أصوات الشمال
الاثنين 13 صفر 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * الحسن و القبح عند كل الملل و الديانات و في الإلحاد و اللادينية..   * تحت شعار ضد العنف ومن اجل العيش بسلام جمعية المعالي للعلوم والتربية تحيي اليوم الوطني للصحافة    * أحاديـــث العشيـــــــات   * "الشاعر الإبستمولوجي": (مرسي عوَّاد) في "أول العرفان"   * قضايا الأدب الإماراتي من خلال كتاب: «الأدب في الـخليج العربي» لوليد مـحمود خالص   * بلادي   * صوتك كحنان النَّايْ   * إصدار رواية " المُستبدّة " للروائية الأردنية هيا بيوض   * قصائد نثرية قصيرة 2   * الد/ محمد فوزي معلم: المؤرخون الفرنسيون يرفضون الاعتراف بمصطلح الفترة الرومانية   * ندوة وطنية بعنوان معركة باريس حلقة مشرقة من ثورة التحرير الجزائرية   * اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى يحيي ذكرى 17أكتوبر   * قراءة أدبية في رواية { رياح القدر }    * الشاعرة اللبنانية نور جعفر حيدر تستلم جائزة سعيد فياض للإبداع الشعري في دورتها ال15   * نحن والدراسات الثقافية   *  تحْتَ وَطأةِ المَآسِي..تمُوتُ الأحْلاَمُ..!! /الحلقة الثاني..02    *  نظرة إلى المرأة.   * قد زارني طيف الحبيب   * الذوق الجمالي فلسفة تستمد قيمتها من الذات    * إنّ كيدكنّ عظيم.    أرسل مشاركتك
حوار مع: المُجَاهِدُ السَيَّد: وَلْهِي عِلِي
بقلم : حاوره :محمد الصغير داسه
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 1312 مرة ]

نُعِيده من جديد إلى أيَّام الثورة في هَذِه الجوْلة الحوَارية، ليعِيش تلك المرْحلة العُمرية الزَّاخرة بالعَطاء والوَطنيّة ومن جَديد، حُلم سَكن غيَاهِب المَاضي ذَات تاريخ، وغطتْهُ مسَافاتُ الأيّام، وكاد أن يمَّحي لولا قدْرَة الرَّجُل على الإبْحَار مِنْ جَديدٍ في تضَاريس العُمْر واسْترجَاع ماسَكن الذاكرة، ولعلني أكون مُمتنا لاسْتجابة السيد ولهي السَّريعة، يقول المثل الصيني: ".. قل لِي وسَوف أنْسى، ارنِي ورُبما أتذكر، اشركني وسَوف أحفظ..". وفيما يلي محاورة المجاهد ولهي:


بـســــــــــم الله الرحمن الرحــــــــــــيم

01- توطئة: ليس هُناك من مَسْلك يتوسّلُ به المرءُ الوصولَ إلى مَا تخْفيه الثوْرة الجزائرية المُبارَكة من أحْداث تنامُ في جَوفها، ومن أسْرار عصيَّة على الفهْم، خفيَّة عن الأنظار، سِوَى الحوار الهادِئ المُتزن مَع الذِين يلتزمُون الصّمْت، ذلك أنَّ الحقائقَ المسْكوتُ عَنْها بدأت فِي الَتلاشِي برَحيل جِيل الثوْرَة صنَّاعُ الحدَث، ولا شَك أنَّ الحوَار مع المُجاهِدين حَملة السلاح، والضُباط مِنْهم بالخُصُوص وسيلة لقرَّاءة تاريخ الْمنطقة من جَديد، قراءَة مُتأنيّة واعيَّة ومُمْتعة، سَواء في بعْدِها ألزَّماني أو المَكاني، وأنّ الاسْتِماع لروَايات المُجاهدين حملة السلاح، شيءٌ جَميل يسْمحُ لنا بالتوغل في سَرادِيب الْحدَث، ويكشف ما توَارى من أسْرار، ففي أجْوبتهم وما يكتبُون مادَّة ثريَّة شدِيدَة الميْل إلى العُمْق، بَعيدة عَن التعْميم والرَّائجَات، ولا يعْدَم المُستقرئ أمْثلة داعِمة كالحِوار شهادة لا شيَّة فيها. وبوسْعِنا أنْ نجْزمَ في غير شططٍ بأنّ مصْدر الخبر المُتميز هُو المُجاهد بعْد الوثائق، ولذلك بقيَّت بعْضُ الحقائق عبْر مَحَطات تاريخ الثوْرة مرْكونَة في الذاكرة، مُحْتفظ بها إلى حين، بل ومسْكوتٌ عن بعْضها إلى أنْ يفتح الله، نتيجة الظروف وبعْض إلا كْرَاهات، وقد حَان وقتُ البَوْح إن لم نقل فاتَ، فمن خلال قراءة مُوازيَّة لما كتب من مُساهَمات في تاريخ المَنطقة، وما تواتر من روَايات، يأتي الحِوار ليُجلي بعْض الغمُوض، وليؤكد ما أذيعَ أو يَنفي مادوِّن، لطالما أنّ النوَايا الحَسنة للمُسَاهمَات في كتابةِ تاريخ الثورة وتقدِيم إضافات و إضاءات باتَ ضروريًا وفي المُتناول، خاصَّة ما تعلق بكتابة تاريخ المنطقة، فالمُسَاهَمَات ضبَطت أهمَّ الحقائق وسكتَت عن أخْرى، واعْتنَت ببعْض الوُجُوهِ لكنَّها تجَاهَلت البعْض الآخَر؛ والسيد {ولهي علي} نُعِيده من جديد إلى أيَّام الثورة في هَذِه الجوْلة الحوَارية، ليعِيش تلك المرْحلة العُمرية الزَّاخرة بالعَطاء والوَطنيّة ومن جَديد، حُلم سَكن غيَاهِب المَاضي ذَات تاريخ، وغطتْهُ مسَافاتُ الأيّام، وكاد أن يمَّحي لولا قدْرَة الرَّجُل على الإبْحَار مِنْ جَديدٍ في تضَاريس العُمْر واسْترجَاع ماسَكن الذاكرة، ولعلني أكون مُمتنا لاسْتجابة السيد ولهي السَّريعة، يقول المثل الصيني: ".. قل لِي وسَوف أنْسى، ارنِي ورُبما أتذكر، اشركني وسَوف أحفظ..". وفيما يلي محاورة المجاهد ولهي:

02- نص الحوار:
01- م.ص.داسه: من هو المجاهد ولهي علي{حياته.. وسيرته النضالية.}؟ المجاهد.ولهي:هو ابْن برَابح وأمُّه عزيْبر ثليجة، من عائلة مُحافظة مُتوسطة الدخل كانَت تشتغل الفلاحَة وتربيّة المَاشية، ولد في باديّة الهامل، في22-07-1944 وانتقل مع اسْرتِه إلى مَدينة{الهامل} حفظ ماتيسّر من القرآن الكريم فِي الزاوية القاسمية، ودخل المدْرسة الابتدائية الفرنْسية، وتخرّج بشهادة التعليم الابتدائي كان عُمْرُه يومئذ 14سنة، يقول: حُرمْت من مواصلة التعليم المُتوسط والثانوي، وأصبْتُ بالخيبة والإحْباط، تساءلتُ بمرَارة عهْدئذ، لماذا ابناء الفرنْسيين واليهُود يُواصلون دراستهم ويُحْرَم الجزائريُّون؟ التحقت من جديد بالزاوية الهاملية.لمواصلة حفظ القرآن والفقه وعلوم الشريعة واللغة، وعيْني مُعلقة بالجهَاد والمُجاهدين، فعلى ظهْر الحَمير كنت اتسللُ خفية عَبر الاوْديّة والمسَالك الضيقة والشعاب للصعُود إلى الجبال حاملا المئونة والرسائل إلى المُجاهدين وفي تلك الشعاب والدّروب،كانت أمنيتي أن أكون مجاهدا.
2- م.ص.اسه: سي علي كيف جاءتك فكرة الالتحاق بصفوف الثورة، وأنت يومئذ شاب يافع تلبي نداء الواجب بتلقائيّة وبدون خوف ولاوجل؟
المجاهد.ولهي: يتمسك بالهُدوء ويقول: في الفترة مابيْن 1958- 1959 بدأت أمارس النضال بشكل عَملي، انقل الرسائل والمعلومات وما يحتاجوه المُجاهدون من ادوية وأغذية وملابس، مع مُحاولة التجنيد، أُجِّل طلبي اكثر من مَرّة..حيث خضعت لتجربة دقيقة، وتلقيتُ وعدًا بالانتظار.
3- م.ص.داسه: حدثنا عن أيّامك الأولى وأنت اصغر المجندين سِنًا وأكثرهم حماسا في جيش التحرير الوطني...؟
المجاهد.ولهي:وما اقصر أيّام الدنيا ؟! عند بلوغي 16سنة في 04-02-1960 التحقت بصفوف جيْش التحرير وكانت فرْحتي عارمة، أوّل مَسْؤول تعاملت معه في القسمة 54 المنطقة 03 هو محمد اخليف الذي كلفني بالعمل مع العريف الأول الاخباري،واشرف المجاهد عبد الجبار بن المَدني على تجْنِيدي في الكتيبة التي يتولى الاشْراف عليها، قسمة 54 فكنتُ كاتبا له حَاملا السَّلاح مع الشهيد حرفاني رحمه الله، كانت فرْحتي لا تضاهى عندما حملت السِّلاح، ووقفت في صفوف الجنود بلباسٍ عسْكري مُتميّز، بدأت أعْمل ضمن الأفواج نُتابع حركة العدو ونجمع المعلومات، تلكم كانت هيّ البداية، كنا نخرجُ لنصْب الكمائن، ونرْصد تحركات العدو، كان الفوج الذي اعمل فيه يتركني بعيدًا عن مسْرح العمليات، فاكتفي بمراقبة مايحدُث عن بُعد، وفي ذات الوقت كنت ضمْن مجموعة نؤمّن ظهور المجاهدين، ونطوي الممرات لنطلع ونبلغ، وعلى الفور نُخلي المكان، نتنقل، نطوي المسافات طيا، نحرص على مراقبة الطائرات، ونحدِّد أماكن التخندق مع تأمين الطرق السّالكة، أحْيانا نعترض فلول الخونة في جيش بلونيس العميل ونترصَّدُ حركاتهم.
4- م.ص.داسه: هل تذكر أوّل معركة شاركت فيها؟- متى مع من كنت؟ وكيف كانت معنوياتك مع ذكر النتائج؟
المجاهد.ولهي:المعارك التي شاركتُ فيها كثيرة، وأهمُّها معركة جبل {نسينيسة}وهو جبل بين وادي الشعير وأولاد دراج، في شهر أوت1960، استهد فيها مجاهد واحد {بوزيد شعاع} وخرجنا من الحصارليلا وبجهد جهيد، سلكنا طريقا وَعِرًا نتخفى بين أخاديد الجبال، إلى أن وصلنا جبل أمْساعد، وكانت المعركة الكبرى في جبل بوكحيل، وبالمكان المسمى{جريبيع} والتي دامت مدة 48 ساعة بدُون توقف، كانت بقيادة العقيد شعباني ومسؤولين من الناحية الأولى والثانيَّة للمنطقة الثالثة، وطلائع من المنطقة الثانية، كانت القوّاتُ الفرنسية تتأهب للهُجوم علينا، ففاجأهم العقيد شعباني بإطلاق ثلاث طلقات من مُسدّسه، رسم فيهاعلم الجزائر في سَماء المعركة، فتبعتها صيَحات مُبْهرَة ردّدت صداها الجبال والشعاب{الله اكبر} ففزع جيش ألاسْتعمار وارْتبك جُندُه، كانت مُواجهة بحق ملحميَّة، بصعوبة بالغة نظم العدوُّ قواته واسْتدْعى بسُرعة الدبابات والطائرات، لحماية جيْشه الذي فقد السيْطرة، وتراجع قبل بداية المعركة، وتحت أجنحة الظلام مشينا ليلا لنتمركز في {الجريبيعة} وتوزعت الفرق كل في جهته وكنا مُحاصرين، جاءت الطائرات فجرًا وأخذت تقصف المواقع بقنابل النبالم والبراميل الحارقة والمدافع، ظلت تملأ سماء المعركة نارًا ذات لهب ودمارًا، جاءت اسْرابُها متتابعة من بسْكرة والأغواط والجلفة، وتدخلت الطائرات العمُودية والكاشفة، وحدث الرُّعْب والدمار، ورجّت الارض رجًا، وتلاشت اشلاء المجاهدين وتناثرت الجثث، وامْتدت الْسِنة اللهب، تحْرق الوجوه فلا ترى إلا سوادًا ودماء تسيل، ورؤوسًا حاسِرَة تنبعث من الرماد، نفدت الذخيرة ولم نعد نسْمعُ بعضنا بسبب هوْل القصف وأزيز الطائرات، بعون الله تعالى وشجاعة المجاهدين كان الصمُودُ، ولما جنَّ الليل وتراجَع القصف ورحلت الطائراتُ، ولم نعد نسمع أزيزها، جاءت الأوامر بالخروج، فجمعنا جرْحانا وقاد فوجنا سي علي شريف لنتسلل بحذر بيْن الدبابات، نُرهف السّمْع، نُصغي لهمسات الجليد، ومن على قمة الجبل نسير مُتأرجحين في الأعَالي بين الصّخور، كان المسبلون يؤمِّنون لنا الحمَاية، خرجنا بعوْنه تعالى من وسط المعْركة، وعلى سواعدنا نحمل جرْحى احرقتهم قنابل النابالم، وشوّهتهم الغازات، فى ذلك اليوم ترمّلت الابتسامة بيْن الشفاه، مشيت وعلى كتفي حذائي وقلبي والعصا وقرْبة الماء والسفر، ولن أنسى تلك اللحظات الضاجّة ماحييت، ولما توجَّهنا تلقاء جبل امْساعد، نسْتحثُّ الزمن ونسْتعجله لنغنم وننتصر، والزمن المُتحرِّك لايعْترف بالمشاعر، ولابطول المسافة، تمركزنا قرب عين الملح..نعيد أنفاسنا، ونستعد لخوض المعارك،
توقفنا عند أحد المواطنين، فعرف أننا من جيش التحرير، خرج ليلا مُتسللا مع زوجته، واخبْر جُنود بلونيس، انتبهنا في الصباح أنّ صاحِب البيْت فرَّ مَع عياله ولا شك أنه خائن، اعتزمْنا مُغادَرة المكان، وإذا بالحارس يرَى ثلاثة رجال على ربْوة يتابعون حركتنا، فدعانا إلى التأهب، حاولنا أنْ نخرج، فوجدنا أنفسنا مُحاصرين في منزل له باب واحدٌ، دلنا الحارس على {فأس} مرْميّة، فلم نتمكن من الوصول إليها، اطلقوا علينا وابلا من الرصاص برشاش نوع 24.حاول احدُ الجنود الخروج فاستشهد، حاول الثاني فقطعت رجله، قام الحارس ومعه جُنديان بإطلاق نار مُكثفة على الخونة فاسْكتنا رصاصهم، ولايمكن أن نبقى مُحاصرين، فاللحظاتُ حَرجة، وهل نموت كالأزهار بدُون صراخ؟ حاولنا وبعد جُهد اتى احد المجاهدين بالفأس، حفرنا منافذ على طول الجدار الخلفي فتنفسنا الصُّعداء، بدأت المعْركة حامية الوطيس إلى السّاعة الثانية زوالا، ومَوْت الخونة بطيءٌ، وسيمشون في نعْشهم، اخذت الأمطار تتساقط، وعمّ الضباب أرْجاء المكان، فانسَحبُوا وانسحبنا إلى جبل امْساعد، نمْتطي خيول الصّمت، ونطوي ظل الخيال طيًا، حاملين معنا جرْحانا، دخلنا الجبل وأقمنا حراسة مشدّدة، توزعنا إلى مجمُوعات لتفادي عُيون الخونة، وفي الليل أمر المُلازم الأول العسكري كل الجنود إلى التوجه إلى قسماتهم، كانت بحق رحلة مُتعبة ولكنها في سبيل الله والوطن، فما اقصر أيّام الدنيا بالقياس إلى أيّام الآخرة..!! وليس للمكاح الكادح إلا أن يكتم سرّه في رئته ليبدأ فصلا جديدا.
5- م.ص .داسه: ماهي المعارك التي شاركت فيها؟ وأين ؟ ومتى وقعت؟ وهل تذكر بعض الشهداء الذين سقطوا إلى جانبك وبعض المجاهدين الذين هم على قيد الحياة؟
المجاهد.ولهي: وفي معركة {امحارقة} كنتُ إلى جانب العقيد شعباني، بتاريخ 1جانفي 1962 من الساعة 11 صباحا إلى 6 مساء، كان اجتماع الولاية 6المنطقة 3 بالخصوص، اراد شعْباني أن يقول لفرنسا نحن هُنا؛ وأنَّ المجاهدين الأشاوس لايخافون ولا يتراجعُون، كان في الليل يطلب من الجُنود أنْ يصعدوا قمة الجبل.. ينشدون..يطلقون الرصاص، ويُسْمعُون العدو صوتا تهتز لصداه الجبال، يصل مداه مدينة بوسعادة ..الحملات.. بن سرور..وفي تلك الليلة كنت أحسّ بشعُور من الزهو والتيه، يغْمُرني غمرًا لاعهد لي به، ازدري تلك الكائنات التي تشبه الضفادع، همها التهامُ خيرات الوطن؛ ففي يوم 2 جانفي 1962 قام العدو بمحاصرة الجبل من كل الجهات؛ تقدمت ارتال من الدبابات والعربات المُجنزرة، وحامت الطائرات، وبدأت تركز القصف على الناحية الغربية من الجبل، فاشتعلت الصخور ناراً؛ كنا في الجهة الشرقة نُتابعُ المشهد، فيُطلب منا أنْ نفك الحصارعلى إخْواننا، ونشغل العدو من الجهة الشرقة، فنخفِّف عليْهم الضغط، كان رأيا صائبا، وكان نصيبنا في المعركة أكبر، جرح لنا جنديان من الناحية 2 هما وزاني السبتي.. ويحي يحي الموعدي من البيرين، وبقيت مع المُمرض أساعدُه، وابحث عن الجريحين اصغي لسماع أنينهما، إلى أن دلني عليهما جندي، فجأة اقبلت الطائرة وكان بالقرب مني جندي جريح يسْتغيث، اكتشفتنا الطائرة، صرخ صاحبي أنْ انبطح، فارتميت بجوارشجيرةعرعار، وعادت الطائرة تحمل الموْت وكأنّ بها حياء، ترمينا بقنابل دخان مُضيئة، في ذلك المكان الذي كنا نخْتفي فيه، ومن جديد تمطرنا المروحية بقنابل حارقة فتشتعل النار، يقبل العقيد شعباني وحده من الناحية الجنوبية يحْمل مُسدسا وعلى ظهره سلاحا ، نظراتُ عينيه العميقتين تشعُّ دفئا ولا يخاف، يُمنينا بيوم مُشرق وبالنصر المبين، يكفكف دمُوع المعطوبين، يُناديه المجاهد محمد بلقريشي، ليدخل المخبأ{كازمة} رفقة المجاهد خليل بوجلال العريف العسكري، ويأمروني با لدخول معهما، واعداد شريط الكرتوش، على بُعد امتار يقف المجاهد عبد العزيز عبد الله ينشد ويغني{يا أمي ماتبكيش على ابنك راح يجاهد..} كانت اصوات العساكر تصلنا وهم يتقدمون نحْونا، لا تزال طلقات المدافع تتوالى، وتسْقط على بعد أمتار منا، شعباني يرفعُ من معنويات المجاهدين، يطلق النكت على جنُود فرنسا، يمزح مع المجاهد عبد العزيز ويرميه بالحجارة ويقول هذا رصاصُهم، تمر الطائرة من حين إلى آخر بالقرب منا، فنطلق عليها وابلا من الرصاص فتبتعدُ ولا تعود، يتراجع المشاة، ولا يستطيعون الاقتراب من مواقعنا لأنها مُحصنة، ومن الصّعب صعُود الجبل، امتدت المعركة حتى الليل، والمُجاهدون لايشعُرون بمُرور الوقت، يخرج جنودنا البواسل من المعركة سالمين، وهم جميعا من الناحية الأولى، لقد انتصرنا، هكذا كانت الاصوات تتردد.
6-م.ص.داسه: كيف كانت أحوالكم والعدو يحاصركم والرصاص يتهاطل على الرؤوس؟ حدثنا عن نظام المخابئ وأهميته؟ وما هي الرقعة الجغرافية التي كنت تنشط فيها؟ وتحت قيادة من ؟
المجاهد.ولهي: اثر وشاية، حاصرنا العدو الصبح وفاجأنا؛ كنا ستة أفراد، في تلك الليلة جاء أحد المسبلين وقال:أنّ الملازم سي محمد الأخذاري اصيب بلسعة عقرب، وهومريض، فأمرني الفريق الأول العسكري مع احد المسبلين بزيارته والاطمئنان عليه، وكنا ننتظر اجتماعا للناحية الأولى بجبل امساعد، سمعنا هديرالدبابات و لم نعرف وُجْهتها، بعد يوميْن من الانتظار تشافى محمد الأخذاري المدعو{حمة حاج} وقادنا إلى مكان ألاجتماع، فهو الوحيد الذي يعرف المكان فلم نجد أحدا، ووجدنا جثة الشهيد محمد بلقريشي وثلاث أحمرة نافقة، فتوجهنا إلى مركز الخارف الذي يبعد عنا كثيرًا، مشينا بحذر شديد؛ فالتقينا بأحد المسبلين أفادنا بعضهم بما حدث وقالوا: إن محمد بلقريشي استشهد، جاء المُسبلون ليلا بالماء والأطعمة فوجدوه مربوطا بحبل، حاولوا فك قيْده ودفنه، فتفجر اللغم داخل جَسده، ومات المجاهدون الخمسة ومعهم صاحب الخيْمة، ومن معهم اسِّروا وحملوهم على متن مروحية، كان الرصاص يُرافقنا، والطائراتُ ترصدنا، وعُيون الخونة تراقبنا، وفي كل الاتجاهات يرْكض القلب الوَجيع لينبض ويهتز ثائرًا، كانت انظمة المخابئ ملجأ آمنا، تُسعفنا وتعيننا على المناورة، والصّمود وإخفاء ألاغذية والأدوية، اما الرقعة الجغرافية التي كنا ننشط فيها فهي الجبال والأودية والفيافي التي لانتحرك فيها الاليلا وبدليل.
7-م.ص.داسه: كيف يصلكم التموين في الحالات المحرجة؟ وماهو دور المجالس البلدية واللجان؟
المجاهد .ولهي: يصلنا التموين بانتظام عن طريق المكاتب التجارية المكلفة بالشراء، ويشرف عليها الفريق الأول للتموين،أوالفريق الأول الإخباري، ومصدر التموين، الاشتراكات، والتبرُّعات، والغنائم؛ ويكون التموين جاهزًا وقبل بداية المعركة، فريق التموين تكون له مخابئ سرية في الجبال؛ قريبة من نشاط الجيش يستطيع نقلها وتوزيعها على المُجاهدين حسب مدة تواجدهم في المكان، اطعمة وأدوية وألبسة..وتتم العملية في سرية تامة.
8- م.ص.داسه: فرنسا لجأت إلى تجييش العملاء ليحاربوا بالنيابة عنها..
كيف واجهتم الخونة من فلول بلونيس؟
بالفعل فرنسا لجأت إلى خلق قوة ثالثة من أعْوانِها الخونة والعُملاء، مثل بولونيس وقد سموا انفسهم{ الحركة الوطنية لجيش التحرير..} اضف إلىْهم، الحركة، القوميّة، وآخرون في الادارَة الفرنسية، أوبئة لم يكن الجسدُ مُهيأ لها، وهم الذين ايقظوا في نفوسِنا احْسَاسا دَفينا وقوّة لاتقهر، وكيف يُعقل أنّ هذه الكائنات الشقيّة تُدافع عن فرنْسا الاسْتعمار مُقابل العبُودية، حركة بلنويس ظلت تنشط حَتى أفل نجْمُها بعد ألاسْتقلال، وكانت لنا معهُم معَارك شرسَة في بوكحيل، والصفصفة وغيرهما، كان لنا شهداء عليْهم الرحمة والرضوان.
9- م.ص.داسه: تلقيتم أخبار المفوضات مع فرنسا، ثم الإعلان عن توقيف القتال.كيف كانت فرحتكم؟ أين قضيتم الأيام الأولى من الاستقلال؟ وكيف تعاملتم مع بقايا الاستعمار والعصابات المسلحة؟ هناك أحداث كثيرة بعضها مؤلم جدًا، هل تذكر عنها شيئًا ؟ وما هو الحدث الذي بقيَّ كالجرح يؤلمك كلما تذكرته؟
المجاهد.ولهي: توقيف القتال بالنسبة للمجاهدين كان حُلما، وكان نهاية لليل اسْتعماري آثم، هوثمْرة من ثمار الحرية، افضى إلى إقامة دولة حرّة مستقلة.. وإن الايّام الأولى من الاستقلال كانت أفراحا بل أعْراسًا، وكانت فرصة للقضاء على ارْهاب الخونة، ونشر قيّم التسامح، والوحدة الوطنية.
10- م.ص.داسه: هل التقيت مع العقيد شعباني أثناء الثورة وبعد الاستقلال، يقال أن شعباني كان مُهتما بتكوين المجاهدين ويعمل على صناعة الوعي لديهم. أصدر منشورات {كوِّن نفسك يا مجاهد} ومجلة{صدى الجبال} هل اطلعت على هذه الإصدارات؟ وهل حضرت ملتقيات تكوينية؟
المجاهد.ولهي: شعباني ومجموعته، كانوا بحق مدرسة للوطنية وصناعة الوعي وتكوين جيش وطني قوي، كانت لهم منشورات، واحدة تسمى {صدى الجبال} وفيها سرد للمعارك، وألأناشيد وخلاصات سياسية، والنشرية الثانية: {كوّن نفسك يامُجاهد} تختص بتعريف المجاهدين بالقانون الداخلي للمجاهدين، والأدوات التي يجوز له امتلاكها، كأدوات الخياطة والتمريض وإسْعاف الجرحى، وحدود الولايات وهيكلة الولاية وكيفية معاملة المواطنين.
11-م.ص.داسه: هل كتبت شيئًا عن حياتك النضاليَّة أو كتبوا عنك { مذكراتك}؟ و هل توافق عن ما نشر من معلومات على صفحات الجرائد أو بعض المساهمات المحلية التي دوّنت بعض الحقائق وسكتت عن أخرى؟
المجاهد.ولهي: لم اكتب شيْئا عن نفسي باسْتثناء ماسجلناه في المناسبات، وما قيل في المداخلات، نحن فضلنا أنْ نلتزم الصَّمت وفي الصمت حكمة، وقدقيل"..الصَّمْت هو الكهْف الذِي نلوذُ إليْه هَربًا مِنَ الصَّخَب والضَّجِيج، ومِنْ طنِين الْعِتَابِ، ولَسَعَاتِ اللوْم.." فما قمنا به هُو الواجب الوطني ليْس إلا، وماكتبته واكتبه وأقوله للأجْيال أن الاستقلال لم يأت من فراغ، فالعاذاب والمُعاناة ، وما شهدناه وعِشناه ليْس أمرًا سهلا ولا بَسِيطا، هيَّ جَماجم الابْطال تتسَاقط وتُحْرقُ، وأشلاؤهم تتمزَّقُ، وأجْسَادٌ تتفحمُ، رأيناها رؤيَ العيْن وعِشْناها، هِيَّ بَشَاعَة المَوْتُ في ألعَرَاء، وتحْت الأنقاض ودَاخل الْمَخَابِئ وفي الكهُوف، هوَ ذلك الهَوْل الذي عشْناهُ والأنين..
م.ص.داسه-12: هل لك أن تقول ما احتفظت به ولم تبح به بعد لأحد ...؟ لك سيدي أن تقول ما شئت، وإن شئت حدثنا عن أغرب حادث وقع لك ؟
المجاهد.ولهي: عشت مع المُجاهدين الطيبين في الناحية الاولى وعملت مع كوكبة من أنحاء الوطن، اخص بالذكر جماعة المنيعة وبشار وعين صالح، والجزائر وأوراس..اما الفضاءُ الذي كنتُ أنشط فيه ..فإنَّه يمتدُّ من بُوسْعَاد إلى بسْكرة، وأطراف الجلفة، التقيتُ بشهَداءَ كثر قبل أن يسْتشْهِدُوا وعمِلت معهم، عليهم الرحمة والرِّضوان، بعضهم من الهامل بوزيد دحية المدعو القارح، الميلود السبع، دحية محمد بن عبد الباقي، والمُجاهد دحية بلعباس الذي تم أسْره، والمجاهد امباركي محمد وعمر مزاري، ويحي يحييي المويعدي{البيرين} وغيرهم، المَجْدُ للشهداء الأبرار والعزة للوطن.
مُبهج جدًا وجميلٌ أنْ تتواردَ الخوَاطر، ونرَى الثوْرة في مرآتكم سيِّدِي وهذه الشهَادات لاتقدَّر بثمَن ...فأحْسن اللهُ إليكم. مع الشُّكر والامْتنان و التقدِير.
الهامل يوم 18-02 2017

نشر في الموقع بتاريخ : الجمعة 11 ربيع الثاني 1439هـ الموافق لـ : 2017-12-29



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

رابح بلطرش وحديث للاذعة الثقافية موعد للنقاش

موعد للنقاش الاعداد : رشيد صالحي

مواضيع سابقة
قصائد نثرية قصيرة 2
الشاعر : محمود غانمي سيدي بوزيد - تونس
قصائد نثرية قصيرة 2


الد/ محمد فوزي معلم: المؤرخون الفرنسيون يرفضون الاعتراف بمصطلح الفترة الرومانية
بقلم : تغطية علجية عيش
الد/ محمد فوزي معلم:  المؤرخون الفرنسيون يرفضون الاعتراف بمصطلح الفترة الرومانية


ندوة وطنية بعنوان معركة باريس حلقة مشرقة من ثورة التحرير الجزائرية
بقلم : عبد الرحمن جرفاوي
ندوة وطنية بعنوان معركة باريس حلقة مشرقة من ثورة التحرير الجزائرية


اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى يحيي ذكرى 17أكتوبر
بقلم : سعدية حلوة - عبير البحر
اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى يحيي ذكرى 17أكتوبر


قراءة أدبية في رواية { رياح القدر }
الشاعرة : سليمة مليزي
قراءة أدبية في رواية { رياح القدر }


الشاعرة اللبنانية نور جعفر حيدر تستلم جائزة سعيد فياض للإبداع الشعري في دورتها ال15
عن : أصوات الشمال
الشاعرة اللبنانية نور جعفر حيدر تستلم جائزة سعيد فياض للإبداع الشعري في دورتها ال15


نحن والدراسات الثقافية
الدكتور : وليد بوعديلة
نحن والدراسات الثقافية


تحْتَ وَطأةِ المَآسِي..تمُوتُ الأحْلاَمُ..!! /الحلقة الثاني..02
بقلم : محمد الصغير داسه
               تحْتَ وَطأةِ المَآسِي..تمُوتُ الأحْلاَمُ..!!          /الحلقة الثاني..02


نظرة إلى المرأة.
بقلم : فضيلة زياية ( الخنساء).
                                                نظرة إلى المرأة.


قد زارني طيف الحبيب
بقلم : رشيدة بوخشة
قد  زارني طيف الحبيب




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com