أصوات الشمال
الأربعاء 8 صفر 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * الشدة المستنصرية   * اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى يفتتح موسمه الثقافي   * مقطع من روايتي" قلب الإسباني "   * فجيعة الوطن العربي الكبرى   * وليد عبد الحي: السلوك العربي أنتج منظومة فكرية غرائزية متكاملة   * في رحابِ الموعـــد..!   *  في عدمية النص الفلسفي الغربي و موضة الإتباع... إيميل سيوران نموذجا عابرا   * العدد (50) من مجلة "ذوات": "السوسيولوجيا العربية في زمن التحولات"   * 13 سنة تمر على رحيل الشاعرة و الروائية نجية عبير   * شاعرة حالمة ... قراءة في تجربة ريتا عودة الشعري    * أنا و الآخر   * الودّ المعرفي   * قصائد نثرية قصيرة   * لضَّاد و نزف الرَوح   * قصة قصيرة جدا / كابوس   * للحرية عيون مغمضة   * مَنْ يَكْبَحُ جِمَاحَ الْمُتنمِّرِينَ..؟! / وَمَنْ يَنْتَشِلُ الأسْتَاذَة..؟!   * عادل عبد المهدي   * استعجلت الرحيل   * بلا دبابة..فرنسا تحتل الجزائر؟؟    أرسل مشاركتك
النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور وانتهاك المحظور
بقلم : أحمد محمد زغب
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 65 مرة ]

ليس من السهل وضع تعريف دقيق للضحك، فهو درجات وهو أنواع عديدة ويتصل بالنفس الإنسانية وانفعالاتها، وهو نواحي متعددة كالبشاشة والسخرية والاحتقار والعدوانية والارتياح...الخ ويبدو أنه يعبر عن تناقضات أو وجهين متعارضين(Eric Smadja.Le Rire.p11) غير أن له علاقة وثيقة بالمضحك، ومن ثم فلا يمكن الحديث عن الضحك دون الحديث عن المضحك، ويمكن وصف وتحديد المضحكات الكثيرة كالهزل والسخرية والتهكم والمزح...الخ.ومن اهم أدواته النادرة والفكاهة والنكتة والطرفه. وهي باعتبارها جزءا من المضحك ’’وسيلة تحكمية يتم التعبير عنها في بعض أنماطها باعتبارها وسائل للتحكم الاجتماعي فهي تعبر عن الرضا أو عدمه وتفصح عن مشاعر المجموعات، وتطور أفكارا قبلية وتمثلات ذهنية عن الآخر كما تعمل على رفع معنويات المجموعة‘‘ (أحمد الشايب: الضحك والمضحك.ص07).

لنكتة المصطلح والمفهوم:
والنكتة أو ما اصطلح بعض الباحثين على تسميتها الحكاية المرحة ، يرى مصطفى يعلى أن النادرة المعروفة في الأدب الكتابي وفي التراث الأدبي العربي بخاصة لا تختلف عن الحكاية المرحة أو النكتة إلا اختلافا باهتا لا يعتد به، من ذلك أن النوادر تتركز على شخصيات نوعية ساخرة ومسخور منها كالبخلاء والحمقى والمغفلين والطفيليين وأشباههم، في حين تنطلق الحكاية المرحة في آفاق الحياة الفسيحة لتسخر من كل شيء وتنتقد كل شيء، ومن ذلك أيضا أن النوادر تتفرع إلى الطرائف المفيدة والنكات المضحكة، بينما تظل الحكاية المرحة حبيسة إطارها الخاص القائم على المفارقات المرحة الممزوجة بالنقد اللاذع لأوضاع الواقع الاجتماعي(مصطفى يعلى: القصص الشعبي في المغرب ص109).
أما الإضحاك فأساسه المفارقة، والانتقال المفاجئ بين عالمين عالم الجد وعالم الهزل، فالمضحك غير جاد فهو يرسم عالما دون أن ننسى عالم الجد، فما هو مضحك ليس العادي اليومي بل ما يناقض اليومي وينفصل عنه ليكون عالما جديدا، ولا يكفي أن يكون هناك تفاوت [مفارقة] بين مستويين من التفكير أو عالمين ليكون المضحك، بل يجب إضافة إلى ذلك أن أتجرد وانفصل من الموقف (الشيباني: المرجع نفسه ص26).
الأنساق الثقافية:
قبل أن نشرع في تحليل الأنساق الثقافية سواء منها الصريحة أو الضمنية التي تحملها النكتة سواء أكانت جنسية أو دينية أو سياسية، نتتبع المقصود بالثقافة، فهي في الأصل عبارة عن أنساق تتحكم في سلوك الأفراد داخل الجماعة من أجل تنظيمهم لينسجموا مع ما تقرّه الجماعة.
يأخذ الغذامي بمقولة جيرتز في تعريف الثقافة ،فهي ليست مجرد حزمة من أنماط السلوك، كما أنها ليست العادات والتقاليد والأعراف، ولكن الثقافة بمعناها الأنثروبولوجي الذي يتبناه جيرتز، هي آليات الهيمنة، من خطط وتعاليم وتعليمات كالطبخة الجاهزة التي تشبه البرنامج في علم الحاسوب، ومهمتها التحكم بالسلوك والإنسان هو الحيوان الأكثر اعتمادا على هذه البرامج التحكمية غير الطبيعية من أجل تنظيم سلوكه‘‘ (الغذامي، النقد الثقافي ص74).
فما معنى مصطلح الأنساق وهي جمع مفردها نسق، وتعني ما جاء على نظام واحد،(إبراهيم أنيس وآخرون :المعجم الوسيط.ص919 )، وقد تستعمل بمعنى البنية structure أو نظام système.
وقد عرفه الفلاسفة ’’ النسق مجموعة جزئية من اللغة منغلقة انغلاقا لزوميا ، ومعنى الانغلاق في الاصطلاح المنطقي أن تكون كل قضية من اللغة ثبت لزومها مع قضية او مجموعة من القضايا تنتمي إلى النسق. منتمية هي الأخرى إلى النسق‘‘ (طه عبد الرحمن: اللسان والميزان ص195).
فالحياء والحشمة والتعفف ،ونقاء العرض، والشرف، والتمنع والابتعاد عن التفحش نسق معلن من السلوكات في الثقافة العربية ، يقابلة في الخفاء نسق آخر هو التهتك، والاستهتار والتفحش والرذيلة...الخ
ومن الأنساق ،المعلن منها والمضمر أو الخفي الذي يعمل في السر ويتحكم في سلوك الأفراد دون الإعلان عن نفسه ، بل الإصرار العلني على عدم وجوده، كالادّعاء المعلن بأن المرأة نالت كل حقوقها ، ولم يعد يميزها عن الرجل إلا الجانب الجسماني أو البيولوجي، بينما نتعامل معها بدونية غير معلنة.
فمن الأنساق عند المرأة الشعور بالإثم، و الحياء والتحرج لدى ممارسة حقهن في الاستمتاع بالرجل. ولا تخلو النكتة من انتهاك هذا النسق و استنهاض وعيهن لاسترداد القيمة الحقيقية الماتعة للجنس التي أزرت بها فلسفة الورع والعفة الخادعة. كما أنها لا تخلو من فخر يعظم زخم الأنوثة الفاعلة وعنفوانها، ويحط مما لحق بها من المهانة والانتقاص تلقاء الفحولة وينكره، ولا يسوءها بعد ذلك أن بعض معانيها لم يكتسِ بلفظ محتشم.
وهكذا فحين يلتقي نسقان : نسق معلن هو العفة ، ونسق خفي هو التهتك الوارد في النكتة بشكل هازل، نجد ان النكتة تكشف المستور: التهتك الذي يزعم أنه سيق على غير محمل الجد، وتنتهك المحظور وهو العفة المصطنعة، وسنرى أن معظم النكت التي تتصل بالجنس من هذا النوع او تؤدي الوظيفة نفسها.
الشبق الأنثوي بين الرغبة والتمنع:
الحياء والحرج من الجنس، مارسه المجتمع الذكوري على المرأة عبر القرون المتطاولة، يجعل المتعة الجنسية مقموعة على الدوام، الأمر الذي جعل المرأة والفتاة التي منذ أن فتحت عينيها على الدنيا، تحذر من الذكر ، ومن كشف الأعضاء الحساسة، واما الذكر فهو غول أو عدو لدود إذا تحدث الى الفتاة عن الخفايا الممنوعة، وتحت عنوان الشرف ،لم يعد المجتمع يفرق بين ما هو مرغوب فيه من الجنس وما هو ممنوع حين يخرج من الأطر التي يسمح بها المجتمع والدين: الزواج، وهكذا عبرت نكتة الفتاة الصعيدية عن هذه المبالغة تعبيرا تراجيديا ، فقد قتلت الفتاة الصعيدية عريسها ليلة الدخلة ، وحين سألها والدها : لماذا قتلت عريسك ليلة الدخلة أجابت على الفور: الشرف غالي يا بوي!!!.
وهكذا كان لا بد للمجتمع من مسوغات دينية أو صحية أو سياسية ،تسوغ للمرأة الاستمتاع باللذة المشروعة، كان يقال للمرأة إن المرأة إذا باتت وزوجها غير راض عنها تبيت الملائكة تلعنها، ومن ثم فهي تمكن زوجها من نفسها، أما أن تطلب هي المتعة لنفسها فذلك أمر دونه خرط القتاد، فهي تعتبر خفيفة العقل، ووقحة، وربما سيقت إليها بعض التهم الجزافية التي تطعن في سلوكها وعفتها.
عقدة فلسطين وعقدة الجنس:
وكان لابد لأشكال التعبير الشعبي من التعبير على هذا الغبن الذي يلحق بالمرأة في حقها في المتعة المشروعة، وهذه النكتة الشعبية تعبر عن ذلك ، ففتاة متدينة ومتزمتة لم تمكن زوجها من نفسها، وكان لا بد من أن يقنعها، ومادامت سلطة الدين وسلطة المجتمع طاغية، فتوظيفها توظيفا نفسيا وأخلاقيا بات أمرا محتوما. فقد أقنعها أن الأجر كبير جدا حين يمارس الزوجان الشرعيان العلاقة الحميمية، فالأجر حينئذ يعدل الأجر الذي يحرزانه في قتل يهودي.
والعلاقة بين المجتمع العربي واليهود علاقة عدائية من جانب الدين قبل المشكلة السياسية التي افتعلتها الصهيوينة في أوائل القرن العشرين باغتصاب فلسطين، ثم إن اغتصاب فلسطين ،نفسه حتى من حيث كونه أمرا سياسيا، فوجود أولى القبلتين وثالث الحرمين بمدينة القدس، جعل السياسيين العرب يحسنون توظيف العاطفة الدينية للعرب والمسلمين عامة لعداوة اليهود، فلا غرو أن الأجر سيكون كبيرا في التخلص من هؤلاء الأعداء. والمؤمن، وهنا المؤمنة، بطبيعة الحال يرغب في استرضاء الدين واغتنام الأجر.
غير أن الفتاة المتزمتة ، والتي تربت على أن المتعة الجنسية من حق الرجل لا من حق المرأة، ومع ذلك فقد غطت على رغبتها المقموعة الحرجة، بالرغبة في قتل اليهود وتحرير فلسطين، فكانت كلما رغبت في إقامة العلاقة الحميمة مع زوجها ،تدعوه إلى قتل يهودي: (( يالله نقتلوا يهودي!!!)).
لكن الجنس بين الرجل والمرأة منوط أيضا بقدرة الرجل ورغبته في آن معا، ولم يكن الزوج في بعض الأحيان ،مستعدا بدنيا، لهذا الأمر، فكان يستجيب لها في البداية لكنه حين استنفد قدراته يقول لها هل تريدين أن تحرري فلسطين بمتاعي !!!!
هذه النكتة، وإن دلت على حشمة المرأة وحرجها وقوة الضغط الاجتماعي القاهر للأنثى من عقلية ذكورية متحجرة، فإن يعبر تعبيرا كاريكاتوريا، عن الوضعية السياسية للعرب ، وهي عجزهم إزاء القضية الجوهرية للأمة في العصر الحديث وهي قضية فلسطين، مثل عجزهم على استيعاب أن الجنس نشاط حيوي للرجل والمرأة على السواء، وعلى هذا أصبح العرب يهتمون بتلبية شهواتهم الجسدية من أكل وجنس على حساب الاهتمام بالقضية المصيرية.
وإذا كانت رغبة الأنثى مقموعة أصلا، حتى لو كانت في زهرة شبابها وعنفوانها، فما بالك برغبتها وهي في سن اليأس أو بعد أن طعنت في السن، ومع ذلك يبدو انتهاك النسق، وهو التمنع وهو النسق المعلن، وكشف النسق المستور وهو الرغبة، في هذه النكتة المتداولة في الأوساط الشعبية، فهذه عجوز في الثمانين قال لها أبناؤها لقد بقيت لنا كمية من المال من تركة المرحوم، فهل تريدين عمرة في مكة أو أن نسعى لك في شيخ يرغب في الزواج منك، فقالت : (مكة مش هاربة) ومعنى ذلك انها ترجئ أمر العمرة إلى ما بعد الزواج من الشيخ، وهو ما ينتهك نسق التمنع والحشمة والحياء، ويفضح المستور الرغبة الجنسية حتى لو كانت عجوزا طاعنة في السن.
العلاقة بين الزوجين: وفاء/ خُلف.
ومن المعروف ان الجنس غريزة، والغريزة ملولة بطبعها، فمهما كان حبك لهذا الطبق فأنت بطول الحال ستمله، وتشتهي غيره، غير أن العلاقة الزوجية، ليست جسدية مادية فقط، فهي علاقة انسانية واجتماعية وثقافية، ومشروع حياة لبناء أسرة، ومن ثم يستوجب بناؤها على القيم، من هذه القيم الوفاء والإخلاص بين الزوجين، وهو ما يقتضي عدم تطلع كل منهما إلى غير شريكه.
لكن العلاقة الزوجية أيضا لا تخلو من الجانب الجسدي المادي والعلاقة الجنسية التي يفترض أنها تديم العشرة والترابط والمودة بين الزوجين، والوفاء الزوجي نسق ثابت مفروض دينيا واجتماعيا وأخلاقيا. وهو النسق المعلن، لكن النكتة الشعبية إذ تنتهك هذا النسق ، تفضح نسقا مستورا وهو الرغبة في التنويع من أجل المتعة، وكما سبق فإن النسق المعلن يصرّ على إنكار النسق الخفي، على الرغم من وجوده وتحكمه في سرية تامة في سلوك الأفراد.
وكثيرا ما يعلن النسق المضمر عن نفسه، ويسوغ لنفسه الوجود والظهور بمبررات دينية أو غيرها كأن تكون الرغبة الطبيعية في الإنجاب أو المرض الذي ألمّ بالزوجة، فلم تعد قادرة على تلبية رغبة زوجها البيولوجية.
والمسوغ الأقوى في مجتمعنا العربي والمسلم وهو مسوغ ذكوري بامتياز هو ادعاء أن الدين يشرع للرجل تعدد الزوجات وأن حكم الشرع هو حكم الله وما على المرأة إلا أن ترضى به.
وبسبب ان المجتمع ذكوري فإن النكت تعبر عن رغبة الرجل دون رغبة المرأة فهي محظورة تماما في حالة كونها متزوجة، ومع ذلك نجد بعض النكتة تنتهك هذا المحظور.
فالنكتة التي تروي أن الطفل سأل أمه لماذا يغازل الثور البقرة دائما، قالت له في حضور الأب ارفع صوتك حتى يسمع الثور ( تومئ إلى زوجها) وهنا تدخل الأب وقال للطفل هل الثور يغازل بقرة واحدة أو يتنقل بين البقرات، فأجاب الطفل : بل يتنقل بين البقرات، وهنا قال الأب لابنه: ارفع صوتك حتى تسمع البقرة.
أما خيانة الزوجة لزوجها، فلا مبرر ديني ولا اجتماعي لها، ومع ذلك فما دامت النكتة تتصور عالما آخر غير عالم الجد، ففي عالم السخرية والمزح تخترع المسوغات، ومن أهمها الإنجاب، ففي النكتة التالية، يكون الإنجاب مسوغا للمرأة الخائنة، فالطفل يسأل أمه لماذا انا أبيض وأخي أسود؟ فأجابته: اسكت يا بني لو عولنا على أبيك لم نكن لنطال أبيض ولا أسود.
وتفضح النكتة نسق الخيانة أو الخلف (عدم الوفاء) بالمثل فالزوج الخائن لابد أن تكون زوجته خائنة من حيث لا يدري، وهي قد تكون رسالة للأزواج من أجل الوفاء، إن كانوا يرغبون أن يكون الشريك وفيا، وبغض النظر عن أن الخلف ذكوري مشروع أو أنثوي غير مبرر، فالخلف يتطلب خلفا من الشريك المقابل سواء أكان ذكرا أو انثى.
فقد يكون هذا المغزى من النكتة التالية ، فقد وُضعت جائزة ألف جنيه لمن له عشر أولاد، لكن رجلا كان له مع زوجته تسعة أولاد فقط، وكان للرجل ولد عاشر من امرأة أخرى دون علم الزوجة أم الأولاد التسعة، فقال لها: ما رأيك لو كان عندنا عشرة أولاد؟ فقالت كنا نكسب الجائزة. فقال لها عندي ولد عاشر من امرأة أخرى سأحضره ونأخذ الجائزة، وذهب ،ولما رجع لم يجد الأولاد فسألها أين هم؟ فأجابت: كل ولد جاءه أبوه وأخذه!! .
وتفضح النكتة أن نسق الخيانة أو الخلف بين الزجين حتى لو لم يكن له مسوغ من الدين ونحو ذلك من المسوغات (خيانة المرأة) فإنه كامن ومستتر، لأن الرغبة في متعة التنوع، إن كانت عند الرجل معلنة أو يمكن ان تسوغ نظرا للنظام الباطرياركي الذكوري، فهي كامنة عند الأنثى ويمكن أن تعامل الزوج بالمثل في حالة الخلف أو عدم الوفاء عند غياب الوازع الديني والأخلاقي..
قداسة الدين ودناسة الجنس:
أهم ما يثير الضحك في النكتة المفارقة بين عالمين متناقضين، أو قل انتقال المفاجئ بين عالمين شديدي الاختلاف، وهذه المفاجأة أو ظهور عنصر من عالم هازل في عالم جاد بطريقة غير متوقعة هو الذي يثير الإضحاك من الموضوع في عالم المرح، والانتقال إلى اللاضحك عن الموضوع الذي ينحو بالإنسان إلى الجد ويدعو إلى التأمل ومن ثم النقد وتعرية المستور (ينظر: محمد سعيدي، الأدب الشعبي بين النظرية والتطبيق ص82 ).
وليس هناك علاقة تناقض بين عالمين كالعلاقة بين المقدس والمدنس، فالجنس عالم متهتك وإن كان في الإطار الذي شرعه الدين والمجتمع، فكما قال ابن سيرين ’’ألذّ الجماع أفحشه‘‘وقال الأحنف: إن أردتم الحظوة عند النساء فأفحشوا النكاح وأحسنوا الخُلق(الراغب الأصفهاني محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ص300/ج2) وروي عن بعض الصالحين أنه كان يقول في دعائه : (( اللهم قوّ ذكري على نكاح ما أحللت لي)) (الجاحظ : رسالة المفاخرة بين الجواري والغلمان ص.ج2/ص95.).
وعندما يختفي نسق التفحش وراء نسق التعفف والتستر، تبرز النكتة لتنتهك المحظور وتعري المستور، لكن المفارقة تكون أكثر مفاجأة إذا جاءت ممّن يتنظر منه الحشمة والورع بسبب الانتساب الى التدين كأئمة الجوامع أو معلمي القرآن، وعندما يبيح رجل الدين انتهاك المحظور الديني من أجل لذة الجنس فالأمر يصبح أكثر دعوة للتأمل في تضارب الأنساق الثقافية. وفي ذلك تحكى هذه النكتة التي تجعل انبهار الإمام بالفتاة الشقراء ينسيه ركن الصوم، وهو من أركان الإسلام الخمسة ،فقد تزوج رجل امرأة شقراء أوروبية على أن تدخل الإسلام ، لكنها فوجئت برمضان شهر الصوم وطلب منها ان تمتنع عن الأكل والشرب من الفجر إلى الغروب فرأت أن ذلك صعب عليها وأن الزوج لم يخبرها بهذه الفريضة وإلا لكانت امتنعت من البداية عن الدخول في الإسلام، ألحت الأم على ابنها أن يطلق هذه الزوجة التي لا تصوم رمضان، لكن الرجل أراد أن يلتمس فتوى من إمام المسجد وجاء الإمام ورويت له الحكاية ، فطلب ان يرى الزوجة الأجنبية ،فانبهر بجمالها فقال للزوج : يابني رمضان يمضي ويعود أما هذه فإذا مضت فلن تعود احتفظ بزوجتك.
فنسق التدين ينهار أمام نسق الدنيا ومتاعها، وهكذا يشير إلى أن الإنسان تصارعه نوازع متضاربة بين ضغوط الدين وإكراهاته، وبين حاجاته الأساسية في الزواج والجنس فأحيانا يتجاهل الإملاءات الدينية.
النهم الجنسي واستيهام الإشباع:
قدرات الإنسان البدنية محدودة، لكن الرغبة المقموعة ردحا من الزمن تترك آثارها في اللاشعور، فيصنع الإنسان عالما متخيلا عن طريق سرد النكتة، ليحقق في الخيال ما لا يقدر على تحقيقه في الواقع. وهكذا تأتي النكتة لتكشف عن النسق المستور وهو النهم الذي لا حدود له سواء لدى الرجل أم المرأة، وربما كانت المرأة ولا تزال أشد تعرضا للكبت الجنسي في المجتمع الذكوري، لذلك فإن الشره الجنسي عند المرأة أسبابه نفسية واجتماعية نابعة من الثقافة نفسها.
يسمي علماء النفس هذا النوع من الشره الجنسي عند المرأة nymphomania ،وقد تكون أسبابه هرمونية ، لكن قد يكون فقدان التفاعل العاطفي مع البنت في فترة المراهقة او الطفولة ، كما قد يكون محاولة للتهرب من واقع أليم وفاجع فتلجأ المرأة للممارسة الجنسية بشكل متكرر(مجلة الجمهورية: أنطوان الشرتوني :النيمفومانيا شراهة الجنس عند النساء20 تموز 2015).
ومن الناس من يعتبر الغلمة أو الرغبة الدائمة عند المرأة أمرا طبيعيا ، ويروى حديثا ينسب إلى النبي (ص) فهو إذن حقيقة ثابتة قال صلى الله عليه وسلم :’’أَرْبَعٌ لا تَشْبَعُ مِنْ أَرْبَعٍ : لا الأَرْضُ مِنْ مَطَرٍ , وَلا الأُنْثَى مِنْ ذَكَرٍ , وَلا الْعَيْنُ مِنْ نَظَرٍ , وَلا الْعَالِمُ مِنَ الْعِلْمِ ‘‘ (الأربعون حديثا لابن بابويه ،حديث رقم: 11)
وهكذا فإن النكت التي يرويها الجاحظ والراغب الأصفهاني وابن أبي طاهر وغيرهم...تركز على شره النساء أكثر من شره الرجال. فهذه امرأة تشتهي أن يجامعها الرجل أربع مرات روى الأصفهاني : ’’وقيل لبصرية أي الرجال تشتهين؟ فقالت: لا أدري غير أني أعلم أن الأول داء والثاني دواء والثالث شفاء، ومن ربع فنفسي له فداء‘‘(الراغب الأصفهاني المرجع نفسه: 2/1097).كما روى ابن أبي الطاهر(بلاغات النساء) نكتا يترفع الأنسان عن ذكرها لفرط إفحاشها. وقد روى الجاحظ فقال : ’’وكانت بالمدينة امرأةٌ جميلةٌ وضيّة، فخطبها جماعةٌ وكانت لا ترضى أحداً، وكانت أمُّها تقول: لا أزوجها إلاَّ من ترضاه. فخطبها شابٌّ جميلُ الوجه ذو مالٍ وشرف. فذكرتْه لابنتها وذكرت حاله وقالت: يا بنيّة إن لم تزوّجي هذا فمن تزَّوَّجين؟ قالت: يا أُمَّه: هو ما تقولين، ولكنّي بلغني عنه شيءٌ لا أقدر عليه. قالت: يا بنيّتي لا تحتشمين من أمِّك، اذكري كلَّ شيءٍ في نفسك. قالت: بلغني أنَّ معه أيراً عظيما وأخاف ألاَّ أقوى عليه. فأخبرت الأمُّ الفتى فقال: أنا أجعل الأمر إليك تُدخلين أنت منه ما تريد وتحبسين ما تريد. فأخبرت الابنة فقالت: نعمْ أرضى إن تكفَّلت لي بذلك. قالت: يا بنيّةُ والله إنّ هذا لشديدٌ عليّ، ولكنِّي أتكلَّفه لك. فتزوّجته. فلما كانت ليلة البناء قالت: يا أُمَّه، كوني قريبةً منّي لا يقتلْني بما معه. فجاءت الأمّ وأغلقت الباب وقالت له: أنت على ما أعطيتنا من نفسك؟ قال: نعم، هو بين يديك. فقبضت الأمّ عليه وأدنْته من ابنتها فدسَّت رأسه في حرها وقالت: أزيد؟ قالت: زيدي. فأخرجت إصبعاً من أصابعها فقالت: يا أُمَّه زيدي. قالت: نعم. فلم تزل كذلك حتَّى لم يبقِ في يدها شيءٌ منه، وأوعبه الرجل كلَّه فيها، قالت: يا أُمَّه زيدي. قالت: يا بنيّة لم يبقِ في يدي شيء. قالت بنتها: رحم الله أبي فإنّه كان أعرف الناس بك، كان يقول: إذا وقع الشيء في يديك ذهبت البركةُ منه. قومي عنّي!‘‘ (الجاحظ: رسالة المفاخرة بين الجواري والغلمان ص).
ومن النكت الدالة على المبالغة في نهم النساء للجنس إلى حد المبالغة والصورة والكاريكاتورية المضحكة، ان أمرأة دخلت محلا لبيع أدوات الجنس فطلبت عضوا ذكوريا اصطناعيا ،فقال لها البائع : لك ان تختاري بين هذه الأنواع المعروضة أمامك، فلما أخبرته باختيارها أصابه الذعر وقال :عفوا سيدتي فهذه أنبوبة المطافئ!!!
الغلمة أو النهم الذكوري:
يعتبر علماء النفس هذا النوع من النهم من الأمراض النفسية ويصطلحون على تسميته Satyriasis وترى الباحثة في سيكولوجية الجنسBedmar Martin Irene من المهم أن نجعل من جسدنا صديقا لا عدوا في إشارة واضحة إلى أن هذا النوع من الغلمة يتراكم ويتحول إلى مرض. فالساتيريازيس يجعل جسد الرجل كريها ويمكن ان يكون الجنس عند الرجل مشكلة خطيرة، وبالتراكم على مرّ الزمن يمكن ان يفقد الجنس لذته، فعوض الاستمتاع بالجسد والوصول بالرغبة إلى شيء إيجابي من الاكتفاء والإشباع والاسترخاء، والسعادة.. يأخذ الرجل في الجري وراء استيهامات جنسية، فالرغبة حينئذ تتحول إلى إثارة قلق كبير يحرك منابع مجهولة ويلغي متعة الجنس (Nos Pensées: Satyriasis addiction sexuelle masculine).
شهوانية الرجل ونظرته إلى المرأة من خلال رغبته في الجنس، وهي التهمة التي يتهم بها الرجل الشرقي خاصة والرجال بصفة عامة، واما النهم فشيء آخر وهو عدم الشعور بالإشباع إلا بتولد رغبة إلى إشباع جديد ، ومن الأنساق الثقافية في مجتمعاتنا الشرقية ألا نتكلم عن الجنس بجدية، وأن نسوقه فقط للتعبير عن الفحولة او في سياق نكتة بذيئة، اما المرأة فهي وقحة وقليلة الحياء وربما اتهمت في عرضها إذا أظهرت كلاما في الرغبة في الجنس او الحديث الصريح عن هذه الحاجة الجسدية.
ومادام المجتمع ذكوريا بامتياز فلا يعيب الرجل ان يتكلم عن الموضوع باستخدام الألفاظ النابية، بل إن ما يعده علماء النفس مرضا خطيرا وهو تكرار الجماع ، تعده أدبيات الثقافة العربية الإسلامية مفخرة ورجولة وفحولة وقوة من عند الله موهوبة.
بل أكثر من ذلك فقد نسبوا إلى الأنبياء والصحابة والتابعين والمتصوفة كثرة الجماع وذلك من كمال الرجولة، فبدءا بالأنبياء فقد روى البخاري ان الرسول (ص) كان يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشر، قلت لأنس أو كان يطيقه؟ قال كنا نتحدث انه أُعطي قوة ثلاثين. واخرج الطبري عن أنس بن مالك فضلت على الناس بأربع : السماحة والشجاعة وكثرة الجماع وشدة البطش‘‘ وهناك روايات مختلفة ،تقول أعطي قوة أربعين رجلا واخرى أعطي قوة بضع وأربعين رجلا وأخرى خمسة وأربعين رجلا في البضاع.. وأخرى بضع وسبعين شابا....الأمر الذي يجعل كثرة الجماع عند الرجل محمدة لا مذمة، وما قيل عن النبي (ص) نبي الإسلام قيل عن أنبياء آخرين ،فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سليمان بن داوود لأطوفن الليلة على تسعين امرأة في رواية مائة. وفي رواية ابن عساكر ألف امرأة.. فطاف عليهن.(ينظر: السيوطي :الوشاح في فوائد النكاح ص42 وما يليها).وحتى يكون لهذه القوة على الجماع قبولا عقليا جعلوها تتجاوز العقل بان تكون قوة أسطورية ،فقد جاء جبريل النبي (ص) بهدية من الجنة فأكلها فأعطي قوة أربعين رجلا في الجماع (أخرجه ابن عدي عن ابن عباس، السيوطي المرجع نفسه ص43 ).
لكن النظرة إلى كثرة الوطء باعتباره من المفاخر، لا يجعلها تنسب إلى الأنبياء وحدهم بقوة أسطورية، إنما إلى الصحابة والتابعين والأولياء الصالحين، فقد قال القاضي عياض في كتابه الشفاء، ’’النكاح متفق على التمدح بكثرته، والفخر بوفوره شرعا وعادة فإن دليل الكمال وصحة الذكورية ولم يزل التفاخر بكثرته عادة معروفة، والتمادح به سيرة ماضية‘‘ (القاضي عياض، الشفاء بتعريف حقوق المصطفى ص131).وكان ابن عمر رضي الله عنه يفاخر بكثرة النكاح فيقول: ( ما أعطي أحد من الجماع بعد رسول الله (ص) ما أعطيت). وفي شرح البخاري للصنعاني:( إن كل من كان أتقى لله كان أشد شهوة)(الصنعاني التنوير في شرح الجامع الصغير.ج1/ص288). والقراء أغلم الناس لأنهم لا يزنون، وعن سعيد بن مالك أنه طاف على تسع جوار في ليلة واحدة ثم أقام عند العاشرة، وروي عن الجنيد انه كان يقول احتاج إلى الجماع كما احتاج إلى القوت ثم قال فالزوجة سبب لطهارة القلب، وكان ابن عمر يفطر من الصوم على الجماع قبل الأكل وربما جامع قبل أن يصلي المغرب، ثم يغتسل لتفريغ القلب لعبادة الله. وكان الحسن رضي الله عنه منكاحا فقد نحج زيادة على مائتي امرأة (السيوطي المرجع السابق ص51).
وقد ذكر السيوطي مضار الإفراط في الجماع، قال إنه يسبب الفتور ويضر بالعصب ويورث الرعشة وضعف الحركات الإرادية ويضعف القلب والرئة ويرق الكلى ويهزلها...الخ لذلك لابد من بعض التدابير التي يذكرها السيوطي وهي احتياطات فيقول ويختلف ضرر الإسراف في الباه بين الناس على اختلاف سجاياهم وامزجتهم ،لذا ينبغي ألا يقدم عليه المشايخ وذوو الأبدان الضعيفة واما المرضى فيزيد في أمراضهم، وعلى من يريد الإفراط من غير الشيوخ والمرضى ان يقلل من التعرق في الحمام ويقلل من فصد الدم ، وعليه ان يتغذى تغذية جيدة من سمن ولحم الغنم وغير ذلك من التدابير (السيوطي :رجوع الشيخ إلى صباه في القوة على الباه ص..) ومع ذلك وتماشيا مع الجو العام للنسق الفحولي فالسيوطي يذكر عددا كبيرا من العقاقير والأطعمة المركبة والتدابير المقوية للباه بل بعض الكيفيات ينصح بها لتكبير وتغليظ الذكر.
وعلى هذا فالغلمة عند الرجال فخر وليست عارا ولا بهيمية ، وقد كشف الغذامي ان الفحولة نسق ثقافي مضمر في الثقافة العربية ولا فرق في ذلك بين امرئ القيس وبين شاعر معاصر كنزار قباني وأدونيس. هذا النسق الفحولي كما يرى الغذامي ’’يتسرب إلى وجداننا من غير رقيب ومن ثم تصبح نماذج تحتذى في السلوك الاجتماعي والسلطوي...ويعزز مفهوم التسلط والتعالي الفردي ويدفع إلى طغيان الذات المفردة والمرتبط بالضرورة بإلغاء الآخر ورفض التعددية وهي قيم خلقها وعززها النموذج الفحولي الشعري وصارت قاعدة مسلكية لكل نماذج التسلط والفردية الاجتماعية والسياسية‘‘ (الغذامي : النقد الثقافي ص251/252).
أما في النكتة وبسبب الجو الهازل، والأوضاع الخاصة التي تحكى فيها النكتة الجنسية خاصة، فالفحولة تتحول إلى نسق معلن مفاخر به، والجو الهازل ما خرج عن المعتاد ، وكان خارقا للمتوقع، من ذلك أن المسن لا يرجى منه كثرة اتصال بسبب ضعف قوته، وأن الشاب هو الذي يقوى على المعاشرة الزوجية. غير أن النكتة التالية تنتهك هذا النسق لتحل محله نسقا آخر مفاده ان الراحة النفسية والطعام الصحي الذي لا يكون ثمينا أو دسما إنما يكون تقليديا هو الذي يقوى الرجل على المباضعة بل على الإكثار منها، فقد شكت امرأة زوجها الشيخ الذي جاوز السبعين إلى القاضي متهمة إياه بأنه كثير الجماع حتى أنها ضاقت به، فأراد القاضي، ان يتثبت من الأمر فسأله: هل صحيح انك تكثر المضاجعة إلى الحد الذي تدعيه الزوجة، فقال سيدي القاضي، لقد استرحت من الدنيا وأشغالها ، فربيت الأبناء وشبوا عن الطوق وافترقوا ولم يعد معي إلا هذه الزوجة التي أخذتها عن كبر، فماذا عساني أفعل معها؟ فكلما كانت الى جانبي أحس بالحرارة وينتشر متاعي ، فكان لا بد أن أخمده وما أرى من ذلك بدّ ،وكذلك الحال في الصباح قبل النهوض من فراشي ، وعند إتياني القيلولة أجدها إلى جانبي فأخمد متاعي، وإذا استيقظت من قيلولتي اجدها إلى جانبي فأحس بما أحسست به من قبل ، وعند المساء آوي إلى فراشي فتكون إلى جانبي فأفعل ما فعلت ولا أرانى تعديت الحق إذا اخمدت متاعي بما أحل الله لي ، تعجب القاضي من قدرة الشيخ المسن على المضاجعة (أربع مرات يوميا) وظن أنه يتغذى غذاء مخصوصا، فسأله: ماذا تتغذى أيها الشيخ؟ فقال الشيخ سيدي القاضي نحن فقراء لا نملك إلا حبات تمر ومذقة لبن، ولقمة طعام وكسرة خبز ولحسة من دشيش القمح. فجعل القاضي ينظر إلى فخذيه ويقول بصوت خافت: تفوه تفوه على الدجاج!!!
نجد مقابلة ساخرة بين الشيخ المسن الفقير والغذاء المتواضع تمر ولبن وكسرة من جهة، والشاب ذي المنصب والجاه والذي يتغذى غذاء شهيا أساسه لحم الطير (الدجاج) من جهة أخرى. بينما نجد قدرة الشيخ الفقير وعجز الشاب الميسور، فالنكتة تشيد بالجيل القديم وتحط من شأن الجيل المعاصر ومستوى معيشته، وبالنتيجة تكرس النسق التقليدي الذي لازم الثقافة العربية الإسلامية وهو نسق الفحولة. واعتبارها مما يفضل الناس بعضهم على بعض.
الشيخوخة والجنس:
الشائع بين العامة أن المسنّ سواء أكان رجلا أو امرأة لم يعد في حاجة إلى الجنس ،من الناحية العلمية فالرغبة الجنسية عند كبار السن، وإن كانت لا تفقد تماما وتبقى موجودة لكنها تقل إلى أقصى حدّ ، وهذا حسب السن فذوو الستين أكثر رغبة من ذوي الثمانين بطبيعة الحال، سواء عند الرجل المسن أو عند المرأة العجوز بصفة خاصة، غير أن النكتة ،وهي دائما تفاجئ السامع بما هو غير متوقع بطريقة مازحة، لذلك تكثر النكات عن الشيوخ والعجائز فيما يتعلق بالممارسة الجنسية.
ورأينا في فقرة عن الشبق الأنثوي أن المرأة العجوز فضلت الزواج على تأدية العمرة (زيارة مكة)، بحجة أن (مكة مش هاربة)،وعلى الرغم من أن الجنس في الزواج مشروع مجتمعيا ودينيا، لكن اعتقادات المجتمع الخاطئة في عدم حاجة الشيوخ إلى الجنس وهي راجعة إلى أن المثيرات الجنسية التي يعرفها الإنسان العادي من رشاقة القد وبضاضة البشرة ونعومة الشعر وغير ذلك من مظاهر الجمال لم تعد موجودة لدى العجائز أو ناقصة إلى حد كبير، تجعل الجنس أو الرغبة عند الشيوخ أمرا غير مستساغا وربما مضحكا بدرجات متفاوتة.
فمن نكت الرجال الشيوخ أن شيخا ماتت زوجته العجوز التي كانت تؤنسه، فعرض عليه أبناؤه أن يزوجوه بامرأة تؤنسه فقال لهم نحن فقراء ولا نملك المال الكافي فقالوا لهم عندنا بهيمة لا نحتاج إليها في العمل نبيعها ونزوجك بثمنها، ثم تشعب الحديث إلى مواضيع أخرى ، والرجل ينتظر إلى ان يعودوا إلى موضوع زواجه، لكنهم لم يعودوا وابتعدوا كثيرا عن الموضوع حتى نسوه، والرجل العجوز قلق لنسيانهم هذا الموضوع الهام بالنسبة إليه والذي يبدو غير ذي أهمية كبيرة بالنسبة إليهم، ولما فقد صبره انتفض غاضبا : هيا ارجعوا إلى الحديث عن البهيمة هل نبيعها أم نحتفظ بها؟؟
وهكذا صارت جملته الأخيرة بمثابة المثل السائر ، فكلما ابتعد قوم عن موضوع يهم أحدهم أكثر من غيره قال مازحا عودوا بنا إلى الحديث عن البهيمة.
هذا عن الجنس المشروع: الزواج، لكن الطرافة قد تتجاوز ذلك إلى الجنس خارج إطار الزواج سواء بمبررات أم من غير مبررات، من هذه المبررات الجنس الغصب ، فقد قام مجموعة من المجرمين باختطاف عجوز وفتاة، وبعد صعودهما للسيارة بالقوة، قال احدهم سنغتصبكما، فبدأت الفتاة الشاب تصرخ : أنزلونا!!! أنزلونا!!! فصاحت العجوز: اللي تتكلم ..تتكلم عن نفسها..!!.
ودخل لص إلى بيت ليسرق ، فوجد عجوزا، فأخذت تصرخ: حرامي حرامي!!! فقال لها كفي عن الصراخ وإلاّ اغتصبتك، لكنها لم تكف عن الصراخ، فخاف اللص وتراجع وهو خارج ، قالت العجوز: حرامي وكذاب!!!.
والجنس موضوع حرج، وكسر للوقار الذي ينتظر من المسنين، لكن الرغبة لا تموت عندهم، ومن ثم يظهر هذان النسقان المختلفان .يفصح احدهما عن نفسه: الرغبة، وينتهك الأخر: الحشمة والحرج..
العجز الجنسي:
من المعروف أن الجنس يديم المودة والألفة والمحبة بين الزوجين، وكلما كان الزوج قادرا على إرضاء زوجته في الفراش كان التغلب على العقبات التي تنتاب الحياة الزوجية، لكن الرجل قد تمر به حالات طارئة أو دائمة، بسبب مرض أو كبر سن، فلا يصبح قادرا على العلاقة الحميمية على الوجه الأكمل. ومن ثم يصعب استعادة الحال إلى ما كان عليه فأبسط المشاكل العارضة يتفاقم ويولد خصاما أشد .
قيل لرجل عجوز كانت امرأته تشاره (= تخاصمه)أما من أحد يصلح بينكما؟ فقال مات الذي كان يصلح بيننا.(أبو حيان التوحيدي: البصائر والذخائر.ج1/ص517).
وهكذا فالعجز يرتبط غالبا بالشيخوخة وتقدم السن، وقد يرتبط بالسحر وخاصة ليلة الزفاف حين يربط العريس على عروسته
فمركزية الفحولة في المجتمع الذكورى تجعل عدم قدرة الرجل على الجماع خزي وعار وخيبة ، لكن الرجل كثيرا ما يعيد الخيبة إلى المرأة، كما سنرى في حكاية الأصفهاني، ونجد نسقين متعارضين نسق الفحولة والرغبة في الحفاظ عليها والاعتزاز بهذا باعتبارها عنوان الحيوية، ونسق العوائق التي تجعل الرجل عاجزا كالكبر والمرض، وقد يلتمس العذر بالكذب أو بالحيلة أو غير ذلك.
فالنكتة تقول إن شيخا عجوزا خطب امرأة شابة فطلب منه أهلها إثبات بشهادة طبية انه قادر على المعاشرة الجنسية في هذه السن المتقدمة، فجاءهم بشهادة من عند الطبيب مكتوب عليها : ي.ي.ي. فقالوا له ما هذه الحروف ، قال لهم مصطلح طبي معناه : يقدر- يجامع -يوميا. لكنه عجز من ليلته الأولى، فأخذت الفتاة الوثيقة وذهبت إلى الطبيب لفك شفرتها، فقالت له فسر لي هذا المصطلح الطبي، فقال لها : يحمد ربي. يقدر .يبول.
وفي التراث العربي كثير من النكت عن عجز الرجل ومحاولته إيجاد الأعذار، من ذلك مارواه الأصفهاني:قعد أعرابي بين فخذي امرأة فلم يتنشر، فقالت له قم يا خائب فقال لها : الخائب من فتح جرابه ولم يكتل ومن هذا أخذ الشاعر قوله:
أتت بجرابها تكتال فيه *** فقامت وهي فارغة الجراب . (الراغب ج1/443.)
لكن العجز الجنسي قد لا يكون عن الجنس في ذاته – كما رأينا ذلك في قضية فلسطين- فالعجز الجنسي قد يخفي وراءه عجزا عن الحياة التي يرتضيها المواطن وهي حياة الكرامة الإنسانية، وعجزا عن إثبات الذات حضاريا في عالم يعج بالحضارات القوية التي تلتهم الضعيف، لذا يمكن ان يكون عجزا جنسيا للمجتمع بأسره، وربما كان المخرج السينمائي شريف عرفة في فلم له بعنوان النوم في العسل ،بطولة الممثل الشهير عادل إمام، ويعالج الفلم مشكلة الإحباط والعجز وجهل المجتمع وعدم اعترافه بهذا العجز وتتفشى الظاهرة، ويفشل المجتمع حتى في الإعلان عنها، و يغلب مفتش الشرطة مجدي والصحفية سلمى على أمرهما ويترك الأمر للتعبير التلقائي لقوى الشعب الكادحة لتتألم من وضعها البائس وعدم إحساسها بالكرامة.
وعلى الجملة فالنكتة الجنسية تبدأ بالمفارقة التي تثير الضحك، بسبب الانتقال المفاجئ بين عالمين عالم جاد وعلم هازل، لكنها تنتهي بمعالجة مواضيع خطيرة كالشره والفحولة وانتهاك المحظور والنسق الذكوري القامع للمرأة والمحظورات الاجتماعية والعجز الحضاري وفضح الأنساق المخفية.


نشر في الموقع بتاريخ : الأحد 27 محرم 1440هـ الموافق لـ : 2018-10-07



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

رابح بلطرش وحديث للاذعة الثقافية موعد للنقاش

موعد للنقاش الاعداد : رشيد صالحي

مواضيع سابقة
13 سنة تمر على رحيل الشاعرة و الروائية نجية عبير
بقلم : علجية عيش
13 سنة تمر على رحيل الشاعرة و الروائية نجية عبير


شاعرة حالمة ... قراءة في تجربة ريتا عودة الشعري
بقلم : شاكر فريد حسن
شاعرة حالمة ... قراءة في تجربة ريتا عودة الشعري


أنا و الآخر
بقلم : حفصة موساوي
أنا و الآخر


الودّ المعرفي
بقلم : د: ليلى لعوير
الودّ المعرفي


قصائد نثرية قصيرة
الشاعر : محمود غانمي سيدي بوزيد - تونس
قصائد نثرية قصيرة


لضَّاد و نزف الرَوح
بقلم : فضيلة معيرش
لضَّاد و نزف الرَوح


قصة قصيرة جدا / كابوس
بقلم : بختي ضيف الله المعتزبالله
قصة قصيرة جدا / كابوس


للحرية عيون مغمضة
بقلم : د. محمد سعيد المخلافي
للحرية عيون مغمضة


مَنْ يَكْبَحُ جِمَاحَ الْمُتنمِّرِينَ..؟! / وَمَنْ يَنْتَشِلُ الأسْتَاذَة..؟!
بقلم : حمد الصغير داسه
مَنْ يَكْبَحُ جِمَاحَ الْمُتنمِّرِينَ..؟! / وَمَنْ يَنْتَشِلُ الأسْتَاذَة..؟!


عادل عبد المهدي
بقلم : علاء الأديب
عادل عبد المهدي




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com