أصوات الشمال
الأحد 9 ربيع الثاني 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * حوار خاص مع الشاعرة الفلسطينية هيام مصطفى قبلان   * النخبة تسترجع الأيام الذهبية لإتحاد الكتاب الجزائريين في ذكرى رحيل الأديب مصطفى نطور    * في الثقافة الجزائرية في القرن العشرين   * مثل الروح لا تُرى   * اليلة   * في وداع المربية المرحومة أميرة قرمان - حصري    * سطوة العشق في اغتيال الورد   * ما يمكن لرواية أن تفعله بك   * اتحاد كتاب بسكرة يوقّع: لقاء ثقافي مع النّاقد والدّبلوماسي إبراهيم رمّاني   * الدّراسات الثّقافية ..والنّقد الثّقافي بين..مالك بن نبي والغذّامي..   * فلسطينيون: لا نريد شيئا سوى أن نحظى بفرصة العيش في سلام   * ملامح من ديوان مزيدا من الحب للشاعر عبد العلي مزغيش   *  احتفاءٌ بعالم...مآثرٌ تُنشر، ومفاخرٌ تُذكر   * عنترة العبسي   * جامعة باتنة تـحتـــفي بالشاعر عثمان لوصيف في ندوة علمية متميزة   * مثقفون يناقشون أزمة تسويق الكتاب في الجزائر و آفاقه   * مغفرة   * اختتام مهرجان المسرح الفكاهي بالمدية...تابلاط تفتك جائزة العنقود الذهبي    * رحيل القاصة العراقية ديزي الأمير بعيدا عن بلدها الذي تحبّ   * المسابقة الوطنية للرواية القصيرة    أرسل مشاركتك
عودة النوارس
بقلم : زهرة عز
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 388 مرة ]
الكاتبة زهرة عز

تمدّد المجذوب فوق الرمال الذهبية يستمتع بحضن الشاطئ المهجور ودفء الشمس، غير بعيد كانت النوارس تلاعب البحر بشقاوة. تقفز بمرح وهي تلهو مع موجه العنيد، تغافله تقبّله بشغف تم تختطف من فمه سمكه اللذيذ. كانت تصدر أصواتا مرحة محلقة في تناغم بديع مع صوت الريح وهدير الموج، وهي تعزف سمفونية الحرية على إيقاع دقات قلب المجذوب. تتبع حركاتها الجميلة ودورانها فبدت له كعرائس من الصفاء ترفل في فساتين بيضاء محلقة في فضاء لا منتهي من السعادة. عرس بهيج كان هو احتفال النوارس بعودتها لوكرها الأول وشاطئها الحبيب بعد رحلة طويلة وآلام وعذاب. اقترب نورس منه وبعيونه التي اختزلت عمق أوجاعه حكى له عن ألمه، كم كنس من شطآن غريبة وهام على مرافئ صيادين كثر.
نزل من علياء السماء ليقتات على بقايا أسماك وفضلات يرمي بها في الشط. ظل حبيس الفتات والفضلات حتى قرر وسربه أن يستعيد كرامته ويحلق بعيدا وأعلى ويعود الى حضن شاطئه وموطنه. استرجع كرامته المسلوبة وحريته. ضمد الملح جراح أجنحته وأذاب كل الأوجاع بعمق عينيه. همس له المجذوب بحنان: "حضن الوطن أبوي ، يغفر زلات أبنائه، يداوي جراحهم ويلملم شظاياهم، قد يقسو عليهم أحيانا، لكنه دائما في انتظار عودتهم ولو بعد حين."
وبين البوح والشجن، اشتاق المجذوب لمدينته اشتياق النورس لموطنه، حتى دمعت عيناه شوقا. فكر بدفء، قد أنهى مهمته وعليه بالرجوع. وقف مودعا سرب النوارس وملكة النمل الأبيض ونيسته التي كانت شاهدة على حديثه، وهي تتفقد رعيتها بين اللوح وجذع الشجر.
بالجهة الأخرى هناك بالمدينة النائمة، كان السكان يتلّمسون طريقهم وسط العتمة بعدما توقّفت الديكة عن الصياح منذ أشهر مضت، فمنذ سكنت الغيوم سماء مدينتهم توارت الشمس، أصبح نهارهم مثل لٓيلهم يسبح في السواد، ويعجّ بخفافيش الظلام، حتى نعيق الغربان استأنسوا به بعدما طار الحمام وهجرت البلابل المكان بحثا عن الشمس، وككلّ يوم يتجمعون بساحة المدينة يفكّرون في المعضلة. يضربون أخماسا في أسداس، هل حلت بهم لعنة من السماء؟
صرخ أحد الرجال غيظا: " إنه المجذوب، غادرنا وأخذ معه الشمس، علينا بالبحث عنه وإحضاره، هو الوحيد من يملك الحقيقة، قد تتبدّد الغيوم، تختفي اللعنة، يزهر الورد من جديد وتحيى حقولنا وترفرف الفراشات .
علا الهرج والمرج. اشتد الخلاف حول الأسباب والعلل، وكل واحد يحمّل الآخر وزر اللعنة ولسان حاله يقول:" الجحيم هو أنت ". كان الجو مشحونا يندر باقتتال وشيك يقضي على آخر ذرة من إنسانيتهم عندما سمعوا صوت عصا تهز الأرض بصوت غريب وحفيف خطى يقترب منهم .
- إنه المجذوب عاد بعد شهور من الغياب.
سكت الجميع وكأن على رؤوسهم الطير. اقترب المجذوب أكثر وقد بدا لهم أطول قامة، ولحيته البيضاء تشع نورا أضاء الساحة. همس أحدهم بأذن الراقصة الفاتنة "ألم أقل لك أن الشمس بجبّته، وقد سرقها من سمائنا. أفسحوا له الطريق، وكان عبق الياسمين والمسك يسبقه ويغمر المكان، رائحة أنعشت الحاضرين بعد حرمان، بعدما غادرت كل العطور الأزهار وهرب المسك من قرون الغزلان.
-تسألون عن الحقيقة؟ وها هي ذي أمامكم عارية بدون حجاب أو ستار، هل تعلمون أنه لا يمكنكم طمسها مهما حاولتم بتأويلاتكم، غادرتكم الابتسامة والشمس عندما أوصدتم قلوبكم، اطفأتم مصابيحها فأضاعت نورها وأضحت كل سراديب وعيكم وإدراككم مظلمة، وبانعدام بصيرتكم انعدمت لديكم الرؤية وغابت عنكم الحقيقة، ها هي الشمس في كبد السماء بينكم وبينها ستار أنانيتكم، لقد غصتم في أنفسكم حدّ الضياع، انغمستم بعشق المادة حتى أصبحتم عبيدا لها، ما أقساه من سجن، خارجه غواية وإغراء، وباطنه وهم السلطة والمتع، بينما تدقون كل يوم مسمارا بنعش هشاشتكم حتى الإختناق.
إن الغرق هناك في الشفق القريب من النهاية قريب يتربّص بكم. ينتظر سقوط قلوبكم المظلمة الى عمق الهاوية. الطوفان قادم لا محالة إذا لم تطلقوا عنان بصيرتكم وتحرروها من الأسر. افتحوا قلوبكم وانفذوا إلى الحقيقة وكنه الأمور. الخطر قادم يمتطي صهوة كراهيتكم لبعضكم البعض ويمسك بلجام الحقد. حرروا الفرس ليتحرر الفارس ويبتعد، لا مناص لكم من الحب لتعود الشمس من جديد.
-لن نتركك أيها المجذوب حتى تعيد لنا ما سرقته منا.
-أرى وجوها مكفهرة وقد اختفت ابتسامة صغيركم قبل كبيركم، لا مكان لي بمدينتكم الجاهلة، ومن أراد الخلاص ليرافقني إلى مدينتي الفاضلة. لقد أمضيت شهورا أرمّم سفينة لفظتها أمواج البحر المهجور، وأهدتني الأمل في إنقاذ قلوبكم.
تقدّم المجذوب الجمع، وبخطى ثابتة قادهم إلى الشط هناك خارج مدينتهم، حيث النوارس البيضاء ورمال عذراء.
- اغتسلوا بالموجة السابعة، قد تذيب ملوحة البحر كل الشوائب العالقة بعقولكم، وتبدّد كل الأوهام وتدك الأسوار التي تحتجز قلوبكم. مرحى بالأرواح عندما تستنشق عبير الحرية. تطهروا من ذنوبكم واصعدوا للسفينة وقد ولدتم من جديد، صاح المجذوب بسعادة وهو يقف على عتبة السفينة.
تدافع بعدها الضائعون بأقدام مبلولة لداخل السفينة يحذوهم أمل الخلاص.
-أنت ربان السفينة وقد سلمناك زمام الأمور، مادامت السعادة هناك تنتظرنا بمدينتك الفاضلة. حدثنا عنها أيها المجذوب، صاح الجميع بصوت واحد.
-سنبني مدينتنا الفاضلة، أساسها الحب وعمادها النور، لا تغيب عنها الشمس أبدا. سنكون سلسلة متماسكة، وبالتعاون والمحبة والعمل تستعيدون ابتسامتكم وأنتم تشتركون السعادة والخير وكل النور. لن تحزنوا أبدا وخزان السعادة والحب بعمقكم لن ينضب، اذا نقص أمددناه جميعا بفيض من السعادات حتى الإشباع والاكتمال.
غفا المجذوب قليلا مبتسما على حلم مدينته وهو يمسك بدفة السفينة ويعبر بها عباب البحر الذي هدأ فجأة فاتحا له حضنه بسلام، وبزاوية تجمع شرذمة من الناس أحسوا بالضجر والقنوط يناقشون بهمس مآل حياتهم ومستقبلهم:
- كيف لنا أن نأمّن لمجذوب يكلم النجم والطير، ونسلّمه رقابنا؟ جنونه يرعبنا، ومعرفته للحقيقة، ستكبّل أفعالنا وتخرس أصواتنا.كيف لنا أن نقبل أن نكون كأيها الناس؟ نشقى من أجلهم ونقاسمهم سعادتنا؟؟
أزاحت الراقصة ثوبها الفضفاض وأبانت عن جسم من عاج، وقفت وتمايلت بغنج أذهب العقول المحدقة بها باشتهاء.
- ها هي الراقصة اللعوب تعود من جديد توزع نظراتها القاتلة وحركاتها المغرية التي افتتنا بها جميعا وكانت غوايتها مدخلا لذنوبنا.
-ما العمل يا ترى، ولا حياة بدونها، هي الطّعم والطُعم اللذيذ؟
-لنرمي بالمجذوب والتابعين له للبحر ونتسلم قيادة السفينة، وجهتنا جزيرة الكنز. سنتقاسم الغواية والثروات ونعيش كما يطيب لنا، ولن نعدم عمالا وفلاحين يخدموننا ويزرعون أرضنا. سينصاعون لأمرنا مادام الكنز بحوزتنا والغانية والسوط رهن اشارتنا، وسنتحايل على الشمس حتى لا تغيب من سمائنا.
قفز المجذوب من حلمه فزعا. كابوس في انتظاره. وجد نفسه بقبو السفينة مع مجموعة من مريديه، وعلى ظهرها أمسك الربان الجديد بدفة السفينة يبتسم بمكر ورأس الغانية يحط على كتفه بدلال بينما وقف غراب أسود على كتفه الثانية معلنا انتصار القراصنة، وبإشارة منه، أحضرت المجموعة المجذوب وحاشيته ورمت بهم للبحر الغاضب الذي ثار هائجا. كان يصفع السفينة بقسوة أمواجه حتى سمع صرير أخشابها يعلو كنفير يوم القيامة. رفع المجذوب عصاه للسماء بدموع حارقة، وصبر كبير صرخ بأعلى صوته وهو يترحم على جلال الدين الرومي :
"هكذا أود أن أموت،
في العشق الذي أكنه لك،
كقطع سحب تذوب في ضوء الشمس، بينما ردد الآخرون بخشوع:
"يحبك قلبي ما حييت فإن أمت،
يحبك عظم في التراب رميم .."
هدأت كل القلوب الممتلئة بالحب وتبدد الفزع والخوف من المجهول. وضرب المجذوب بعصاه الموج الغاضب، فإذا بالبحر يسكن وينشق، وفِي عرضه ظهرت أرض ثابتة. هلل الناجون بفرح وهم يعبرون اليابسة الى مدينتهم الفاضلة الخضراء بينما ابتعدت السفينة في عرض البحر تتبعها أسراب نوارس لاحت لها جثث في الأفق، هناك أرواح تحتضر، وكانت مستعمرة النمل الأبيض قد استيقظت من سباتها، بعدما نُقِضت معاهدة السلام والأمان ، وبدأت في نخر ألواح السفينة وطوق النجاة والكراسي وكل القلوب الخشبية، والعقول المتخشبة، وبتلذذ بدأت بالتهام السيليلوز، غذاءها الدسم.

نشر في الموقع بتاريخ : الجمعة 10 رمضان 1439هـ الموافق لـ : 2018-05-25



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

أخبار سريعة

مواعيد ثقافية " رؤى "

برنامج " رؤى " مع الاعلامية غنية سيد عثمان

اصوات الشمال
مواضيع سابقة
ما يمكن لرواية أن تفعله بك
بقلم : جميلة طلباوي
ما يمكن لرواية أن تفعله بك


اتحاد كتاب بسكرة يوقّع: لقاء ثقافي مع النّاقد والدّبلوماسي إبراهيم رمّاني
بقلم : عبد الله لالي
اتحاد كتاب بسكرة يوقّع: لقاء ثقافي مع النّاقد والدّبلوماسي إبراهيم رمّاني


الدّراسات الثّقافية ..والنّقد الثّقافي بين..مالك بن نبي والغذّامي..
بقلم : محمد جلول معروف
الدّراسات الثّقافية ..والنّقد الثّقافي بين..مالك بن نبي والغذّامي..


فلسطينيون: لا نريد شيئا سوى أن نحظى بفرصة العيش في سلام
بقلم : علجية عيش
فلسطينيون: لا نريد شيئا سوى أن نحظى بفرصة العيش في سلام


ملامح من ديوان مزيدا من الحب للشاعر عبد العلي مزغيش
الدكتور : وليد بوعديلة
ملامح من ديوان مزيدا من الحب للشاعر عبد العلي مزغيش


احتفاءٌ بعالم...مآثرٌ تُنشر، ومفاخرٌ تُذكر
بقلم : محمد بسكر
 احتفاءٌ بعالم...مآثرٌ تُنشر، ومفاخرٌ تُذكر


عنترة العبسي
بقلم : رشيدة بوخشة
عنترة العبسي


جامعة باتنة تـحتـــفي بالشاعر عثمان لوصيف في ندوة علمية متميزة
بقلم : محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة
جامعة باتنة تـحتـــفي بالشاعر عثمان لوصيف  في ندوة علمية متميزة


مثقفون يناقشون أزمة تسويق الكتاب في الجزائر و آفاقه
بقلم : علجية عيش
مثقفون يناقشون أزمة تسويق الكتاب في الجزائر و آفاقه


مغفرة
بقلم : هيام مصطفى قبلان
مغفرة




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com