أصوات الشمال
الخميس 3 رجب 1441هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * شكرا لك امي   * "الإبحار الى حافة الزمن" مع الأديب د. جميل الدويهي   * قراءة ثقافية لقصيدة الظل والصليب لصلاح عبد الصبور   * عصفور من الشرق    * لذة المرثاة في مجموعة " وفيٌّ لرقم حذائي" للشاعر فريد اليوسفي   * سفر ميمون دون كسشوط( ترجمة )   * الشاعر عمر عمارة يحصد آلاف المتابعين بنصوصه الأدبية بالرغم من سياسة إنستغرام   * الشهادة    *  أقذر من "جحا"!!!   * أعوان الأمن بشركة سوناطراك ...متى التوظيف بعقود دائمة؟؟   * صدور عدد شباط من " الإصلاح " الثقافية    * حكايات الميترو    * كعكة اللّص صاحب ربطة العنق ! قصة قصيرة جدا.   * صفقة القرن وتلافيف متاهة جزيرة " كريت "   * إلى عاشق فلسطين   * فكر الكابالا والخيال اليهودي في مسرحية ديبوك   * كلية الآداب بجامعة عنابة تحتفي باللِّسانيات واللُّغة العربية في ندوة علمية   *  صابرحجازي يحاور الكاتب والشاعر التونسي خالد الكبير   * فرع عنابة لاتحاد الكتاب يحتفي بالشاعر العصامي الطاهر خشانة    * تضامن شعبوي واسع مع السردوك (الديك)!    أرسل مشاركتك
الإستفزاز الجمالي في العتبة الروائية عند الطاهر وطار
بقلم : عبد الغني بن الشيخ
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 642 مرة ]
عبد الغني بن الشيخ

يتبوّأ العنوان في الرواية أهمية قصوى، لذا يوليه الروائي أهمية خاصة في بنائه وصياغته، بما يكسبه بُعدا دلاليا مفتوحا،ينأى به تماما عن الطابع الإبلاغي العادي،وهي السّمة البارزة في العتبة الروائية المعاصرة،بصفة خاصة،كون العنوان، يمثّل العتبة الرئيسية الأولى التي يلج القارئ من خلالها فضاء النّص الروائي، مُزوّدًا بخلفية ثقافية وقرائية، تعدّد مستوياتها و درجاتها من قارئ إلى آخر، غير أنّ بعض العناوين الروائية تثير استفزاز القارئ بشكل خاص، فتجذبه وتستهويه، فلا يروي ظمأ فضوله سوى قراءة الرواية من البداية إلى النهاية.

في ذلك، عمَد الطاهر وطار في خطابه الروائي إلى استحضار لغة الحياة اليومية و موروث الذاكرة الشعبية الجزائرية بشكل مقصود، لما لهما من حضور و دلالات قوية في التواصل الإجتماعي، في واقع الحياة اليومية للجزائري، ويدلّ ذلك على وعيه الفذّ بقدرة المتداول شعبيا من الملفوظات على التأثير في نفسية المتلقي، إذْ أنّ مجرّد التّلفظ شفهيا بعبارات أو أمثال شعبية معينة في حضرة هذا المتلقي أثناء الحديث إليه، من شأنه أن يثير حساسية عالية لديه، فالخطاب كما يعرفه بنفنيست هو " كل تلفّظ يفترض متكلما ومستمعا حيث يسعى الأول إلى التأثير في الثاني بكيفية ما"(1)ولا يختلف ذلك عمّا هو مكتوب، غير أنّ للخطاب المكتوب - كما هو الشأن في خطاب الرواية – خصوصية، تجعله مختلفا عن أي خطاب شفوي، حيث" يُودَع مصيرُ الخطاب في أيدي الحروف المكتوبة لا الأصوات المنطوقة"2)
وبذلك "يتمّ عزل الرسالة عن مرسلها، وتنقطع الرّابطة بينهما، فيتحوّل القول من عمل ملفوظ إلى عمل مكتوب، يتعذّر فيه على المُرسِل تدعيم مقولته بحركات منه، أو إشارات تكمّل نواقصها، أو تنبّه إلى مواطن النّـقص فيها، وإنّما تعتمد الرسالة على نفسها، وعلى ما حمَّلها مُرسِلها من عناصر شاعرية و طاقة إشارية، تكون قادرة على النفاذ إلى ذهن القارئ، فتثير فيه أثرها الجمالي"(3).
وذلك ما ينهض به تناص الموروث في الخطاب الروائي عند الطاهر وطار، فهو حين يستثمر تلك المادة المتداولة في شكل عبارات أو أمثال شعبية في سياق روائي، فإنّه ينقلها من دلالاتها الأصلية إلى دلالات مختلفة في سياقات جديدة، ذات أوجه تأويلية متعددة، كما يضفي عليها طابعا جماليا أكثر إيحاء، ممّا هو عليه الحال في لغة التواصل العادي، وهو ما يتجلّى في عناوين بعض رواياته، التي تستفز كيانك كمتلقٍ منذ الوهلة الأولى، لما له من خصوصية ودلالات، و من أمثلة ذلك (عرس بغل) و(اللاّز)، فالعنوان الأول فيه مفارقة صادمة، تتماهى فيها لغة الأدب متمثلة في كثافة الإيحاء في العنوان، مع لغة اللاأدب في بعدها التداولي الشعبي الأخلاقي، متمثلة في مدلول لفظة بغل (في قاموس التواصل الإجتماعي الشعبي)، والتي تستعمل عادة للشتم، حين يوصف به شخص ما، باعتبار البغل حيوانا هجينا يولد نتيجة تزاوج حمار وفرس.
وقد عبّر عنه ابن رشيق في هجائه للبغل:
"فأوصيكم بالبغل شراً فإنــه من العير في سوء الطباع قريب
وكيف يجيءُ البغلُ يوماً بحاجة تســرّ وفيه للحمـــار نصيب؟"
لذا تبدو المفارقة عجيبة في إضافة كلمة عرس لبغل، فضلا عن أنّ هذا العنوان يمكن قراءته باللّغة الفصحى( عُرسُ بَغْلٍ) كما يمكن قراءته باللّهجة العامية الجزائرية(عرسْ بغَّل)، فتكون الدلالة مختلفة بين القراءتين نسبيا، وهي في الثانية أقوى دلالة وتأثيرا، بما أنها تحمل طاقة قوية من الإيحاء،نتيجة تحويلها من مجرد لفظ شعبي إلى عنوان ذي دلالة سيميائية روائية، ولا غرابة بعد ذلك في أن يفيدنا السارد بأن ذلك العرس سيقام في فضاء منبوذ إجتماعيا هو(الماخور) وأن العروس والعريس كليهما ينتميان إليه، ذلك ما تدلي به إحدى الشخصيات الرئيسية في الرواية: "تولَّ كلّ الأمر. أنا عليَّ الإنفاق، وأنت عليك إقامة عرس بغل لم يشهد تاريخ المواخير مثله".
والقارئ حين يشرع في قراءة هذه الرواية يجد نفسه متورطا في الدخول إلى هذا الفضاء(المبتذل)ذهنيا والتلفظ/ قراءة بالكلام المبتذل ولو على المستوى الذهني، فهو إما أن يقرأ أو يتوقف عن القراءة، لكنّ أحداث الرواية تجرفه بتيارها إلى آخر جملة في الرواية، لا يكف فيها عن طرح أسئلة/التأويل التي لا تنتهي. من؟ كيف؟ ولِمَ؟ ومتى؟ وهل؟ وغيرها وغيرها.
ذلك ما ينطبق على (اللاّز) بوصفه ملفوظا شعبيا مألوف التدوال في المقاهي الشعبية الجزائرية، لارتباطه بورق اللّعب (Jeu de cartes) لكنه يستخدم كناية للشتم والتحقير في الوسط الشعبي أيضا، ليتحوّل إلى إشارة حرّة ملغّمة بالدلالات ذات الأبعاد السياسية والتاريخية الحسّاسة عند الطاهر وطار، في الرواية التي تحمل العنوان ذاته.

د.عبد الغني بن الشيخ
باحث مهتم بالسرد الروائي

إحالات:
1-Emile Benveniste,Problème de linguistique générale,édition Gallimard,Paris,1966,T I. p241.
2- بول ريكور: نظرية التأويل ( الخطاب وفائض المعنى )، ترجمة سعيد الغانمي، ص 60.
3- عبد الله محمد الغذامي: الخطيئة والتّكفير (من البنيوية إلى التشريحية)، ص 24/25.

نشر في الموقع بتاريخ : الجمعة 22 جمادى الأول 1441هـ الموافق لـ : 2020-01-17



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

نهر الطفولة

زبير دردوخ
مواضيع سابقة
الشهادة
بقلم : الدكتور ابراهيم الخزعلي
الشهادة


أقذر من "جحا"!!!
بقلم : فضيلة زياية ( الخنساء)
                                                            أقذر من


أعوان الأمن بشركة سوناطراك ...متى التوظيف بعقود دائمة؟؟
الدكتور : وليد بوعديلة
أعوان الأمن بشركة سوناطراك ...متى التوظيف  بعقود دائمة؟؟


صدور عدد شباط من " الإصلاح " الثقافية
بقلم : شاكر فريد حسن
صدور عدد شباط من


حكايات الميترو
بقلم : إبراهيم مشارة
حكايات الميترو


كعكة اللّص صاحب ربطة العنق ! قصة قصيرة جدا.
بقلم : عبد الغني بن الشيخ
كعكة اللّص صاحب ربطة العنق !  قصة قصيرة جدا.


صفقة القرن وتلافيف متاهة جزيرة " كريت "
بقلم : العقيد بن دحو / ادرار / الجزائر
صفقة القرن وتلافيف متاهة جزيرة


إلى عاشق فلسطين
شعر : جمال الدين خنفري
إلى عاشق فلسطين


فكر الكابالا والخيال اليهودي في مسرحية ديبوك
بقلم : محمد جهاد إسماعيل
فكر الكابالا والخيال اليهودي في مسرحية ديبوك


كلية الآداب بجامعة عنابة تحتفي باللِّسانيات واللُّغة العربية في ندوة علمية
الدكتور : محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة
كلية الآداب بجامعة عنابة تحتفي باللِّسانيات واللُّغة العربية في ندوة علمية




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1441هـ - 2020م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com