أصوات الشمال
الجمعة 17 جمادى الثاني 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * السرطان الفكري   * قراءة في كتاب:"بحثا عن ثقافة الحوار في الذات ومع الآخر، ثقافة الحوار- البعد الغائب" لـ:بشير خلف   * شكوى إلأى الله   * بعض المداد   *  وَترْكَبُ قَاطِرَةُ الطَّلاَقِ..حَالِمَةً..!    * المبدعة العمانية في المشهد التشكيلي العربي المعاصر   * الغربة   * بلدية ديره تحيي ذكرى الشهيد   * اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى يحيى ذكرى الشهيد   *  أعذب الشّعر أرعبه.   * أساطير التوراة تسقط، وتسقط معها قصص الأنبياء والوعود الربانية التي استيقت منها   * صديقتى الصغيرة - قصة قصيرة    * صديقتى الصغيرة - قصة قصيرة    * رسالة إلى مرضى جنون العظمة    *  السنة ليست قاضية على الكتاب   * أصداء مجاورة الموتى" للمغربي اصغيري مصطفى   * حكومات من دخان، أحمد سليمان العمري   * حضور الشهيد وقداسات الدلالة في الشعر الفلسطيني المعاصر   * إصدارات جديدة : هجرات سكان وادي سوف الى مدينة بسكرة خلال القرن العشرين   * إليها في عيد الحب     أرسل مشاركتك
لسَعَاتُ..اللوْم.. وطعَناتُ الْعِتابِ.!! الحلقة /05
بقلم : محمد الصغير داسه
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 674 مرة ]

نَحْنُ لمْ نَسْتعْمِل عُقولنَا..! ياسَيدِي "..شَجَرَة لا تنْفعُ حَلالٌ قطعُها.." اصبْت كبدَ الحَقيقة، وأمْسَكت بأهْدابِهَا، لكِن المْشْكل أعْمَقُ مِنَ ذَلك، هُناك اشْجارٌ كثيرَةٌ لاتفيدُ، وليسَت شجَرَة واحِدَة، مِن الصَّعْب أنْ نكتفِي بالذّهُول..! يُمْسِكُ بِتَلابِيبِي مُتأوِّهًا، يَقول: الكلمَاتُ الطيبَة تمْنَحُنا الدِّفئ، ترْفعُ عنّا الغُبْن والمُعَانَاة، حَتّى وإنْ كانَتْ حَافيّة القدميْن، يبْتهجُ ويسْعْدُ سَعادَة غَامِرَة، يَقُول: ".. على قدْر الودّ يَكونُ العِتَابُ..كمَا يُقال ".وكل مايجبُ أن يُقال ينْبَغِي أن يُقال بوُضُوح.." يَلتفتُ نحْوِي هَامِسًا مُبتسمًا ابْتسَامَة مَرِحَة مُضِيئَة ضَارِعَة بالحيَاء ويَقول: هذا مَا ينقصُنا..الوضُوحُ فِي ألرُّؤى، والإخْلاصُ فِي الْمَسْعَى

09- جَاءَ مَن يَطلبُني، وخيّامُ المُشْتهَى مُشرَّعَة، والأشْواقُ مُطارَدةٌ، اقبَل الشِّيخُ عُثمَان مُترَنِّحًا يكتمُ أنفاسَاهُ، وَيَكظِمُ غَيْضَهُ، يَقَفُ عَلَى أطرَافِ الرّصِيف مُبحْلقا، ينْظرُ نحْوي بعيْنيْهِ الضَّئِيلتين، يَقُول: دَخلتُ بيْتِي فمَا اسْترَحْتُ، أنَا غَريبٌ فِي هَذِهِ الدِيَّار، بَيْنَ أَهْلِي وَعَشِيرَتِي، خرَجْتُ معَ الطيُور تِلْكَ التِي تغدُو خَاويَاتُ البُطُون، جِئْتُ مشدُودًا إليْك بالسُّؤَال، أنأ أحدّقُ فِي الفرَاغ، الْحَيَاةُ التِي نحْيَاهَا اثقلتْ الكوَاهِلَ، هل يُمْكنُ اسْتبدَالُهَا؟ اوْإعَادةُ بَعْثِهَا؟ صَعٌبٌ عَليْنَا أنْ نُغَيِّر، قلتُ لهُ: مَهْلاً..مَنْ قَالَ ذَلِك؟ ولِمَاذَا أنْتَ دائِمًا مُتشَائِمًا؟ كلُّ شيْءٍ يتغيّرُ يارُجُل، بِشَرْطٍ اذَا بَاشَرْنَا عَمَليّة التغْيِير بوَعْي، وَكَانَ لنَا مشُرُوعٌ وَاضِحٌ، وَمَوَاقِفَ ثَابِتَةً، أمّا اذَا بقيْنَا مَعَ المُتفرِّجِينَ صَامِتينَ مُنتظِرينَ لاَنبْرَحُ الْمَكَانَ، فهُنَاكَ مُتربِّصُون مِنْ حَوْلِنَا يَتفَرَّجُونَ، يُغَيُّرُونَ مَوَاقِعَهُم، يُحَاوِلُون اقتِلِاَعَنا مِنَ الجُذُور"..وكل مُتحَوِّلة مِذْبَالة.." سيُبْعِدُونَك ياأنْتَ وَغَيْرَك بجَرَّةَ قلَمٍ، لِتَعِيشَ فِي الهَامِش، وبصَوْتٍ جَهُورٍ يَقول: فِي مَقدُورِي أنْ اقترِبَ مِن هَذهِ الكائِنَاتِ المُتلوِّنَة، أتكيّفُ مَعَ سَفَهِ أطرُوحَاتِهم، اتلوَّنُ مِثلهُم، هُمْ يَعِيشُون وهَمَ التبعيَّةِ وخيْبَةِ الأمَل، دَعْني أتفرجُ عَنْهُم، أطَالعُ في الوُجُوه القبِيحَةِ الْمُضَرَّجَة بِالتمَلُّقِ، لَعَلنِي اضْفرُ بوَجْهٍ صبًوحٍ جرَفهُ السيْل، الْحَيَاةُ امَامِي غَامِضَة، كأنّي جِئتُ إلَى هَذِه الدُّنْيا بِلاَ شيْءٍ، ياسيّدي لاتدَعِ الكلمَاتِ المَالِحَة تمْلأ قلبَك.! فلسوْفَ نخْتارً العيْشَ بَعيدًا عَن الأوْغَادِ، فضَاءَاتٌ المُسْتقبلِ تُحدِّقُ فِينَا، اضْوَاؤُهَا تسْتَحِثُنا لأحْدَاثِ بَرْقٍ وَرَعْدٍ هُنَاكَ وَأمْطَارٍ هُنَا، نحْنُ نَتُوقُ إلَى المُسْتقبل بِعيُونٍ لاتُميّزُ بيْن الغَثِّ والسّمِين، نَنْشدُ الخيْر بأيدٍ فارِغَةٍ، لاشيْءَ فِي هَذِه الحَيَاة يُثيرُ اسْتغرَابَنَا، النّاسُ مِن حَوْلِنا يَتطَايرُون كالبُذُور فِي العَرَاءِ، يصْعُبُ عبُورَ الْمسَالِك الوَعِرَةِ، هِيّ مُمْتلئِةً بأكدَاسٍ تُشبهُ الكُتَلَ الصَّخْرِيَّةِ، أجوَاؤُناَ مُعَتّمَة، تذُوبُ فيهَا الأطيَافُ تظهَرُ وتخْتفِي، الكلمَاتُ تَتبَخّرُ، يا إلهِي كأنّهُم زَرَعُوا في شَوَارِعَ الْمَدِينة جيُوشًا عَرَمْرَمْة مِنَ العَاطِلينَ، مِنَ البُؤَسَاءَ والمَرْضَى والمُتسَوِّلين، إنَّهَا اشْوَاكُ آدميّةٌ، نَكِرَاتٌ مُنْتشرَةٌ بِشَكلٍ فوْضَوِي ورَهِيبٍ، إنَّها أفَاعِي تُدْمِي االقلوبَ وتؤْذِي النفُوسَ، الموْتُ يَلْتهمُ الأضْعَفَ مِنَ الأطفَال، كِبَارَ السنّ مُؤجَّلُونَ، يُوجَدُ مُتسَعٌ لِلْمَارَةِ عَلَى جَوَانبَ الطريق، الْمُتَجَوِّلُونَ كثرٌ، يمْشُون بدُونِ هَدَفٍ، يمْلأونَ الارْصِفَة بعُيُونٍ مُبَحْلقة، يتَشهَوْن كلّ شيْءٍ، الذِينَ لمْ يحْمِلُوا كتابًا فِي حَياتِهِم، يحْمِلُون هوَاتِفَ غبِيّة، يتحَدّثُون بشَغَفٍ وشوْقٍ، يضْحَكُونَ، تخَالُهُم مِنْ مَرْضَى العُقُول، هُمْ كالْمَجَانِين يتَناجُوْن، يَصْرُخُونَ، مَا أكْثَرَ الغَائِبِين عَنْ الْعَمَل ! يُمَارِسُون اعْمَالاً اضَافِيّة..طَوَابِيرَ مِنْ السَيّارَاتِ، بعْضُهُمْ مِن رُوَّادِ الْمَقَاهِي والأسْوَاق، يَقضُون سَحَابَة يَوْمِهِم هُنا وهُنَاكَ يتهَاوَمُون، يسْتخْدِمُون مالدَيْهم مِن حِيّل لاصْطيَّادِ الأحْلاَم، الكلمَاتُ الكرِيهَة ُ كَرِيهَةٌ يَصْعُبُ كنْسُهَا، فِي الْمَسَاءَاتِ الثَّمِلة نبْحَثُ عَن رَشْقَةِ حُلمٍ، نُسَامِرُ القلُوبَ، وللذكرَيَاتِ نَتوقُ إلَى عَوْدَتِهَا، قدْ نَتُوقُ إلَى مَحْوِهَا مِنْ كُتَبِ حَيَاتِنَا، المُتَحَذلِقُون والمُتحَذْلقَاتُ يُحْيَوْن الذِكرَيَات، بدُمُوع ليْسَت لهُم، يُوزِّعُونَها بالمَجَان، يُسْمِعُون النّاسَ مُغَامَرَاتِهم الكاذِبَة، وَمَا حَدِيثِهُم إلاَّ هُرَاءَ عَابثٍ وَحَشْرَجَةٌ، ضَحَكَاتٌ صَفْرَاءَ بَاهِتَةٍ، تحْتَ سَطوَةِ النقدِ الهدّام وطعَنَاتِ العِتَاب، شّائِعَاتٌ مُلفّقةٌ، وشَاياتٌ ودَسٌّ ونَمِيمَة، كذِبٌ وافْتراءٌ، توْصِيفٌ هازِئٌ..وفِي الذَاكِرَةِ يبْقَى الجُرْحُ نَازِفًا مُسْتنْزِفًا، والشُّعُوبُ تُسَاقُ إلَى حَتْفِهَا كأسْرَابِ الانْعَام، فتدْفَعُ فَوَاتِرَ جَهْلِها وَمُهَاترَاتِها بسَخَاءٍ، أمَّتُنَا كانَتْ لِلأنَامِ ضِيَّاء، فَمَاذَا حَدَث؟!.


10-يقوم سي عثمَان مِن كرسيّه مُسْرعًا، يَقفُ عَلَى حَافةِ الوَقت، يُحَدِّقُ فِي وُجُوهِ الْمَارَّةِ، يَتَصِلُ بِزَوْجَتِهِ هَاتِفيًّا، يُخْبرُهَا بأنّهُ ادْرَكَ مَا كَانَ خَافيًّا عنْه، وأنّ الكلمَات فِي المَجَالِس والْمَقاهِي تتدَفقُ مِنْ مشَاربَ مُخْتلفَة، وَلَهَا رَوَافدَ مَشكوكٌ فِي صِحَّتهَا، إنّهَا قطرَاتٌ تتصَاعَدُ كالفقَاقِيع، ما يُؤلمُه أنّه لم يَعُدْ قادرًا عَلَى اسْتيعَابِ مَا يسْمَعُ ويَرَى، فالكلِمَاتُ المَشحُونة بقضَايا الانْسَان وهُمُومِه، تَنْثالُ مِنْ مِخْيال شفِيفٍ، تنشدُ الهوَاجِسَ، النّاسُ يمرُّون بكثرَةٍ عَلى ضِفَافِ ارْصِفة حَالمَةٍ، تحْمِلُ اقدَامَنا ومَشاعِرَنا إلَى وجْهَة مَجْهُولَةِ، لكِن مَابهم يَغِطّون أنُوفَهُم؟ قَالَ رجُل من أهْلِ المَدِينَة، انْظر هُناك جُثة كلبٍ نَافِقٍ..تَنهَدَ وقال: مَتى حَدثت الوَفَاةُ ؟ ضَحِكَ الرّجُل سَاخرًا وقال: الوفاةُ حدَثت امْسِ..والتعْزيَّة تتمُّ بالهَوَاتِف الْمَحْمُولة، لا أحَدَ قامَ بعَمَليّة الدّفن.. فَلِمَاذَا؟..ارَى امْرَأةً جَاثِمَة تبْكِي عَلى جرْوِ كِلاَبٍ.. تَتهِمُ صَاحِب سَيّارَة أجْرَة بِدَهْس جرْوِهَا..يَالهَا مِنْ امْرَأة شقيّة.. تبْكِي عَلى كلبٍ نَافقٍ..! قلتُ: الامْر غيْرُ مُستغرَبٌ فِي المُجْتمعَات المُتخلفةِ، مُجْتمعَاتٌ تقلدُ غيْرَهَا فِي كلِّ شيْءٍ حَتّى فِي ترْبيّة الكلابِ وَفِي تأبينهَا، وتعْجُز عَن تقليدِ الأمَمِ الْمُتطوِّرَةِ فِي الصّنَاعَةِ والزِّرَاعَة والنظَام، كيْف نسْتعيدُ ابْناءَنا مِنَ الضَيّاعِ، والمُربِّي مَنبُوذٌ وغَيْرُ مُؤتمَنٌ، تجدُهُ في ذيْل الترْتِيب، يالِلْعَجَب تكرَّم ُالكلابُ ويسْتثنَى الْعُلمَاءُ وَرِجَالُ التَرْبِيَّة، الموْضوعُ يُوقظ فِي النّفْس جُرْحًا، تبْقى الأحَاسيسُ مُرْخاةُ العِنَان، وَالأحَاسِيسُ يُخْفيها الفُؤادُ ويَصُونُها،..تَتلاشَى الافكارُ كالسّرَاب لتبْقى الابْتسَامَة مُرّة، ارْوَاحُنا تُضيءُ شمُوعًا بعَفويّة وتفَاؤُل، اللَيل اقدرُ عَلى الكِتمَان، ليْسَ هُنَاك عَاقِل ينشرُ غَسيلهُ امَامَ بيْتهِ، لَكِنّ بيْئَـتُنَا صَارَتْ طَارِدَةً لِلْعُقُول وَالْمَوَاهِبِ، فمَا اصْعَب أنْ نُمَارسَ فِعْل النسْيَان، نَحْنُ لمْ نَسْتعْمِل عُقولنَا..! ياسَيدِي "..شَجَرَة لا تنْفعُ حَلالٌ قطعُها.." اصبْت كبدَ الحَقيقة، وأمْسَكت بأهْدابِهَا، لكِن المْشْكل أعْمَقُ مِنَ ذَلك، هُناك اشْجارٌ كثيرَةٌ لاتفيدُ، وليسَت شجَرَة واحِدَة، مِن الصَّعْب أنْ نكتفِي بالذّهُول..! يُمْسِكُ بِتَلابِيبِي مُتأوِّهًا، يَقول: الكلمَاتُ الطيبَة تمْنَحُنا الدِّفئ، ترْفعُ عنّا الغُبْن والمُعَانَاة، حَتّى وإنْ كانَتْ حَافيّة القدميْن، يبْتهجُ ويسْعْدُ سَعادَة غَامِرَة، يَقُول: ".. على قدْر الودّ يَكونُ العِتَابُ..كمَا يُقال ".وكل مايجبُ أن يُقال ينْبَغِي أن يُقال بوُضُوح.." يَلتفتُ نحْوِي هَامِسًا مُبتسمًا ابْتسَامَة مَرِحَة مُضِيئَة ضَارِعَة بالحيَاء ويَقول: هذا مَا ينقصُنا..الوضُوحُ فِي ألرُّؤى، والإخْلاصُ فِي الْمَسْعَى..انْتهَت المُقابلة بفيْضٍ من الآرَاء والأسْئلة المُبْهِجَة..لكِن.. طَعَناتُ العِتاب تبْقى مُؤلمَة كلسَعَاتِ اللوْم، فعِندَما نُوقدُ الْمًصَابِيح نكتشفُ بعْضَنا، ونسْترْجِعُ شيْئًا من الذِكريَاتِ المَسْرُوقة، للمَدِينة أسْرَارُها، وللسَّاكنَة تقاليدُهُم ونِظامُ حيَاتِهم، نَتذكرمن كَانَ حَوْلنا ولم يَعُد مَوْجُودًا مَعَنا، رجُال أخْفَتهُم الظرُوفُ فتوَارَوْا، وأخَرُون اخَذ مِنهُم التعَبُ مُنتهَاهُ فانْصَرَفُوا صَاغِرِينَ.

11-و تَهُبُّ رِيَّاحُ الصَّباح نَافِخَةً فِي مَلاَبِسِهِ الرَثة، والأحْزَانُ بدَاخِلهِ مُبعْثرَةٌ، الحُزْنُ صَدَى يغْشَى النّفْس البشريّة الضَّعيفةِ، وإذَا كَانَ الإنْسَانُ وعَاءً من الاوْعِيّة التِي لا تملؤُهَا إلا الكلمَاتُ الطيِّبة الْمُنْعِشَة، فإنّ الأفْكارَ النيِّرَةِ تتوَالدُ وتكبرُ، لتحْتضِنُ الْمَعَانِي المُضِيئَة التِي تنْتَشِي بهُمُوم الذّات، نَحْنُ فِي حَاجَةٍ إلَى تَأكِيدْ الذَّاتِ، إلَى اعَادَةِ بِنَائِهَا وَصَقلِ مَوَاهِبهَا وَالارْتِقَاءِ بِهَا إلَى مَلكُوتِ السَّمَوَاتِ، ألمُ الفِرَاقِ صَعْبٌ، وصَعْبٌ للغايَةِ لأنّهُ يُجَدِّدُ الذِّكْرَى ويُنْعِشُهَا، مَا اصْعَبَ اللحَظاتِ التِي يَفْقدُ فِيهَا الزَّوْجُ زوْجَتهُ رَفِيقَة الدَرْبِ، أمُّ العيّال أفِلَ نَجْمُهَا وغَابَتْ ذَاتَ ابْتِلاَء..! الشيخ عثمَان لايزَال يَذْكرُهَا، وخُلق الانْسَان ضَعِيفَا، يَلتزمُ الصّمْت بعْضَ الوَقتِ، والصَّمْتُ يَحْمِلُ مَشَاعِرَجيّاشَة، يقول: عِشْتُ يوْمَئِذ بُؤسًا شدِيدًا، يوْمَ أنْ أعَدْتُ الزّوَاجَ، كانَتْ تجْربَة قاسِيّة مَريرَة، ضَحِيَّتُهَا امْرَأةٌ تافِهَة تزَوَّجْتُها، كَان همُّهَا الاسْتِحْوَاذُ عَلى كلِّ شَيْءٍ فِي البَيْت، الأيّامُ يَوْمَئِذٍ كانَت صَعْبَة، تَتابَعُ مُتسَارعَة مُظلمَة حَزينَة، ولوْ كَانَ للأيَّام صَوْتٌ ناطقٌ لقالتُ: صَوْتٌ الأيّامِ المُظلمَة لايَنَامُ، إنّمَا يُرْسِلُ ترَانِيمَ بَاكيّة دَامِعَة حَزِينَة، نبْضُها آهاتٌ وأنِينٌ، مَهْمَا يكُن فالأيامُ ذاهِبَة ولنْ تعُودَ، وَتَبْقَى الأثَارُ شَاهِدَةً، أنهيْتُ عَلاقتِي بِتِلْك المرْأة الثائِرَة بِشَقِّ الأنْفُس، كتبَتُ أوْرَاقا اصِفُ فِيهَا مَأسَاة المُرَبِّي، اخْطَاءَهُ وهَزَائِمَهُ، لِلْهَزَائِمَ طَعْمٌ بِنُكْهَةِ العَلْقَمِ، وَللْسُقُوطِ الْمُفَاجِئ ثمَنٌ كبِيرٌ، رَسَمْتُ احْزانًا كَانَت مَكتُومَة عَنْ زَوَاجٍ فَاشِلٍ، والذِي تقدّمَ به السِنُّ يُلازمُهُ الْحُزنُ الذِي لاينَامُ، وهيْهَاتَ هيْهَاتَ أنْ نبُوحَ بِكل مَانُخْفيه في حَياتِنا، يُنكسُ رَأسَهُ وقد طالَ به الصّمْتُ، يَضْغَط ُبِقوّةٍ عًلى اصَابعِ يديْهِ ثم يَقول: الكتابة لاُتعَبِّر بِصِدْقٍ عمّا يختلجُ فِي الدَّاخل، أنا التَزِمُ الصَّمْتَ،أتذَوَقُ رَحِيقَ وُجُودِي، افْعَل ذَلك لِكَيْ لاَ أبْقَى مُتفرِّجًا عَن نَفْسِي، بادَرَتْ وكان مِنْ نَصِبِي زوْجَة مُثقّفة مِنْ اسْرَة تربويّة رَاقيّة، لأوّل مَرّة احْضى بهَذا ألاختيَار، مَع انّي كنْتُ اردِّدُ "..وَمَا الحُبُّ إلاَّ لِلحَبِيبِ الأوّل.." ترَاجَعْت وابْتهَجْتُ وقلتُ : ".. الْحُبُّ كَائِنٌ يَتجَدَّدُ.." وَمَا عَسَانِي اقُول غَيْر ذَلك، فَمَا أجْمْل الذِي يَحْدُثُ بيْننا؟! ومَا أجْمَل الذِي لم يَحْدُث بَعْدُ ! يقول: الحَياةُ مِن حَوْلِناَ تتجَدَّدُ، ومَا تحْتَ التًرَابِ صَارَ تُرَابًا، خَالجَني شعُورٌ جَارفٌ، وانْتابُنِي شُعُورٌغامِرُ بأنِّي ادْخُلُ سِجْناُ، قِيل لِي أنّكَ دَخَلتَهُ، هَذا مَا رَوّجَ لَهُ المُجْتمعُ الذُّكُورِي فِي مَدينتنَا، لسْتُ ادْرِي هَل يَتغيّر سُلوكِي فاحْترمُ الزّوْجَة؟ أمْ التَزِمُ ثقافَة القطيع؟ هَل يَفلحُ رجُل مِثلي كَان يُخاطبُ زوْجتهُ بعِبَارَةٍ يَاأنْت..يَاوْ..يَا بِنْت النّاس! دُونَ أن يَذْكُرَ اسْمَهَا ؟ رسَخَت فِي ذِهْني ثقافَة التعَالي وتوَطّنَتْ، فَكَيْفَ نَتَخَلصُ مِنْ الْتَوَحِّش وَالعُدْوَانيّة الصَّاخِبَة الَتِي تَنْهَشُ لُحُومَنَا ؟ قلتُ له: الإنْسَانُ بطبْعِه عُدوَانِي، فمَتَى نَتخَلصُ مِنْ وَهْم القيُودِ؟ ذَاك السُلوكُ المُنْحَطٌّ الذِي يَسْكنُنَا كالوَبَاءِ، يَصْعُبُ عَلَى الْمَرْءِ نِسْيانُ الْمَاضِي فِي رَغَوَةِ الفَرَاغ، إنْ كَانَ الْمَاضِي جُزءٌ مِنّا، فَهَل يُمْكِنُ تَجَاهُل بَدَاوَتِنا؟ قلتُ: لازِلْنَا نَحْتفِظُ بِتَقالِيدِنَا الْجَمِيلَةِ، لَكِنْ نَخْشَى أنْ نَبْقَى مُشتَغِلينَ عَلَى اللَّهْوِ وَالْهَذَيَانِ، نُصَفِّقُ لِلْبَاطِلِ فِي كُلِّ مُناسَبَةٍ، نَرْقُصُ فِي اعْرَاسِ الْقِرَدَةِ والشَيَاطِين، قال: فِي أحْلامِنَا قصَصٌ وَاعِظَاتٌ وأخْرَى نَتشَهَاهَا كَالْوَلِيمَةِ، نَحْنُ لاَزِلْنا نُعَانِي مِنَ الضَّعْفِ وَالْوَهَنِ، وهذَا الزَّمَنُ اتْعَبَنَا جَرْيًا خَلفَ السَّرَابِ، نبْقَى صَامِدِين خَلْفَ الأحْزَان، رَاضِينَ بِالْهَمِّ والهَم يَرْفُضُنا، ولِلْذِكرَيَاتِ نَتُوقُ، وإلَى أيَّامِ الطّفُولَةِ يَزَدَادُ شَوْقُنا، الطفُولَة حُلْمٌ جَمِيلٌ، أنْفَاسٌ عَذْبَةٌ عَابِقَةٌ بِالحَنِينِ، القادِمُ مِنَ العُمْرنَتشهَاهُ، ذَلِكَ الْعَالَمُ الْمَخْمَلِي الْمُبْهِرُ، نَرَى فِيهِ طفُولتَنا وشَبَابَنا وَكهُولَتِنَا، فِي طيَّات النَّدَى نَهْمَسُ لِلأَمَلِ..نَصْدَحُ بآيَاتِ الْمَجْدِ، وَيَا لَيْتَ الأيَّام تَعُودُ! فليْسَ هُنَاكَ أجْمَلَ وَأرْوَعَ مِنَ التَّحْلِيقِ فِي رِحَابِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي جَمَعْنَاهَا وتَبَعْثرَتْ، اعْذِرُونِي وَقَدْ اطْلَقتُ الْعِنَان لِقَلَمِي، فَإلَى مَجَالِسُكُم اشْتَقْتَ، قلَمِي وَأوْرَاقِي تَحْمِلُ مَاكتبْتُ، ليْسَ لِي فِي هَذِهِ الجِبَالِ وَالرَّوَابِي إلاَّ ذِكْرَيَاتٍ بَاهِتةٍ مُتَمَاوِجَةٍ فِي مَدِينَةِ الْبَرْوَاقِيّة، مَحَطّات طَوَتْ سَمَاؤُهُا السِّنُونَ، فِي سِيدِي نِعْمَانِ وَفِي مَدِينَةِ الْعُمَايريَّة وَأوْلاَدِ ابْرَاهِيم، صَدَاقَةٌ مَنَحَتنَا حَيَاةً تَنامُ فِي الذَّاكِرَةِ، وَلايَزَال يَحْتفِظ ُبِصُوَّرِهاَ الرَّاوِي الشيْخ عثمَان. /انتهى

نشر في الموقع بتاريخ : الثلاثاء 28 رمضان 1439هـ الموافق لـ : 2018-06-12



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

مواعيد ثقافية " رؤى "

برنامج " رؤى " مع الاعلامية غنية سيد عثمان

اصوات الشمال
مواضيع سابقة
الغربة
شعر : جمال الدين خنفري
الغربة


بلدية ديره تحيي ذكرى الشهيد
بقلم : سعدية حلوة - عبير البحر
بلدية ديره تحيي ذكرى الشهيد


اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى يحيى ذكرى الشهيد
بقلم : سعدية حلوة / عبير البحر
اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى يحيى ذكرى الشهيد


أساطير التوراة تسقط، وتسقط معها قصص الأنبياء والوعود الربانية التي استيقت منها
بقلم : نبيل عودة
أساطير التوراة تسقط، وتسقط معها قصص الأنبياء والوعود الربانية التي استيقت منها


صديقتى الصغيرة - قصة قصيرة
بقلم : ماهر طلبه
صديقتى الصغيرة - قصة قصيرة


صديقتى الصغيرة - قصة قصيرة
بقلم : ماهر طلبه
صديقتى الصغيرة - قصة قصيرة


رسالة إلى مرضى جنون العظمة
بقلم : نغبال عبد الحليم
رسالة إلى مرضى جنون العظمة


السنة ليست قاضية على الكتاب
بقلم : حمزة بلحاج صالح
 السنة ليست قاضية على الكتاب


أصداء مجاورة الموتى" للمغربي اصغيري مصطفى
بقلم : الشاعروالناقد المغربي احمد الشيخاوي
أصداء مجاورة الموتى


حكومات من دخان، أحمد سليمان العمري
بقلم : أحمد سليمان العمري
حكومات من دخان، أحمد سليمان العمري




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2019م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com