أصوات الشمال
الأربعاء 10 جمادى الأول 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * وللنساء جنون آخر   * محافل الثقافة العربية بين قلق الرّسالة وشحّ الدعم /حوار مع الشاعر والكاتب التونسي خالد الكبير    * المبدع عزالدين شنيقي ابن سكيكدة يصدر رواية "الانهيار"   * أمثال عربية أندلسية   * الثقافة الجماهيرية وقيادة شراع الإعلام الاجتماعي   * العولمة وتأثيرها على الرياضة في الوطن العربي    * رواية العزلة .للكاتب خالد الهواري   * يناير والانتقال الضروري من الطابع الفولكلوري إلى البحث العلمي:   *  إشكالية الـحب في الـحياة الـفكرية والروحية في الإسلام    * في أصل الامازيغ..عودة لتاريخ الكنعانيين واساطيرهم   * lما يمكن لرواية أن تفعله بك   * مشكلة الأمازيغية: اللغة والثقافة والهوية   * حوار مع لاعب وفاق سطيف قدور شايب ذراع ( علي حداد)   * في الحزن الباعث على الموت و الحزن الباعث على الحياة   * " أصداء مجاورة الموتى" زجليات التقنّع بالخطاب الصّوفي   * رحلة الى المشتهى   *  أنا، دون غيري.   * البقاء للأصلع    * لا ديموقراطية بالفن..... وديكتاتورية الإخراج   * مثل الروح لا تُرى    أرسل مشاركتك
مثل الروح لا تُرى
بقلم : الدكتور/ محمد سعيد المخلافي
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 677 مرة ]
مثل الروح لا تُرى

سرد أخفيت حروفه بعفوية تجمل عن وطيس الشقاء, فأذاعت ظاهر تعاستها سحيف رحى قبح مستعرة تنزع لذة إلى طحن البراءة ورهيف الإحساس, لكنها بباطن أمل مقاوم تستعصم, وترتقى بإعتداد المُحِق المتيقن أبراج عاجية إلى قمة الحضور الطالع, الجليل, المستبشر, المتحقق الغلبة.

_ الجزء الأول _

نزلت بعده عدة أماكن إقامة في وطن واغتراب.. سكنت إلى الساكنين فيها وشاطرتهم مشاعر الأتراح والأفراح وبادلتهم التحايا الصادقة والود قبل ذاك, وقُبل الوداع واللقاء.. ولكن لم يسكن عني الفقد ولم تسكن في منازلها نفسي.. ولا أدري لماذا؟ في مقابل وعي الحاد بأنني نزلتها آلي الروح والجسد, وبأني قضيت فيها أمشط ساحات الخبز بلا توقف, و أراجع واقفاً بعظيم تصبر فواتير المعيشة وما أكثرها.. وفي سويعات لياليها وعلى وسائد لا أعرف كنهها ولا أتبين حتى لونها, وضعت رأسي المثقل بضوضاء الأحياء, وضجيج الجمادات, وعوادم المركبات, وطلاسم الأعداد, وتبعثر الصفحات.., والمثقل قبيل النوم بلحظات بتلك الدوائر الشاحبة, المتداخلة ذات الوميض المتقطع, وبالدوار الطواف الدائخ الحس.. ولا أعد هذا تبريراً لعقوقي للمنازل التي تلت منزل طفولتي الساكن ومستروح حياتي.. أليف روحي وتوأمها وإن كبرني بعام وبضعة أشهر.. والذي كثيراً ما أخبرتني أمي كيف كان أبي يسابق الوقت حتى تضع فيه مولودها البكر, فانطبع في روحي بأبي. فتحت جوارحي عليه ووعيته بطابقيه مبنياً من الأحجار الصلدة المقدودة من رهيف السندس ملمسا,ً ورائحة الخزامي, وطعم حلوى( السمسمية ), وموسيقا لياليه المقمرة التي تحس ولا تسمع, وهميم سكينته وهزهزة رفقه.., و وعيت على بابه الرؤوف الشمس التي كنت اسميها جدتي, وقد أدمنت انتظار بزوغها طيلة سنوات بزوغي قاعداً القرفصاء على عتبته الحجرية الوثيرة ولم تتأخر يوماً عن موعدها.. تطل ببطء فيمرع على عجل داخلي عامراً بالجداول الرقراقة, و بتلك الحمائم البيضاء الناعسة على أماليج وردية متهدلة يطايبها النسيم.. وأجد لذلك سعادة في متناول حواسي أراها بعيون قلبي شديدة الوضوح.. وبالوضوح نفسه كنت أرى الشمس تقترب مني, تشبه جدتي كثيراً بخطواتها المتأنية وجفون عيونها المتغضنة وتلك النظرة الشاخصة المستجلية لخفايا تعبي.. حتى أن الأُنس غلبني يوماً على حيائي فسألتها هل تعرفين جدتي إنها تشبهك.. لم ترد وانما طال مسحها على رأسي وأتسعت إبتسامتها أكثر من المعتاد وعادت أدراجها صاعدة إلى السماء بعد أن حشت جيوبي بالسكاكر كعادتها.. فأعود بروح مشبعة بطعم الحلوى إلى غرفتي الصغيرة ( أمي )هكذا كان اسمها.. أفتح نافذتها المطلة على الفناء الخلفي وأشرع في محادثة شجرة النبق سدرة منتهى إستئناسي, وكنت قد أخترت لها اسم(جنة ), والذي عُلَّمت منطقها بسليقة وحدتي وإتحادي بها, وعلمتني منطق كافة الموجودات من حولي وألهمتني أغلب مسمياتها الخاصة.. كانت الوحيدة التي لم تسخر من حكايتي مع الشمس التي تشبه جدتي, والوحيدة الذي كان باستطاعتي مقاسمتها سكاكرها الحلوة, ولا سواها من أمضي معه متدفقا بالحديث عن صرير الجنادب الذي رأيت الصباح يدخلها في جيب معطفه الداخلي بينما يخرج من جيبه الأمامي ألحان متفقة من حفيف أوراقها ورفيف أجنحة العصافير وزقزقاتها.., وعن( دنيا )النافذة الصغيرة لغرفتي ذات الدفة الخشبية الواحدة التى خلت من النقوش والزخارف, وحميمية لونها الذي يشبه طحين الشوفان.., و وحدها لاغير من أخبرها عن مكنون انشغالي بمعرفة صلة القرابة بين نافذتي دنيا وطحين الشوفان لتشابهما في اللون والرائحة والملمس الدفيئ المنعش, وعن إنشغالي المستبد بمعرفة صلة القرابة بين الشمس وجدتي زهراء الجبال السمر الساطعة, والممزوج دائما بخشية أن أراها تلتفع ببقايا الليل كما تفعل نساء قريتي فلا يرى منهن سوى الأعين, إذ لا أطيق تصور عودتي متعباً من مدرستي الإبتدائية عبر الطريق الترابي الشاق الطويل بلامتنزه طلعتها الفردوسية, ...وكم غمرني إنصات جنة بالحماس عندما أخبرتها عن الديك( فجر )الذي خرج منعتقاً من كتاب القراءة ليروي لى بقية حكايته مع الثعلب الذي نام كاتبها العيي فلم يكملها فبدت مملة فارغة بلامعنى في الكتاب المدرسي وشيقة ممتعة على لسان فجر, الذي صار في نهاية أحداثها المثيرة صديقاً للثعلب وبعدها صديقاً لي.., صديق ما انفك يطمأنني بأنه لن يدع أحداً غيري يراه حتى لا يأخذوه مقهوراً إلى القن.. وكان الأمر كما قال فلم يره أحد سواى, وظل أنيسي وجليسي في غرفتي الصغيرة ينام بالقرب من فانوس الجاز( قمر )علي طاولتي( سماء )ذات السطح الخشبي الأزرق والسيقان المعدنية النحيلة كسيقاني حينها... لا أنسى حبوري حينما كان يصفق لي بفخر وأنا أعالج قمر كلما بدأت شعلته تطرف بخفض وإعلاء فتيلته القطنية حتى يستقر نوره ويعود إلى سابق سكونه يتسلى بتشكيل ظلال الأشياء من حوله فتنقطع أنفاسنا من الضحك من طرافة صورها الظلية.. هكذا كنا ننسج الليالي خيوطاً من نور المرح إلى أن تضيء فنتركها ساهرة مع قمر المتثائب وننام على تبغم غرفتي الصغيرة وترنم زفزفة الريح وصلصلة سريري الحديدي( الغيمة البيضاء ). وهذا شأن سائر ليالينا بإستثناء تلك الليلة التى قررت فيها إخبار أمي بسر تلك السنونوة التى جمدت فجأة على فنن الكآبة لأنها خلقت أنثى ولا تستطيع الذهاب إلى المدرسة, والذي بعيدها انطفأت عيون قمر من الحزن وسمعت تنهيدات شتى ونشيج مكتوم لفجر في الظلام.., حينها ندمت على البوح بهذا السر وطفقت أمسح مياه عيوني إلى أن غلبني النوم ولم أصحو إلا على فجر يوقظني في السحر مذكراً إياى بموعدي مع جدتي و على غير المألوف كان صوته شاحجاً وقد أبكر كثيراً في الصحو.. علمت أن الوقت مبكراً على الموعد لكني لم أرغب في العودة للنوم وباشرت أشعل قمر وهالني تجهمه لابد أن خطب ما قد حدث في هذه الليلة.. حدثت نفسي وقتها وأصغيت بإستسلام هامد إلى وهوهة كلبي الأنوس( غصن )الجاثم أسفل شجرتي جنة.. هذا الذي دأب علي مرافقتي إلى المدرسة وأجده بانتظاري عند الخروج ونعود معا.. كم أعززته وغافلت ما وجدت إلى ذلك سبيل, تلك المسافة المفروضة الفاصلة مابيننا, ماسحاً على رقبته ومطوقاً إياها أضم فيه عرفاناً سمو الإخلاص.. لم أجد فيه أبداً الحيوان النجس مثلما قال إمام الجامع العابس معنفاً أياى ذات مرة وآمنت بأنه مخلوق مثلنا, وغصن في شجرة الحياة الوارفة كما قالت جدتي..
جالت هذه الفكرة بخاطري على إيقاع وهوهة غصن حينها, ولم أزددت سوى إيمان بنقاء الإنسان في جدتي ولم أحقد على أحد, فللبراءة بال مخموم في قلب الغيث وقلب ناصع عريق البياض, ولها نبل هموم وإهتمام لانقوى على فهمه في الكبر فنكتفي بعنته بالسذاجة.., وعلى شاكلة تلك الهموم كان همي في السحر من تلك الليلة أن اتراءى وقفت على الغيمة البيضاء أطالع وجهي في المرآة الدائرية الصغيرة بمقاس وجهي تماماً وبمستوى قامتى وقتها ولها ذات اسمي وتقاسيمي غير أنني حر طليق وهي أسيرة مكبلة بإحكام بطبقة من الجبس على الحائط الملتصق بالغيمة البيضاء, أردت أن أتمعن فيها الحياة واستعنت بقمر لهذا الغرض فرأيت ذلك الطفل لوهلة ومالبث أن أدار لى ظهره مبتعداً أكثر فأكثر بصحبة فجر, وغصن, وسكاكر الشمس, ومعطف الصباح , وقهر السنونوة حتى لم أعد أرى سوى نقطة بيضاء في نمش الدنيا الطاغي السواد.

نشر في الموقع بتاريخ : الأربعاء 5 ربيع الثاني 1440هـ الموافق لـ : 2018-12-12



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

مواعيد ثقافية " رؤى "

برنامج " رؤى " مع الاعلامية غنية سيد عثمان

اصوات الشمال
مواضيع سابقة
إشكالية الـحب في الـحياة الـفكرية والروحية في الإسلام
الدكتور : محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة
        إشكالية الـحب في الـحياة الـفكرية والروحية في الإسلام


في أصل الامازيغ..عودة لتاريخ الكنعانيين واساطيرهم
الدكتور : وليد بوعديلة
في أصل الامازيغ..عودة لتاريخ الكنعانيين واساطيرهم


lما يمكن لرواية أن تفعله بك
بقلم : جميلة طلباوي
lما يمكن لرواية أن تفعله بك


مشكلة الأمازيغية: اللغة والثقافة والهوية
بقلم : أ.د.أحمد زغب
مشكلة الأمازيغية: اللغة والثقافة والهوية


حوار مع لاعب وفاق سطيف قدور شايب ذراع ( علي حداد)
بقلم : حاوره: البشير بوكثير
حوار مع لاعب وفاق سطيف قدور شايب ذراع ( علي حداد)


في الحزن الباعث على الموت و الحزن الباعث على الحياة
بقلم : حمزة بلحاج صالح
في الحزن الباعث على الموت و الحزن الباعث على الحياة


" أصداء مجاورة الموتى" زجليات التقنّع بالخطاب الصّوفي
بقلم : الشاعروالناقد المغربي احمد الشيخاوي



رحلة الى المشتهى
بقلم : حورية ايت ايزم
رحلة الى المشتهى


أنا، دون غيري.
بقلم : فضيلة زياية ( الخنساء).
                                        أنا، دون غيري.


البقاء للأصلع
بقلم : طه بونيني
البقاء للأصلع




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2019م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com