أصوات الشمال
الخميس 10 محرم 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * فرعون وقصة ميلاده الالهي   * .ا لـــــــذي أسـعد القـلب..   * الشاعرتان اللبنانية نور جعفر حيدر والعراقية مسار الياسري تفوزان بجائزة سعيد فياض للإبداع الشعري للعام 2018*   *  كلمة عزاء لتيارات التنوير العربي المزيف و سرابها و حلمها في إبعاد القيم عن معيوشنا    * الأستاذ الدكتور موسى لقبال ... أستاذ الأساتذة و شيخ مؤرخي الجزائر في التاريخ الإسلامي   * ما الأدب؟ سؤال سريع ومختصر وخطير..   * أحاديث سامي وسمير 2: رائحة التفّاح   * ندوة وطنية حول فكر و نضال العقيد محمد الصالح يحياوي   * بين كفّين.!   * أدباء منسيون من بلادي / الشاعر زامل سعيد فتاح    *  صابرحجازي يحاور الشاعرة والناشطة اليمنية مليحة الأسعدي   * المفارقة في الرواية الجزائرية دراسة تطبيقية للباحث الدكتور شريف عبيدي   *  لماذا يضحك "هذان"؟؟؟   * التشكّل المرآوي و تمثلات الانعكاس في أعمال أنيش كابور   * أحاديث سامي وسمير (1): ضمير "الكلونديستان" مرتاح!   * "العَيْشُ معًا في سَلاَمٍ"..الطّرِيقُ نحو "المُوَاطَنَة" الحَقِيقِيَّة   * خيالات ذابلة   * الـــــنـــــقـــد وتـحلـــيــــل الـخطاب وقضايا نظـرية الأدب   * مجروحة القلب انا اليوم   * ثلاثية حصن الحصين ودليل الخيرات وآية الكرسي    أرسل مشاركتك
قراءة في ديوان : ( قدر حبّه ) للشاعر محمّد جربوعة
بقلم : عبد الله لالي
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 770 مرة ]
غلاف الدّيوان

الجزء الرّابع من قراءتي في ديوان ( قدر حبّه ) للشاعر محمّد جربوعة.

قراءة في ديوان :
( قدر حبّه ) للشاعر محمّد جربوعة
بانت سعادُك .. والتقيتَ بأحمد * * ماذا خسرت بهجرها يا سيّدي ؟
ــــــ محمّد جربوعة من قصيدته ( برقيّة إلى كعب بن زهير).
الجزء الرّابع
ــــــــــــ
في الفكرة والمضمون ( د )
ــــــــــــــــــــــ
قبل ذكرى المولد النبويّ بأسبوع تتحرك أحاسيس الشاعر وترجف أوصاله ويفيض وجدانه، فتنثال عليه كلمات كالعبير ، يُبدي فيها شفيفَ المحبة لأعظم نبي عرفته الدنيا ، تلك هي قصّة قصيدته (سباعيّات لمعشوق الندى وحمام القباب ) ، هذه القصيدة مؤلّفة من ثلاث مقاطع في كلّ مقطع سبعة أبيات ، فمجموعها واحد وعشرون بيتا..
ومن عنوانها نستشفّ أسلوب الشاعر الذي خَبرناه في القصائد السابقة ( زهرة القرشي ) وأخواتها ، إنّ الشاعر هنا يحاول أن يجعل من كلّ بقعة في الكون وكلّ أثر حيّ أو جامد ؛ يُظهر حبّه للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، وما كان بدعا في ذلك ، وإنما تشرّب السيرة ، سيرة المصطفى وصنع على مثالها ، ففي السّيرة سلّم عليه الحجر بالنّبوة قبل مبعثه ، وستره الشجر في خلائه ، وأظلّه السّحاب دون سواه من النّاس، وأحبّه جبل أحدِ فأحبّه ، وقال ( أحدٌ جبل يحبّنا ونحبّه ) ، وحنّ إليه الجذع وسُمع له أنين فما سكن حتّى وضع يده الشريفة عليه ، فلا جرم الآن أن يقول الشاعر أنّ النّدى يعشقه وكذلك حمام القباب، والغيم في سمائه ساريا ليلا..
من هنا تبدأ القصيدة من عنوانها بعشق الندى وحمائم القباب، ولذلك كان المطلع المذهل:
قال النّدى للورد ( ما أحلاه )) * * فأجابه: (( سبحان من سوَّاهُ ))
بكيا بقدر الشوق في قلبيهما * * وتهامسا: (( صلّى عليه اللهُ ))
آلاف من البشر بل ملايين قالوا: ما أحلاه .. !! لكنّ الشاعر يفضّل أن يجعل ذلك في ألسنة الندى والورد والغيم .. حتّى أنّ الغيم يطوي دروب الليل كي يلقاه ، ثم يلتفت الشاعر إلى امرأة يتخيّلها ، ليطلب منها أن تخفّ عليه ولا تثقل كاهله باللّوم والعتاب ، لأنّ قلبه رقيق كالنّدى ، ويستثيره مرور الحمام نحو جهة الشرق :
وأذوب إن مرّ الحمام مشرّقا * * وعواطفي بسهولة تنساق
فإذا سمعتُ اسم النبيّ اشتدّ بي * * لهبُ القلوب السّاخنُ الحرّاقُ
ونما جناح فوق قلبي.. صدّقي * * وتوسّعت بمحاجري الأحداقُ
وإذا كتبتُ قصيدة في غيرهِ * * لم تحتفلْ بقصيدتي الأوراقُ
بلغ الحبّ والشغف بالشاعر إلى أن صار لا يستطيع كتابة أيّ شعر في غيره ، بل إنّ الأوراقَ نفسَها ترفض أن يكتب عليها شعرا لا يكون في مدحه ، فإن كتبه لم تحتفِ به ولم تعرْه أدنى اهتمام ، وحتّى حادي العيس الذي يسوقها نحو المصطفى كلما يرفع عقيرته بصوت إلا وتهزّ الأشواق قلبَ الشاعر وترجُفُ روحه..
ثمّ يقول الشاعر عن نفسه أنّه شاعر موهوب ، لكن كُتِبَ عليه ( هوى الغيد ) والتغزّل بالنّساء ، وأنّ ذلك قدر قاهر مكتوب في جبهته ، لا مفرّ له منه ولا مناص ، غير أنّه يُفيق من هواه ذلك في كلّ ليلة جمعة ، ويتوب إلى الله تعالى ، وبرهان توبته تلك أنّه يمدّ كفّه نحو طيبة ( أي نحو ساكنها ) ، وذاك إذ يقول:
وأمدُّ كَفِّي نحو ( طيبة ) ذائبا * * فهناك حارق أضلعي المحبوب
وأبيت أختصر المسافة نحوه * * والدّمع فوق وسادتي مسكوب
وإذ لا سبيل إلى السّفر إليه ، ولا إلى لقائه ، يختم الشاعر بهذا البيت الذي يُذيب الحجر الصّوان:
روحي حمامةُ قبّة طارت لهُ * * لا صبر عندي.. ما أنا أيّوبُ
القصيدة تشرح أفانين من الحبّ لخير محبوب ، وتقدّم المدح في هيئة باقات ورد تأرج أريجا ..
ولو تتبعنا لقرأنا كلّ تحف الدّيوان ( قصائده ) بما يتشعب بنا في دروب من القول قد يطول تسطيرها وتدبيج حروفها ، ولكن نكتفي بقصيدة نجعلها ختاما أو كالختام لقراءتنا في مضمون الدّيوان وأفكاره التي تدور كلّها حول محور واحد هو ( مدح الرّسول ) صلى الله عليه وسلّم ، هذه القصيدة هي بعنوان:
( بانت سعاد )
هذا العنوان اُستعير من قصيدة كعب زهير الشهيرة ، لاشك في ذلك ، والشاعر تعمّد هذه الاستعارة ليؤكّد على النهج الكعبي الذي اختطّه لنفسه وسار عليه جمهرة من خيرة شعراء العصر ، وللشاعر قصيدة أخرى على شاكلتها سبّقنا بالحديث عنها وهي قصيدة ( برقيّة إلى كعب بن زهير ) ، وهناك قصيدة ثالثة على الطريقة ذاتها في شعر التفعيلة ، هي بعنوان (بكائيّة الحبّ الرّسولي ) ، وكلّ هذه القصائد تتوافق في أمر واحد وهو هجر سعاد ( رمز المحبوبة ) والتفريط فيها ، لأجل حبّ أعظم وعشق أكبر وأخلد ، هو عشق النبيّ محمّد صلّى الله عليه وسلّم ، ولذلك يقول في القصيدة الأولى (برقيّة إلى كعب بن زهير ):
بانت سعادُك والتقيتَ بأحمدٍ * * ماذا خسرتَ بهجرها يا سيّدي ؟
ويقول في الثانية التي على بحر التفعيلة ((بكائيّة الحبّ الرّسولي ):
دعيني الآنَ
من عينيك
فإنّي الآن
لا عينٌ تجنّنني
ولا كحلُ
دعيني
حين أنهي النّصّ
يا ليلى سأتّصل
أنا في حضرة القرشيّ
يا ليلى
دعينا من كلام الأمسِ
يصغرُ جنب ( حضرتِه )
حديث الحبّ والغزلُ "
أمّا في هذه القصيدة المؤلّفة من ستةَ عشرَ بيتا ؛ فإنّه يقول فيها في أسلوب جديد وكأنّه ينحت معانيها من نادر الماس أوّل مرّة:
قلتُ بيني يا سعاد الآن بيني * * طار قلبي كهزارٍ من يميني
لست أدري..فاسألي العصفور ماذا (...) ؟ * * لست أدري ما الذي ( ... ) لا تسأليني
كنتِ قلب القلب منّي.. وحياتي * * - إن يكن للقلب قلبٌ - ، وجنوني
لم يعد الشاعر يلتفت إلى سعاد ، وسعاد هنا مثلها مثل ليلى ، ودعد ، وعبلة ، وكلّ امرأة يمكن أن يتغزّل بها الشاعر ، لم يعد لأي منهنّ مكان في قلبه ، فقد شغله المحبوب الأكبر والأعظم بين النّاس..
ويصف الشاعر حياته قبل تجلّي الحبّ النَّبوي بأنّها كانت حياةً ضيّقة مُنِع عنها الأكسجين ، وكأنّه وُضع في ( علبة منع الأكسجين ) ، وهذا معنى نادر أيضا أحسب أنّه لم يسبقه أحد إليه على الأقل بهذه الصورة ( علبة منع الأكسجين ) ، وحتّى في سجوده كان يشعر بالجفاف والقحط ، وفي جبينه شقوق عطشى ، وفي خطوه اضطراب يشبه اضطرابَ من كان يعيش عهدَ الجاهلية ، وابتسامته كلّها شك وريب ، لا يقين فيها ، إلى أن أشرق النور واكتشف الشاعرُ طريقَه ، إذ مرّ ركب المحبّين يسارا واختار هو طريق اليمين:
كان في الخطو اضطراب جاهليّ * * وابتسامتي بلا أي يقين
ثمّ مال الرّكب في العشقِ يسارا * * بينما مِلت بعشقي لليمين
ووجدتُ النّورَ... آه لو تَريني * * إذ رأيتُ النّورَ فاخضرّت جفوني
الحبّ المحمّدي هدى وبصيرة ، ووصول إلى شاطئ الأمان بعد التيه والغرق في أمواج جاهلية الحرمان، الحرمان من الحبّ الضوئي ، حبّ تخضرّ له الجفون ، لأنّه حبّ موصل إلى الجنّة ، وصاحبه في جنّة قبل أن يدخل الجنّة.
بعد ذلك يتغيّر الخطاب من محاورة سعاد إلى مناجاة النّبي صلّى الله عليه وسلّم ، في حبّ رقيق وتعلّق وثيق:
قلتُ: يا طهَ ازرقاق البحر يُغوي * * مُدَّ لي ميناءَ ضوءٍ لسفيني
قلتُ:.. يا أحلى القناديل بعمري * * يا جميلَ الضوء في عمري وديني
وكأنّما يعتذر له ويقدّم أسباب غوايته ومَدْحِه الغِيدَ اللّواتي يسميهنّ ( الياسمين ) ، لأنّه شاعر وقلبه دوما في مهبّ الرّيح وهو مفتون العيون ، لا يصبر على التغزّل بالغواني ، وقلبه يشبه أيضا الغصن الذي تهزّه كلّ ريح هوى:
ولغصن القلب في جنبي اهتزازٌ * * كلّما قيل سعادٌ يعتريني
إنّه اعتذار لطيف ومزج ذكيّ وفاتن بين ذكر سعاد والميل إلى حبّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، وترك كلّ حبّ سواه ، والاكتفاء بمدحه دون غيره من النّاس ، ورغم ذلك يعتذر عمّا كان منه من قبل ، من التغزّل بالغيد:
وأنا في آخر الأمر ابنُ حوّا * * مرهَف التكوينِ.. من ماءٍ وطينِ
وهو أجمل اعتذار وأبهاه أن يقول أنّه عبد ضعيف ، مرهف القلب من ماء وطين ، ابن حواء يخطئ ويتوب..
هذه إطلالة مسهبة بعض الشيء حول مضمون قصائد الدّيوان ، وأفكاره التي بسطها على اثنتين وعشرين قصيدة بديعة ، جاءت مدحا خالصا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، ولم أقرأ من قبل ديوانا أفرد لمدح الرّسول عليه الصّلاة والسّلام ، ولم أسمع به إلا إذا كان ديوانا جماعيّا ، وللشاعر محمّد جربوعة قصائد أخرى غير هذه في مدح المصطفى صلّى الله عليه وسلّم ، ولو جُمعت لشكلّت ديوانا ثانيا ، ولن أجازف بالقول إذا قرّرت أنّ طريقة الشاعر محمّد جربوعة في مدح النبيّ صلّى الله عليه وسلّم طريقة فذّة لم يُسبق إليها في أسلوبه ونهجه وأدواته الفنيّة ، التي سنعرض لها فيما يأتي من قراءة بشكل مفصّل..


نشر في الموقع بتاريخ : السبت 21 ربيع الأول 1439هـ الموافق لـ : 2017-12-09



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

رابح بلطرش وحديث للاذعة الثقافية موعد للنقاش

موعد للنقاش الاعداد : رشيد صالحي

مواضيع سابقة
بين كفّين.!
بقلم : وليد جاسم الزبيدي
بين كفّين.!


أدباء منسيون من بلادي / الشاعر زامل سعيد فتاح
بقلم : علاء الأديب
أدباء منسيون من بلادي /  الشاعر زامل سعيد فتاح


صابرحجازي يحاور الشاعرة والناشطة اليمنية مليحة الأسعدي
حاورها : الاديب المصري صابر حجازي
 صابرحجازي يحاور الشاعرة والناشطة اليمنية مليحة الأسعدي


المفارقة في الرواية الجزائرية دراسة تطبيقية للباحث الدكتور شريف عبيدي
موضوع : الأديبة نجاة مزهود
المفارقة في الرواية الجزائرية  دراسة تطبيقية للباحث الدكتور شريف عبيدي


لماذا يضحك "هذان"؟؟؟
بقلم : فضيلة زياية ( الخنساء)
                                          لماذا يضحك


التشكّل المرآوي و تمثلات الانعكاس في أعمال أنيش كابور
بقلم : نورالدين بنعمر
التشكّل المرآوي و تمثلات الانعكاس  في أعمال أنيش كابور


أحاديث سامي وسمير (1): ضمير "الكلونديستان" مرتاح!
بقلم : الكاتب طه بونيني
أحاديث سامي وسمير (1): ضمير


"العَيْشُ معًا في سَلاَمٍ"..الطّرِيقُ نحو "المُوَاطَنَة" الحَقِيقِيَّة
بقلم : علجية عيش كاتبة صحافية



خيالات ذابلة
بقلم : أ/عبد القادر صيد
خيالات ذابلة


الـــــنـــــقـــد وتـحلـــيــــل الـخطاب وقضايا نظـرية الأدب
الدكتور : محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة
الـــــنـــــقـــد وتـحلـــيــــل الـخطاب وقضايا نظـرية الأدب




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com