أصوات الشمال
الأربعاء 10 جمادى الأول 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * وللنساء جنون آخر   * محافل الثقافة العربية بين قلق الرّسالة وشحّ الدعم /حوار مع الشاعر والكاتب التونسي خالد الكبير    * المبدع عزالدين شنيقي ابن سكيكدة يصدر رواية "الانهيار"   * أمثال عربية أندلسية   * الثقافة الجماهيرية وقيادة شراع الإعلام الاجتماعي   * العولمة وتأثيرها على الرياضة في الوطن العربي    * رواية العزلة .للكاتب خالد الهواري   * يناير والانتقال الضروري من الطابع الفولكلوري إلى البحث العلمي:   *  إشكالية الـحب في الـحياة الـفكرية والروحية في الإسلام    * في أصل الامازيغ..عودة لتاريخ الكنعانيين واساطيرهم   * lما يمكن لرواية أن تفعله بك   * مشكلة الأمازيغية: اللغة والثقافة والهوية   * حوار مع لاعب وفاق سطيف قدور شايب ذراع ( علي حداد)   * في الحزن الباعث على الموت و الحزن الباعث على الحياة   * " أصداء مجاورة الموتى" زجليات التقنّع بالخطاب الصّوفي   * رحلة الى المشتهى   *  أنا، دون غيري.   * البقاء للأصلع    * لا ديموقراطية بالفن..... وديكتاتورية الإخراج   * مثل الروح لا تُرى    أرسل مشاركتك
محبرة الاخلاص
بقلم : الأستاذ شليم محمد رقادي
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 458 مرة ]
 يريدون محاربة القرآن و هم يدركون أنهم منهزمون

كُنّ صغارًا نَخْرُجُ صباحًا نتَأَبَط قطْعَةً خَشَبيّةً تَجَمّعت على وجْـنَـتـَيْها أَحْرُفٌ قُدُسِيّةٌ خَطّتْها أَنَامِلُ شيخٍ مازلتُ ـ رغم السّنِيــــنِ ـ أَتَذكّرُ جلْسَتـهُ الثّابتة و عبَاءته ذات اللّون الأزرق المُمَيّز.و محبرته التي تلازمه و تقعدُ جنْبَهُ.فكنتُ أنا و غيري من الصبْيةْ لا نتمنى إلاّ اتمام الحفظِ و المُرور نحو الشّيْخِ للاستظهار و محو ـ اللّوحة ـ و الظّفَرِ بمشاهدة مداعبة عود القَصَبِ المَنْحُوتِ للمِدَادِ داخل المِحْبَرَةِ.
كُنَّ نَتَنافَسُ و نَتَزَاحَمُ على منْ يَخْتارهُ الشّيخُ و تختَاره المِــحْبَرَةُ فيكون من الأَوائِلِ سعادةً و كتَابَةً و تَسْمـيـعاً للأحرف التي ما نزَلتْ من السماء إلاّ لِتُكَرّمَ البَشَر و تَسْمو بهم نحو السؤدد و السعادة و الحياة الكريمة .و أتَذَكرُ جيدا حينَما وصلَ دوري لاستَظْهرَ على الشَيْخِ كم كنْتُ مسْرُورًا لأنّني سأتَمَتّعُ برؤية المِحْبَرَةِ العجيبة و أراهَا عنْ كَثَبٍ فأشْبَعُ فضــُولي و اكْتـشف سِرّها,و أُحَقِقَ ما تَمَنّيْتُ و أَتَمنى أنْ أَصِلَ إليهِ,وكان أَخْوتي يحْتضنون ألواحهم و الشيخُ بصوتٍ رائعٍ و جميل يتردّدُ صداه بين جذع و أَغْـصانِ شجَرة المشمش و جدارٍ من الطُّوب قدْاستند إليه ظهرٌ وهنٌ صاحبه قوي الألفاظِ, و كانت أجمل كلمة , فعل أمرٍ تسبح تعانق الهوى نَسْمَعهَا هي :اقـــرأ, اقرأ ,اقرأ,اقرأ. متكررَة عبر الأجواء تخترقُ الآذان و كأنها هزيم رعد يُبــشُر الرّبى بزفاف المطر.
و هكذا أنا أتقَدّمُ أمام الشَّيْخ في لهفة أستظهر ما حفظت من سورة (الإخلاص) و ماإنْ بدأت بالبسملة حتى تناول الحكيمُ اللّوحة بكلتا يدَيْه في احترام و أمرني أن أصدح بصوت عالٍ فقلت: (قلْ هُوَ اللّهُ أَحدٌـ اللّه الصّمَدـ لم يلدْ و لمْ يولدْـ ولم يكن له كفؤًااحد). وختمتُ بصدق الله العظيم.ثم قال لي : أتعرف معانيها يا بني ؟ قلت :أي و الله !إني لأعرفها كما أعرف أبي و أمي و إخوتي و أهلي كلّهمُ, و إنْ شئتَ لذكرتُ لك معانيها .فقال لي الشيخ:أمهلني حتى يكمل إخوتك التلاوة ,ثمّ اقرأ لنا مرّة أخرى.و قدّم لنا شرحك إن استطعت ولا تخجل.
وفي هذا الوقت شدّ انتباهي شكل محْبٍَرةِ الشيخ و القُلُمُ المنحوت من القصب.فنسيتُ وقوفي و جلست و بسطت يدي و حملت المحبرة بحذرٍ فاقتربتْ مني و أردت أن أستغلَّ قراءة الشّيخ و الصبْيَةِ وأعرف كلّ ما حيرني في المحْبَرَةِ وعود القصب.
و الحمد لله اكتشفت أنّ المحبرة أداةٌ صنعت من طين ممزوجٍ بالماء ثم تشَكّلَتْ و تعرّضت للدفء.ثم تَماسَكتْ حتى جَفّتْ, وما إنْ لبثْت حتى امتلأت مداداً يسري بها كما تسري الدماءُ في عروق البشر.
فهي خُلقت من ترابٍ و ماءٍ كما خلقنا نحن ,فهي إذن رفيقَتنَاو شقيقَتُنَا منذُ الأزلْ, رغم أنها صامتةٌ هادئةُ لا تجْمَعُنا بها صلة رحمٍ,إلاّ أنَّهاأرحم منَّا و أعْطَفُ و أفضَلُ من الكَثيرِ منّا ,لأنّهاَ أَمـدّت الألواح بحبرها الذي ثـَبّـــتَ الآيات في العُقُولِ و حلّ عُــقَدَ الوَساوسِ من الصّــُدُور,و أنشأ جيلاً طَيِّب الأعْراقِ ,و حَـــصّنَ الأَخــْلاَقِ,و أضاء الدربَ ,و يسّـــر الحَياةَ,و جعل مدادُ هذه ـ المِحــْبــرَةَ ـ الأمّة يَصلُ ماضيِهابحاضـرها
و تَسْتَشٍرفُ مسْتَقْيلها.فيخشىَ أحبّةُ الشَيْطان على زوال مُلْكِهمُ الزّائل من الوُجوُدِ و يبدأون حَرْبَهم و هم مقتنعون أنّ النصر ليس حَلِيفَهم,لأنّهم يُدْركون أنّ أمّة تُحَــفّظُ أبنائها آيات القرآن بالّلوحة و القُلم و المِدَاد و المحبرة لن تركع أبدا, حتى و إنْ حاولوا حذف الإخلاص و الفلق و النّاس و كلّ آيات القرآن من المناهج, فستبقى المحبّرَةُ شقيقَةُ الصّــبــْيان تجْمَعُهُم و لا تُفَرّقهم, كما فرّقت الأعداء الريح يوم الأحزابِ حينما همّوا بحَمَلةَ الإسلام سوءا,فَفَشلوا و عادوا و الخُوذلانُ رَفيقَهم.و نحن اليوم كبرناَ و ما صرنا نتأبط اللّوحة ولا نحلمُ برؤية المحبّرةِ بل صدورناَ كلّها مِحْبـرَة و دمائنا حبْرها و مِــدَادُها,لأنّ البحر لو كان مدادا لنفد قبل أنْ تَنْفَدُ كلماتٌ أعجَزت كل ّمن مشى فوق البَسِيــطَة
و رفعت أناساً منازلا واخفضت سلاطينا و ملوكا حكّاما.و بالاخلاص يتآلف الناس و تنتشر المحبّة ,فإنْ محيْناالإخلاص قبلنا الذلّ و رضيْنا بالهوان ,و عِشْنا نتخبّطُ في التّيه و السّقوط في عالمٍ لا يرحم و لا يغفر لمن تخلى عن أصله.

كُنّ صغارًا نَخْرُجُ صباحًا نتَأَبَط قطْعَةً خَشَبيّةً تَجَمّعت على وجْـنَـتـَيْها أَحْرُفٌ قُدُسِيّةٌ خَطّتْها أَنَامِلُ شيخٍ مازلتُ ـ رغم السّنِيــــنِ ـ أَتَذكّرُ جلْسَتـهُ الثّابتة و عبَاءته ذات اللّون الأزرق المُمَيّز.و محبرته التي تلازمه و تقعدُ جنْبَهُ.فكنتُ أنا و غيري من الصبْيةْ لا نتمنى إلاّ اتمام الحفظِ و المُرور نحو الشّيْخِ للاستظهار و محو ـ اللّوحة ـ و الظّفَرِ بمشاهدة مداعبة عود القَصَبِ المَنْحُوتِ للمِدَادِ داخل المِحْبَرَةِ.
كُنَّ نَتَنافَسُ و نَتَزَاحَمُ على منْ يَخْتارهُ الشّيخُ و تختَاره المِــحْبَرَةُ فيكون من الأَوائِلِ سعادةً و كتَابَةً و تَسْمـيـعاً للأحرف التي ما نزَلتْ من السماء إلاّ لِتُكَرّمَ البَشَر و تَسْمو بهم نحو السؤدد و السعادة و الحياة الكريمة .و أتَذَكرُ جيدا حينَما وصلَ دوري لاستَظْهرَ على الشَيْخِ كم كنْتُ مسْرُورًا لأنّني سأتَمَتّعُ برؤية المِحْبَرَةِ العجيبة و أراهَا عنْ كَثَبٍ فأشْبَعُ فضــُولي و اكْتـشف سِرّها,و أُحَقِقَ ما تَمَنّيْتُ و أَتَمنى أنْ أَصِلَ إليهِ,وكان أَخْوتي يحْتضنون ألواحهم و الشيخُ بصوتٍ رائعٍ و جميل يتردّدُ صداه بين جذع و أَغْـصانِ شجَرة المشمش و جدارٍ من الطُّوب قدْاستند إليه ظهرٌ وهنٌ صاحبه قوي الألفاظِ, و كانت أجمل كلمة , فعل أمرٍ تسبح تعانق الهوى نَسْمَعهَا هي :اقـــرأ, اقرأ ,اقرأ,اقرأ. متكررَة عبر الأجواء تخترقُ الآذان و كأنها هزيم رعد يُبــشُر الرّبى بزفاف المطر.
و هكذا أنا أتقَدّمُ أمام الشَّيْخ في لهفة أستظهر ما حفظت من سورة (الإخلاص) و ماإنْ بدأت بالبسملة حتى تناول الحكيمُ اللّوحة بكلتا يدَيْه في احترام و أمرني أن أصدح بصوت عالٍ فقلت: (قلْ هُوَ اللّهُ أَحدٌـ اللّه الصّمَدـ لم يلدْ و لمْ يولدْـ ولم يكن له كفؤًااحد). وختمتُ بصدق الله العظيم.ثم قال لي : أتعرف معانيها يا بني ؟ قلت :أي و الله !إني لأعرفها كما أعرف أبي و أمي و إخوتي و أهلي كلّهمُ, و إنْ شئتَ لذكرتُ لك معانيها .فقال لي الشيخ:أمهلني حتى يكمل إخوتك التلاوة ,ثمّ اقرأ لنا مرّة أخرى.و قدّم لنا شرحك إن استطعت ولا تخجل.
وفي هذا الوقت شدّ انتباهي شكل محْبٍَرةِ الشيخ و القُلُمُ المنحوت من القصب.فنسيتُ وقوفي و جلست و بسطت يدي و حملت المحبرة بحذرٍ فاقتربتْ مني و أردت أن أستغلَّ قراءة الشّيخ و الصبْيَةِ وأعرف كلّ ما حيرني في المحْبَرَةِ وعود القصب.
و الحمد لله اكتشفت أنّ المحبرة أداةٌ صنعت من طين ممزوجٍ بالماء ثم تشَكّلَتْ و تعرّضت للدفء.ثم تَماسَكتْ حتى جَفّتْ, وما إنْ لبثْت حتى امتلأت مداداً يسري بها كما تسري الدماءُ في عروق البشر.
فهي خُلقت من ترابٍ و ماءٍ كما خلقنا نحن ,فهي إذن رفيقَتنَاو شقيقَتُنَا منذُ الأزلْ, رغم أنها صامتةٌ هادئةُ لا تجْمَعُنا بها صلة رحمٍ,إلاّ أنَّهاأرحم منَّا و أعْطَفُ و أفضَلُ من الكَثيرِ منّا ,لأنّهاَ أَمـدّت الألواح بحبرها الذي ثـَبّـــتَ الآيات في العُقُولِ و حلّ عُــقَدَ الوَساوسِ من الصّــُدُور,و أنشأ جيلاً طَيِّب الأعْراقِ ,و حَـــصّنَ الأَخــْلاَقِ,و أضاء الدربَ ,و يسّـــر الحَياةَ,و جعل مدادُ هذه ـ المِحــْبــرَةَ ـ الأمّة يَصلُ ماضيِهابحاضـرها
و تَسْتَشٍرفُ مسْتَقْيلها.فيخشىَ أحبّةُ الشَيْطان على زوال مُلْكِهمُ الزّائل من الوُجوُدِ و يبدأون حَرْبَهم و هم مقتنعون أنّ النصر ليس حَلِيفَهم,لأنّهم يُدْركون أنّ أمّة تُحَــفّظُ أبنائها آيات القرآن بالّلوحة و القُلم و المِدَاد و المحبرة لن تركع أبدا, حتى و إنْ حاولوا حذف الإخلاص و الفلق و النّاس و كلّ آيات القرآن من المناهج, فستبقى المحبّرَةُ شقيقَةُ الصّــبــْيان تجْمَعُهُم و لا تُفَرّقهم, كما فرّقت الأعداء الريح يوم الأحزابِ حينما همّوا بحَمَلةَ الإسلام سوءا,فَفَشلوا و عادوا و الخُوذلانُ رَفيقَهم.و نحن اليوم كبرناَ و ما صرنا نتأبط اللّوحة ولا نحلمُ برؤية المحبّرةِ بل صدورناَ كلّها مِحْبـرَة و دمائنا حبْرها و مِــدَادُها,لأنّ البحر لو كان مدادا لنفد قبل أنْ تَنْفَدُ كلماتٌ أعجَزت كل ّمن مشى فوق البَسِيــطَة
و رفعت أناساً منازلا واخفضت سلاطينا و ملوكا حكّاما.و بالاخلاص يتآلف الناس و تنتشر المحبّة ,فإنْ محيْناالإخلاص قبلنا الذلّ و رضيْنا بالهوان ,و عِشْنا نتخبّطُ في التّيه و السّقوط في عالمٍ لا يرحم و لا يغفر لمن تخلى عن أصله.

نشر في الموقع بتاريخ : الأربعاء 9 شعبان 1439هـ الموافق لـ : 2018-04-25



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

مواعيد ثقافية " رؤى "

برنامج " رؤى " مع الاعلامية غنية سيد عثمان

اصوات الشمال
مواضيع سابقة
إشكالية الـحب في الـحياة الـفكرية والروحية في الإسلام
الدكتور : محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة
        إشكالية الـحب في الـحياة الـفكرية والروحية في الإسلام


في أصل الامازيغ..عودة لتاريخ الكنعانيين واساطيرهم
الدكتور : وليد بوعديلة
في أصل الامازيغ..عودة لتاريخ الكنعانيين واساطيرهم


lما يمكن لرواية أن تفعله بك
بقلم : جميلة طلباوي
lما يمكن لرواية أن تفعله بك


مشكلة الأمازيغية: اللغة والثقافة والهوية
بقلم : أ.د.أحمد زغب
مشكلة الأمازيغية: اللغة والثقافة والهوية


حوار مع لاعب وفاق سطيف قدور شايب ذراع ( علي حداد)
بقلم : حاوره: البشير بوكثير
حوار مع لاعب وفاق سطيف قدور شايب ذراع ( علي حداد)


في الحزن الباعث على الموت و الحزن الباعث على الحياة
بقلم : حمزة بلحاج صالح
في الحزن الباعث على الموت و الحزن الباعث على الحياة


" أصداء مجاورة الموتى" زجليات التقنّع بالخطاب الصّوفي
بقلم : الشاعروالناقد المغربي احمد الشيخاوي



رحلة الى المشتهى
بقلم : حورية ايت ايزم
رحلة الى المشتهى


أنا، دون غيري.
بقلم : فضيلة زياية ( الخنساء).
                                        أنا، دون غيري.


البقاء للأصلع
بقلم : طه بونيني
البقاء للأصلع




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2019م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com