أصوات الشمال
الأحد 5 رمضان 1439هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * نهاية وسائل الإعلام   * اَلْقُدْسُ تَبْكِي وَنَارُ الْحُزْنِ تَشْطُرُهَا الشاعر والروائي/ محسن عبد المعطي محمد عبد ربه..شاعر العالم   * مخطوطة الشيخ الطيب عيلان ذات قيمة علمية و العائلة تطالب باسترجاعها   * وعدة سيدي محمد السايح ببريان ولاية غرداية تسامح و تأخي و تضامن.   * اللسانيات التطبيقية؛ الرهانات والتطبيق في الدرس اللساني العربي( يوم دراسي بجامعة باجي مختار-عنابة-)   * يا قدسُ    * فـلسطــــــــــين   * "تسبيحة عشق"   * عناوين زائفة تُرفع للاسترزاق و لخداع الناس    * قراءة نقدية لقصة " عقدة " للكاتب: جمال الدين خنفري بقلم الناقد: مجيد زبيدي   * الدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقــــــة يُقدم كتاب«الرواية والاستنارة»للدكتور جابر عصفور   * يتيمة الجزائر... الجامعة الجزائرية   * لسَعَاتُ..اللوْم.. وطعَناتُ الْعِتابِ.!! / الحلقة-02-   * .. برزت إلى السطح ، وفرضت سطوتها   * أكثر مساهم في تأليف قاموس «أكسفورد» الإنجليزي «مجنون»!!   * الى سميح القاسم في ذكرى ميلاده    * مجلة "ذوات"، في عددها (46)، وعنوان: "مواقع التواصل الاجتماعي.. منصات للإرهاب وتجنيد الشباب":   *  أكاديمي من كلية الآداب جامعة عنابة يُبرز «جهود علماء الأندلس في خدمة التاريخ والتراجم»   *  الدكتور محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة من قسم اللغة العربية بجامعة عنابة يُناقش قضايا نقدية معاصرة في كتاب جديد   * مع العقيد علي منجلي في استشرافاته التاريخية    أرسل مشاركتك
رواية ما تشتهيه الروح للكاتب عبدالرشيد هميسي
بقلم : خالد غمراني
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 777 مرة ]

هذا المقال يبين المضامين الروحية الجميلة التي وردت في رواية ما تشتهيه الروح للكاتب عبدالرشيد هميسي , وهي فائزة بالجائزة الأولى للمسابقة الوطنية للرواية التي تقيمها رابطة الفكر والابداع.

منذ مدة لم أقرأ رواية تعتني بالروح و بشؤونها , إلى أن وقعت في يدي رواية ما تشتهيه الروح للكاتب الشاب عبد الرشيد هميسي , وهي الرواية الفائزة بجائزة الرواية القصيرة بالجزائر لسنة 2016.
ذكرني قِصر هذه الرواية بروايات عالمية كرواية الغريب لألبير كامو , ورواية الشيخ والبحر لأرنست هنمجواي وغيرهما . لكن رغم هذا القصر إلا أن الرواية تحمل معان كثيفة , بحيث تحس عند إكمالك إياها أنها ذهبت بك إلى أغوار النفس وأعماقها , وجدّدت فيك طينة المعاني التي تُنوسيت مع دوران الأيام ورتابتها.
هذه الرواية مليئة بالأسئلة الفلسفية الوجودية الجريئة , التي تستفز القارئ وتحفز الحس الفلسفي لديه " ما الله ؟ وما القدر؟ وما الموت ؟ وما الخير وما الشر؟ وما السعادة وما الشقاوة؟ وما أسرار الله التي أخفاها عنا ؟ ولمَ أخفاها ؟ وما الحق وما الحقيقة؟ وما الغيب؟ وما الحكمة ؟ وغير ذلك من المتاهات .." (الرواية ص33) . وغير هذه الأسئلة كثير , وهي في مجملها تعيد فهم الوجود من جديد , كأنها تشكك في اليقينيات الوجودية ثم تعود لتثبتها من جديد , يطريقة سردية سلسة وراقية.
كما أنها صكت أثناء سيرورتها السردية مفاهيم فلسفية عميقة معجونة بماء التصوف , الأمر الذي زاد من عمقها وحلاوتها , فهو يقول عن الموت :"الموت – يا سي حسن- هو فراق الروح للجسد الذي طالما سجنها وأرغمها على أن تعيش عالمه , بالموت تتعالى الروح إلى عالمها وتستكنّ , تاركة الجسد لأمه الأرض تعيده إليها كما انسلخ منها ذات وجود . الموت – إذا تأملته- في أصله حقيقة وجودية تشهد أن الإنسان مخلوق ضعيف لأن نهايته التراب وأن وراءه إلها يفني الأجساد دون أن تفنيه" (الرواية ص 41). وفي الحقيقة هذه هي النظرة العميقة للموت ؛ فالموت ليس نهاية بقدر ما و بداية , لأن وجود الإنسان لا ينتهي بالموت بل إنه يدخل طورا جديدا من الوجود , حيث تكون فيه الأشياء مغايرة لما هي عليه, لأن النواميس غير النواميس.
وعن المرض قال :" المرض قدر الله , وأنا لا أخاف أقدار الله لأني أحبه , والذي يحب لا يقدر إلا الخير لمحبوبه وإن كان ذلك الخير في لبوس شر . المرض رسالة لك من الله فافهمها ؛ أحيانا يريد أن يبتليك ويخابر عودك ومعدنك , فإن صبرت قربك إليه . وأحيانا يشتاق إليك ويريد أن يسمع دعاءك ومناجاتك فيُمرضك لتفعل , وأحيانا يحب أن يذكرك نعمته عليك فيسلبها منك زمنا ليذكرك أم العافية منه لا منك, وبذلك يكسر سلطان العادة عليك. "(40.41) . هذا المفهوم كسر المفهوم التقليدي للمرض وأخرج لنا حكما من المرض استنادا على زاوية مختلفة في النظر إليه.
وقال في الحب على لسان إسلام المرادي وهي تتحدث عن الأيتام التي تكفلهم:" إنهم يعطونني أكثر مما أعطيهم , أعطيتهم عمري وأعطوني قلوبهم . المحروم يا سي حسن من حُرم الحب .. أَترى الحياة على الأرض تكون إن تبخر ماؤها أو غارَ؟ كذلك الإنسان لا يحيا أبدا دون حب , وإن استطاع أن يعيش دونه فهو محض مسخ" ص34. فالحب حسب هذا الفهم حاجة وجودية , وبها يكون الإنسان إنسانا ودومها لا يكون. وقد قصد بالمسخ التشوّه الداخلي الذي يصيب الفطرة , لأن الإنسان مفطور على الحب , وكل إنسان يعيش دون حب فهو مشوه في نظرته.
ولقد قال عن الإنسانية :" سأقول لك شيئا بيني وبينك لا شأن للتحقيق بذلك : أَيكون الإنسان إنسانا إن عاش لنفسه ونعّمها , وبقربه إنسان يتعذب " ص35. وهذه القولة تذكرني بقولة نيلسون مانديلا :"ليس حرا من لم يشعر بالإهانة وبقريه إنسان يهان". والكاتب في تلك العبارة يتحدث نيابة عن الإنسان الكامل في إنسانيته , بعيدا عن حسابات العرق والدين والتاريخ والجغرافيا ... فالإنسان في طينته الجوهر إنسان ولا شيء أكبر من إنسانيته (لا الإيديولوجيا ولا المال ولا الجاه..).
أما من جهة التصوف فإن حضوره في الرواية كان قويا وخاصة في النصف الثاني منها, عندما التقى حسن بإسلام المرادي . فلقد غدا الدعاء تجربة وجودية بين المخلوق والخالق , فهو ليس كلاما يوجه من المخلوق نحو الخالق في انتظار الاستجابة :" بعد أن مارست الدعاء لأيام متواصلة أدركتُ أنه تجربة وجودية عميقة , فالعبد لا يعرف حقيقة مقامه إلا إذا دعا , فأثناء الدعاء أُحسني صغيرا جدا كحبة رمل , وأن الله كبير يملأ عليّ كل شيء , وقد كنت حين أدعو أطلق نفسي من كل قيد , كريشة انطلقت في مهب الريح فهي لا تملك أن تتوقف في مكان تقصده" ص55. فالدعاء كما رأينا ليس كلاما يُقال بل هو شعور ووجدان أولا وأخيرا , لأن عمق التجربة الصوفية توصل إلى مثل هذا.
ومن عناصر التصوف العلاقة الخاصة بين العبد وربه , ولكل سالك علاقة خاصة تختلف عن بقية العلاقات , فإسلام المرادي –حسب النص – لها علاقة خاصة بينها وبين ربها , تكشف جانبا منها لـ "حسن" حيث قالت :"قلت لك فيما مضى أن الله -أحيانا- يصيب عبده بقدر ظاهره شرّ , وباطنه خير. وقد فعل ذلك معي , فقد أطلعني هذه المرة على أسرار مكتّمة كان بيني وبينها ألف حجاب , كما أطلعني على شيء من أسرارك"ص55. ومن ضروب هذه العلاقة الخاصة إطلاع الله إياها على شيء من الغيب (دعاء سي حسن) فهي قد كانت في حالة غيبوبة ولكن علاقتها بربها لم تنقطع أبدا فقد قالت له :" كل دعائك كان يصلني كلمة كلمة وكان يقع على قلبي وأستلذّه ولا أحب أن يكتمل .. شكرا لك على كل شيء " ص 54. وهذا عند الصوفية يسمى الكشف , وهو مقام من مقامات التصوف يكون بعد رحلة طويلة من مجاهدة النفس . وغير الذي ذكرنا من عناصر التصوف كثير..
كما اعتمدت الرواية على صك الحِكَم المختلفة في ثنايا الرواية , من مثل :"الله –يا سي حسن- جميل جدا وكريم جدا , العيب فينا ؛ يهبنا غرائز صافية وفطرة نقية ونحن من يشوهها ويدنسها , كأنه لا يحلو لنا إلا أن نعيش مشوهين "ص39. أو " كل الذي نحتاجه لكي نعرفه يقظة وجودية , أن نبقي أعيننا مفتوحة على الأشياء فما وراء تلك الأشياء إلا الله"ص39. وقال عن الوجود الروحاني الجديد الذي أخذ حسن يجربه :"عشْ كل لحظة فيه كأنك مفارقه, أشعل كل حواسك ولا تترك شيئا يفوتك , واذهب فيه إلى أقاصيه , وغُرْ فيه حتى الأعماق , واعلم أنه منداح حتى لا أقاصي له وغائر حتى لا عمق له."ص65. "أحيانا يحلو للحياة أن ترسم لك المسارات المعوجة نكاية فيك". "أحيانا تمنحك الأقدار أكثر مما تطلب أو تتوقع كأنها تُريك كرمها أو كأنها تحاول أن تعيد ثقتك بها ". "أجمل الأشياء هي التي تعثر عليك حين كنت تبحث عنها" "أجمل الأقدار هي تلك التي لا نستطيع أن نتنبأ بحدوثها " وغير هذا كثير..
هذه الرواية مفعمة بالتصوف وبالفلسفة , زيادة على ذلك حبكتها المترابطة ؛ فعند قراءتك لهذه الرواية لا تستطيع إلا أن تكملها ؛ وذلك حلاوة الأسلوب الذي كتبت به , ولترابط الأحداث , وللتشويق المبثوث في ثنايا الرواية إلى آخرها.
النص يستحق أكثر من جائزة لأنه نص مختلف عن بقية النصوص , يقدم عجينة صوفية فلسفية بطريقة سردية أخاذة.

نشر في الموقع بتاريخ : السبت 12 ربيع الثاني 1439هـ الموافق لـ : 2017-12-30



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

الشاعر حمري بحري

.
مواضيع سابقة
عناوين زائفة تُرفع للاسترزاق و لخداع الناس
بقلم : محمد جاسم الخيكاني
عناوين زائفة تُرفع للاسترزاق و لخداع الناس


قراءة نقدية لقصة " عقدة " للكاتب: جمال الدين خنفري بقلم الناقد: مجيد زبيدي
بقلم : الأستاذ : مجيد زبيدي
قراءة نقدية لقصة


الدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقــــــة يُقدم كتاب«الرواية والاستنارة»للدكتور جابر عصفور
الدكتور : محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة
الدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقــــــة يُقدم  كتاب«الرواية والاستنارة»للدكتور جابر عصفور


يتيمة الجزائر... الجامعة الجزائرية
بقلم : سمير عباس ( طالب دكتوراه في الأدب)
يتيمة الجزائر... الجامعة الجزائرية


لسَعَاتُ..اللوْم.. وطعَناتُ الْعِتابِ.!! / الحلقة-02-
بقلم : محمد الصغير داسه
لسَعَاتُ..اللوْم.. وطعَناتُ الْعِتابِ.!!           /  الحلقة-02-


.. برزت إلى السطح ، وفرضت سطوتها
بقلم : بشير خلف
.. برزت إلى السطح ، وفرضت سطوتها


أكثر مساهم في تأليف قاموس «أكسفورد» الإنجليزي «مجنون»!!
بقلم : رضوان عدنان بكري
أكثر مساهم في تأليف قاموس «أكسفورد» الإنجليزي «مجنون»!!


الى سميح القاسم في ذكرى ميلاده
بقلم : شاكر فريد حسن
الى سميح القاسم في ذكرى ميلاده


مجلة "ذوات"، في عددها (46)، وعنوان: "مواقع التواصل الاجتماعي.. منصات للإرهاب وتجنيد الشباب":
بقلم : عزيز العرباوي
مجلة


أكاديمي من كلية الآداب جامعة عنابة يُبرز «جهود علماء الأندلس في خدمة التاريخ والتراجم»
بقلم : اسماعيل صياد
    أكاديمي من كلية الآداب جامعة عنابة يُبرز «جهود علماء الأندلس في خدمة التاريخ والتراجم»




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1439هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com