أصوات الشمال
الأربعاء 12 ربيع الثاني 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * من ألم الذات إلى ألام المجتمعات و الحضارات و الأمم   * التراث الشعبي والتنمية في ملتقى علمي بجامعة سكيكدة   * للنّقاش الهادئ، رجاء!!!   *  الاتجاه الإصلاحي في فكر الأستاذ عبد القادر القاسمي   * بوح التمني   * مرثيّة للوقت    * ( تطويب ) الثقافة و احالة الثقافة الى التطويب   * في مشروع عبد الوهاب المسيري و شقه النقدي التحليلي للنظام الفكري الغربي..   *  وَيْرْحَلُ..سِي لَخْضَر خِليْفَاتِي.. مُكَبِّرًا. والشُّهَدَاءُ ..لاَيَمُوتُونَ..!! /الحلقة:02    * تراتيل الفجر   * أحزان وأحلام متكسرة - قراءة في ديواني تميم صائب (حزن الجواد المتعب وحزة السكين)   * من دفتر الذكريات    * الكتابةُ لحظة ُوعْيٍ..   * مع الروائي الشاب أسامة تايب    * اتحاد كتاب فرع سيدي عيسى و النادي الأدبي يذكران بأحداث 11ديسمبر    * هَمْسُ الشُّمُوع   * الدكتور الأنيق لا يضرب إلّا بالهراوات، أحمد سليمان العمري   * حوار خاص مع الشاعرة الفلسطينية هيام مصطفى قبلان   * النخبة تسترجع الأيام الذهبية لإتحاد الكتاب الجزائريين في ذكرى رحيل الأديب مصطفى نطور    * في الثقافة الجزائرية في القرن العشرين    أرسل مشاركتك
قراءة في ديوان : ( قدر حبّه ) للشاعر محمّد جربوعة
بقلم : عبد الله لالي
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 1049 مرة ]

قراءة نقديّة مفصّلة في ديوان محمّد جربوعة ( قدر حبّه ).

الجزء الثاني
في الفكرة والمضمون:
سنأخذ في مجال دراسة الفكرة والمضمون سبعَ قصائد تنوب عن أخواتها الاثنتين والعشرين تمثيلا ، ولكن لا تغني واحدة عن أخرى جمالا وإبداعا ، فهي كالأزهار الفوّاحة الشذى الرّائعة المرأى ، لا يأخذ بلبّك منها الأحمرُ حتى يسحرك الأصفرُ ، فإذا ظننت أنّك اكتفيت أطلّ عليك اللّيلكي ببهاه فسباك وأذهلك عن نفسك ، وقل مثل ذلك في الأبيض والبنفسجي وكلّ بقية أنواع الزهور ، فكذلك هي تلك القصائد في هذا الدّيوان العجيب في مضمونه ، الأوحد في أسلوبه ونغمه ، ولولا أن يقال أنّه كتب حواشي وشروح هي أكثر من المتن ، لتتبّعتُ كلَّ تلك القصائد متفحِّصا نابشا عن الجمال مالئا منه الروح والفؤاد..
وقد قدّمنا لمحات خاطفة من القصيدة الأولى ( برقية إلى كعب بن زهير ) وهذه قصيدة أخرى بعنوان ( أكبر من غرامك .. أصغر من حبّ المكيّ ) ، وهي قصيدة تجول بك في عالم لا تشمّ فيه إلا العبير والشذى ، ولا ترى فيه إلا مدهش الألوان وفاتن الأشكال ، وفي مطلع القصيدة نشمّ رائحة المدرسة الكعبيّة ، بل نلمس خطوطها العراض وملامحها الكبرى ، عاشق أعرض عن محبوبه لا لشيء إلا لأنّه شغله حبّ أحمدَ عن كلّ حبّ ، وبهرته صورته فما عاد يقوى على تقليب البصر في وجه غير وجه المختار ، وصار قلبه أوسع وأكبر من حبّ أرضيّ محدود ..صغير ..صغير.. فإذا جاءته حبيبته أو خطرت له يوما على بال قال في تيه:
من أنتِ ؟ قلبي من غرامك أكبر * * يحتاج حبّا مستحيلا يُبهرُ
مثل المحيط الأطلسي جوانحي * * وكبحر ( إيجةَ ) أضلعي تتفجّرُ
طبعا معظم النّاس يعرفون مدى اتساع المحيط الأطلسي ، أكبر محيط في الكرة الأرضيّة ، هذه أجنحة الشاعر فقط ؛ بلغت هذا الاتساع والامتداد ، فماذا عن الباقي من جسمه ، قلبه ، روحه ..؟ ثمّ ماذا عن بحر إيجة هذا الذي يتفجّر ..؟ هل هي ضرورة شعريّة من ضرورات الوزن جعلت الشاعر يختار اسم هذا البحر من القاموس الجغرافي وحسب ، نحن نستبعد ذلك طبعا كلّ الاستبعاد ، لأننا نعرف الشاعر ونعرف كيف ألان الله له الوزن والقافية كما ألان لداود الحديد ، وآتاه فيه ملكا وسلطانا لم يؤتِ مثله أحدا من العالمين من قبل .. ! ولكننا نفترض الأمر افتراضا لأنّ القارئ قد يشك ، ومن لا خبرة له بشعر ( الأمير ) قد يجري الظنّ في نفسه مجرى الدّم ، وقد ذهبنا نستطلع بعض المعلومات عن بحر إيجا ، الذي لا يغيب عن علمنا معرفة اسمه وقليلا من خبره ، لكن ما علاقة تفجّر قلوب المحبيّن به ..؟
في بحر إيجة ثلاث ميزات لا تجتمع في غيره ، جمال جزره الفاتنة ، وتوفره على المرمر الأبيض الجميل ، وبراكينه القديمة وزلازله التي يهتزّ لها من حين لآخر ، فكذلك هو محبّ النبي جمال وثورة من الوجد والحنين ، كأنّها البراكين المتأجّجة.. فلا غرو أن يختاره الشاعر دون سواه ، ويكون معادلا موضوعيّا لأخطر موضوع .. !
ثمّ يلتفت الشاعر إلى محبوبته ( التي كانت ) شبه معتذر ، ويقدّم لها أسباب بيعة قلبه لمحمّد ، وأنّه هو ( الشاعر ) جرّب أن يهيم في حسن عينيها ويكتفي بذلك ، لكنّها في مذهبه في الهوى مخالفة لما يريد، إذ يقول آسفا:
وتعبتُ في توجيه ذوقِك للّذي * * أهواه في الغزلان أو أتخيّر
ويخبرها أنّ قلبه غلبه على اختياره وأنّ قلبه فوضوي الاختيار لا يخضع لمنطق أو قاعدة معلومة:
قلبي الرّهيب الفوضوي يقودني * * وهو الذي يدري ، ويقرّرُ
ثمّ يستدعي كلّ شيء فيها ومن حولها ليشهد له بأنّه أحسن الاختيار والميل إلى المحبوب العظيم بين البشر:
ولسوف يشهد ما بقلبك من دمي * * والعطر في قارورةٍ ، والمبْخرُ
قلبي - اعذريني – ليس ساعةَ حائطٍ * * بيدي أضبطها.. فلا تتأخّرُ
أنا وجدت سوى الرّسول محمّد * * في مستوى ما يقتضيه العنبر
والدّورة الدّمويّة الكبرى بها * * من حبّه ما لا يطيق ( الأبهرُ )
ويستمر في ذكر هذا الحبّ ووصفه إلى أن يقول أنّه ضعيف لا يتحمّل كلّ هذا المقدار الهائل من الحبّ:
فأنا صبيّ في المحبّة فاشل * * قلبي صغير خائف يتقهقر
وأنا أحاول أن أحبّ ، ومشكلي * * أنّي على لجج الهوى أتكسّرُ
مشهد آخر من مشاهد الحبّ النبوي يُبسَط أمامنا في أبهى حلّة وأعجبها ، فلا نملك إلا إرسال الآه، وإخراج الزفرات ، ولا نملك إلا أن نشهد أنّ هذا الشاعر الأكبر الذي أفلح في أن يكون كعبَ زمانه وبُصيريَ عصره.. هذا إذا لم نبخسه حقّه .. !
القصيدة الثالثة أعجب من أختيها وأطرب ، وأشدّ حزنا ولوعة ، وأكثر تمزيقا للأكباد ، إنّها قصيدة ( دمعة أحمديّة على الإسراء الممنوع ) ، وهي مؤلّفة من اثنين وعشرين بيتا ، أرّخ لها الشاعر بتاريخ 2013 م . وكتب الشاعر هذه القصيدة في ذكرى الإسراء والمعراج ، وآلمه أن لا يمكن الإسراء مرّة أخرى..
عَبَر الشاعر بخياله الفذّ الزمن وألقى الرّحل في زمن الإسراء ، أو هو جاء بزمن الإسراء إلى زمننا هذا المعاصر ، وتخيّل نفسه في مكّة وقد سمع أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يوشك أن يُسرى به إلى بيت المقدس ، وبيت المقدس اليوم تحت الاحتلال اليهودي ، فكيف سيكون الإسراء يا ترى ..؟
ويرجف قلب الشاعر وتثور في نفسه المواجع:
متعلّقا بالبيت في ( أمّ القرى ) * * أبكي وأسأل: ما به ؟ ماذا جرى ؟
قالوا: ( سرى ).. أمسكت رأسي حائرا * * أخشى عليه من اليهود إذا سرى
ويتساءل الشاعر كيف ترك النّاس النّبي ( يسري ) إلى بيت المقدس ولم يخبروه بالحقيقة المؤلمة ، التي قد تُثنيه عن رحلته هذه ( المتخيّلة طبعا ) ، ويحثّهم الشاعر في خوف ووجل على النّبي ؛ أن يخبروه بالحقيقة المرّة فلعلّه يَعْدِلُ عن ( الإسراء ) ، ويبقى في مأمنه بمكّة:
قولوا له .. كي لا نبوء بحزنه * * ويقال: ( يعذرُ في الورى من أنذرا )
قولوا له كلّ الحقيقة ، ربّما * * يبقى بمكّة بعد ذلك لو درى
ثمّ ينتقل الشاعر إلى الحديث عن الوضع الذي آل إليه حال العرب والمسلمين ، وأنّهم فقدوا القدس وما عادت فلسطين وبيت المقدس آمنة كما كانت من قبل ، والأدهى من ذلك والأمر أنّ العواصم العربيّة صارت تذبح نفسَها ، ويدمّر بعضها بعضا ، ويتناحر أبناؤها فيما بينهم:
وعواصم الأعراب تذبح نفسها * * والدّم يجري في الشوارع أنهرا
قد خُيّرت بين الثياب جميعها * * فاختارت الثوبَ الأثيمَ الأحمرا
ثمّ يعود مرّة أخرى إلى الخوف على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، ويطلب من المسلمين تحذيره حتّى لا يدخل القدس التي غدت أسيرة في قبضة اليهود ، ولكنّه في الوقت نفسه يعجز عن شرح الأمر للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالكلمات ، فتقف الحروف حائرة ولا تقوى على التعبير عن حقيقة ما جرى:
فالقدس صارتْ ( ... ) ، ( كيف نشرحها له ) ؟ * * والمسجد الأقصى يباع ويشترى.
ويتخيّل كيف يصل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى بيت المقدس ، وكيف سيفاجأ بالذي حدث ، وكيف سيرى سلالم المعراج أغمضت عينها ، لهول الموقف ، وأنّ الوصل بها صار مستحيلا ، وأنّ المدينة كأنّها هُجرت من أهلها ، وفارقها بنوها ، ولكنّه رغم كلّ ذلك سيسمع صوته المتألم على القباب والمآذن ومحاريب الصّلاة:
سيقوم في المحراب يذكر ليلةً * * صلّى بها بالأنبياء وكبّرا
ولسوف يسمع في النوافذ آهها * * ويقول: (( قفل الباب كيف تغيّر ؟ )).
ثمّ في مشهد ختامي حزين ، ورائع رغم حزنه يعبّر الشاعر عن خجله من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لو رأى حقّا مشاهد الخزي هذه التي يعيشها المسلمون ، وكيف أنّ خجلها سيتكسر في مرايا الذّات، أو كيف ستتكسّر الذّات في مراياها:
خجلي أنا.. خجل الذي من حزنه * * دخل المرايا كانها ، وتكسّرا
هذه القصيدة وبأسلوبه الفنّي المشوّق ، الذي سنتحدّث عنه في البناء الفنّي ، لامست أشواق شاعر محبّ ، يخجل من حبيبه ، لو أنّه عاد ورأى وسمع ما نحن فيه من ذلّ وهوان ، وقد حقّق الشاعر بهذا الأسلوب في تركيب القصيدة ، عدّة أهداف دفعة واحدة ، مدح النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حين وصفه وقال: ( معشوق / قلبه مثل الحرير / يحزن لمصاب المسلمين في قدسهم / حلو السّجود ) ، وتحقّق المدح في أرقى صوره بذلك.
وإلى جانب المدح عرض إلى قضيّة ( مركزيّة ) في حياة المسلمبن اليوم ، وهي قضيّة فلسطين المغتصبة، وكيف كنّا سنواجه نبيّنا بهذا الأمر النكد لو بعث وقابلناه.
وكذلك انتقد حال العرب والمسلمبن انتقادا لاذعا ، انتقاد شاعر حانق يألم لوضع أمّته ويؤسفه ضعفهم ووهنهم، حتّى أنّه تفجّر ساخطا على العرب ، فسمّاهم أعرابا ، وهو بذلك ينسبهم إلى الكفر والنفاق ، كما نصّ على ذلك القرآن الكريم " الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ " ، وهي أقسى صورة على القلب يمكن أن يعبّر بها شاعر عن عدم رضاه عن حال أمّته.
وهذا أسلوب في المدح عجيب ، إنّه مدح فيه استثارة الهمم ، وتحفيز للأجيال على أن تغيّر الحال الذي تخجل به من نبيّها لو رآها عليه ، ولا يكفيها سوى أن تصير ذاوتها مرايا وتتشظى فيها .. وهناك قصيدتان تعالجان الموضوع نفسَه ، الأولى ( قصيدة ) مقطّعة تشبهها في موضوعها وأسلوبها هي من خمسة أبيات ، وكأنّها تكملة للأولى، أو أنّها تلخيص مركز لها عنوانها ( عودة ) قدّم لها الشاعر بعتبة طويلة مما جاء فيها:
" نقول: صلّى الله عليه وسلّم ، وفي يقيننا أنّه لا يعود .. وماذا لو أنّه عاد ؟ ذلك هو السؤال الذي يدمّرني .. فبأي وجوه نستقبله ؟ ومن يشرح له وهو يمرّ على ( حانة ) و( بنوك ربا ) و( معاملات رشوة ) ؟
إنّ المحبّ ليخجل من حبيبه إذا وجده على حال لا يرضاها له ، ولا تسرّ قلبه إذا علم بها ، ومن ثمّة حقّ للشاعر أن يعتصره الأسى ، وهو يتخيّل هذا الموقف المربك والمحرج.. !
يقول الشاعر في لوعة وحزن:
لو أنّ ( أحمدَ ) عاد من تحت الثّرى * * حلو المحيّا ، باسما ، متعطّرا
وأتى يزورُ المسلمينَ بشوقه * * يا عارَنا.. ماذا نقول يا ترى ؟
لو كان مسؤولا يزور مدينةً * * لرشَوهُ حتّى ( صار ينظر ، لا يرى ) ؟
مَن سوف يرشي مَن من أطال قيامه * * حتّى تحطّم متعبا متفطّرا ؟
ماذا سنفعل ؟ كيف نشرح عذرنا * * وبأيّ وجه سوف نظهر يا ترى ؟
وقد كُتِبَت هذه القصيدة ( المقطّعة من خمسة أبيات ) بعد حوالي الشهر ، بحسب التاريخ الذي في الدّيوان ؛ من تاريخ كتابة القصيدة الأخرى ، فالموضوع خطير ومزمن ، ما يزال يمور في نفس الشاعر ويقض مضجعه.
القصيدة الرّابعة تنسينا في أخواتها الماضيات أيضا وهي بعنوان ( درس في تدريب العينين على حبّ ابن آمنة ) ، وهي في ثلاث عشر بيتا ، ولو سألنا أيّ مسلم : هل تحبّ محّمّدا ؟ لأجاب : إي نعم .. فما بال الشاعر يُعَرِّفُ المعرَّفَ ؟ ! إذا قرأت القصيدة علمت أنّك تدّعي الحبّ ولا تعيشه ، وتزعم الهيام وأنت أجهل النّاس به .. تعلّم الحبّ إذًا ، ودرّب عينيك على ذلك لترى وتسمع وتحسّ ، وتجد الوجد الحقّ ، فتطرب وأنت تستعذب أرقى حبّ وأغلاها عرفته الدنيا ، في حبّ بشر لبشر ، من غير أيّ مطمع مادي أو غرض دنيوي تافه وزائل .. !
إن قلتُ ( أحمدُ ) فابكِ من شوق النبيّ * * لا خير في عينيك إن لم تسكُبِ
لا يكون الحبّ حبّا إلا إذا بكى المحبّ وجدا بالمحبوب ، وذاب فؤاده شوقا إليه ، هل رأيتم قبل هذا مدحا بهذا الأسلوب ..؟ اللّهمّ إنّي أشهد أن لا .. !
هذا نهج في المدح يجعل البرق يومض في الظلماء من إضم ، ومن كلّ الدنيا سنىً فوق سناء ، وضياء لا يدانيه ضياء.. هناك درس وخطوات لابدّ أن تكتبها وتتعلّمها وتقتفي أثرها لتبلغ ذروة هذا الحبّ ، فابدأ بعينيك الجامدتان ، واجعلهما تنضحان بالدّمع:
عاتبهما.. هيّجهما .. اعصرهما * * واسكبهما كأسي دموع واشرب
هل تراها تكون مالحة تلك الدّموع ..؟ كلا ! بل هي أحلى من الشهد المصفى ، والرّحيق المعتّق في أكمام زانها النّدى أكاليلا..
إنّه يحاول أن يعرض علينا كلّ طرق حبّ النّبي وأساليبه ، وكما قلنا في بداية هذه القراءة: لا يكفي أن يقول أنّه يحبّه وأننا جميعا نحبّه ، وأنّالشجر والحجر والسّماء والأرض وكلّ الكائنات تحبّه ، كما سنفصّل في قصيدتَيه ( قدر حبّه ) وصنوتها ( زهرة القرشي )؛ وإنما هو يبذل كلّ جهده ليعلّمنا كيف نحبّه بأشكال وألوان وهيئات وحالات مختلفة ومتنوّعة.. !
ويحث الشاعر القارئ أن يدرّب عينيه بكلّ طريقة للبكاء في حبّ محمّد ، حتّى أنّه يقول مثل مربّي خبير أو مرشد روحي ( مسلّك ) على طريقة الصوفيّة:
إن لم تجرّب نثر دمعك عاشقا * * كالياسمين لبدر مكّة.. جرّب
إن كانتا جفّتا.. فاتركهما * * واقرأ كتابا في الهوى وتدرَّبِ
وبعد تدريب وتجريب ونجاح التجربة في لذّة البكاء لأجل الحبّ ، حبّ أعظم كائن بشري خلقه في البشر ، لابدّ تسجيل تلك اللحظة التاريخيّة ، وحبس ذلك المشهد السّماوي حتّى لا يفوت :
( الله أكبر ).. ( روعة ما بعدها.. ) * * سجّل لها تاريخها.. ولتكتبِ:
(( اليوم عيني بعد جدب أزهرتْ * * وحنين قلبي للرّسول اشتدّ بي ))
هاتان العينان اللتان هملتا لأجل حبّ النبي تستحقّان قبلة دافئة ، قبلة نبث فيها لهما كلّ مشاعر الشكر والامتنان أن بكتا في حبّ النبيّ ، ولكن كيف نؤدّي هذه القبلة ، وكيف تلامس الشفاه العيون، عيون النّفس ، لا حلّ غير:
قبّلهما إن كنتَ تقدر.. بُسْهُما * * لو فوق مرآة.. بكلّ تأدّبِ
واشكرهما إذ كانتا في المستوى * * واهتزتا شوقا لساكن يثربِ
بلا شك هذا شكل من أشكال المدح جديد وفريد ، لم يجرّبه – حسب علمنا – الشعراء من قبل ، شيء التجديد في أساليب قول الشعر وطرق الكتابة ، ولكنّه تجديد يمتدّ في شتى الأبعاد الجمالية ، ولا يقتصر على ( زوابع الفناجين ) التي يثيرها الصّغار من راكبي موجة الحداثة.. !
أمّا القصيدة الثانية فهي التي اختار لها عنوانا مثيرا ( الأسود يليق بنا ) ، فيها بعض ما قاله ووزيادة على ما في القصيدتين الأوليين ، وفيها تناص مدهش مع رواية أحلام مستغانمي (الأسود يليق بكِ)، تناص في العنوان وحسب ، وسنتحدّث عنه في موضعه من دراسة التناص في هذا الدّيوان.


نشر في الموقع بتاريخ : الأربعاء 4 ربيع الأول 1439هـ الموافق لـ : 2017-11-22



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

مواعيد ثقافية " رؤى "

برنامج " رؤى " مع الاعلامية غنية سيد عثمان

اصوات الشمال
مواضيع سابقة
وَيْرْحَلُ..سِي لَخْضَر خِليْفَاتِي.. مُكَبِّرًا. والشُّهَدَاءُ ..لاَيَمُوتُونَ..!! /الحلقة:02
بقلم : محمد الصغير داسه
     وَيْرْحَلُ..سِي لَخْضَر خِليْفَاتِي.. مُكَبِّرًا.    والشُّهَدَاءُ ..لاَيَمُوتُونَ..!!      /الحلقة:02


تراتيل الفجر
بقلم : فاطمة الزهراء بولعراس
تراتيل الفجر


أحزان وأحلام متكسرة - قراءة في ديواني تميم صائب (حزن الجواد المتعب وحزة السكين)
بقلم : ياسر الظاهر
أحزان وأحلام متكسرة - قراءة في ديواني تميم صائب (حزن الجواد المتعب وحزة السكين)


من دفتر الذكريات
بقلم : شاكر فريد حسن
من دفتر الذكريات


الكتابةُ لحظة ُوعْيٍ..
بقلم : بشير خلف
الكتابةُ لحظة ُوعْيٍ..


مع الروائي الشاب أسامة تايب
حاوره : البشير بوكثير
مع الروائي الشاب أسامة تايب


اتحاد كتاب فرع سيدي عيسى و النادي الأدبي يذكران بأحداث 11ديسمبر
بقلم : سعدية حلوة / عبير البحر
اتحاد كتاب فرع سيدي عيسى و النادي الأدبي يذكران بأحداث 11ديسمبر


هَمْسُ الشُّمُوع
بقلم : فضيلة معيرش
هَمْسُ الشُّمُوع


الدكتور الأنيق لا يضرب إلّا بالهراوات، أحمد سليمان العمري
بقلم : أحمد سليمان العمري
الدكتور الأنيق لا يضرب إلّا بالهراوات، أحمد سليمان العمري


حوار خاص مع الشاعرة الفلسطينية هيام مصطفى قبلان
حاورها : عبدالكريم القيشوري
حوار خاص مع الشاعرة الفلسطينية هيام مصطفى قبلان




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com