أصوات الشمال
الاثنين 3 جمادى الثاني 1439هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * جمعية العلماء المسلمين شعبة سيدي عيسى تكرم الدكتور عمار طالبي   * التدريس الفعال   * قراءة في قصة "غابرون " للكاتبة الجزائرية / مريم بغيبغ   * سلسلة شعراء بونة وأدباؤها سيف الملوك سكتة شاعر المعنى والمعنى الآخر   * ملاحظات عن الفرق بين مصطلحي الثقافة والحضارة   * دكتوراه بجامعة تبسة عن نقد النقد   * وقفة تذكر و ترحم 11 سنة مرت 2007--2018 الفقيد الأستاذ بن مسعود الحاج الشيخ بن محمد    *  صابر حجازي يحاور الشاعرة الجزائريه رزيقة بنت الهضاب    *  مَا يُكتبُ فِي الْجَرَائِد ومَا يُقال في القنوات ..    * بونة تئد شعراءها وتلتهم مثقفيها    * انتربولوجية القلب في قصيد ( وتعلم كم أنت عندي) للشاعر إسماعيل عريف..   * الروائي رابح بوشارب: أنا ضد تدريس اللغة الأمازيغية في المدارس و مقر الجاحظية ليس للبيع   * حوار مع الإعلامية رجاء مكي   * جاءت متأخرة   * ومضةُ حنيـــنٍ وأنين    * شبابنا   * الاستاذ الملهم   * جائزة السَّيف الشّرقي للأديبة آسيا جبّار حيَّرت كثير من النقاد    * عندما تكتب النّساء...   * قراءة في رواية(خرافة الرجل القوي) لبومدين بلكبير    أرسل مشاركتك
يوميات فلسطينية
قصة : د.سناء الشعلان
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 197 مرة ]
د.سناء الشعلان

قصص

قصة قصيرة
يوميات فلسطينيّة
د.سناء الشعلان/ الأردن
أديبة أردنية من أصول فلسطينية
selenapollo@hotmail.com


أشجار

قالتْ عصابات الصّهاينة التي اجتاحتْ القرى الفلسطينيّة،فأعملتْ فيها الذّبح والبارود والإذلال والتّنكيل والاغتصاب والتّهجير والنّهب والتّدمير:"إنّ الأهالي الفلسطينيين هم من هاجموا أفرادها،وقتلوا جنودها،ودقّوا طبول الحرب".
العالم كلّه صّدق تلك العصابات الكاذبة الآثمة لأنّه كان لزاماً عليهم أن يصدّقوهم،ثم أفاضوا عليهم بعونهم وشفقتهم ودعمهم.
وحدها أشجار الزّيتون والتّين والبرتقال والرّمان والعنب من تحفظ وجوه رجال العصابات الصّهاينة وهم يتسلّلون عبرها قادمين من البعيد حيث البرد والجليد والقسوة والرّحيل،ووحدها من رأت الوجوه الآثمة الغريبة تمتدّ أيادي تقتل وتنهب وتغتصب وتخنق أنفاس الفلسطينيين الذين لا يجيدون إلا أن يفلقوا باطن أراضيهم بفؤوسهم ليخرجوا منها إلى الوجود سرّ خلودها شجراً وأثماراً وريحاً طيبة.
العالم كلّه صفّق طوعاً أو كرهاً للقتلة الصّهاينة الغاصبين،أمّا أشجار الزّيتون والتّين والبرتقال والرّمان والعنب فقد نقشتْ على جذوعها أسماء الشّهداء الأبرار كي لا ينسى التّاريخ جريمة اسمها اغتيال فلسطين.


أقدام

قدماها أُستشهدتا في المعركة كما أُستشهد أهلها جميعاً،كانوا متحلّقين على طاولة خشبيّة قصيرة ينتظرون أذان المغرب كي يفطروا عندما التهمتهم قذيفة صهيونيّة.
جاء العيد وهي وحيدة في المشفى،زارها أصدقاؤها في المدرسة برفقة بعض معلماتهم،جميعهم كانوا يلبسون أحذية جلديّة متشابهة قدّمها متبرّع ما من خارج فلسطين في شحنة كبيرة أرسلها هبة من مصنعه الخاصّ للأحذية.
حذاؤها كان إلى جانب رأسها،هو حصّتها من هدية العيد،لم تعد عندها قدمان لتلبس هديّتها.
شعر أصدقاؤها بالذّنب وهم يختالون أمامها بأحذيتهم الجديدة،وهي كسيرة الخاطر دون قدمين.
في اليوم الثّاني من العيد جاءوا جميعاً لزيارتها حُفاة الأقدام دون أحذية جديدة تختال بفخر في عيدها الحزين.


إصابة هدف

لا يحبّ ممارسة لعبة كرة القدم،ولكّنه ينصاع لمراقبة إخوانه وأبناء عمومتهم وأترابهم يلعبونها في تلك السّاحة الصّغيرة في المدينة القديمة المتوارية خلف البيوت والسّراديب الأثريّة.
وعد أمّه بأن يعود إلى البيت قبل الغروب،ولكن الغروب هبط على حين غرّة على المكان دون أن يخفّ راكضاً للبرّ بوعده لأمّه،ويغادره ليعود إلى بيته،قبل أن يخيّم الظّلام.
استمهله الأتراب والأقارب والأصدقاء كي ينهوا الجولة الأخيرة من اللّعب،ويحدّدوا الفائز وفق النّتيجة النّهائيّة.
كان يتمنّى من أعماق قلبه أن تمرّ الدّقائق الأخيرة سريعاً كي يُحّقق الهدف الفيصل،فيعود سريعاً إلى بيته قبل أن تغضب والدته لتأخّره عن موعد العودة المُتّفق عليه.الدّقائق مضت ثقيلة إلى أن قرّر العدو الصّهيونيّ أن يدخل اللّعبة في اللّحظات الأخيرة من جولاتها،لقد دخل اللّعبة دون استئذان،وأصاب الهدف النّهائي،لقد أطلق صاروخاً شلع السّاحة من مكانها،وفتّك بأجساد اللاعبين الصّغار الذين لن يوافوا انتظار والداتهم في الميعاد،ولن يعودوا إلى بيوتهم قبل حلول الظّلام.

اغتصاب

الأحلام في فلسطين محرّمة على أهلها بقرار صهيونيّ عرفيّ،ولكنّها على الرّغم من ذلك تغازل حلمها الأنثويّ ليل نهار،هي تصدّق حلمها،وتنتظر أن تلبس الثّوب الأبيض،وأن تتزوج من أسمر طويل وسيم،وأن تلصق العجين والورد على باب بيتها عندما تدخله عروساً مجلّلة بعباءة جدّها المقصّبة لتجعل وجودها في بيتها أبديّاً وولوداً وهنيئاًً،فتمطرها زغاريد النّسوة مشفوعة بالملح المنثور في عيون الحاسدين.
جمالها الخارجيّ كان خافتاً لا يصطاد الاهتمام،أمّا جمال روحها فهو منارة من نور،وقليل من الرّجال من ترى أعينهم أنوار دواخلها.
في دفاع عن أبيها الذي كان يقصد أرضه عندما هاجمه المستدمرون الصّهاينة تحوّلت إلى أسيرة في المعتقل الصّهيونيّ بعد أن شجّت رأس أحدهم بحجرها بعد أن لطم والدها العجوز الوقور.
ليستْ نادمة على ما فعلتْ،ولكنّها حزينة على هديتها لزوج المستقبل التي هدرها الجنود في المعتقل انتقاماً منها،لقد اغتصبوها مراراً وتكراراً كي يكسروا كبريائها،ويحرقوا اعتزازها بنفسها،وينتقموا منها أبشع انتقام،لكنّهم زادوها نوراً فوق نور،إلاّ أنّها أيقنت أنّ أحلام الزّوج والعرس وثوب الزّفاف قد تبخّرت للأبد على صفيح مستعر اسمه اغتصابها.
خرجتْ من المعتقل دون حلمها وعذريتها،لكنّها وجدتْ في انتظارها سبعة شبان فلسطينيين قد قُدّوا من الرّيحان والنّعناع يتنافسون على الزّواج بها ظفراً بشرفها الذي لم يُنتقص باغتصاب لئيم في معتقل صهيونيّ.


التّوائم الأربعة

هنّ توائم أربعة منحوتة بعناية إلهيّة ليكنّ أربع فتيات صغيرات بوجوه ملائكيّة وشعر شوكيّ كورود الصّحراء وعيون عشبيّة اللّون مثل ماء بركة رومانيّة في أصبوحة مطر.هنّ توائم متشابهة لا يستطيع أيّ بشر أن يميّز إحداهنّ عن الأخرى،وحدها أمّهن (باسلة)هي من تميّز-بصعوبة- إحداهنّ عن الأخرى،وتخصّص لوناً واحداً ثابتاً لكلّ واحدة كي يستطيع الآخرون تمييزها عن أخواتها.
هي تجبرهنّ على أن يلزمن ألوانهنّ المميزة في لباسهنّ،إلاّ أنّها عجزتْ عن أن تقنعهنّ بذلك في هذه المرّة،إذ صمّمن على أن يبتعن أثواباً متشابهة ذات لون واحد،وهو اللّون الأبيض،ليلبسن هذه الأثواب المتشابهة في زفاف خالهنّ (إبراهيم) الذي سيكون بعد عيد الفطر المبارك.
أمام إصرارهنّ اضطرّت الأمّ (باسلة) إلى أن تستسلم لرغبتهن الجامحة التي لا تستطيع أن تصمد أمام رفضها ما دمن قد تحالفن ضدّها في سبيل تحقيق هذه الرّغبة.
اشترت لهنّ الأثواب التي رفضن خلعها،وصمّمن على أن يعدن إلى البيت وهنّ مرتديات أثوابهنّ فرحاً واختيالاً بها أمام أترابهنّ من بنات الجيران والأقارب،فاستسلمت الأمّ من جديد لرغبتهن المسيطرة،وتركتهنّ عهدة عند عاملة البيع في متجر الملابس حتى تشتري بعض الخضار من السّوق المجاور،وتعود مسرعة إليهنّ لتصحبهنّ إلى البيت،إلاّ أنّ قذيفة صهيونيّة انهالتْ على سوق الملابس على حين غرّة،فأحالته إلى جحيم مستعر.
عادتْ (باسلة) مشدوهة إلى الأرض المحروقة عن بكرة أبيها،وهي من كانت قبل دقائق سوقاً وبشراً وبضائع،لم تجد (باسلة) من بناتها سوى مزق ملابس كانت بيضاء،وخليطاً من لحم آدمي معجون من أجساد بناتها التّوائم الأربع.
شرعت تلمّ اللّحم المتناثر،وتحوشه في صدرها بعد أن عجزتْ - لأوّل مرّة في حياتها -عن أن تميّز بين بناتها التّوائم الأربع!

الأمّ

هي لم تنجب طفلاً واحداً في حياتها،ولكنّها على الرّغم من ذلك أمّهم جميعاً؛يسميّها الجميع (الأمّ خضرة)،لا يعرفون الكثير عن حياتها،ولكنّها تعرف كلّ شيء عن حيواتهم،هي أمّ الأسرى جميعهم في المعتقلات الصّهيونيّة في فلسطين المحتلّة،كلّ أسير فلسطينيّ أو غير فلسطينيّ يقبع في معتقلات الاحتلال يغدو ابنها خبط عشواء فور دخوله المعتقل،تقطع أيّامها تدور من معتقل إلى آخر،وتزور أبناءها الأسرى،وتظهر اهتماماً خاصّاً بأبنائها الأسرى المقطوعين عن بلادهم وأهليهم بعد أن جاءوا إلى فلسطين لأجل الدّفاع عنها،هي أمّ الأردنيّ الذي ترك مدرسته،وجاء ليدافع عن فلسطين،وهي أم الأسير العراقيّ الذي أقسم على أن يصلّي في المسجد الأقصى بعد أن يتحرّر بمشاركته،وهي أم الأسير اليمنيّ الذي جاء يشارك في تحرير فلسطين إكراماً لأخوال ابنه،وهي أم الأسير الجزائريّ الذي أقسم على أن يجاهد حتى تحرير فلسطين كما جاهد والده وجدّه لتحرير بلادهم من المستعمر الجزائريّ،وهي أمّ الأسير المصريّ الذي ترك عروسه،وجاء إلى فلسطين ليدافع عنها لأنّها عروسه الأجمل.
هي تعدّ الأيام إلى حين خروجهم من معتقلاتهم،وتتابع مع المحامين ومؤسّسات متابعة قضايا الأسرى كلّ مستجدّ يخصّهم،وترسل الرّسائل إلى أهل عائلاتهم،وتكتب الرّسائل المزوّرة لهم إن لم يصلهم ردٌ لسبب ما من أهاليهم خارج فلسطين.
إنّها أمّ جميع الأسرى،إنّها (الأمّ خضرة) التي تقارع التّجار والمتسوّقين في السّوق،وترفض أن تُساوم في أسعار بضائعها من الخضراوات والفواكه،فأيّ نقص في مربحها يعني أن يقلّ مخصّص أحد أبنائها الأسرى من عونها.
على الجميع أن يدفعوا الأسعار التي تطلبها (الأمّ خضرة) دون فصال كي تطير بالمال إلى أبنائها الأسرى.

الأرجوحة


لطالما استرقت النّظر إلى تلك الأرجوحة التي تتمايل بغنج مستفزّ مستدعٍ لها،وهي تغوص في بركة من الأعشاب الخضراء التي تنام تحت قدميها،راودتها نفسها كثيراً كي تعبر الأسلاك الشّائكة التي تحيط بالمستدمرة( ) الصّهيونيّة كي تدلّل نفسها ببعض المتعة على تلك الأرجوحة الجميلة.
تلك الطّفلة الصّهيونيّة الحمراء البشرة كانت تقضي جلّ وقتها في اللّهو على الأرجوحة الحلم،ولعلّها في حاجة إلى رفيقة مثلها تشاركها المتعة واللّعب،وتقاسمها أسرارها الطّفوليّة الخطيرة في حدّ تقديرها.
تتجرّأ،وتعبر الأسلاك الشّائكة التي تفصل قريتها الفلسطينيّة النّائية عن المستدمرة المستذئبة،تجري نحو الأرجوحة،لكنّها لا تصل إليها،يتناوشها المستدمرون( ) الصّهاينة بالفؤوس والسّكاكين والخناجر.
يقطّعونها إرباً،ويحرّقونها في مستعر النّار عقاباً لها لأنّها طفلة فلسطينيّة بريئة حلمتْ بأن تلهو بأرجوحة لطفلة صهيونيّة حمراء البشرة ملعونة.

المؤذّن

لم تمنعه سنون العجز والمرض والتّقدّم في السّن وضعف النّظر من أن يقود نفسه بتؤدة إلى المسجد ليؤّذن فيه خمس مرّات في اليوم الواحد.لم يفته رفع آذان واحد أربعين عاماً.الجميع في مدينة الخليل يحفظون الآذان بصوته.
أمره جنديّ صهيونيّ بأن يعود أدراجه إلى بيته،وأن لا يرفع الآذان بسبب حظر التّجوّل الذي يُفرض على المدينة خبط عشواء.لكنّه رفض أن يفوّت رفع الآذان،ولو كلّفه ذلك دفع عمره.
رصاصة صهيونيّة أردته قتيلاً على بلاط المدينة القديمة على بُعد من خطوات من باب المسجد.سحله الجنود الصّهاينة باستهتار إلى داخل مجنزرة مصفّحة في إجراء تحفّظيّ مجهول المدّة.
لكنّ روحه صمّمت على أن ترفع الآذان في وقته،غادرتْ جسده على يسر،وأسرعت إلى المأذنة،ورفعت الآذان في وقته،فصدح صوت المؤذّن في سماء مدينة الخليل مودّعاً بدعة جسده الذي غادر إلى البعيد مكوّماً في مجنزرة صهيونيّة.

المحرقة

رآهم أجمعين ينقضّون على ذلك الفلسطينيّ المزارع العجوز وزوجته وحفيدته الصّغيرة،ويستفردون بهم شمال الحاجز الشّائك الذي يفصل المستدمرة عن حقل العجوز الفلسطينيّ،ويمزّقونهم إرباً بالفؤوس،العجوز المسكين دافع عن زوجته وحفيدته الصّغيرة إلى أن فصل فأس ما رأسه عن جسده،وبتر فأس آخر في الوقت ذاته كفّه عن يده وهو يردّ الضّربات النّاهشة عن حفيدته الصّغيرة التي تشبّثت بحضن جدّتها وفؤوس المستدمرين الصّهاينة تمشّط لحمها بدءاً من الظّهر.
لقد رآهم يفعلون ذلك بدم بارد وبمتعة،ودون سبب خلا الاستمتاع بتعذيب بشر عزّل،لقد شاهد كلّ شيء بأمّ عينيه،ثم رآهم ينسحبون كالضّباع الجبانة إلى أوكارهم في المستدمرة.
لم يرَ استياء حقيقيّاً على وجه والديه عندما تفاجآ برؤيته يرمقهما برهبة واستنكار،اقتربت أمّه منه،وربتتْ على كتفه بيدها المنجّسة بدم الأبرياء،ثم ثنته في حضنها على كره منه،ولبستْ قناع الآدميّة الذي لا يليق بها،وقالتْ له بحنان ممجوج: "حبيبي الصّغير الجميل (ليفي)،أنتَ تعرف أنّنا نحن اليهود مستضعفون،ويجب أن ندافع عن أنفسنا".
أردف أبوه قائلاً كمن يرتّل سفراً من أسفاره المزوّرة: "لقد قتلونا هناك،نعم في المحرقة في ألمانيا قتلونا جميعاً،يجب أن ننتقم من العالم بأسره بسبب ذلك".
صمت الطّفل،وظلّ يحدّق في وجهي والديه المتوحّشين،ودعا الله في سرّه أن يرسل والديه المتوحّشين إلى جحيم أيّ محرقة كانتْ.


المعجزة

لا يؤمن أبداً بالمعجزات منذ اعتاد على أن يرى الموت يقسم الوجوه البريئة،ويرتع في هذه الأرض المشعلة بالثّورة والنّضال ضدّ الكيان الصّهيونيّ،يستطيع القول إنّ إصرار هذا الشّعب الفلسطينيّ على الحياة والنّصر والتّحرّر هو ما دفع به ليتبرّع عبر المؤسّسة الدّوليّة التي ينتمي لها ليترك حياته المترفه في السّويد،ويأتي لمناطحة الموت والألم في هذه المستشفى الذي بات مزدحماً وقذراً مثل محطة مهجورة مسكونة بالأرواح الشّريرة.
أربعين يوماً وليلة والقصف الصّهيونيّ يستهدف المدنيين العزّل من الفلسطينيين،أربعون يوماً وليلة علّمته أن يكفر بالبشريّة التي تغض الطّرف عمّا يحدث في هذه البقعة من كوكب الأرض،هنا رأى الموت يطلق العنان لنفسه دون رادع،ورأى البشر يواجهونه وجهاً لوجه دون خوف،وتعلّم أنّ الموت جبان وحقير يخطف الوجوه البريئة دون خجل.
منذ بدأت اللّيالي الأربعون الملعونة بالقصف،وهو يعاين المعجزة بأم عينيه،وينكرها،ولكنّه ما عاد يطيق كفره بها،بطون النّساء الفلسطينيّات كلّها أكنّ صبايا أم في منتصف الشّباب أم في شرخه تعجّ بتوائم أربعة أو خمسة أو ستة،حتى النّساء اللّواتي لم يتزوّجن أو يمسسهن بشر أو العواقر تحرّكت أرحامهنّ بالأجنّة المعلنة وجودها بحركات عنيفة صارخة.
الأحمال العجيبة تكبر بسرعة غير طبيعيّة،وتكاد الأجنّة جميعها تغادر الأرحام لتكون أطفالاً تنزلق إلى الدّنيا الدّبقة لتكمل مسيرة النّضال،الذين يموتون من الفلسطينيين كُثر،أمّا القادمون المقبلون من الأرحام العجيبة فهم أكثر.
إنّه يؤمن بأنّ زمن المعجزات قد انتهى،لكنّه بات يؤمن الآن بأنّ رحم المرأة الفلسطينيّة معجزة قادرة على بعث الحياة.
يقرّر أن يتجاهل القصف والجرحى المنهالين عليه من كلّ حدب وصوب؛ليأخذ راحة تكفيه لأن يشرع في القريب في توليد النّساء ذوات الأحمال العجيبة،فهو يريد أن يكون أوّل من يستقبل الأطفال الفلسطينيين القادمين إلى الدّنيا.


تِيه

مضى على تِيه ابنها أكثر من ثلاثين عاماً مُذ داهمت عصابات الصّهاينة قريتهم في طولكرم،ونهبت كلّ ما فيها،وأمعنت فيها القتل والذّبح والتّشريد والتّهجير،وفي حمّى الموت والهرب تاه طفلها الأصغر.
أمضت ثلاثين عاماً من عمرها تبحث عنه في الملاجئ والمستشفيات والسّجون وشواهد القبور،تفرّست في وجوه أترابه جميعاً لعلّها تجده متوارياً في وجه أحدهم،لكنّها لم تعثر عليه.
قدّمت لثرى فلسطين سبعة من أبنائها شهداء دفاعاً عن أرضهم فلسطين،وظلّت تبحث عن ابنها الثّامن التّائه لا لتحضنه،بل لتقدّمه شهيداً ثامناً للوطن،فهي نذرتْ كلّ ما أنجب بطنها لفلسطين،ويجب أن تفي بنذرها المقدّس.


تواريخ

جدّته تؤرّخ أزمانها بالنّكبات والمصائب،كلّما أرادوا وهو وإخوته وأبناء عمومته أن يداعبوها،وأن يخرجوها من أجوائها الصّوفيّة التّعبّديّة التي تعيشها منذ سنوات منذ أُستشهد ابنها الأوسط على أيدي الصّهاينة،يسألونها عن أيّ مناسبة عائليّة أيّاً كانت،لتؤرّخها لهم بمأساة من مآسي الفلسطينيين.
الأحداث جميعها في ذهنها مرتّبة وفق نكبات الفلسطينيين،يحاولون أن يتلاعبوا بتأريخها المأساويّ،فيختارون حدث ولادة حفيدتهم الأخيرة،ويسألونها متى كان ذلك؟
تحدّق في وجوههم،لا تستطيع أن تجد حدثاً فلسطينيّاً مرتبطاّ بهذه الولادة،تصمتْ قليلاً،ثم تبتسم لهم بأسى وانكسار،وتقول:"أنا أحفظ متى أُستشهد أولادي،وأنتم عليكم أن تحفظوا متى وُلد أبناؤكم".




ثوب زفاف

لقد بلي ثوب زفافها لطول استلقائه المهزوم تارة على سريرها،وتارة في قاع حقيبة جلديّة عتيقة تنام فوق خزانة غرفتها.
غسلته أكثر من مرّة بعد أن اتّسخ بالغبار وبأيدي اللامسين التي تغفو عليه فرحاً بجماله الأبيض الطّاهر كلما لبسته لتقيسه،وتصبّر نفسها بمرآه،وتعده بفرج قريب.وما أكثر ما تقيسه،وتختال به أمام القريبات والصدّيقات وأمام مرآتها الطّوليّة المشروخة الزّوايا.
أشهر طويلة وثوب زفافها ينتظر،ولا فرج يدنو منها ومنه كي تطير إلى زوجها مع وقف التّنفيذ بعد أن تعبر معبر رفح وصولاً إلى أقرب مطار في الإسكندريّة أو في القاهرة كي تستقلّ أوّل طائرة تيمّم نحو مدينة دبي الإماراتيّة حيث يقطن زوجها ويعمل،وحيث قابلته لأوّل مرّة منذ سنوات عندما كانت في زيارة يتيمة لأختها المقيمة هناك برفقة زوجها وأولادها منذ عشرين عاماً.
احتاج زوجها أشهراً طويلة حتى يستطيع أن يرسل أسرته من مدينة الخليل إلى مخيّم الشّاطئ في غزّة كي يخطبها،ثم يسند لوالده بتوكيل رسميّ مهمّة استكمال إجراءات الزّواج بها.
منذ تلك اللّحظة هي تنتظر أن يُفتح معبر رفح كي تلحق بزوجها،لكنّ المعبر مغلق بشكل دائم منذ مدّة طويلة،وهي لم تنجح في المرّات القليلة التي فُتح فيها في أن تجتازه.
لبستْ ثوب زفافها لأكثر من مرّة،وانتظرتْ دورها لتعبر المعبر برفقة حقيبتها الجلديّة الوحيدة التي تكدّس فيها جهاز عرسها،ولكنّها في كلّ مرّة كانت تخفق في العبور المبتغى،فتعود أدراجها كسيفة حزينة ترهف السّمع على استحياء وتكتّم لبكاء ثوب زفافها الذي يحلم منذ زمن طويل بأن يطير إلى حضن الرّجل الذي تزوّجته مع إيقاف التّنفيذ على ذمّة معبر ساجن لا يفتح أبوابه حتى لثوب زفاف حزين!


حفّار قبور

يفخر بوالده الذي يسميّه العدو الصّهيونيّ( حفّار القبور)،هو مهندس متخصّص في علم الاتّصالات،كان يمكن أن يكون من أهمّ علماء العالم في هذا التّخصّص لو كانت الفرص متاحة أمامه بعدالة،ولم يكن أسير نضال موصول ضدّ عدوّه الصّهيونيّ.
والده يصمّم أهمّ أنظمة تفجير القنابل عن بعد، فقد رجليه في إحدى غارات العدّو على مقرّ نضاله،فنجا من الموت بأعجوبة،من يومها تفرّغ لقبر اليهود،فهو يصنع كمائن لهم تحوّل الأرض جحيماً تحت أقدامهم،وتدفنهم في أماكنهم.
يصمّم على أن يناديه أترابه بلقب (ابن حفّار القبور) فخراً بأبيه،وكلّما سمعهم يعظّمونه بهذا اللّقب تذكّر كم هو مشتاق لرؤية والده الذي لم يره منذ أكثر من عام؛فهو مشغول بحفر القبور للجنود الصّهاينة.

نشر في الموقع بتاريخ : الجمعة 25 ربيع الثاني 1439هـ الموافق لـ : 2018-01-12



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

ايام لها حضور بالتاريخ

17 أكتوبر 1961 اليوم الوطني للهجرة

.
مواضيع سابقة
مَا يُكتبُ فِي الْجَرَائِد ومَا يُقال في القنوات ..
بقلم : محمد الصغير داسه
             مَا يُكتبُ فِي الْجَرَائِد ومَا يُقال في  القنوات  ..


بونة تئد شعراءها وتلتهم مثقفيها
بقلم : الاستاذ عرامي اسماعيل
بونة تئد شعراءها وتلتهم مثقفيها


انتربولوجية القلب في قصيد ( وتعلم كم أنت عندي) للشاعر إسماعيل عريف..
الدكتور : حمام محمد زهير
انتربولوجية القلب في قصيد ( وتعلم كم أنت عندي) للشاعر إسماعيل عريف..


الروائي رابح بوشارب: أنا ضد تدريس اللغة الأمازيغية في المدارس و مقر الجاحظية ليس للبيع
حاورته : علجية عيش
الروائي رابح بوشارب: أنا ضد تدريس اللغة الأمازيغية في المدارس و مقر الجاحظية ليس للبيع


حوار مع الإعلامية رجاء مكي
بقلم : بلعامري فوضيل
حوار مع الإعلامية رجاء مكي


جاءت متأخرة
بقلم : محمد بتش"مسعود"
جاءت متأخرة


ومضةُ حنيـــنٍ وأنين
بقلم : البشير بوكثير
ومضةُ حنيـــنٍ وأنين


شبابنا
بقلم : عربية معمري
شبابنا


الاستاذ الملهم
الدكتور : بدرالدين زواقة
الاستاذ الملهم


جائزة السَّيف الشّرقي للأديبة آسيا جبّار حيَّرت كثير من النقاد
بقلم : علجية عيش
جائزة السَّيف الشّرقي للأديبة آسيا  جبّار حيَّرت كثير من النقاد




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1439هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com