ثم ركنها في الزاوية ويداه ترتجفان وجسده يرتعد خوفا، أسئلة كثيرة تجول في خاطره وتتزاحم في صدره: "من فعل بها هذا؟! ولماذا؟! إنّ الفتاة من عائلة محافظة طيّبة محمودة السّمعة، لم يسمع لا عام ولا خاص من قريب أو بعيد عن سوء بدر منهم طوال عشرين سنة من عشرتهم؟! ماذا أفعل الآن؟، أأُبلِّغ الشّرطة عنها؟ أم أواصل طريقي؟، ماذا لو بلّغْت الشّرطة؟، حتما سيلفّقون بي التّهمة؟! لا.. لا.. لن أفعل ذلك، سأواصل طريقي وأذهب إلى عملي كأنّ شيئا لم يحدث، أنا إنسان ضعيف، سترهقني جلسات الاستماع والاستجواب ( متى ...؟ وكيف ...؟ ولماذا ...؟ ومن...؟، وذلك الضّابط بالشّرطة العاسي إنّه لحقود ضغين، قلبه كالح لا رحمة فيه ولا شفقة، لا يأخذ بأعذار النّاس يتحيّن الفرص ليُشمِّتَ بهم، ألم يُهن صديقي ويذّلّه على مرأى من أعين النّاس في حضرة شيخ البلدية رغم ثبوت براءته وشهادة الأشهاد ببطلان ما نسب إليه من تُهم وإدّعاءات؟!، أوه ما هذا الصباح المشؤوم؟!، ليتني لم أبرح مضجعي وبقيت نائما يا ليتني لم أخرج في هذه الساعة، أوه يكاد رأسي ينفجر".
واصل سيره باتجاه المحطّة، أخيرا وصل إليها، جلس على كرسي الانتظار هنيهة، ثم قام من مكانه وأخذ يروح ويجيء، لم يهنأ ولم يهدأ له بال، فصورة جثّة الفتاة ترتسم بين عينيه لا تفارق مخيّلته، مرّت خمس دقائق ولم تأت الحافلة بعد، ينظر إلى السّاعة مرة بعد مرة.
بدأت دجنة اللّيل يخنقها الأفول وبدأت غدوة الإصباح تلوح في الأفق، هاهم النّاس قد بدأوا يتوافدون على المحطة من كلّ حدب وصوب، توقّف ثمّ أعاد الجلوس على الكرسيّ مرة أخرى ينتظر الحافلة، بدأت الوساوس تساوره وتنتاب قلبه، أصبح يحس أنّ أعين الناس جميعها مصوّبة نحوه تراقبه، كل اثنين يتهامسان أو يتناجيان فيما بينهما يظنّ أنّهما يتحدثان عنه، بل يوجهان له أصابع الاتهام ويلفقان به الجريمة: "ما الّذي جرى لي؟!، أنا لم أفعل شيئا؟! ولم أقترف ذنبا؟!، بل كلّ من يعرفني يشهد لي بالصّلاح وكمال الأخلاق، سجلّي نظيف وسيرتي بيضاء نقية..".
جعل رأسه بين يديه يضربه تارة ويضغط عليه بكفيه تارة أخرى وهو شارد الذّهن مشتّت التّفكير، لا يرد سلاما ولا يُلقي تحيّة على أحد، صار همّه كيف يتخلّص من هذه الوساوس والأسئلة الكثيرة الّتي تنتابه وتساوره: "أستغفر الله، أستغفر الله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ...، الحمد لله، أخيرا جاءت الحافلة".
ما إنْ توقفت الحافلة رمى بثقل نفسه فيها وصعدها بسرعة كأنّه يفرّ من عصابة تلاحقه أو قاتل مأجور يطارده، أخذ المقعد الأول وجلس.
ظلّ طول النّهار يفكر فيما رآه بُكرةً، صورة الفتاة لا تغادر مخيّلته، بعد الانتهاء من العمل استقلّ نفس الحافلة الّتي اعتاد العودة فيها كلّ يوم، كانت الكثير من الأسئلة لا تزال تحوم في رأسه وتزاحم أفكاره، لم يجد لها جوابا ولم يعرف لها تفسيرا، بمجرد نزوله من الحافلة وجه نظره صوب مكان اللّفافة، كلّما اقترب من مكان وجودها جحظت عيناه واختنقت أنفاسه وتسارعت دقات قلبه وتجهّمت ملامح وجهه، لكنّه لم يجد الجثّة حيث تركها، وقف للحظة في مكانه، تنهّد وهو يقول: "الحمد لله، الحمد لله!".
سرعان ما عادت الأسئلة تراوده من جديد: "لكن من أخذ الجثّة يا تري؟! هل نهشتها الكلاب الضالة؟! أم حملها عمّال النّظافة، عندما مروا من هنا انتشلوها ورموها حيث ترمى القمامة دون علم منهم؟

نشر في الموقع بتاريخ : السبت 10 ربيع الثاني 1441هـ الموافق لـ : 2019-12-07



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

.

الإنتخابات الرئاسـية الجزائرية 12 / 12 / 2019

.
مواضيع سابقة
هل حراك الطلبة بعد النزيف الداخلي، اليوم يدعم صفوفه بمختلف الفئات العمرية؟!
بقلم : محمد بونيل
 هل حراك الطلبة بعد النزيف الداخلي، اليوم يدعم صفوفه بمختلف الفئات العمرية؟!


أحلام منسية
بقلم : فضيلة معيرش
أحلام منسية


ابن سبعين نَزيلُ بجاية...فكره وفلسفته
بقلم : محمد بسكر
ابن سبعين نَزيلُ بجاية...فكره وفلسفته


الى الاديب اسامة فوزي
الشاعر : عبد الله ضراب الجزائري
الى الاديب اسامة فوزي


قصة مسار التغيير في الجزائر وانتصار إرادة الشعب
الدكتور : محمد عبدالنور
قصة مسار التغيير في الجزائر وانتصار إرادة الشعب


فوق سطوح الغربة للكاتب عبد الحفيظ بن جلولي
بقلم : خالدي وليد
فوق سطوح الغربة للكاتب عبد الحفيظ بن جلولي


تحية لإيران
الشاعر : عبد الله ضراب الجزائري
تحية لإيران


أسئلة المعنى ورهانات الرمز - -قراءة في رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ- بوقربة عبد المجيد
السيد : عبد المجيد بوقربة - مثقف من الجزائر
أسئلة المعنى ورهانات الرمز - -قراءة في رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ- بوقربة عبد المجيد


رثاء البطل الشهيد قاسم سليماني
الشاعر : عبد الله ضراب الجزائري
رثاء البطل الشهيد قاسم سليماني


بلوزداد، حكاية البطل وقصة العلم(9-10)
بقلم : مهند طلال الاخرس
بلوزداد، حكاية البطل وقصة العلم(9-10)




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1441هـ - 2020م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com