أصوات الشمال
الاثنين 3 ذو القعدة 1439هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * الندم افيّد للبشر / ( شرطي الأعماق ) (*)   * الأسطورة التاريخية الرمز الأنموذج الفريد من نوعه العم أحمد بيده بن الفسيان في ذمة الله.بمتليلي الشعانبة ولاية غرداية    * فهل رحلت أمي ياترى.. ؟   * رحلة قيام الصهيونية .....و أكذوبة أرض بلا شعب لشعب بلا أرض   * المسافرة    * شاعر الحرية أمحمد عون في ذمة الله.   * فلسفة مبسطة: الماركسية بين الجدلية والمركزية   * قدموس ثائرا أو جبران ونزعة التمرد   * أزمة الإبداع عند من يدعون علمانيين و حداثيين عرب    * وَعَلَى الرِّجَالِ أنْ يَصْمُتُوا...!   * شرفات التنهيدة   * الطائفية في رواية الألفية الثالثة:قراءة في رواية "اليهودي الحالي"لعلي المقري.   * رحلة الصيف    * الى غسان كنفاني في ذكرى استشهاده    * البوليغراف polygraph و الكشف عن الكذب   * احتفال اتحاد الكتاب فرع سيدي عيسى بالعيدين   * فلسفة مبسطة: مفهوم العقلانية   * وليمة الانتصار    * احتفال بيت الشعر الجزائري بعيدي الاستقلال و الشباب بولاية البويرة   * اضاءة على تجربة الشاعرة والكاتبة ألين اغبارية     أرسل مشاركتك
قراءة في ديوان : ( قدر حبّه ) للشاعر محمّد جربوعة
بقلم : عبد الله لالي
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 685 مرة ]

قراءة نقديّة مفصّلة في ديوان محمّد جربوعة ( قدر حبّه ).

الجزء الثاني
في الفكرة والمضمون:
سنأخذ في مجال دراسة الفكرة والمضمون سبعَ قصائد تنوب عن أخواتها الاثنتين والعشرين تمثيلا ، ولكن لا تغني واحدة عن أخرى جمالا وإبداعا ، فهي كالأزهار الفوّاحة الشذى الرّائعة المرأى ، لا يأخذ بلبّك منها الأحمرُ حتى يسحرك الأصفرُ ، فإذا ظننت أنّك اكتفيت أطلّ عليك اللّيلكي ببهاه فسباك وأذهلك عن نفسك ، وقل مثل ذلك في الأبيض والبنفسجي وكلّ بقية أنواع الزهور ، فكذلك هي تلك القصائد في هذا الدّيوان العجيب في مضمونه ، الأوحد في أسلوبه ونغمه ، ولولا أن يقال أنّه كتب حواشي وشروح هي أكثر من المتن ، لتتبّعتُ كلَّ تلك القصائد متفحِّصا نابشا عن الجمال مالئا منه الروح والفؤاد..
وقد قدّمنا لمحات خاطفة من القصيدة الأولى ( برقية إلى كعب بن زهير ) وهذه قصيدة أخرى بعنوان ( أكبر من غرامك .. أصغر من حبّ المكيّ ) ، وهي قصيدة تجول بك في عالم لا تشمّ فيه إلا العبير والشذى ، ولا ترى فيه إلا مدهش الألوان وفاتن الأشكال ، وفي مطلع القصيدة نشمّ رائحة المدرسة الكعبيّة ، بل نلمس خطوطها العراض وملامحها الكبرى ، عاشق أعرض عن محبوبه لا لشيء إلا لأنّه شغله حبّ أحمدَ عن كلّ حبّ ، وبهرته صورته فما عاد يقوى على تقليب البصر في وجه غير وجه المختار ، وصار قلبه أوسع وأكبر من حبّ أرضيّ محدود ..صغير ..صغير.. فإذا جاءته حبيبته أو خطرت له يوما على بال قال في تيه:
من أنتِ ؟ قلبي من غرامك أكبر * * يحتاج حبّا مستحيلا يُبهرُ
مثل المحيط الأطلسي جوانحي * * وكبحر ( إيجةَ ) أضلعي تتفجّرُ
طبعا معظم النّاس يعرفون مدى اتساع المحيط الأطلسي ، أكبر محيط في الكرة الأرضيّة ، هذه أجنحة الشاعر فقط ؛ بلغت هذا الاتساع والامتداد ، فماذا عن الباقي من جسمه ، قلبه ، روحه ..؟ ثمّ ماذا عن بحر إيجة هذا الذي يتفجّر ..؟ هل هي ضرورة شعريّة من ضرورات الوزن جعلت الشاعر يختار اسم هذا البحر من القاموس الجغرافي وحسب ، نحن نستبعد ذلك طبعا كلّ الاستبعاد ، لأننا نعرف الشاعر ونعرف كيف ألان الله له الوزن والقافية كما ألان لداود الحديد ، وآتاه فيه ملكا وسلطانا لم يؤتِ مثله أحدا من العالمين من قبل .. ! ولكننا نفترض الأمر افتراضا لأنّ القارئ قد يشك ، ومن لا خبرة له بشعر ( الأمير ) قد يجري الظنّ في نفسه مجرى الدّم ، وقد ذهبنا نستطلع بعض المعلومات عن بحر إيجا ، الذي لا يغيب عن علمنا معرفة اسمه وقليلا من خبره ، لكن ما علاقة تفجّر قلوب المحبيّن به ..؟
في بحر إيجة ثلاث ميزات لا تجتمع في غيره ، جمال جزره الفاتنة ، وتوفره على المرمر الأبيض الجميل ، وبراكينه القديمة وزلازله التي يهتزّ لها من حين لآخر ، فكذلك هو محبّ النبي جمال وثورة من الوجد والحنين ، كأنّها البراكين المتأجّجة.. فلا غرو أن يختاره الشاعر دون سواه ، ويكون معادلا موضوعيّا لأخطر موضوع .. !
ثمّ يلتفت الشاعر إلى محبوبته ( التي كانت ) شبه معتذر ، ويقدّم لها أسباب بيعة قلبه لمحمّد ، وأنّه هو ( الشاعر ) جرّب أن يهيم في حسن عينيها ويكتفي بذلك ، لكنّها في مذهبه في الهوى مخالفة لما يريد، إذ يقول آسفا:
وتعبتُ في توجيه ذوقِك للّذي * * أهواه في الغزلان أو أتخيّر
ويخبرها أنّ قلبه غلبه على اختياره وأنّ قلبه فوضوي الاختيار لا يخضع لمنطق أو قاعدة معلومة:
قلبي الرّهيب الفوضوي يقودني * * وهو الذي يدري ، ويقرّرُ
ثمّ يستدعي كلّ شيء فيها ومن حولها ليشهد له بأنّه أحسن الاختيار والميل إلى المحبوب العظيم بين البشر:
ولسوف يشهد ما بقلبك من دمي * * والعطر في قارورةٍ ، والمبْخرُ
قلبي - اعذريني – ليس ساعةَ حائطٍ * * بيدي أضبطها.. فلا تتأخّرُ
أنا وجدت سوى الرّسول محمّد * * في مستوى ما يقتضيه العنبر
والدّورة الدّمويّة الكبرى بها * * من حبّه ما لا يطيق ( الأبهرُ )
ويستمر في ذكر هذا الحبّ ووصفه إلى أن يقول أنّه ضعيف لا يتحمّل كلّ هذا المقدار الهائل من الحبّ:
فأنا صبيّ في المحبّة فاشل * * قلبي صغير خائف يتقهقر
وأنا أحاول أن أحبّ ، ومشكلي * * أنّي على لجج الهوى أتكسّرُ
مشهد آخر من مشاهد الحبّ النبوي يُبسَط أمامنا في أبهى حلّة وأعجبها ، فلا نملك إلا إرسال الآه، وإخراج الزفرات ، ولا نملك إلا أن نشهد أنّ هذا الشاعر الأكبر الذي أفلح في أن يكون كعبَ زمانه وبُصيريَ عصره.. هذا إذا لم نبخسه حقّه .. !
القصيدة الثالثة أعجب من أختيها وأطرب ، وأشدّ حزنا ولوعة ، وأكثر تمزيقا للأكباد ، إنّها قصيدة ( دمعة أحمديّة على الإسراء الممنوع ) ، وهي مؤلّفة من اثنين وعشرين بيتا ، أرّخ لها الشاعر بتاريخ 2013 م . وكتب الشاعر هذه القصيدة في ذكرى الإسراء والمعراج ، وآلمه أن لا يمكن الإسراء مرّة أخرى..
عَبَر الشاعر بخياله الفذّ الزمن وألقى الرّحل في زمن الإسراء ، أو هو جاء بزمن الإسراء إلى زمننا هذا المعاصر ، وتخيّل نفسه في مكّة وقد سمع أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يوشك أن يُسرى به إلى بيت المقدس ، وبيت المقدس اليوم تحت الاحتلال اليهودي ، فكيف سيكون الإسراء يا ترى ..؟
ويرجف قلب الشاعر وتثور في نفسه المواجع:
متعلّقا بالبيت في ( أمّ القرى ) * * أبكي وأسأل: ما به ؟ ماذا جرى ؟
قالوا: ( سرى ).. أمسكت رأسي حائرا * * أخشى عليه من اليهود إذا سرى
ويتساءل الشاعر كيف ترك النّاس النّبي ( يسري ) إلى بيت المقدس ولم يخبروه بالحقيقة المؤلمة ، التي قد تُثنيه عن رحلته هذه ( المتخيّلة طبعا ) ، ويحثّهم الشاعر في خوف ووجل على النّبي ؛ أن يخبروه بالحقيقة المرّة فلعلّه يَعْدِلُ عن ( الإسراء ) ، ويبقى في مأمنه بمكّة:
قولوا له .. كي لا نبوء بحزنه * * ويقال: ( يعذرُ في الورى من أنذرا )
قولوا له كلّ الحقيقة ، ربّما * * يبقى بمكّة بعد ذلك لو درى
ثمّ ينتقل الشاعر إلى الحديث عن الوضع الذي آل إليه حال العرب والمسلمين ، وأنّهم فقدوا القدس وما عادت فلسطين وبيت المقدس آمنة كما كانت من قبل ، والأدهى من ذلك والأمر أنّ العواصم العربيّة صارت تذبح نفسَها ، ويدمّر بعضها بعضا ، ويتناحر أبناؤها فيما بينهم:
وعواصم الأعراب تذبح نفسها * * والدّم يجري في الشوارع أنهرا
قد خُيّرت بين الثياب جميعها * * فاختارت الثوبَ الأثيمَ الأحمرا
ثمّ يعود مرّة أخرى إلى الخوف على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، ويطلب من المسلمين تحذيره حتّى لا يدخل القدس التي غدت أسيرة في قبضة اليهود ، ولكنّه في الوقت نفسه يعجز عن شرح الأمر للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالكلمات ، فتقف الحروف حائرة ولا تقوى على التعبير عن حقيقة ما جرى:
فالقدس صارتْ ( ... ) ، ( كيف نشرحها له ) ؟ * * والمسجد الأقصى يباع ويشترى.
ويتخيّل كيف يصل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى بيت المقدس ، وكيف سيفاجأ بالذي حدث ، وكيف سيرى سلالم المعراج أغمضت عينها ، لهول الموقف ، وأنّ الوصل بها صار مستحيلا ، وأنّ المدينة كأنّها هُجرت من أهلها ، وفارقها بنوها ، ولكنّه رغم كلّ ذلك سيسمع صوته المتألم على القباب والمآذن ومحاريب الصّلاة:
سيقوم في المحراب يذكر ليلةً * * صلّى بها بالأنبياء وكبّرا
ولسوف يسمع في النوافذ آهها * * ويقول: (( قفل الباب كيف تغيّر ؟ )).
ثمّ في مشهد ختامي حزين ، ورائع رغم حزنه يعبّر الشاعر عن خجله من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لو رأى حقّا مشاهد الخزي هذه التي يعيشها المسلمون ، وكيف أنّ خجلها سيتكسر في مرايا الذّات، أو كيف ستتكسّر الذّات في مراياها:
خجلي أنا.. خجل الذي من حزنه * * دخل المرايا كانها ، وتكسّرا
هذه القصيدة وبأسلوبه الفنّي المشوّق ، الذي سنتحدّث عنه في البناء الفنّي ، لامست أشواق شاعر محبّ ، يخجل من حبيبه ، لو أنّه عاد ورأى وسمع ما نحن فيه من ذلّ وهوان ، وقد حقّق الشاعر بهذا الأسلوب في تركيب القصيدة ، عدّة أهداف دفعة واحدة ، مدح النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حين وصفه وقال: ( معشوق / قلبه مثل الحرير / يحزن لمصاب المسلمين في قدسهم / حلو السّجود ) ، وتحقّق المدح في أرقى صوره بذلك.
وإلى جانب المدح عرض إلى قضيّة ( مركزيّة ) في حياة المسلمبن اليوم ، وهي قضيّة فلسطين المغتصبة، وكيف كنّا سنواجه نبيّنا بهذا الأمر النكد لو بعث وقابلناه.
وكذلك انتقد حال العرب والمسلمبن انتقادا لاذعا ، انتقاد شاعر حانق يألم لوضع أمّته ويؤسفه ضعفهم ووهنهم، حتّى أنّه تفجّر ساخطا على العرب ، فسمّاهم أعرابا ، وهو بذلك ينسبهم إلى الكفر والنفاق ، كما نصّ على ذلك القرآن الكريم " الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ " ، وهي أقسى صورة على القلب يمكن أن يعبّر بها شاعر عن عدم رضاه عن حال أمّته.
وهذا أسلوب في المدح عجيب ، إنّه مدح فيه استثارة الهمم ، وتحفيز للأجيال على أن تغيّر الحال الذي تخجل به من نبيّها لو رآها عليه ، ولا يكفيها سوى أن تصير ذاوتها مرايا وتتشظى فيها .. وهناك قصيدتان تعالجان الموضوع نفسَه ، الأولى ( قصيدة ) مقطّعة تشبهها في موضوعها وأسلوبها هي من خمسة أبيات ، وكأنّها تكملة للأولى، أو أنّها تلخيص مركز لها عنوانها ( عودة ) قدّم لها الشاعر بعتبة طويلة مما جاء فيها:
" نقول: صلّى الله عليه وسلّم ، وفي يقيننا أنّه لا يعود .. وماذا لو أنّه عاد ؟ ذلك هو السؤال الذي يدمّرني .. فبأي وجوه نستقبله ؟ ومن يشرح له وهو يمرّ على ( حانة ) و( بنوك ربا ) و( معاملات رشوة ) ؟
إنّ المحبّ ليخجل من حبيبه إذا وجده على حال لا يرضاها له ، ولا تسرّ قلبه إذا علم بها ، ومن ثمّة حقّ للشاعر أن يعتصره الأسى ، وهو يتخيّل هذا الموقف المربك والمحرج.. !
يقول الشاعر في لوعة وحزن:
لو أنّ ( أحمدَ ) عاد من تحت الثّرى * * حلو المحيّا ، باسما ، متعطّرا
وأتى يزورُ المسلمينَ بشوقه * * يا عارَنا.. ماذا نقول يا ترى ؟
لو كان مسؤولا يزور مدينةً * * لرشَوهُ حتّى ( صار ينظر ، لا يرى ) ؟
مَن سوف يرشي مَن من أطال قيامه * * حتّى تحطّم متعبا متفطّرا ؟
ماذا سنفعل ؟ كيف نشرح عذرنا * * وبأيّ وجه سوف نظهر يا ترى ؟
وقد كُتِبَت هذه القصيدة ( المقطّعة من خمسة أبيات ) بعد حوالي الشهر ، بحسب التاريخ الذي في الدّيوان ؛ من تاريخ كتابة القصيدة الأخرى ، فالموضوع خطير ومزمن ، ما يزال يمور في نفس الشاعر ويقض مضجعه.
القصيدة الرّابعة تنسينا في أخواتها الماضيات أيضا وهي بعنوان ( درس في تدريب العينين على حبّ ابن آمنة ) ، وهي في ثلاث عشر بيتا ، ولو سألنا أيّ مسلم : هل تحبّ محّمّدا ؟ لأجاب : إي نعم .. فما بال الشاعر يُعَرِّفُ المعرَّفَ ؟ ! إذا قرأت القصيدة علمت أنّك تدّعي الحبّ ولا تعيشه ، وتزعم الهيام وأنت أجهل النّاس به .. تعلّم الحبّ إذًا ، ودرّب عينيك على ذلك لترى وتسمع وتحسّ ، وتجد الوجد الحقّ ، فتطرب وأنت تستعذب أرقى حبّ وأغلاها عرفته الدنيا ، في حبّ بشر لبشر ، من غير أيّ مطمع مادي أو غرض دنيوي تافه وزائل .. !
إن قلتُ ( أحمدُ ) فابكِ من شوق النبيّ * * لا خير في عينيك إن لم تسكُبِ
لا يكون الحبّ حبّا إلا إذا بكى المحبّ وجدا بالمحبوب ، وذاب فؤاده شوقا إليه ، هل رأيتم قبل هذا مدحا بهذا الأسلوب ..؟ اللّهمّ إنّي أشهد أن لا .. !
هذا نهج في المدح يجعل البرق يومض في الظلماء من إضم ، ومن كلّ الدنيا سنىً فوق سناء ، وضياء لا يدانيه ضياء.. هناك درس وخطوات لابدّ أن تكتبها وتتعلّمها وتقتفي أثرها لتبلغ ذروة هذا الحبّ ، فابدأ بعينيك الجامدتان ، واجعلهما تنضحان بالدّمع:
عاتبهما.. هيّجهما .. اعصرهما * * واسكبهما كأسي دموع واشرب
هل تراها تكون مالحة تلك الدّموع ..؟ كلا ! بل هي أحلى من الشهد المصفى ، والرّحيق المعتّق في أكمام زانها النّدى أكاليلا..
إنّه يحاول أن يعرض علينا كلّ طرق حبّ النّبي وأساليبه ، وكما قلنا في بداية هذه القراءة: لا يكفي أن يقول أنّه يحبّه وأننا جميعا نحبّه ، وأنّالشجر والحجر والسّماء والأرض وكلّ الكائنات تحبّه ، كما سنفصّل في قصيدتَيه ( قدر حبّه ) وصنوتها ( زهرة القرشي )؛ وإنما هو يبذل كلّ جهده ليعلّمنا كيف نحبّه بأشكال وألوان وهيئات وحالات مختلفة ومتنوّعة.. !
ويحث الشاعر القارئ أن يدرّب عينيه بكلّ طريقة للبكاء في حبّ محمّد ، حتّى أنّه يقول مثل مربّي خبير أو مرشد روحي ( مسلّك ) على طريقة الصوفيّة:
إن لم تجرّب نثر دمعك عاشقا * * كالياسمين لبدر مكّة.. جرّب
إن كانتا جفّتا.. فاتركهما * * واقرأ كتابا في الهوى وتدرَّبِ
وبعد تدريب وتجريب ونجاح التجربة في لذّة البكاء لأجل الحبّ ، حبّ أعظم كائن بشري خلقه في البشر ، لابدّ تسجيل تلك اللحظة التاريخيّة ، وحبس ذلك المشهد السّماوي حتّى لا يفوت :
( الله أكبر ).. ( روعة ما بعدها.. ) * * سجّل لها تاريخها.. ولتكتبِ:
(( اليوم عيني بعد جدب أزهرتْ * * وحنين قلبي للرّسول اشتدّ بي ))
هاتان العينان اللتان هملتا لأجل حبّ النبي تستحقّان قبلة دافئة ، قبلة نبث فيها لهما كلّ مشاعر الشكر والامتنان أن بكتا في حبّ النبيّ ، ولكن كيف نؤدّي هذه القبلة ، وكيف تلامس الشفاه العيون، عيون النّفس ، لا حلّ غير:
قبّلهما إن كنتَ تقدر.. بُسْهُما * * لو فوق مرآة.. بكلّ تأدّبِ
واشكرهما إذ كانتا في المستوى * * واهتزتا شوقا لساكن يثربِ
بلا شك هذا شكل من أشكال المدح جديد وفريد ، لم يجرّبه – حسب علمنا – الشعراء من قبل ، شيء التجديد في أساليب قول الشعر وطرق الكتابة ، ولكنّه تجديد يمتدّ في شتى الأبعاد الجمالية ، ولا يقتصر على ( زوابع الفناجين ) التي يثيرها الصّغار من راكبي موجة الحداثة.. !
أمّا القصيدة الثانية فهي التي اختار لها عنوانا مثيرا ( الأسود يليق بنا ) ، فيها بعض ما قاله ووزيادة على ما في القصيدتين الأوليين ، وفيها تناص مدهش مع رواية أحلام مستغانمي (الأسود يليق بكِ)، تناص في العنوان وحسب ، وسنتحدّث عنه في موضعه من دراسة التناص في هذا الدّيوان.


نشر في الموقع بتاريخ : الأربعاء 4 ربيع الأول 1439هـ الموافق لـ : 2017-11-22



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

الشاعر حمري بحري

.
مواضيع سابقة
أزمة الإبداع عند من يدعون علمانيين و حداثيين عرب
بقلم : حمزة بلحاج صالح
أزمة الإبداع عند من يدعون علمانيين و حداثيين عرب


وَعَلَى الرِّجَالِ أنْ يَصْمُتُوا...!
بقلم : محمد الصغير داسه
وَعَلَى الرِّجَالِ أنْ يَصْمُتُوا...!


شرفات التنهيدة
بقلم : أ/عبد القادر صيد
شرفات التنهيدة


الطائفية في رواية الألفية الثالثة:قراءة في رواية "اليهودي الحالي"لعلي المقري.
بقلم : أمال مراكب
الطائفية في رواية الألفية الثالثة:قراءة في رواية


رحلة الصيف
بقلم : باينين الحاج
رحلة الصيف


الى غسان كنفاني في ذكرى استشهاده
بقلم : شاكر فريد حسن
الى غسان كنفاني في ذكرى استشهاده


البوليغراف polygraph و الكشف عن الكذب
بقلم : علجية عيش
البوليغراف polygraph و الكشف عن الكذب


احتفال اتحاد الكتاب فرع سيدي عيسى بالعيدين
بقلم : سعدية حلوة / عبير البحر
احتفال اتحاد الكتاب فرع سيدي عيسى بالعيدين


فلسفة مبسطة: مفهوم العقلانية
بقلم : نبيل عودة
فلسفة مبسطة: مفهوم العقلانية


وليمة الانتصار
الشاعرة : سليمة مليزي
وليمة الانتصار




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1439هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com