أصوات الشمال
الأربعاء 8 صفر 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * الشدة المستنصرية   * اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى يفتتح موسمه الثقافي   * مقطع من روايتي" قلب الإسباني "   * فجيعة الوطن العربي الكبرى   * وليد عبد الحي: السلوك العربي أنتج منظومة فكرية غرائزية متكاملة   * في رحابِ الموعـــد..!   *  في عدمية النص الفلسفي الغربي و موضة الإتباع... إيميل سيوران نموذجا عابرا   * العدد (50) من مجلة "ذوات": "السوسيولوجيا العربية في زمن التحولات"   * 13 سنة تمر على رحيل الشاعرة و الروائية نجية عبير   * شاعرة حالمة ... قراءة في تجربة ريتا عودة الشعري    * أنا و الآخر   * الودّ المعرفي   * قصائد نثرية قصيرة   * لضَّاد و نزف الرَوح   * قصة قصيرة جدا / كابوس   * للحرية عيون مغمضة   * مَنْ يَكْبَحُ جِمَاحَ الْمُتنمِّرِينَ..؟! / وَمَنْ يَنْتَشِلُ الأسْتَاذَة..؟!   * عادل عبد المهدي   * استعجلت الرحيل   * بلا دبابة..فرنسا تحتل الجزائر؟؟    أرسل مشاركتك
للحرية عيون مغمضة
بقلم : د. محمد سعيد المخلافي
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 739 مرة ]


محال العزف عليها لأنها أصلاً بلا أوتار ..ولأنها الحرية حق لها التنغيم أزلاً فلا تحيا مغموماً, وحاول ما أستطعت أن تغمض كل مافيك للغواية مشرع وتطرَّب معها بعدئذ ككل الكائنات.

هاقد صرت الآن حراً أتحسس جناحاي بمنقار عظمي بارد أجد لمسيسه الحساس إستحلاء أفتقدته طيلة سنوات إسترقاقي مع تلك الأنامل اللحمية اللدنة الدافئة
...أخيراً سأعيش حراً مثلما تمنيت ولن أعود ابداً مستلباً خاضعاً لقوانين الطبيعة البشرية ولتلك الأباطيل الرائجة في من كنت إلى ماقبل دقائق معدودة معدوداً قسراً في عدادهم
لكن هيهات فليس بعد الآن ..فأنا الآن طير سأرفرف بجناحي وأعلو في الفضاء مخلفاً في الأسفل حالة الإستلاب والخضوع تغوص حتى أذنيها في وحل التيه البشري مشلولة الحركة تجتر توهيماتها العبثية الضارة بينما يتآكلها نبذها الرعديد للحقيقة
.
الحقيقة أن هؤلاء البشر على مر تأريخ تقعرهم السقيم لم يستطيعوا ولو للحظة إقناعي بإمكانية تجزئية الخضوع والقول بعدها بأن بعضه لا يتعارض مع الحرية
.
ما الجدوى من المغالطات.. هداهم الله أرادوا بخالص ضلالات تطبيب ألم الشعور بالعجز فضلوا السبيل المستطاع تخبطاً إلى تطبيب العجز ذاته وأنّى لهم التعافي بالإستكبار الأرعن بديلاً عن الإقرار بحقيقة خضوع التفاحة لقانون الجاذبية وبأنه لادخل لإرادتها في السقوط.. التفاحة ليست حرة فقط يا هؤلاء البشر ولن يتسامى أبدا تبصركم إلى معرفة أهي مستاءة لذلك أم لا
.
قد أدركت باكراً بأن الطيور المحلقة تستسخف من عليائها التشخيص البشري البائس للحرية جملة و تفصيلاً, لأنها أبصرت من الأعلى فبانت لها بوضوح حقيقة البشر التواق للحرية بجشع متمرد على روح الله, والعاجز واقعاً عن النوال بحكم قوانين طبيعته المحكمة, والساخط والمتعدي نتيجة بوحي من الشيطان ..هكذا إستبانت ضآلته وإدمانه للهروب المخزي الذى وسعه إلى حد إدعائه يوماً الجبرية وأراده أن يستطيل لولا صلابة قوانين طبيعته ذاتها, فأرتد ممعناً في الشذوذ إلى حرية إرادته يقلَّمها حتى أحالها مسخاً متدرج البشاعة بحسب أفق فهمه للحرية إتساعاً وضيق, ولأنني عايشت هذا الأخير بكل تفاصيله الشنيعة, كان رباطي إلى أن توفقت أخيراً في مقايضة كياني البشري مع ذلك الطائر المخدوع.. الذي يتفاقم شعوري بتأنيب الضمير بخصوصه وأسلو قليلاً لدى تفكيري بأني لم اجبره على هذه المقايضة فقد كان حراً إلى آخر لحظة قبل أن يقع في شرك خداعي له بربحية صفقته معي
...لكن لِما كل هذا الشعور بالذنب أخاف انه تبقى لدي شئياً من إنسانية والا ما الذي يحملني على جلد ذاتي بلا أدنى سبب
..كل مافي الأمر أنه سألني هل سيكون في مقدوره القعود على كرسي متأرجح محبوك من القصب في شرفة منزل خلاب, يشهد مغيب الشمس وأوبة الطيور بينما يرتشف الشاي بالنعناع
.
أكدت له فقط بأنه سيكون في مقدوره فعل هذا
...صحيح أنني لم اكتفي بهذا وحدثته قليلاً عن تباريح هدهدة الكراسي الحانية الرؤوم, وعن رائحة النعناع التى ستملئ مسام روحه بالإنتشاء, وعن تعاظم غبطته حد الرضا الخالص وهو يرى أطفاله حوله يمرحون ويلوّحون إلى الطيور المخضوبة بحمرة الشفق مرسلين ضحكاتهم العذبة أطيافاً تلوّن الأفق ..هذا كل ما قلته
...ولعلني تفوهت بكلام آخر لا أتذكر جيداً..أعتقد أنني ذكرت له شيئاً عن فرقعة الأصابع المستطاب, وعن الأثر المدهش لمستحضرات التنعيم والترطيب الخاصة بالأيدي تحديداً, وشئياً عن صنوف الرياضات الرفيهة التي تمارس بالأيدي وكيف أنها تروض الروح قبل الجسد, وعن نشوة ضرب الأصابع العاجية للبيانو... وربما أكون قد أسهبت بذكر أشياء أخرى على هذا المنوال مما لم أعد أتذكره...إلا انني قد تحريت فيها الصدق قطعاً
.
أعترف أنني لم أصارحه بأن أول عهده ببشريته قد يعيش متشرداً ًبلا مآوى وبأن هذا الحلم بالذات من متعلقات الإستقرار الوادع و يحتاج لتحقيقه سنوات طوال من السعي الدؤوب الكفيل بأن ينسيه حتى أسمه, وبإحتمالية أنه قد لا يتحقق بالأساس حتى لو تطاولت السنين وبخاصة اذا تبقى فيه شيئاً من نقاء الطيور..لم اخبره بهذه الأشياء لأنها لم تطرأ على بالي حينها ولم أتعمد إخفاءها
..وبفرض انني تعمدت ليس ذنبي أنه لم يتأنى ويحتاط أكثر على غرار تطلبه ولجاجته بخصوص الطول والحجم واللون حتى أنه إشترط عينين بلون مجروش الأرز فأعلمته بتلطف محدودية الألوان المتاحة لعيون البشر وبرغم هذا ظل يتوخى ألوان إتضح أن جميعها تخص مجروش حبَّات لا أعرف أكثرها حتى كدت اتراجع عن المقايضة لفرط ملالتي, في الوقت الذي لم أطلب سوى أن أكون طيراً بمثل هيئته.
المهم أن الصفقة تمت ولا يمكن لأحدنا التراجع.. و اخاله الآن يختال بقده المديد الممتلئ وإن لم يكن بطول وضخامة السنديان كما إشترط بداية الا أنه ظهر لي مبتهجاً بمظهره النهائي الذي إنتقى بحرية مطلقة أدق تفاصيله بما في ذلك طول أطرافه العلوية الزائدة الشوهاء
.
لا أدري لماذا يستغرقني التفكير بمصيره مع كل هذا الشعور بالأسف بَينَا قد يكون الآن يستفرغ كلام مقزز عن محددات الحرية وتعارضاتها, وأحسبه وقد أزبد فمه لايكف عن لغبه القائل بمقت الحرية متى كانت على شاكلة حرية الطيور الإباحية غير المقننة ..المسكين أحدس بأنه سيمضي عمره إلى أن يموت متجاهلاً لحقيقة أن ما أسماه إباحية لا يتجاوز الشبق فيها حد الباعث نحو غاية بقاء النوع.. ولا نتعداها ونبتغي ما وراءها كما يفعل البشر شهوة وتردياً عن الفطرة والسنن ..وحقيقة أننا لسنا بحاجة لإرادة شعبية زائفة مزورة أو جاهلة في أحسن أحوالها لتنظم شؤون حياتنا لأننا أصلا بلا أحقاد مصلحية ونزعات هوى نعيش كما أراد لنا خالق جبلت ألٌسننا على ان تلهج بتسبيحه في طريق مستقيم لا يقعد لنا فيه إبليس وذريته وقبيله
..لكن ما النفع من قول هذا لمخلوق مفتون وهبه خالقه حرية الإختيار
..لا شأن لي به الآن ولا يستحق التفكير بشأنه إلا بالقدر الذي يجعلني بمنأى عن بندقية صيده ومصائده وعبثه الضار بالطبيعة الذي أرجو أن لايطال يوماً هذه الشجره الفاتنة سكني الذي أرتضيه وسكينتي المأمولة
.
تباً لهؤلاء البشر الذي شغلني التفكير في شؤونهم عن التحليق حتى كادت الشمس تغيب..لايهم سأمضي الليل بطوله محلقاً في فضاء الضياء والإلتماع مكتفاً مستريح أسامر القمر والنجوم وانادمها كؤوساً هنيئة مريئة من قناعة الوجود إلى أن تنزف نفوسنا إلى نفاسة رحاب الوجد به لا سواه شكراً وتمجيد حمداً وتوحيد
.
هاهو الليل يرخي سدوله ومعه أسدلت عيناي جفنيهما فجأة بلا إستئذان ولم أمتعض لكونها مأمورة ...إذن تصبح على خير ياحلم يقظتي السامر مع القمر فقد تيقنت الآن بأني لست طيراً ليلي..لكني في ظلمة عيوني المغمضة وضاح البصيرة استحضر بزهد الحلم المنير نفسه...الحلم الناسك..الحبيس....... الذي لا ينام.

نشر في الموقع بتاريخ : الثلاثاء 29 محرم 1440هـ الموافق لـ : 2018-10-09



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

رابح بلطرش وحديث للاذعة الثقافية موعد للنقاش

موعد للنقاش الاعداد : رشيد صالحي

مواضيع سابقة
13 سنة تمر على رحيل الشاعرة و الروائية نجية عبير
بقلم : علجية عيش
13 سنة تمر على رحيل الشاعرة و الروائية نجية عبير


شاعرة حالمة ... قراءة في تجربة ريتا عودة الشعري
بقلم : شاكر فريد حسن
شاعرة حالمة ... قراءة في تجربة ريتا عودة الشعري


أنا و الآخر
بقلم : حفصة موساوي
أنا و الآخر


الودّ المعرفي
بقلم : د: ليلى لعوير
الودّ المعرفي


قصائد نثرية قصيرة
الشاعر : محمود غانمي سيدي بوزيد - تونس
قصائد نثرية قصيرة


لضَّاد و نزف الرَوح
بقلم : فضيلة معيرش
لضَّاد و نزف الرَوح


قصة قصيرة جدا / كابوس
بقلم : بختي ضيف الله المعتزبالله
قصة قصيرة جدا / كابوس


للحرية عيون مغمضة
بقلم : د. محمد سعيد المخلافي
للحرية عيون مغمضة


مَنْ يَكْبَحُ جِمَاحَ الْمُتنمِّرِينَ..؟! / وَمَنْ يَنْتَشِلُ الأسْتَاذَة..؟!
بقلم : حمد الصغير داسه
مَنْ يَكْبَحُ جِمَاحَ الْمُتنمِّرِينَ..؟! / وَمَنْ يَنْتَشِلُ الأسْتَاذَة..؟!


عادل عبد المهدي
بقلم : علاء الأديب
عادل عبد المهدي




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com