أصوات الشمال
الثلاثاء 7 صفر 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * الشدة المستنصرية   * اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى يفتتح موسمه الثقافي   * مقطع من روايتي" قلب الإسباني "   * فجيعة الوطن العربي الكبرى   * وليد عبد الحي: السلوك العربي أنتج منظومة فكرية غرائزية متكاملة   * في رحابِ الموعـــد..!   *  في عدمية النص الفلسفي الغربي و موضة الإتباع... إيميل سيوران نموذجا عابرا   * العدد (50) من مجلة "ذوات": "السوسيولوجيا العربية في زمن التحولات"   * 13 سنة تمر على رحيل الشاعرة و الروائية نجية عبير   * شاعرة حالمة ... قراءة في تجربة ريتا عودة الشعري    * أنا و الآخر   * الودّ المعرفي   * قصائد نثرية قصيرة   * لضَّاد و نزف الرَوح   * قصة قصيرة جدا / كابوس   * للحرية عيون مغمضة   * مَنْ يَكْبَحُ جِمَاحَ الْمُتنمِّرِينَ..؟! / وَمَنْ يَنْتَشِلُ الأسْتَاذَة..؟!   * عادل عبد المهدي   * استعجلت الرحيل   * بلا دبابة..فرنسا تحتل الجزائر؟؟    أرسل مشاركتك
فهل رحلت أمي ياترى.. ؟
بقلم : سعدي صبّاح
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 341 مرة ]

مازالت مباهجها تسكنني بأفراحها وزهوها، لذلك أحلم بربيع البحتري حين يضحك الرّوض، أعيش على ذكريات تردّدي على دشرتنا النائيّة كلّ مساء خميس، بعد معمعة التّدريس وإعداد المذكرات.. وطقطقة القرّيصات والخشّيبات.. وهرج البنين والبنات.. حين يدقّ الجرس وتنتهي السّاعات، مهمّتي في المدينة رسالة فيها نظر، أنا القرويّ الذي تشغله أسراب العصافير وقت السّحر.. وعطر السّنابل حين تتشرّب المطر، وحبّها سنونوّة تبني وكنتها بأضلعي، أتوق إليها في كلّ مساء حزين، فأشدّ الرّحال صوب مغناها

..منزل الطين والحجر.. الذي علّمني عادة الصّيد والسّفر.. وفي حضنها أقتل متاعب يومي.. أرمّض أشواك الشوارع والأزقّة.. وما عشعش فيها من ظنون أسوأ البشر، أشدّ الطّريق جذلانا، أعبر الفيافي وأمزّق أسراب السّراب المتراقصة.. فتتلاشى من حولي وتندثر، وأواصل معبّئا بالفاكهة والعطر والخضر، أشواق إلى بينبوع الحنان تسبق سيارتي.. (ترنّم الشّادي .. أمي تنادي )، بسرعة البرق أميل لمنبطحات منّاعة، في ظرف لا يتجاوز السّاعة، وحين أنثني صوبها ترتدي شالها وملحفتها لتلتحق بي.. وبنات النّبق تنهش نعلها المهلل.. الأرجواني وبُردة النوّار التلمساني، لا لشيء إلّا لتلتحق بي قبل أن أباغتها.. وهي في عراك مع النّعاج والدّجاج.. وشغفها الولوج إلى جانبي ولو لبضع الثواني.. لتصنع غبطتي ومسرّتي، تقبّلني والمسك يتضوّع من أنفاسها وملابسها، ولا تلبث أن تترجّل بمناكب البيت المتآكل.. والتي صيّرته قصرا منيفا.. بعطفها وحنانها وسعة صدرها.. وابتسامتها الحانية.. التي تلازم شفتيها، وتهرع كالسّحابة لربط عرّاد وسحابة خشية عليّ، ثم تلوي بي في عجالة وتفتح دار النّوالة على مصرعيها، ولفرحتها العارمة.. تنسى ما أتيتها به كعادتها إلى أن يندثر الديجور وينفلق القمر، وفي لمح البصر يكون إبريق القهوة البدويّة والرّغيف الأحرش بطبق الحلفاء المزركش، ولأنّها تعلم بشغفي بالقنص.. الحرفة التي علّمتني الصّبر والتّجلد والمشي وئيدا بين السّفوح والأودية، تفتح الصّندوق الخشبي الكبير، وتعطيني خراطيش ملأى بعين الجربوع.. الخاصة بالطّيور النّحسة كالنّعيج والڨلال، خراطيش محظورة لايظفر بها أحد من إخوتي ،كيف لا وأنا طفلها المدلّل.. الذي اختطفته من حجرها هاوية البشر.. وابتلعته لمآربها، تمدّني بالبندقية الروسيّة.. غير مبالية بأبي، أجوب العراقيب متسلّلا بين الرّوابي.. أصيد الكروان والقلال وطيور غريبة آتية من وراء التلال.. راضيا بنصيبي وما خبّأه القدر، ومع الغروب والشّمس ترسل أشعتها النورانية متمرّغة في حقول القمح، أعود مع القطيع.. ومخلاة تعجّ بطيور جبليّة وسهليّة على كتفي.. إنّها سعادة لا ترى حتّى في المنام.. ولا تنالها حتّى في جزيرة الأحلام، قصصها عن أبي زيد الهلالي لا تنضب.. لبن النّعجات وحليب العنزات، مسفوف بلحم الخروف وقليلا من الملفوف، وتلتقي العائلة على ضوء القمر ويحلى السّهر والسّمر، ومع إشراق شمس تضارع أمّي، والخطاطيف تعزف على الرّفوف لحن الوداع، أعود إلى زنزانة النّاس.. التي تركت ضوضائها وزعيق محرّكاتها في البريّة.. بين ڨطاة وكدريّة، وبقيت تردّد البلبل على شجرة الصّندل..أميّ، إنّما دوام الحال من المحال، وذات يوم والشتاء يتأهّب للرّحيل زفّت غاليّتي بأمر العلي مكرهة تاركة وراءها فراغا رهيبا، شيّعناها بموكب مهيب حضره كلّ الأحبة بالمدائن والقرى، لكنّني بعد أيّام لمّا كذّبت منيّتها، وأصبت بما يشبه الخبل، ولم أستوعب نومة اللحد وبيتها بباطن الأرض، أراها في يقظتي ومنامي.. هناك كعادتها تركض خلف السّخال.. تترقّبني.. تطارد كلبها الأبيض، زرت أمّ القرى ويثرب، دعوت لها دعاء الأحياء ولنفسي كي أنسى وأقلع وأصدّق فراقها.. وأصبر لقضاء الله، وهذا التّفكير الذي خلخلني وجنّنني، لكن دون جدوى، إلى أن شاع الخبر بأنّه يبحث عن غيرها بالشّموع.. ويصوّب الشمعدان إلى كلّ مكان، والعهدة على الرّاوي، ومازلت ناكرا غافلا.. ولم أصدّق.. أميّ في رحلة إلى أخوالها في الخربة.. تتخطّر بين العرائش والكروم، وتعود تحمل لي ما لذّ وطاب..كعادتها.. بما تجود به التربة الحمراء من شمال الظهرة.. البرقوق والتّين الهندي والأحمر أبو عمر، لا محالة ستعود بعد زمن وجيز.. وتترقّب كالماضي مالكها العزيز، هكذا أتحدّث في النّجوى، وذات صباح أربعاء مكفهر.. وفي سوق المواشي سمعته يروي لصاحبه عن عرس دشرتنا، فرُحت أتجسّس.. وليس من شيمتي، في همس وغرابة: لقد أتى بها من المدينة.. حسناء يافعة تتغنّج على حرائر القرى، تسلّلت من الڨيطون.. رافضا مكذّبا، إنه نعيق الغراب وتكهنات الأعراب!، لعنت الأبالسة، ورحت أترقّب المساء على الكانون، فتراءت لي قصيرة القامة.. بملامحها وسرّها.. تلوّح لي بعبروقها النّاصع البياض، وكأنّها تقول لي في همس: أشتاق لاحتضانك.. أنتظر قدومك حالا.. شقّ عليّ الصّبر.. اشتقت لمحيّاك الجميل برجاء تتباطأ.. لا تخف ..سأربط الكلاب من الآن وستجدني أخبّئ لك البارود والسّنطرا، فالقلب أدمى والمآقي أدمعت.. بلّل هناك وحلّق هنا !، فلبيّت النّداء متخبّطا بين الحقيقة والخيال.. أتمنى وجودها بأمل كبير وبطمع !، وتركت المدينة في حجر الأصيل.. تماشيني فرحتي، أطير وأضاعف السير، وانثنيت صوب مرابعها بسرعة لم أعهدها من قبل، خفضت السّرعة بين دروب الحصى والڨنادل.. أنتظر طلّتها ككلّ قدوم.. لكنّها سهت أو ربّما انشغلت هذه المرّة ولم تفعل، آه لعلّها ذهبت لعرس الجيران أو يمكن أنّها مريضة، سأسامحها وأحتضنها بلهفة غير التي سلفت، توقّفت مكتئبا.. جانب الزريبة، فحاصرتني الكلاب، آه.. فلا كلاب تربط.. ولا طيف يهبط، هرعت إلى الزّان واجفا مرتجفا، لجأت إلى عود اللبلاب ورحت أهشّ على الكلاب، وأطرق الباب الخارجي طرقا عنيفا، أدخلني إلى دار الضيوف على غير العادة.. مرحّبا ترحيب الحيارى.. وليس من شمائله، ومرّت بمناكبي تنظرني نظرة الرّيب والكراهية.. دون سابق معرفة، والكلاب تستمرّ في نباحها تصعد وتهبط من على الهربي.. وتترجم:غريب غريب! ،لا قهوة تعطّر المكان.. ولا رغيف زمان، لا خراطيش ولا بندقية، لا صندوق يفتح ولا حنّانة تفرح وتفصح، وما هي إلّا لحظات حتى صكّ الباب في وجهي، فأفقت وصدّقت رحيلها الأبدي، فغافلت الكلاب.. أبكي بحرقة وبكاء الكبير أشدّ البكاء، دلفت سيّارتي وغفلت الباب خشية واشق وريشة وسحاب، وعدت منكسرا.. تماشيني آهاتي.. أكفكف عبراتي المالحة، والأسطوانة بداخلي تردّد: وداعا وكر أمي، لقد ماتت حقيقة، وداعا أيها الكروان.. عش حراّ طليقا بين الزرع والماء.. لقد سافرت الحنّانة سفريّتها السّرمديّة.. وداعا يا شياهي ولتأكلك الذّئاب.. فأنت لست لي من الآن.. لقد ماتت من كانت تقول: هي لك، وداعا دار النوالة.. وداعا مهد طفولتي.. لقد رحلت حبيبتي.. وداعا أترابي وأبناء دشرتي، لقد تنكّر لي كلبي واشتهى فخذي، وطرقت أبواب مدينتي أقبّل جدرانها بعد الكراهية.. متحمّلا ضجيجها وزعيقها،كما لا أتحمّل النظرة الدونيّة، لأن والدتي رحمها الله غرست في نفسي شموخ النّخيل، ثمّ أعلنت سفريّتها للرّحيل ذات شتاء وتركتني أعيش الخريف إلى أن يناديني الرّحمان، وألتقي بها في حياة أخرى أحنى وأرحم وأهم !.
سعدي صبّاح

نشر في الموقع بتاريخ : السبت 1 ذو القعدة 1439هـ الموافق لـ : 2018-07-14



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

رابح بلطرش وحديث للاذعة الثقافية موعد للنقاش

موعد للنقاش الاعداد : رشيد صالحي

مواضيع سابقة
13 سنة تمر على رحيل الشاعرة و الروائية نجية عبير
بقلم : علجية عيش
13 سنة تمر على رحيل الشاعرة و الروائية نجية عبير


شاعرة حالمة ... قراءة في تجربة ريتا عودة الشعري
بقلم : شاكر فريد حسن
شاعرة حالمة ... قراءة في تجربة ريتا عودة الشعري


أنا و الآخر
بقلم : حفصة موساوي
أنا و الآخر


الودّ المعرفي
بقلم : د: ليلى لعوير
الودّ المعرفي


قصائد نثرية قصيرة
الشاعر : محمود غانمي سيدي بوزيد - تونس
قصائد نثرية قصيرة


لضَّاد و نزف الرَوح
بقلم : فضيلة معيرش
لضَّاد و نزف الرَوح


قصة قصيرة جدا / كابوس
بقلم : بختي ضيف الله المعتزبالله
قصة قصيرة جدا / كابوس


للحرية عيون مغمضة
بقلم : د. محمد سعيد المخلافي
للحرية عيون مغمضة


مَنْ يَكْبَحُ جِمَاحَ الْمُتنمِّرِينَ..؟! / وَمَنْ يَنْتَشِلُ الأسْتَاذَة..؟!
بقلم : حمد الصغير داسه
مَنْ يَكْبَحُ جِمَاحَ الْمُتنمِّرِينَ..؟! / وَمَنْ يَنْتَشِلُ الأسْتَاذَة..؟!


عادل عبد المهدي
بقلم : علاء الأديب
عادل عبد المهدي




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com