أصوات الشمال
الخميس 10 محرم 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * فرعون وقصة ميلاده الالهي   * .ا لـــــــذي أسـعد القـلب..   * الشاعرتان اللبنانية نور جعفر حيدر والعراقية مسار الياسري تفوزان بجائزة سعيد فياض للإبداع الشعري للعام 2018*   *  كلمة عزاء لتيارات التنوير العربي المزيف و سرابها و حلمها في إبعاد القيم عن معيوشنا    * الأستاذ الدكتور موسى لقبال ... أستاذ الأساتذة و شيخ مؤرخي الجزائر في التاريخ الإسلامي   * ما الأدب؟ سؤال سريع ومختصر وخطير..   * أحاديث سامي وسمير 2: رائحة التفّاح   * ندوة وطنية حول فكر و نضال العقيد محمد الصالح يحياوي   * بين كفّين.!   * أدباء منسيون من بلادي / الشاعر زامل سعيد فتاح    *  صابرحجازي يحاور الشاعرة والناشطة اليمنية مليحة الأسعدي   * المفارقة في الرواية الجزائرية دراسة تطبيقية للباحث الدكتور شريف عبيدي   *  لماذا يضحك "هذان"؟؟؟   * التشكّل المرآوي و تمثلات الانعكاس في أعمال أنيش كابور   * أحاديث سامي وسمير (1): ضمير "الكلونديستان" مرتاح!   * "العَيْشُ معًا في سَلاَمٍ"..الطّرِيقُ نحو "المُوَاطَنَة" الحَقِيقِيَّة   * خيالات ذابلة   * الـــــنـــــقـــد وتـحلـــيــــل الـخطاب وقضايا نظـرية الأدب   * مجروحة القلب انا اليوم   * ثلاثية حصن الحصين ودليل الخيرات وآية الكرسي    أرسل مشاركتك
ختّان الكلاب
بقلم : سعدي صبّاح
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 649 مرة ]

بعد كدّ وجدّ واجتهاد، تخرّج بتقدير جيّد جدّا، أبَّ إلى مرابعه والحبور يطير به صوب مضارب صباه ومهد طفولته، مكث لأيّام في كنف من ترمّلت بقدرة قادر ذات فجيعة، ليجتثّ عناء المدرّجات والمحاضرات، ويخطّط لحياة أرغد.. غير التي سلفت، يتأهّب للبحث عن عمل بسيط، يتّخذه درعا لضواري حطّمت جيلا ساهم الكلّ في قتل الجسارة بداخله وانحرافه.. ويحفظ به كرامة من نجّدت البيوت والرّدهات، ونظّفت الأفرشة والأغطية والخردوات كشغّالة، إهانة تطارده كاللعنة، وغصّة تصعد في كلّ هنيهة إلى حلقه!، غايته دحر غول البطالة الذي زجّ بلداته في سجن التّدخين والكوكايين، وبما يشبه التطفّل والمسكنة طرق أبواب مديريّة التربيّة.. والحماية المدنيّة والثّكنة العسكريّة.. وأخيرا البلديّة، وتلك كانت آخر الورقة، وككلّ مرّة تصكّ

الأبواب في وجهه، سعى بذلّ حتّى ذلّ.. إلى أن أوشكت تيجان الأمل أن تذوى بداخله، لتحلّ محلّها طحالب الخيبة والفشل والخمول ككلّ أترابه، خرج إلى الضّاحية واتّخذ من الخلوة رفيقا، سرحت عيناه هناك على مدّ البصر وراح يتأمّل المنبطحات والمنعطفات، وأسراب الشّحارير والزّرازيـر تكلّل الفلاة، تنعشه النّسمات، تذيب ثلج الإحباطات والانكسارات والخيبات الجاثمة على صدره حد المنيّة، تذكرّ قول المصطفى (ليرزقكم الله كما يرزق الطّير) فتنفّس الصّعداء، تذكّر كلّ شيء مرّ به في حياته.. من الرّيعان والعنفوان إلى الآن، إلاّ شهادته المُزبرجة بأوراق الخريف التي خذلته وخيّبت ظنّه رغم قيمتها وتزكيتها من قبل المشرفين ساعة التّخرّج.. والزّغاريد التي خرجت مدوّية تزلزل القاعة من قبل الطّالبات والأمهات اللواتي حضرن، دنق إلى الأديم ثمّ إلى الفضاء الرّحب، استبدّت به الآهات، تذكّر بعض أترابه الذين ابتلعتهم المياه المالحة، وعبثت بجثثهم الأمواج المتلاطمة من أجل رغيف حنظل الغربة والموت، في وطن الخيرات والثّروات، فكّر مليّـا، وفي حديث النّجوى عثر على حرفة حرّة تنقذه شرّ التيه والانحلال الذي يترتّب عن الرّتابة والفراغ، فعادت إليه الرّوح وتهلّل وجهه فعقد العزم مصرّا على فتح عيادة لختانة الكلاب! فاستعار محلاّ وثبّت قطعة حديديّة صدئة.. وكتب عليها بالخط العربي وبالأحمر القاني (ختّان الكلاب ) وثبّتها من على الباب وتقرفص بمناكب عيادته البائسة، وأخذ يترقّب زبائن الوهم الذين صنعهم بخياله الجامح وتفكيره الغريب..صابرا متجلّدا، وبدأ الفضوليون يسخرون منه ،وكلّ من يقرأ (ختّان الكلاب) يضحك حد القهقهة: شفاه الله وعفانا، ويغمغم آخر من صنف البلهاء: ختّان الكلاب.. فسكان مدينتنا لا يملكون كلابا أصلا، فالكلاب الألمانيّة لا تملكها إلاّ الطّبقة البرجوازيّـة، ونحن جلّنا من الكادحين المهزومين، وتمتم متشدَق من السّفاسف: حتى وإن كان لدينا كلاب ..فكيف نختّنها ولماذا ؟،وإذا فكّرنا في ختانها سنكون من ضمن المعتوهين والمجانين مثله، وأصبحت عيادته المهجورة تهكّما به واستخفافا وسخرية، هذا يصفه بالمجنون وذاك بختّان الكلاب، ولا من رقّ لحاله ولجّم لسانه رأفة به ،ووقف عند حقيقته، إلا من رئيس عيادة جواريّة طاعنة، كان طبيبا في المصحّة النفسيّة ببلكـور، قد جعل نفسه مكان ذلك الشاب المثقّف الذي لجأ لختانة الكلاب مُكرها أو لحاجة في نفسه، فصار يعذره سرا وجهرا ويدافع عنه ويعذر ولا يلوم، وحين لاح صبح جديد وأشرقت غزالة مخضّبة بالحنّاء، تنادي ذلك الشاب لفتح عيادته وينتظر ككلّ إشراق زبائن السّراب كعادته، وخلسة باغته صاحب العيادة الجواريّة.. ذلك الذي قرأ الكتاب الكبير وأفنى العمر مع المرضى والمخبولين واكتسب خبرة منقطعة النّظير، ليكتشف سر (ختان الكلاب ) وانعطف به إلى زاوية هناك، وهو يرى بعض الشفرات والإبر والدّواء الأحمر والضمّادات وبدأ يحدّثه حديث النفسانيين العارفين حتّى استدرجه ووقف على السّر في اختيار هذه الحرفة التي استنكرتها المدينة، وتيقّن من أبعاده ومقاصده ونيّاته، وخلال المحادثة العميقة.. أيقن بأنّه في كامل قواه العقليّة وصحّـته النّفسية والعصبيّة من خلال حديثه.. الذي ينمّ عن فكره وبعد نظره، وله ثقافة عالية في مجاله وخارجه، فشكره مربّتا على كتفه، ثم أمره بجمع الوثائق ليوظّفه ككاتب في الجواريّة ومساعد له، فوثب وثبة الفهد، وأتى له بكل الوثائق بما في ذلك شهادته الجامعيّة، وباشر عمله حازما منتشيّا.. وبثقافته التي تحوّلت إلى معارف وسلوكات، تحسّنت خدمات العيادة وبفضل تفانيه في خدمة المرضى ورأفته بهم وحبّه لهم.. وصدقه في العمل ارتقى في وظيفته وبرهن للمستهزئين الشّامتين والمزدرين وكلّ من اتهمه بالانهيار ورماه بحرفة الخزي والعار.. بأنّ تفكيره كان سليما، وختانة الكلاب ما هي إلاّ وسيلة للفت الانتباه إلى أن يصل إلى مبتغاه، وقد وصل ونال وظيفة تليق به وتمنحه حصانة الحرڨة والحبّة الزرقاء! وفيها الجانب الإنساني خلاف الرّاتب المقبول.. الذي بها سيكون رجلا مهمّا تفتخر بيه المدينة.. وهذا بفضل بصيرته الصّائبة وعقله الرّاجح وثقافته التي تجعله دائما في حالة الرّفض للصوص الذين يزرعون الرّعب بخناجرهم في أوساط الغرباء بين المحطّات والطّرقات .
الكاتب سعدي صبّاح

نشر في الموقع بتاريخ : الجمعة 21 جمادى الثاني 1439هـ الموافق لـ : 2018-03-09



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

رابح بلطرش وحديث للاذعة الثقافية موعد للنقاش

موعد للنقاش الاعداد : رشيد صالحي

مواضيع سابقة
بين كفّين.!
بقلم : وليد جاسم الزبيدي
بين كفّين.!


أدباء منسيون من بلادي / الشاعر زامل سعيد فتاح
بقلم : علاء الأديب
أدباء منسيون من بلادي /  الشاعر زامل سعيد فتاح


صابرحجازي يحاور الشاعرة والناشطة اليمنية مليحة الأسعدي
حاورها : الاديب المصري صابر حجازي
 صابرحجازي يحاور الشاعرة والناشطة اليمنية مليحة الأسعدي


المفارقة في الرواية الجزائرية دراسة تطبيقية للباحث الدكتور شريف عبيدي
موضوع : الأديبة نجاة مزهود
المفارقة في الرواية الجزائرية  دراسة تطبيقية للباحث الدكتور شريف عبيدي


لماذا يضحك "هذان"؟؟؟
بقلم : فضيلة زياية ( الخنساء)
                                          لماذا يضحك


التشكّل المرآوي و تمثلات الانعكاس في أعمال أنيش كابور
بقلم : نورالدين بنعمر
التشكّل المرآوي و تمثلات الانعكاس  في أعمال أنيش كابور


أحاديث سامي وسمير (1): ضمير "الكلونديستان" مرتاح!
بقلم : الكاتب طه بونيني
أحاديث سامي وسمير (1): ضمير


"العَيْشُ معًا في سَلاَمٍ"..الطّرِيقُ نحو "المُوَاطَنَة" الحَقِيقِيَّة
بقلم : علجية عيش كاتبة صحافية



خيالات ذابلة
بقلم : أ/عبد القادر صيد
خيالات ذابلة


الـــــنـــــقـــد وتـحلـــيــــل الـخطاب وقضايا نظـرية الأدب
الدكتور : محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة
الـــــنـــــقـــد وتـحلـــيــــل الـخطاب وقضايا نظـرية الأدب




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com