0
23 1441 :
 * دعني انام فيك ولا اصحو   * مُعَلَّقَاتِي الْمِائَتَانْ {138}مُعَلَّقَةُ النَّصِيبْ    * محمد الأخضر السائحي رائد أدب الطفل في الجزائر   * صناعة التقدم وصناعة التخلف   * المتذمرون   * حديث صريح مع الشاعر الفلسطيني، ابن الناصرة، جمال قعوار عن الشعر وتجربته الشعرية   * أجرَاسُ الرَحِيلِ    * غطـاء   * خيانة القضية الفلسطينية   * طفولــة   * الشاعر الحداثي سيف الملوك سكتة يكتب نصه بعيدا عن المعاد والمكرر والصور الشعرية التي فقدت تأثيرها ودهشتها ...قصيدة " الرائي " أنموذجا"    * صابرحجازي يحاور القاص والروائي السوداني فتحي عبدالعزيز   * في سجال عمقي    * مناقشة دكتوراه عن شعر محمود رويش بقسم الأدب العربي -جامعة سكيكدة   * "لَيلٌ وحتى في النهار"   * قصة قصيرة جدا / تفكيك..   * دعاء   * . تلكم هي دمعتي ...   *  عودة الأستاذ محمد الشريف بغامي في كتاب    * رواية جديدة بنكهة الوطن   
 |    |    |    |    |    |    |    |    |    |    |    |    | 
- قراءة في كتاب: الأيام الأخيرة لمحمد " Les derniers jours de Muhammad " للكاتبة التونسية : هالة وردي ، دار النشر ألبان ميشال 2016 ، باريس
الدكتور : مومن سعد

[ : 796 ]

كتاب أُترع بمعلومات ربما قد تُصنّف بالناذرة عند كل قارئ جديد و غير متعوّد على البحث في مؤلفات بيبليوغرافية تتعلق بشخصية الرسول الكريم محمد صلى الله عليه
و سلّم، أما بالنسبة لكل باحث معوّد فلا يُذكر أي جديد هنا اللهم الا قدم المصادر
و المعلومات التي تمّ تجميعها من هنا و هناك لتُرتّب في تسلسل يقترب من التماسك من الناحية الفكرية التعبيرية. فالموضوعات المتناولة تكتسي أهمية بالنظر الى ما تحمله من جديد كالمشكل الأخروي هنا و كذا النزاعات حول موضوع الخلافة. تنطلق المؤلفة في إغراء القارئ على مدار 224 صفحة بتقديمها له ما تصفه بمصادر و تفاسير في قالب لغوي من اختيارها و صنعها.

- قراءة في كتاب: الأيام الأخيرة لمحمد " Les derniers jours de Muhammad "
للكاتبة التونسية : هالة وردي ، دار النشر ألبان ميشال 2016 ، باريس.











كتاب أُترع بمعلومات ربما قد تُصنّف بالناذرة عند كل قارئ جديد و غير متعوّد على البحث في مؤلفات بيبليوغرافية تتعلق بشخصية الرسول الكريم محمد صلى الله عليه
و سلّم، أما بالنسبة لكل باحث معوّد فلا يُذكر أي جديد هنا اللهم الا قدم المصادر
و المعلومات التي تمّ تجميعها من هنا و هناك لتُرتّب في تسلسل يقترب من التماسك من الناحية الفكرية التعبيرية. فالموضوعات المتناولة تكتسي أهمية بالنظر الى ما تحمله من جديد كالمشكل الأخروي هنا و كذا النزاعات حول موضوع الخلافة. تنطلق المؤلفة في إغراء القارئ على مدار 224 صفحة بتقديمها له ما تصفه بمصادر و تفاسير في قالب لغوي من اختيارها و صنعها. وأما ما يُفسد الفهم هنا أن التجميع يفتقد الى الأفكار روح النقد و الى التلاحم الدّاخلي في تجليه للخلط بين فرضيات غريبة عديدة و بين عناصر قليلة تبدو متينة. لذلك يمكن القول بأن هذه المؤلفة تكتفي بهدم و تفكيك مُتن الرواية الصحيحة و الرسمية للسيرة النبوية الشريفة دون تقديم أي بديل مُقنع للقارئ بالنظر الى كل ما تزخر به الأحداث في جوانبها التاريخية و الاجتماعية و الاقتصادية و الدينية ، تلك الكتلة المعتادة و التي لا تغيب أبدا عن ما يُسمى بصنف المحاولة.
تُعرّي عبارتا الهدم و التفكيك عملية فعلية و صارخة للسيرة النبوية الشريفة
و باختلاف المصادر و ذلك عند تتعرض الكاتبة الى وصف سلبي للصحابة (ر) اذ تنعتهم بمجموعة من طيور الكواسر المُقزّزة و هي تتصارع حول جثة مَن كان يحكمهم بالأمس القريب، بل تتواصل العملية الوصفية لذلك المشهد الذي يوحي بأن النبي محمد (ص) قد قد قُتلَ من لدن أصحابه، في هذا المقام الخيالي ربما ينجر القارئ وراء الظن بمشروع شيعي لمؤامرة اغتيال الرسول (ص) بالرغم من أن الكاتبة لم ترحم الامام علي (ر) عندما وصفته فيما سبق " بالرجل الجامد و الكسول،و المكرش و العنيف اذ تُشككك حتى في كفاءاته الحربية.
يمتد في الصفحات المالية و بالأسلوب نفسه قَدح أصحاب محمد (ص)، فهذا عمر الموصوف بالفظّ و المُتخلي عن واجبه نحو الرسول (ص)، و ذاك أبو بكر الذي حُضي بوصف مُشابه لصورة عمر بينما يتخلّص السرد بسرعة من الخليفة عثمان بتجنب الاشارة الى صورته. وكأنّ هذه الطريقة المعتمَدة و المُتعمّدة من الكاتبة تَستهدف تكرار الافتراضات الشيعية حول الخلافة و قصد مقابلتها بأفكار السُّنيين من أجل هدمها بزرع البلبلة بين هؤلاء و هؤلاء. وتتجسد الاضطرابات المستهدفة عندما تفقد المصادر السُّنية
و الشّيعية مصدقتيها تاريخيا من جراء تكدّس أحداث و فرضيات متضاربة و تفتقد في الوقت نفسه الى كل ما يضمن انسجامها لتخرُجَ عن السّير المقدّسة الرّسمية .
لا يهدف ما سبق من كلام عن الظُّلم الذي أُلحق بالخلفاء الأربعة حتى لو لم تخلو المصادر السّنية التقليدية المعروفة من بعض الاختلاف في عناصرها،و لكن أن تُرسَم لها ومن جانب واحد هذه الصورة الوحشية التي تفتقد الى أدنى غطاء من الإنسانية، فهذا تصرف آخر من الكاتبة.
وأما من ناحية تناول الكاتبة و صف شخص الرسول الكريم (ص) و لو بتواجد شيء من التريث، فمن قرأ السيرة النبوية لابن هشام فلا محال أنه سيُصاب بكثير من القلق و الارتباك إزاء حرية التصرف التي منحتها الباحثة لنفسها عند تناولها الأحداث.
و فيما يلي صورة قصيرة عن ما تضمنته المؤلَّفة من تخمينات عبر بعض صفحاتها:
في الصفحة 114، كتبت المؤلفة " لا بد من القول أن الرسول (ص) لا يحتفظ بفكرة طيبة عن الصحابي علي." ، ثم يتبع هذه المقولة وصف بصورة سلبية جدّا للخليفة علي (ر). و ها هي العبارة كما جاءت في لغة تأليف الكتاب (اللغة الفرنسية):
« Il faut dire que le prophète n’a pas une idée très haute d’Ali. »

ثم تضيف : " انه يمكننا اذا تسجيل تخيلات محمد فيما تعلق بتسليم مقاليد الحكم الى رجل بليد الى هذا الحد."
« On peut alors imaginer les réticences de Muhammad à confier les rênes du pouvoir à un homme aussi indolent. »

و لأنها تتراجع عن قولها هذا و بالأخص في الصفحتين من 58 الى 60 أين تقوم بشرح " حديث الغدير" الوارد في شهر مارس عام 932 م وتقول عنه أنه كان مقبولا من قبَل الجانبين الشيعي و السّني، حيث تزعم انّ الرسول (ص) قد صرّح أمام الملأ : " مَن أنا له سيّد، فعلي (ر) سيّده."
Le prophète aurait dit en public : « Celui dont je suis le seigneur, Ali est son seigneur. »

تعتبر الكاتبة هذه العبارة تعيين صريح لعلي (ر) خليفة للرسول (ص) و لكن دون أن تولي نفسها مشقة تفسير هذا التناقض الغريب.
و يستمر بذلك الغموض في إيماءات الباحثة التي أوهمت بها القارئ بحبك مؤامرة
شيعية لاغتيال الرسول (ص) من طرف عمر و أبوبكر (ر).
وهنا تُطرح بعض الأسئلة بحدّة : ما فائدة الجريمة المزعومة من طرف الكاتبة اذا كانت الخلافة قد أُسندت الى علي(ر) كما زعمت هي من قبل ؟ و هل تمّ فعلا تعيين علي(ر) علنية لخلافة الرسول (ص) ؟ تُحافظ اذن الكاتبة على الغموض السائد في النص حيث أنها لم تتطرّق بتاتا الى حظوظ علي (ر) كمرّشح الى الخلافة قبيل اقتراب وفاة الرسول (ص).
و بالعودة الى الصفحة 91، تزعم الباحثة أن النبي (ص) قد تخلّص من كل ممتلكاته قبل وفاته لتعود مجدّدا الى حكي الشجارات القذرة المزعومة بينه و بين أصحابه بسبب ثروته الطائلة. و كأن الكاتبة ترفض مغادرة تثبيت افتراضاتها عند استعمالها المغلوط لزمن التأكيد على الحدث في جمل مركبة اختلط فيها مصدري القرآن والسنة (صفحة 59 و ص 138)، فهي ترفض و باستعمالها لتراكيب عجيبة حق محاورة عمر (ر) للنبي (ص) بحجة أن كل ما ينطق به محمد (ص) فهو من الله مكتفية الاستشهاد بالقرآن فقط مع ذكر الحزب 53 في آياته : " ، 3،4 و5 " ما ضل ّ صاحبكم و ما غوى، و ما ينطق عن الهوى، ان هو الا وحي ُ يُوحى، علمه شديد القُوى. و ذلك حسب ما جاء في النص في
لغته :
«
Votre compagnon n’est pas égaré et n’a pas été induit en erreur et il ne prononce rien sous l’effet de la passion ; ce n’est rien d’autre qu’une révélation inspirée que lui a enseignée (l’Ange Gabriel) à la force prodigieuse . »

يتواصل التهجم على السيرة النبوية في الصفحة 70 عندما تعتمد الكاتبة فكرة الرسول (ص) في نيته تعمد ابعاد أبو بكر عن المدينة اذ كلفه بمهمة "جرف" في سوريا مُبيتا في ذلك ازاحته عن الخلافة، كما تقوم بتفسير غضب النبي (ص) باعادة أبو بكر من حيث أتى. و في الصفحة 184، و في اواخر لحظات حياة محمد (ص) تقول بأن أبو بكر وجد نفسه مُضطرّا للاستئذان من الرسول (ص) و تركه ، فما فائدة فكرة الاستأذان تلك لمّا سادت فكرة ابعاد أبوبكر عن الخلافة من طرف محمد (ص) ؟
و في الصّفحات 87 الى 89 تؤكد المؤلّفة مطوّلا مشاركة أبوبكر (ر) الفعالة في آخر محمد (ص) المسجد في غياب العناصر المثبتة لهذا المشهد لتناقض بذلك مقولة الحضور الغريب و فكرة ابعاد أبوبكر (ر) عن الخلافة. يستمر الغموض عند تناول الكاتبة الغياب المفاجئ لصاحب رسول الله (ص) أبو بكر (ر) عن المدينة ، و تخلص الى حد الافتراء عن تواجد أبوبكر بمنطقة "السنح" البعيدة عن المدينة اذ تصرح و تكتب أنه كان منهمك في اشتراء ذمم بعض الأشخاص الذين يدعمون فكرة توليه الخلافة فور وفاة النبي (ص).
و لكن سرعان ما يُكشف هذا التناقض و الافتراء ضم ن الصفحتين 92 و 94 أين فسرت الكاتبة أن منطقة السنح لا تَبعُد عن المدينة الا بكيلومترين اثنين فقط معترفة بذلك أن أبوبكر(ر) لم يبتعد عن النبي (ص) و لم يتخلَّ عنه في اللحظات الأخيرة. يصبح سلوك التناقض أنموذجا ثابتا في العديد من صفحات الكتاب، لنذكر على سبيل المثال مشهد غضب عمر (ر) و حزنه و رفضه خبر وفاة الرسول (ص)، أو محاولات أبوبكر
التهد يئية ...حيث اعتبرت المؤرخة المشهدين باستراتجية عمر(ر) و تمثيلية أبوبكر.
تملك الكاتبة حقَّ التساؤل الفكري عن كل ما تتناوله لكن هذا لا يُرخص لها أبدا بالتأكيد على فكرة ما أسمته بالمؤامرة السياسية التي اتهمت فيها صراحة أصحاب الرسول (ص) في الصفحة 99، كما لا تخلو ضمن المؤلفة صفحات عدّة من الافتراء و التطاول في الطعن دون برهان في صحة السيرة النبوية الشريفة و التشكيك في محتواها بواسطة فرضيات مختلفة يصعب التحقق من صحتها كما هو الحال في الصفحة 175 عند ذكرها فرضيتي وفاة الرسول (ص) مقتولا من طرف أصحابه أو بذات الجنب أو البرسام.
و تؤكد الباحثة أن " السيرة النبوية يسودها الغموض فيما تعلّق بسبب وفاة الرسول محمد (ص) ، و يُراد بإخفاء هذا المؤشر و لو برعونة التستر على جريمة قتله (ص)" أو كما ورد في لغة النص باللغة الفرنسية :

« La confusion de la Tradition sur le décès de Muhammad est sans doute l’indice qu’elle tente (maladroitement) de dissimuler un crime. »

و يتواصل سرد الفرضيات التي لا تستند الى الحقائق التاريخية بمشروعية الخلافة من عدمها كذلك في المبحث الثالث عشر 13 اذ تزعم الكاتبة بتواجد مؤامرة حيكت من طرف الحريم لفرض أبوبكر (ر) كخليفة للرسول (ص)ن بينما و كأن المؤرخة تتحاشى أسباب التحالفات التي انتهت بانتصار احدى المجموعتين ، و كذا محاولة الأنصار الفاشلة. كما أُشارت باقتضاب شديد الى اجتماع "سقيفة بني ساعد" ولكن دون التطرق الى شرح تطوراته بالّغم من أن جُل القرارات الحاسمة كانت قد اتُّخذت في قضية الخلافة حيث تبادل كل الزعماء المعنيين الحجج التي أسفرت عن تعيين الخلفاء. في الصفحة 178 تُولج الكاتبة في افتراءات أخرى بتحريفها للسنة عند ما تناولت عدد أعوام عمر الرسول (ص) و كذا التشكيك في تاريخ وفاته (ص) عام 632 م و أنه كان حيّا عام 634 بغزة أين كان يقود معارك انتصار للفتوحات. و ما يناقض ما سبق أنها ركزت في مؤلّفتها على فشل المعارك التي أدّت الى اصابة النبي (ص) باضطرابات بالمدينة و ليس أثناء امتداد الفتحات الناجحة بغزة (ص40) أو كما تقول :

« Les dernières entreprises militaires menées par le Prophète (en Syrie) et qui n’ont pas remporté le succès escompté (…) c’est l’amorce d’une profonde crise politique interne qui marquera les derniers mois de la vie de Muhammad… »

" لقد أدى فشل الحملات العسكرية الأخيرة للرسول (ص) إلى إشعال فتيل أزمة داخلية عميقة تركت أثارها في الشهور الأخيرة من حياة محمد (ص)."
خلاصة القول :
يبدو أن الكاتبة و هي أستاذة للأدب الفرنسي بذلت جهودا معتبرة في مرحلة شاقة للانتقال من أديب إلى مؤرّخ فكاتب إيديولوجي فإعلاناتي بحثا عن الادهاشية الإعلامية التي تُحجب الحقيقة لتقتحم الغوص في بحر الشكوك . فهي استدرجت القارئ بأسلوبها الخاص و بتعرّضها إلى مصادر غير مسلمة تغيب عنها النزاهة فيما تعلق بنزول الوحي أن كتابة التاريخ تختلف تماما عن حكي القصص.






قائمة لمراجع الأساسية :
-1- OUARDI, Hela, « Les derniers jours de Muhammad », éditions Albin Michel, Paris 2016.
-2- www.maarefa.org
-3- محمد خير الطرشان،" الأيام و الساعات الأخيرة في حياة الرسول محمد (ص)"، دار رؤى الثقافية، الطبعة الثانية، 2009م/1429 ه، المملكة العربية السعودية.

: 5 1441 : 2020-05-28