أصوات الشمال
الثلاثاء 7 صفر 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * الشدة المستنصرية   * اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى يفتتح موسمه الثقافي   * مقطع من روايتي" قلب الإسباني "   * فجيعة الوطن العربي الكبرى   * وليد عبد الحي: السلوك العربي أنتج منظومة فكرية غرائزية متكاملة   * في رحابِ الموعـــد..!   *  في عدمية النص الفلسفي الغربي و موضة الإتباع... إيميل سيوران نموذجا عابرا   * العدد (50) من مجلة "ذوات": "السوسيولوجيا العربية في زمن التحولات"   * 13 سنة تمر على رحيل الشاعرة و الروائية نجية عبير   * شاعرة حالمة ... قراءة في تجربة ريتا عودة الشعري    * أنا و الآخر   * الودّ المعرفي   * قصائد نثرية قصيرة   * لضَّاد و نزف الرَوح   * قصة قصيرة جدا / كابوس   * للحرية عيون مغمضة   * مَنْ يَكْبَحُ جِمَاحَ الْمُتنمِّرِينَ..؟! / وَمَنْ يَنْتَشِلُ الأسْتَاذَة..؟!   * عادل عبد المهدي   * استعجلت الرحيل   * بلا دبابة..فرنسا تحتل الجزائر؟؟    أرسل مشاركتك
مركزية الهامش في أدب ابراهيم الكوني قراءة في رواية ناقة الله.
بقلم : مرزاقة زياني
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 395 مرة ]
مرزاقة زياني

الحديث عن أدب الهامش يحيل بالضرورة إلى الحديث عن أدب المركز ، أدب المؤسسة ، أدب المهيمن والمُسيطر ، الغالب ، فالذات العربية ذات مغلوبة ، مهزومة قابعة تحت وطأة المركزية الغربية ،ولفهم ظاهرة التهميش نُقدم على مساءلة واستكناه هذه "الذات العربية المُسلِمة المهمّشة التي تأمل كسر المركزية الغربية، والتى هي ذات متعددة ، متشظية يحكمها منطق الثنائية الضدية الحريصة على التراتبية : مركز/ هامش ،وهو منطق تقاومه إنتاجات الروائيين المنتمين إلى الهوامش ، والذين جعلوا من الحفر في أعماق التاريخ سبيلهم لمراجعة مفهوم الهوية " و من أشهرهم الروائي الليبي إبراهيم الكوني الذى يجسّدُ نوع من الكتابة المسكونة بهاجس الهامش والتي تجسّدت من خلال خيار فني وإبداعي تجلى بسرد و تسليط الضوءعلى هوية المجتمع الطوارقي من خلال ثنائيات: الاستقرار/الترحال، السلطة/العامة ، الصحراء/ المدينة ، "فالكوني ينتمي إلى مجموعة بشرية مهمشة (الطوارق ) داخل بلد مهمش ثقافيا (ليبيا)، من قبل هامش يعتبر نفسه مركزا داخل الدائرة العربية (المشرق) " أنتج أدبا إنسانيا عالميا.
يحاول إبراهيم الكوني الاشتغال على ما هو هامشي في الواقع، كي يصبح مركزاً في الرواية حيث استطاع أن يصوغ تجربة إبداعية انزاحت عن باقي التجارب الروائية التي ارتكزت على موضوعة الصحراء إلى أفقٍ أكثَرَ رحابةً لتشييد مشروع روائي عربي إنساني ؛ حيث ينطلق مشروع ابراهيم الكوني من المادة المتخيلة باتجاه الماضي، ليستعين بأحداث مختلفة وآليات متباينة في القص :الحكاية الشعبية ،الأسطورة ، الخرافات ،السحر، الرؤى الصوفية ،الكتابة الطارقية المنسية ،الرسم ،القرآن الإنجيل التوراة ، التاريخ ،" وتكمن المراجعة التي يقدمها الكوني في محاولة نقد المدنية الحديثة التي تعيش في شرك المادة :المال ،السلطة ،الانقلاب على القيم المكتسبة والاستلاب وتتبدى على مستوى التعبير الثقافي فكرة الماضي أفضل من الحاضر والبدائي أحسن من المدني الراهن، ؛فالبرغم من انفتاح الفضاء الصحراوي على كل شيء ،إلا أنه يبقى مغلقا على مستوى الخطاب الروائي أمام تخوم المدينة ،فلا نكاد نشعر بحركة المدينة المتاخمة للفضاءات الروائية إلا قليلا " وهنا يبرز الدور الريادي والتأسيسي لمحاولة ابتداع نسق روائي صحراوي جديد طرحا ورؤية وتوظيفا ،و لعل المفارقة تكمن "في المخالفة الأصيلة والمبتكرة التي تتمثل في التوظيف المبدع لجنس أدبي غربي قائم على الاجتماع والمدينة أساسا ،وتكريسه للكتابة عن الصحراء القائمة على الانفصال والوحدة."

– ملخص الرواية : تدور أحداث الرواية في فترة الستينيات من القرن العشرين وهي حقبة تاريخية مهمة في حياة قبائل الطوارق، إذ قُسمت "تينبكتو" مملكة الطوارق بين أربع دول هي ليبيا والجزائر والنيجر ومالي، وفقاً لمصالح فرنسا التي كانت تحتلها، وبسبب ذلك هُجّر عدد كبير من الطوارق من وطنهم الأصلي، ليعيشوا فصول الشتات والاغتراب.
تتناول الرواية المذابح التي ارتكبها بالطوارق "موديبوكيتا"، أول زعيم لجمهورية "مالي" بعد حصولها على استقلالها، إذ قاد حملةً شرسة ضدهم، فسجن قسماً، وقتل قسماً آخر، وأصبح قسم ثالث في عداد المفقودين ،وكيف أنهم أصبحوا غرباء في أرضهم وصار لزاماً عليهم أن يقدموا برهاناً على انتمائهم إليها وثائق ثبوتية لا يملكونها، وأن يدفعوا كل ممتلكاتهم مكوساً ويحمدوا الله أنهم لم يخسروا حياتهم أيضاً. "أضحت المطالبة بالهوية الثبوتية من أناسٍ كانوا منذ الأزل أطيافاً في أكبر أوطان الأرض مساحةً ذريعة للإيقاع بالقوافل، وسبباً قانونياً لإيداع أصحابها في السجون بعد مصادرة أرزاقهم".
القضية الأبرز التي تناقشها الرواية هي الحنين إلى الوطن المفقود، فالناقة "تاملالت" تتوق إلى ذلك الوطن الذي ولدت فيه، أمضّها الشوق، وأضناها الوَجد، وصارت تصارع كل شيء كي تعود إلى "الفردوس المفقود"، لكنها كانت أشجع من أسيس صاحبها الذي لم يتجرأ على العودة، هربت منه، متجهةً صوب مستقر القلب، ولم يحتج هو إلى الكثير من الذكاء ليدرك وجهتها، فمضى في إثرها، في رحلةٍ فجّرت أسئلةً موجعة عن معنى الوطن، والانتماء، والمنفى، والاغتراب، وذلك السرّ الغامض في شعور الكائن الحيّ تجاه المكان، "ولكن شيئاً يسكننا، لا بدّ أن يستيقظ فينا ليستنكر حجّتنا. شيئاً لا اسم له، ولا لسان له، ولا كيان له، ولا يعترف بمنطق ولا برهان، لأنه نداء. إنه النداء الذي لا يعترف بالأرض ما لم تكن أرضه، ولا بسماء ما لم تكن سماءه، ولا بنجوم سوى نجومه، ولا بشمس ما لم تكن شمسه، ولا بروح ما لم تكن روحه، لأنه في الحقيقة هو الروح التي تسكننا، وتشدّنا إلى هذا المكان وليس ذاك المكان، إلى هذه الأرض وليس إلى تلك الأرض، إلى هذه السماء وليس إلى تلك السماء". - يستعيد إبراهيم الكوني في روايته ناقة الله تيمة الخروج من الوطن، والتّيه في الصّحراء بحثًا عن جنّة مفقودة، البطل في نصّ الكوني الرّوائي هو النّاقة تأملّالت، التي شكّلت محرّك البحث عن وطن أُخرِج منه الطّوارق عنوة بعد تقسيم الصّحراء الكبرى وتعود أحداث الرّواية إلى ستينيّات القرن العشرين، على عهد حكومة «موديبوكيتا» التي قمعت الطّوارق بشدّة، وزجّت بمعظم نشطائهم في السّجون.
يُذكّرأسيس و تاملّالت في رحلتهما المضنية بخروج آدم وحوّاء من الجنّة، حيث يمزج الروائي بين الواقعي والأسطوري في النص، وتنتمي غالبيّة الأحداث المتعلّقة بالنّاقة تاملّالت إلى الغرائبية فهو "لم يعرف لنفسه خلاًّ سواها، ولم يجد لنفسه مخلوقًا يفهم له منطقاً غيرها" يطرح من خلالها مسألة حبّ الوطن والتّعلّق به، ويرى المنيّة في رحابه أهون من العيش بأمان خارجه ،لا حياة خارج الوطن "فإنسان المنفى لا يحيا، ولكنّه يعيش على أمل أن يعود إلى الوطن يوماً كي يحيا" .
يتوقّف إبراهيم الكُوني مطوّلاً عند الحروب الّتي مزّقت الصّحراء وقسّمتها، ويروي المذابح التي ارتكبها موديبوكيتا وشركاؤه، والمكائد بين البيض والسّود، ويتحدّث عن الفرنسيين أصل الفتنة، الذين عملوا على محو تينبكتو مملكة الطوارق، واستصدروا بحقّهم فرمان الموت، لأنّهم رفضوا أن يكونوا عبيداً لعبيد ، يقول أحد الشهود العيان الذي نجا من الأسر: "نحن من جنى على أنفسنا يوم اخترنا الحريّة ديناً، وليس لنا أن نلوم الأمم إذا ناصبتنا العداء، لأنّ احتراف الحريّة هو ما لا يُغتَفر، وليس لنا إلّا أن ندخل في دينهم إذا شئنا أن ننجو بأنفسنا .
وما يرويه الكاتب في ناقة الله لا يبدو غريباً أو بعيداً من الأحداث التي تعيشها المنطقة العربيّة من نزاعات وانقسامات وتحالفات ودمار. وكأنّه لا يروي مأساة الطوارق وحدهم، إنّما هي قضيّة تشرذم معظم أنحاء العالم العربي، وتفسّخه. يطرح الكوني على لسان أسيس أسئلة عن العدالة الإلهيّة إزاء الموت الذي تغرق فيه الصّحراء، ما يجري، كما يرى، أشبه ما يكون بعمليّة إبادة جماعيّة لكلّ من يضع لثاماً، أمام هذه المجازر يسأل"فكيف يسمح الله بذبح الأبرياء؟ أيعقل أن يقف الله موقف المتفرّج وهو يرى الأبرياء يُنحرون كما تُنحر ضحايا العيد؟" .
عن الموت الذي يعمّ الصحراء، ويقتفي أثر كل ملثم لينحَره يتساءل الكوني: "بأي حق تجازي العدالة الإلهية أناساً كل ذنبهم أنهم أحبوا الله وفرّوا به من السواحل، ومن الواحات، ومن الممالك كلها، إلى أقسى صحاري الدنيا، ليختلوا بالله في البرية ليعبدوه في الحرية؟" تتمركز هوامش كثيرة في بؤرة ومركز اهتمام المتن الروائي وتتحوّل إلى تيمات قارّة في مجمل أعمال الكوني الابداعية ، وينتقل هذا الكم الهائل من المُغرِق في المحلية إلى أدب عالمي يُتَرجَم إلى جل لغات العالم ،حيث نجد : الطوارق ، الصحراء، المرأة ، الحيوان ، القيم الروحية ، الحرية ...تيمات مركزية في أدب ابراهيم الكوني. 1 - مركزية الحيوان : " يشكل الايمان بوحدة الكائنات مرتكزا رئيسيا للبناء الفكري والروائي للكاتب ابراهيم الكوني، حيث نجد أنّ هذه الفكرة المتكررة لديه واضحة المعالم في أكثر من عمل روائي صنعه، فرواية نزيف الحجر تمثل انطلاقة هامة لهذه الفكرة حيث يتوحد البطل أسوف مع الصخور ، ومع الودّان، وفي رواية التبر نجد أنّ أوخّيد يرتبط أو يتوحد مع الابلق ذلك المهري الاعجم، ارتباطا روحيا وجسديا يتجاوز في حدوده العلاقة التقليدية بين الإنسان والحيوان، ولذلك يستوي عند الكوني الانسان والحيوان والجماد، وفق نزعة وحدة الكائنات البارزة عنده"
وفي روايته ناقة الله تظل الشخصية المحورية هي :الناقة ،الناقة تاملالت التى يقول عنها ساهو: "كلنا نحلم بكسب ود دوابنا ، كلنا نصادق مطايانا ، ولكن يجب أن لا نستسلم لأحلامنا فنصنع من أنعامنا معبوداتنا" ، تحضر الناقة برمزية تحيل إلى أهمية الأنثى ودورها القيادي في المجتمع وتمثل ناقة الكوني الأم النبيلة الطيبة التي رأت قومها قد تفرقوا و في ذلك إحالة إلى أمومية المجتمع الطوارقي ، واسم الناقة في الرواية " تأملالت و التي تعني بلغة الطوارق الجاموس البري، ولكونها ناقة حرة تمردت على راعيها لتسلك طريق العودة إلى النبع الجاف والرمل الذي نشأت فيه ،و التي شكّلت محرّك البحث عن وطن، تتوق حنيناً ووجداً إلى الوطن، وتصارع كل القيود والعراقيل كي تعود إلى أرضها، دون أن يجد راعيها ومحبها أسيس ترياقاً يشفيها من حنينها الموجع إلى الوطن ،" فقد قطعت كل عقال" ، ولم ينفع معها أي قيد "ففي اليوم الذى تلبّسها الشّجن و يمّمت نحو الجنوب لتمكث في هذا الوجود أيّاما كان هو ينزف دما ، بل ينزف بما هو أسوأ من نزيف الدم ،كان ينزف روحا لم ينزف روحا تعاطفا معها ،ولكنه نزف روحه توقا للحلول في الوطن ، فكم من مرة ساءل نفسه عن سرّ هذه الأحجية المسماة وطنا" تتصاعد أحداث الرواية كمعزوفة شجية تفيض بالشعر والحنين، وبالأسئلة الروحية والفلسفية الموجعة عن معنى الوطن والحرية والعدالة يتداخل فيها الواقعي بالأسطوري حيث تنتمي غالبيّة الأحداث المتعلّقة بالنّاقة تاملّالت إلى الغرائبية فهو "لم يعرف لنفسه خلاًّ سواها، ولم يجد لنفسه مخلوقًا يفهم له منطقاً غيرها" يطرح من خلالها مسألة حبّ الوطن والتّعلّق به، ويرى المنيّة في رحابه أهون من العيش بأمان خارجه فلا حياة خارج الوطن "فإنسان المنفى لا يحيا، ولكنّه يعيش على أمل أن يعود إلى الوطن يوماً كي يحيا" .
2- مركزية الفضاء ( الصحراء) : "ولعل فكرة المكان ستكون مركز اهتمام الكوني كلما تقلب في انشغالاته إذ تركز أعماله على المكان بصفته وطناً ومنفى ٬ وبصفته هوية و انتماء وفنتازيا مفتوحة لكل احتمال تستدعيه حركة الرواية وشخوصها أنا شتغل بتداعي حر أستعيد فيه مراجعي دون أن اقف عند مخاوف محددة .. إّن كل مرجعية أو ذاكرة بالنسبة للروائي هي عدة تجعله يتحاشى السرد العام إلى أصول السرد –يقول الكوني". و قي اعتباره الصحراء فضاء مفتوحا و روحا عارية ذات قوانين مخالفة يرى ضرورة استنطاق قوانين هذه الروح العارية و وجد في الأسطورة قدرة على استنطاق تلك القوانين لمن يحاول التعبير عن حقائق الوجود .
الصحراء والكوني ثنائية عجيبة ، والصحراء وحدة عضوية موضوعية لا تتغير إلا من حيث المعالجة الفنية والغريب أنه في كل نص يكتبه لا يكرر نفسه بل يكتب بعشق جديد وكأنه يعالج الموضوع لأول مرة. وإن كانت الصحراء مسرحا شحيحا فقد صاغ من ذلك عوالم غنية بالمعاني والدلالات المفتوحة على جوهر الوجود و الكون.
ويجيب الكوني عن التساؤل المفترض القائل بسر استغراق الصحراء لكل أعماله بقوله : "عندما درست الآداب في معهد غوركي كانوا يحدثوننا عن نظرية الرواية بوصفها فنا مدنيا.. لا ينتمي إلى الريف أو الصحراء.. وفي الوقت نفسه يطلبون منا أن نكتب عما نعرفه.. وأنا لا أعرف سوى الصحراء.. وهذا يعني أن تلك النظرية حكمت عليّ بالموت ، فقررت أن ألقي بقفاز التحدي ولم أكتب عن الصحراء رواية واحدة، بل روايات ملحمية من أجزاء عدة… واكتشفت أن المدينة ليست أساس الرواية ، بل هي لغز اسمه الإنسان… فكل إنسان هو رواية في حد ذاته ، وكل صحراء لها حق الوجود وحق أن تقول كلمتها ،فليس أجمل من طبيعة الصحراء لأنها عارية ومكشوفة ولا تخفي شيئا". فالصحراء عنده إذا هي:" الانتماء ٬ والأصل ٬ والانبعاث ٬ والتجدد ٬ و الاإستمرار ؛هي القداسة مقابل التبر رمز المجتمع المادي الذي يطغى بقيمه الإستهلاكية التي تفرض على الإنسان الكثير من الإنحناء ٬ والتخلِّي عن الكثير من القيم التي قد لا يحيا بدونها". إن شرط الرواية ليس المكان وإنما العلاقة، وفي الصحراء علاقات بالحد الأدنى ولهذا كان إنتاج رواية صحراوية تحديا كبيرا . استطاع الكوني أنسنة الفضاء الحكائي المكاني ،بحيث أصبح للصحراء حضورا إنسانيا من خلال تلك القيم والصفات الإنسانية التى وَسَمَها بها فهي الأم الحنون / القاسية ، وهي الجدة ، المعلم ،الحكيم ،المنتقِم ، الجبار...هذه الأنسَنَة مصبوغة بصبغة التمجيد والتقديس للمكان .

3- مركزية الطوارق: يزيح السرد ، في روايات ابراهيم الكوني، اللثام عن أمة لطالما احتجبت وراء اللثام، وهي "الطوارق" فالاهتمام ينصرف في معظم رواياته الى كشف طبيعة الصراع المستحكم بين مجموعة منتخبة لا يخفى امتدادها العرقي والديني، وهي القبائل في الصحراء الكبرى، ومعاينة علاقتها فيما بينها، وفيما بينها والصحراء المترامية الاطراف، فالسرد عند الكوني يخلق سلسلة من الأساطير التخيلية الخاصة بالطوارق، ومحورها العلاقة الملتبسة والمرتبكة بين الانسان والانسان او بين الانسان المتوحد والحيوان، ولو رتبت تلك الاساطير على وفق أنساق محددة، لشكّلت بمجموعها ما يمكن الاصطلاح عليه ب "ميثولوجيا الطوارق".
تميّز وربما تفرد الكوني في تصوير أقوام عالم الصحراء الليبية - الافريقية، والتي تمتد سهوبها غربا نحو الجزائر والمغرب وموريتانيا، وشرقا حتى تتصل بالصحراء الغربية في مصر، وجنوبا حتى قلب القارة الافريقية ؛ تلك الأقوام الصحراوية القديمة التي عرفت بالطوارق "لا يطلقون على أنفسهم هذا الاسم فهم كأمم كثيرة يطلقون على أنفسهم اسماً آخر مستعاراً من تراثهم وتاريخهم وتجربتهم ولغتهم وهو “إيموهاغ” وهو جمع لمفردة “أماهغ” الذي يعني الغريب أو النبيل أو الضائع أو المحروب المغلوب على أمره، حتى أنهم يرددون في أمثالهم عبارة تقول “إيماهوغ أمهيغن” أي الطوارق مفقودون أو مسلوبون، تعبيراً عن إحساسهم العميق بضياعهم لا في المتاهة التي تمثلها الصحراء الكبرى وحسب ولكن تعبيراً عن إحساسهم التراجيدي بالضياع في الوجود الإنساني" هكذا يقدم الكُوني "أهله وعشيرته في مقدمة كتابه بيان في لغة اللاهوت الذي يشرح فيه اللغة البدئية التي هي برأيه اللغة الدينية الأولى وهي وليدة لغة الطوارق التي كانت أول اللغات الساكنة التي يمثل فيها كل حرف كلمة."
- إضافة إلى أنه " يصعب القول إن ابراهيم الكوني، استناداً الى التمثيل السردي الذي تجلى في رواياته، قد قدم "مجتمعات هامشية" تعيش على تخوم مجتمعات متماسكة، ذلك انها تظهر "هامشية" بمقدار كونها مجهولة للمتلقي الذي اعتاد نوعاً من التلقي الخاص بعوالم مختلفة، ومن ثم فإن الجهل بها، انما هو نوع من القصور الذاتي ذلك ان "الثقافة الحديثة" تعتبر حواضرها مركز انطلاق، ومحاور للمعاني، وما عداها اطراف لم تندرج في سياق التاريخ، وبالنسبة لطوارق الكوني، فالامر مختلف، فالأصح بالنسبة لهم هو اعتبار العالم بعيداً عن الصحراء هامشاً، أما الصحراء بالنسبة لهم فهي المركز، ففي قلب ذلك المكان الشاسع، تتأسس سردياً كتلة قيم ضخمة لها رؤاها وتصوراتها للعالم وللحياة، ولها حكاياتها وأساطيرها، ولها نظام قرابة شبه طوطمي..."
نظر الكوني إلى العالم الطوارقي نظرة "معبأة بالقداسة، وكأنه الفردوس المفقود، ولذا فهو يروى كل شيء فيه من حكايات وأساطير وخرافات وذلك بتسليط الضوء على منظومة الأخلاقيات والفضائل التي يتسم بها أبناء الصحراء من الطوارق، ويتجلى ذلك من خلال تصوير جدلية العلاقة مع الحيوانات التي تتسم بالتوحد مع الكائنات المحيطة، فالعلاقة مع كل مايحيط به علاقة عضوية تستغرق حياة الانسان الصحراوي كاملة، يصف الحزن العميق الذى يقطّع الناقة تاملالت بقوله :" لقد شاهد حزنا عميقا في مقلتيها طوال هذه الأشهر ...تساهلت لكن الحزن في حدقتيها لم يبشر بخير ،ظلت تحوم ،تناور،تتظاهر بالتسامح ، لكن حِيَلُها لم تنطلِ عليه ؛لم تكن لتنطليَ عليه لأنّه أعلم ُ بها من نفسها كما كانت هي أعلم به من نفسه" كما أنه كان مسكونا بتصوير العالم الوطني التحرري للطوارق من خلال مقاومتهم للغزاة المستعمرين من إيطاليين وفرنسيين .








- خاتمة :
- يعتبر الروائي الليبي ابراهيم الكوني (1949)، واحدا من أبرز وأهم الروائيين العرب المعاصرين، لقد اختار الكوني عالمه الروائي السردي الملحمي في هذه المنطقة التي ظلت لآلاف السنين موطنا لقبائل الطوارق التي تتداخل حدودها وتتلاشى في تلك الصحراء الشاسعة، الأمر الذي خلق تراثا غنيا وحيا ومتنوعا من الخبرات الانسانية والثقافية لدى أبناء قبائل الطوارق بدءا من الاسلام الذي اعتنقوه ومرورا بكتلة من العقائد البدائية والوثنية، والموروثات الاسطورية والخرافية التي عمقت جذورها في التربة الثقافية والمخيال الشعبي الجمعي لمجتمع الطوارق، وشكلت بالتالي خصائصه النفسية والفكرية وتصوراته الاجتماعية والوجودية بشكل عام.
أما ناقة الله للكوني فهي كعادة الكوني في حديثه المرمز واسقاطاته على واقعنا المعاصر من خلال الادراك الروحي والفلسفي لعمق الإنسان وأهميته والعودة إلى الأصول للخلاص والتوق،وكيف أن الصراع الإنساني الموغل في قدمه هو صراع حول شيء لا قيمة له أشياء وضيعة البشر هم من جعلوا لها قيمة في حياتهم. وذلك بقصد البناء الفني لعوالم الميثولوجية الصحراوية التي يعيد الكوني صوغها بوحي خبرته الثقافية في اكتشاف روحية إنسان الصحراء ، واستشراق عوالمه الذاتية ، وسبر فيض قلقه البدائي الفطري.
لقد اجتهد الكوني في إبداع كتابة روائية تتفرد بمناهجها الجديدة وصوغ أحلام كائنها الذي أسقط عصريته وحضارته على ماضيه بحثاً عن أجنحة وجودية تنقذه من اغترابه ، وقلقه الحضاريين ، وذلك من خلال الالتحام بتاريخه البيئي ، وحكيه الفطري الذي يحلّق به إلى عوالم سحرية تجيره من خرابه الداخلي ، وتصير هذه العوالم التي تتصل بمدارات السريالية "موضوعات قريبة في غرابتها من عوالم الحلم وما يخرج عن العالم المألوف من رموز وأشكال هذه الغرائبية جزء أساسي من دلالات الواقعية السحرية كما شاعت في الأدب ، فهو يتبنى في مجمل رواياته رؤية تمجد الطبيعة الصحراوية، والحياة البدائية، وتدين بالمقابل الحضارة المعاصرة، وتعري الأساس الذي بنيت عليه، وهو حب المال، وتدمير الطبيعة.
- لقد تأكد مضمون الهوية للرواية الليبية من خلال أعمال الكوني، كما أنها أكدت حضورها العربي والعالمي. ولكن المفارقة هي أن روايات الكوني لا ترصد البيئة الليبية عامة ولا تتناول هموم الواقع الاجتماعي الليبي، بل هي ترصد عالما جزئيا هو عالم الصحراء وإنسان الصحراء في ليبيا وغيرها حيث يتواجد أبناء الطوارق، لكن العالم أصبح يعرف الرواية الليبية عن طريق روايات الكوني، التي استطاعت وبابداع واضح صياغة مفردات مجتمع الطوارق الغني برؤاه ومعتقداته . الاحالات: - فتيحة الطايب ،مركزية الهامش (روايات ابراهيم الكوني) ، البوصلة ، 08 /11 / 2010.
2- المرجع نفسه.
3 - علاَّل سنڤوڤة ،مخيالُ الصَّحْرا ءُ في روايَات إبراهيم الكوني، رسالةٌ لنيلِّ شهادة الدكتوراه في الُّلغة العربيَّة وآدابها،جامعة الجزائر،2007 /2008 ، ص331.
4- محمد غيث الحاج حسين ،المجوس لإبراهيم الكوني ،ع/ 11، المشهد الليبية/ 17 /03/2009.
5- ابراهيم الكوني ،ناقة الله ،دار السؤال للنشر ،ط1 ،2015 ،بيروت ، لبنان ،ص60.
6- المرجع نفسه ، ص 40.
7- المرجع نفسه ، ص 14.
8 – المرجع نفسه ، ص50.
9 –المرجع نفسه ،ص179.
10- المرجع نفسه ، ص119.
المرجع نفسه ، ص150.
12 - ضرار بني ياسين ، الإنسان والمكان والأسطورة في فلسفة إبراهيم الكوني الروائية، ملاحق جريدة المدى اليومية، 25/03/2011.
13- ابراهيم الكوني ، ناقة الله ، ص 24.
14- المرجع نفسه ، ص13 .
15 - المرجع نفسه ،ص74.
16- المرجع نفسه ، ص14.
17 - المرجع نفسه ،ص50.
18 - فاروق سلوم ، ابراهيم الكوني : عزلة السرد بكل اللغات، 2008 / 3 / 19.
19 - منى الشمري ، إبراهيم الكوني: «الشعار» سُعاَر سمّم العالم وحوّل المبدع إلى داعية ،مجلة القدس العربي ، 04/12/ 2015 .
20 - خالد زغريت ،جماليات ميثولوجيا الصحراء في رواية نزيف الحجر لإبراهيم الكوني ،م الدستور ،ع17271 ،السنة49 ، 18/03/2011.
21 - عبد الله ابراهيم ، إبراهيم الكوني، الطوارق وأساطير الصحراء، الرياض،12/06/2003، ع/12774 ،س 39.
22 - إبراهيم الكوني الأديب الطوارقي المترحل ا جابر بكر،العرب ، 19/07/2014، ع9624، ص14.
23 - المرجع نفسه
24 - عبدالله إبراهيم، إبراهيم الكوني، الطوارق وأساطير الصحراء ، ج الرياض ،ع12774،س39، 12 /06/2003.
25 – ابراهيم الكوني ، ناقة الله ، ص47.

نشر في الموقع بتاريخ : السبت 8 ذو القعدة 1439هـ الموافق لـ : 2018-07-21



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

أخبار سريعة

رابح بلطرش وحديث للاذعة الثقافية موعد للنقاش

موعد للنقاش الاعداد : رشيد صالحي

مواضيع سابقة
13 سنة تمر على رحيل الشاعرة و الروائية نجية عبير
بقلم : علجية عيش
13 سنة تمر على رحيل الشاعرة و الروائية نجية عبير


شاعرة حالمة ... قراءة في تجربة ريتا عودة الشعري
بقلم : شاكر فريد حسن
شاعرة حالمة ... قراءة في تجربة ريتا عودة الشعري


أنا و الآخر
بقلم : حفصة موساوي
أنا و الآخر


الودّ المعرفي
بقلم : د: ليلى لعوير
الودّ المعرفي


قصائد نثرية قصيرة
الشاعر : محمود غانمي سيدي بوزيد - تونس
قصائد نثرية قصيرة


لضَّاد و نزف الرَوح
بقلم : فضيلة معيرش
لضَّاد و نزف الرَوح


قصة قصيرة جدا / كابوس
بقلم : بختي ضيف الله المعتزبالله
قصة قصيرة جدا / كابوس


للحرية عيون مغمضة
بقلم : د. محمد سعيد المخلافي
للحرية عيون مغمضة


مَنْ يَكْبَحُ جِمَاحَ الْمُتنمِّرِينَ..؟! / وَمَنْ يَنْتَشِلُ الأسْتَاذَة..؟!
بقلم : حمد الصغير داسه
مَنْ يَكْبَحُ جِمَاحَ الْمُتنمِّرِينَ..؟! / وَمَنْ يَنْتَشِلُ الأسْتَاذَة..؟!


عادل عبد المهدي
بقلم : علاء الأديب
عادل عبد المهدي




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com