أصوات الشمال
الجمعة 4 شعبان 1439هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  *  مشاهد قبيل الشهادة...عفوًا أيّها الشهداء   * وداعـــــا يا حـــــراس الجـــــزائر : تــعـــــــــــــزية تحطم الطائرة العسكرية ببوفاريك   *  عودة الجدل حول قضية "إمامة المرأة" !! توظيف غربي لإلهائنا عن قضايانا المصيرية    * حوار مع الكاتب والشاعر والاعلامي صابر حجازي اجرته ابتسام حياصات   * زنابق الحكاية الحزينة ...   * حفريات دلالية في كتاب " الفلسفة و البلاغة .. مقاربة حجاجية للخطاب الفلسفي " لــدكتور عمارة ناصر   * سرمدي   * اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى يحييّ ذكرى يوم العلم   * المقامرة الباسكالیة   * قصائد للوطن(قصيرة)   *  لعيادة "سيغموند فرويد".   * دقائق قبل الفراق.... هكذا يفعل أبناء الجزائر   * اللسانيات وصلتها بتحليل الخطاب   * آخر ما قيل في طائرة الموت   * وَفِي الْغَايَةِ.. قارُورَاتُ خَضْرَاء...!!   * عُبــــــــــــور   * تاريخ و تراث شلالة العذاورة في ملتقي وطني   * البحر والعرب في التاريخ والأدب    * البركان قادم وانتظروه   * اتّحاد البصريّ والذّهنيّ في تجسيد الجمال الإنسانيّ / قراءة في لوحة "القبلة" لغوستاف كليمت    أرسل مشاركتك
ختّان الكلاب
بقلم : سعدي صبّاح
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 362 مرة ]

بعد كدّ وجدّ واجتهاد، تخرّج بتقدير جيّد جدّا، أبَّ إلى مرابعه والحبور يطير به صوب مضارب صباه ومهد طفولته، مكث لأيّام في كنف من ترمّلت بقدرة قادر ذات فجيعة، ليجتثّ عناء المدرّجات والمحاضرات، ويخطّط لحياة أرغد.. غير التي سلفت، يتأهّب للبحث عن عمل بسيط، يتّخذه درعا لضواري حطّمت جيلا ساهم الكلّ في قتل الجسارة بداخله وانحرافه.. ويحفظ به كرامة من نجّدت البيوت والرّدهات، ونظّفت الأفرشة والأغطية والخردوات كشغّالة، إهانة تطارده كاللعنة، وغصّة تصعد في كلّ هنيهة إلى حلقه!، غايته دحر غول البطالة الذي زجّ بلداته في سجن التّدخين والكوكايين، وبما يشبه التطفّل والمسكنة طرق أبواب مديريّة التربيّة.. والحماية المدنيّة والثّكنة العسكريّة.. وأخيرا البلديّة، وتلك كانت آخر الورقة، وككلّ مرّة تصكّ

الأبواب في وجهه، سعى بذلّ حتّى ذلّ.. إلى أن أوشكت تيجان الأمل أن تذوى بداخله، لتحلّ محلّها طحالب الخيبة والفشل والخمول ككلّ أترابه، خرج إلى الضّاحية واتّخذ من الخلوة رفيقا، سرحت عيناه هناك على مدّ البصر وراح يتأمّل المنبطحات والمنعطفات، وأسراب الشّحارير والزّرازيـر تكلّل الفلاة، تنعشه النّسمات، تذيب ثلج الإحباطات والانكسارات والخيبات الجاثمة على صدره حد المنيّة، تذكرّ قول المصطفى (ليرزقكم الله كما يرزق الطّير) فتنفّس الصّعداء، تذكّر كلّ شيء مرّ به في حياته.. من الرّيعان والعنفوان إلى الآن، إلاّ شهادته المُزبرجة بأوراق الخريف التي خذلته وخيّبت ظنّه رغم قيمتها وتزكيتها من قبل المشرفين ساعة التّخرّج.. والزّغاريد التي خرجت مدوّية تزلزل القاعة من قبل الطّالبات والأمهات اللواتي حضرن، دنق إلى الأديم ثمّ إلى الفضاء الرّحب، استبدّت به الآهات، تذكّر بعض أترابه الذين ابتلعتهم المياه المالحة، وعبثت بجثثهم الأمواج المتلاطمة من أجل رغيف حنظل الغربة والموت، في وطن الخيرات والثّروات، فكّر مليّـا، وفي حديث النّجوى عثر على حرفة حرّة تنقذه شرّ التيه والانحلال الذي يترتّب عن الرّتابة والفراغ، فعادت إليه الرّوح وتهلّل وجهه فعقد العزم مصرّا على فتح عيادة لختانة الكلاب! فاستعار محلاّ وثبّت قطعة حديديّة صدئة.. وكتب عليها بالخط العربي وبالأحمر القاني (ختّان الكلاب ) وثبّتها من على الباب وتقرفص بمناكب عيادته البائسة، وأخذ يترقّب زبائن الوهم الذين صنعهم بخياله الجامح وتفكيره الغريب..صابرا متجلّدا، وبدأ الفضوليون يسخرون منه ،وكلّ من يقرأ (ختّان الكلاب) يضحك حد القهقهة: شفاه الله وعفانا، ويغمغم آخر من صنف البلهاء: ختّان الكلاب.. فسكان مدينتنا لا يملكون كلابا أصلا، فالكلاب الألمانيّة لا تملكها إلاّ الطّبقة البرجوازيّـة، ونحن جلّنا من الكادحين المهزومين، وتمتم متشدَق من السّفاسف: حتى وإن كان لدينا كلاب ..فكيف نختّنها ولماذا ؟،وإذا فكّرنا في ختانها سنكون من ضمن المعتوهين والمجانين مثله، وأصبحت عيادته المهجورة تهكّما به واستخفافا وسخرية، هذا يصفه بالمجنون وذاك بختّان الكلاب، ولا من رقّ لحاله ولجّم لسانه رأفة به ،ووقف عند حقيقته، إلا من رئيس عيادة جواريّة طاعنة، كان طبيبا في المصحّة النفسيّة ببلكـور، قد جعل نفسه مكان ذلك الشاب المثقّف الذي لجأ لختانة الكلاب مُكرها أو لحاجة في نفسه، فصار يعذره سرا وجهرا ويدافع عنه ويعذر ولا يلوم، وحين لاح صبح جديد وأشرقت غزالة مخضّبة بالحنّاء، تنادي ذلك الشاب لفتح عيادته وينتظر ككلّ إشراق زبائن السّراب كعادته، وخلسة باغته صاحب العيادة الجواريّة.. ذلك الذي قرأ الكتاب الكبير وأفنى العمر مع المرضى والمخبولين واكتسب خبرة منقطعة النّظير، ليكتشف سر (ختان الكلاب ) وانعطف به إلى زاوية هناك، وهو يرى بعض الشفرات والإبر والدّواء الأحمر والضمّادات وبدأ يحدّثه حديث النفسانيين العارفين حتّى استدرجه ووقف على السّر في اختيار هذه الحرفة التي استنكرتها المدينة، وتيقّن من أبعاده ومقاصده ونيّاته، وخلال المحادثة العميقة.. أيقن بأنّه في كامل قواه العقليّة وصحّـته النّفسية والعصبيّة من خلال حديثه.. الذي ينمّ عن فكره وبعد نظره، وله ثقافة عالية في مجاله وخارجه، فشكره مربّتا على كتفه، ثم أمره بجمع الوثائق ليوظّفه ككاتب في الجواريّة ومساعد له، فوثب وثبة الفهد، وأتى له بكل الوثائق بما في ذلك شهادته الجامعيّة، وباشر عمله حازما منتشيّا.. وبثقافته التي تحوّلت إلى معارف وسلوكات، تحسّنت خدمات العيادة وبفضل تفانيه في خدمة المرضى ورأفته بهم وحبّه لهم.. وصدقه في العمل ارتقى في وظيفته وبرهن للمستهزئين الشّامتين والمزدرين وكلّ من اتهمه بالانهيار ورماه بحرفة الخزي والعار.. بأنّ تفكيره كان سليما، وختانة الكلاب ما هي إلاّ وسيلة للفت الانتباه إلى أن يصل إلى مبتغاه، وقد وصل ونال وظيفة تليق به وتمنحه حصانة الحرڨة والحبّة الزرقاء! وفيها الجانب الإنساني خلاف الرّاتب المقبول.. الذي بها سيكون رجلا مهمّا تفتخر بيه المدينة.. وهذا بفضل بصيرته الصّائبة وعقله الرّاجح وثقافته التي تجعله دائما في حالة الرّفض للصوص الذين يزرعون الرّعب بخناجرهم في أوساط الغرباء بين المحطّات والطّرقات .
الكاتب سعدي صبّاح

نشر في الموقع بتاريخ : الجمعة 21 جمادى الثاني 1439هـ الموافق لـ : 2018-03-09



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

رابح بلطرش وحديث للاذعة الثقافية موعد للنقاش

موعد للنقاش الاعداد : رشيد صالحي

مواضيع سابقة
المقامرة الباسكالیة
بقلم : نبيل عودة
المقامرة الباسكالیة


قصائد للوطن(قصيرة)
الشاعر : حسين عبروس
قصائد للوطن(قصيرة)


لعيادة "سيغموند فرويد".
بقلم : فضيلة زياية ( الخنساء).
                                                          لعيادة


دقائق قبل الفراق.... هكذا يفعل أبناء الجزائر
بقلم : عيسى دهنون
دقائق قبل الفراق.... هكذا يفعل أبناء الجزائر


اللسانيات وصلتها بتحليل الخطاب
الدكتور : محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة
اللسانيات وصلتها بتحليل الخطاب


آخر ما قيل في طائرة الموت
شعر : بغداد سايح
آخر ما قيل في طائرة الموت


وَفِي الْغَايَةِ.. قارُورَاتُ خَضْرَاء...!!
بقلم : محمد الصغير داسه
وَفِي الْغَايَةِ.. قارُورَاتُ خَضْرَاء...!!


عُبــــــــــــور
شعر : رضا خامة
عُبــــــــــــور


تاريخ و تراث شلالة العذاورة في ملتقي وطني
بقلم : طهاري عبدالكريم
تاريخ و تراث شلالة العذاورة في ملتقي وطني


البحر والعرب في التاريخ والأدب
بقلم : محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة
البحر والعرب في التاريخ والأدب




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1439هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com