أصوات الشمال
الاثنين 10 ذو القعدة 1439هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  *  نعزي أمة الضاد   * رسالة الى توفيق زياد    *  صابرحجازي يحاور الاديب الاردني د. وصفي حرب    * الاحتجاجات والسخط المجتمعي ومستقبل نظام الحكم في العراق   * حفل تتويج الأساتذة الجدد للسنة الجامعية 2017-2018 برحاب جامعة باجي مختار –عنابة-   * شهيد الواجب   * ثورة المقلع   * مركزية الهامش في أدب ابراهيم الكوني قراءة في رواية ناقة الله.   * أسئـــلة الحداثة   * حاج حمد و أسئلة تأسيس نظرية للقراءة و بناء المنهج   * ((ألبير كامو..بين نوبل و ثورة التحرير الوطني الجزائرية))   * رَيْحَانَةُ الْقَلْبِ   * ما مصير القوميات تحت ضغوط العولمة؟   * الخصاء   * الحرّيّة ..مقال رأى   * القانون الأسوأ والاخطر في التاريخ    * مؤسسة المحبة و التضامن لولاية غرداية تحل بمدينة قسنطينة   *  لمقرّ سكني محطّتان.   * قصيدة _ انا في انتظارك امام هذا الضوء_ سليم صيفي الجزائر    * قصة قصيرة جدا / مدمن    أرسل مشاركتك
قراءة في ديوان : ( قدر حبّه ) للشاعر محمّد جربوعة
بقلم : عبد الله لالي
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 990 مرة ]

قراءة نقديّة في ديوان محمّد جربوعة ( قدر حبّه )

قراءة في ديوان :
( قدر حبّه ) للشاعر محمّد جربوعة
ــــــــــ الجزء الأوّل
بانت سعادُك .. والتقيتَ بأحمد * * ماذا خسرت بهجرها يا سيّدي ؟
ــــــــــــ محمّد جربوعة من قصيدته ( برقيّة إلى كعب بن زهير).
بين يدي الدّيوان:
ــــــــــــــــ
يمكننا أن نعتبر الشاعر محمّد جربوعة ودون مجازفة ؛ الشاعرَ الأبرز في الطبقة الأولى من شعراء الجزائر والعالم العربي بغير منازع ، وله صيت عربيّ مدوّ ، وشهرة كبيرة طبّقت الآفاق ، وربّما كان السببَ الأساس فيها قصيدتُه المعروفة ( قدر حبّه ) ، والتي جعلها عنوانا لهذا الدّيوان الذي سيكون محلّ هذه القراءة ..
صدر الديوان عن ( مطبعة البدر السّاطع للطباعة والنّشر ) في 296 صفحة ، عام 2014 م ، وقد ضمّ بين دفتيه اثنتين وعشرين قصيدة ، كلّها في مدح النّبي صلّى الله عليه وسلّم ، وهو واحد من أكثر من عشرة دواوين للشاعر ، فضلا عن الروايات والكتب الأخرى. وما ميّزه عن بقيّة الدّواوين هو قصره على مدح النّبي صلّى الله وسلّم.
عرف محمّد جربوعة بتزعّمه لمدرسة جديدة في الشعر دعا إليها في الجزائر وناصره فيها عدد كبير من الشعراء الجزائريين وغير الجزائريين ، هذه المدرسة سمّاها ( المدرسة الكعبيّة ) ، وهي إحياء لمنهج الصّحابي الشاعر كعب بن زهير في الشعر ، ويتضح الملمح العام لهذه المدرسة في المزج بين الغزل والمديح النّبوي ، مع لمسات جديدة لم تُعهَد في الشعر من قبل ، أو على الأقل لم تحظَ بهذا الاهتمام والتركيز الكبير.
وتتجلى كثير من خصائص ومميزّات هذه المدرسة في ديوان ( قدر حبّه ) ، ويمكننا استشفاف منهج المدرسة الكعبيّة من خلال قصيدته الأولى التي بعنوان ( برقيّة مرفوعة إلى كعب بن زهير ) ، وقد خصّ بها مجلّة الأدب الإسلامي عندما أَجريتُ معه حوارا في العدد 83، يقول في مطلعها الرّائع مخاطبا كعب بن زهير رضي الله عنه:
بانت سعادُك .. والتقيتَ بأحمد * * ماذا خسرت بهجرها يا سيّدي ؟
ويختمها بقول:
أهواه ، أهجر – كي أقبّل نعله - * * ألفي سعادٍ .. فاتنات، خرّد
وما بين البيت الأوّل والثاني يتجلّى منهج المدرسة الكعبيّة الجديدة في الشعر ، وفي هذا الديوان نجد كثيرا من التفاصيل المشرقة والمشوّقة..
روعة العنوان وشيفرة العتبات:
ـــــــــــــــــــــــــــ
العنوان في الأصل عنوان للقصيدة الأخيرة في الدّيوان ، وهو بهذه الصّيغة ( قدر حبّه ولا مفرّ للقلوب للقلوب ) ، لكنّ الشاعر ارتأى أن يكتفي بالجزء الأوّل منه فقط ، ويجعله عنوانا للدّيوان كلّه ، وذلك حسن منه ، إذ العنوان بهذا الطول يثقل عنوان الدّيوان بوزر كبير ، قد تضعف الجملة الثانية من قدرة التكثيف التي حملها الجزء الأوّل ، فعبارة ( قدر حبّه ) تحمل من معاني الشّوق والحبّ ما تعجز عنه كلّ ألفاظ الدنيا ، فلا مناص من التسليم المطلق إلى أنّ محبّة هذا النّبي صلّى الله عليه وسلّم ، هي أكثر من اختيار إرادي بل هي حبّ فطري تلقائي ، يسري إلى روح كلّ من يعرف هذا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أو يسمع به ، حتى وإن أنكر ذلك وجَحَدَه ، وقد أحسن الشاعر وأصاب إذ قال في ذلك:
" يحبّه الكفّارْ
ولكنّهم يكابرون حبّه
ويدفنون الحبّ في جوانح الأسرارْ "
وفي القصائد وما يسبق بعضها من عتبات تكثيف جمالي رائع ، وشيفرات فنيّة زادت من جمال القصائد ، وكانت بمثابة إشعاع النور الذي يجلّي أسرارها ، ويرشد إلى دلالاتها في سلاسة بديعة ، ومن أمثلة ذلك نقتطف هذه العناوين : ( برقيّة إلى كعب بن زهير / أكبر من غرامك.. أصغر من حبّ المكيّ / أشواق بعير على طريق المدينة / درس في تدريب العينين على حبّ ابن آمنة / زهرة القرشي / زهور لرسم سيّد الزّهور / سباعيّات لمعشوق النّدى وقباب الحمام ، قنديل بني هاشم ..) ، عناوين مثيرة في معانيها مبهرة في مبانيها ، وبنظرة فاحصة نجدها توزّعت على ثلاثة أصناف:
1 - عناوين قصيرة جدّا بتكثيف قويّ مثل ( قدر حبّه / محمّد / عودة..)
2 - عناوين متوسطة تتركب من جمل بسيطة مثل ( الدراويش العاشقون / حبيب المآذن / ما في حدا ..).
3 - عناوين طويلة وهي أكثر عناوين الديوان ، وهي عبارة عن جمل فنيّة مركبة بطريقة جميلة جدا ، فيها أحيانا غرابة أو مفارقة أو سرّ خفيّ يهزّ المتلقّي ويخلخل الروتين الذي تعوّد القارئ على قراءته في العناوين ، ومن أمثلتها ( برقيّة إلى كعب بن زهير / أكبر من غرامك.. أصغر من حبّ المكيّ / أشواق بعير على طريق المدينة / درس في تدريب العينين على حبّ ابن آمنة ).
وهذا التنويع الواضح في العناوين كأنّه تنويع في طريقة الحبّ ، وفي كيفيّة التعبير عنه ، فلا تكفي صيغةٌ واحدة ولا جملةٌ واحدة ، ولا أسلوبٌ واحد ، بل لابدّ من التجديد باستمرار في التعبير عن الشعور الغامر الذي يتملك الإنسان حين يتلجلج هذا الحبّ في الصدر..
وزاد الشاعرُ على ذلك بأن استعان بعتبات نصيّة ( نثريّة ) جلُّها بين يدي قصائده ليُجَلِّي معنى من المعاني أو يُضيف فكرة قد تغمض على القارئ أو تخفى عنه، ونختار من تلك العتبات هذا المثال:
عتبة قصيدة زهرة القرشيّ:
قدّم لقصيدة ( زهرة القرشي أو قدر حبّه الثانية ) بقوله:
" لأنّه رسول الجمال ومرسَلُ السّماءِ ذات البدور إلى الأرض ذات الزّهور .. تتداعى الأيدي إليه تهديه جورية عرضت نفسها على السموات والأرض والجبال والإنسان.. رغم اختلاف الجميع، يجتمع الفرقاء جميعا على حبّه.. ما فرّقته يد الطّين تجمعه نبضات الحبّ.. لكنّ الزّهرة وفاء والجوري لدى الفرسان بيعة.."
هذه قصيدةٌ ( شعر في إيهاب النّثر ) قبل أن نقرأَ القصيدةَ ، وشعرٌ تربّع على خارطة النثر قبل أن نلج عالم الشعر ، بمثل هذه العتبات يَشدُّ القارئَ شدّا لطيفا ساحرا إلى متن ما دبّجته قريحة الشاعر ويغريه به إغراء.. ويكمن جمال هذه العتبة في عدّة عناصر ؛ اللغة الجميلة إحداها ، وفيض المعاني النّابضة بالحياة جملة منها ، ربط بين بدور السّماء وجمال الأرض ، وفي تناص جميل مع القرآن الكريم جعل زهرة الجوري تعرض نفسها على السموات والأرض ، كما عُرضت الأمانة عليها ، ويختم.. وأيّ ختام (لكنّ الزّهرة وفاء والجوري لدى الفرسان بيعة )، عندما يقدّم الفارس زهرة لمن يحبّه فإنّه يبايعه على الطاعة والإخلاص.. أنوار بعضها يتلو بعض..
في الفكرة والمضمون:
في الدّيوان اثنتان وعشرون قصيدة هي درر فاتنة ، في عقد من اللآلئ الوضيئة في مدح النّبي صلّى الله عليه وسلّم ، ولكنّها قصائد مختلفة تماما عمّا اعتدناه من مدح وثناء وذكر محامد المختار وصفاته ، إنّها تنطق بلغة مختلفة وبأسلوب جديد ، لم يعتده القارئ من قبل ، طريقة لا يمكن إلا أنّ نسميها طريقة محمّد جربوعة في التعبير عن الحبّ الأعظم ، وهي الطريقة نفسها التي جعلت كثيرا من متابعيه وقرّائه يطلقون عليه اسم ( أمير الشعراء ) ، بل إنّ بعضهم لا يخاطبه إلا بعبارة ( سموّ الأمير ).
في القصيدة الأولى مثلا ( برقيّة إلى كعب بن زهير ) يبدأها بمناجاة الشاعر كعب بن زهير ويقول له:
بانت سعادُك .. والتقيتَ بأحمد * * ماذا خسرت بهجرها يا سيّدي ؟
قد كان قلبك ماسة في عقدها * * يبقى يسبّح صدرها إن ترقد
ويظـلّ ينفـخ آهـــه في جيدهـا * * لم يحترق فيـها ولم يتــجـــمّـد
طريقة غريبة ولكنّها رائعة في التعبير عن الحبّ والوجد بحبّ سيّد ولد آدم، فبدلا من أن يعبّر له عن ذلك الحبّ مباشرة يستنطق كعب بن زهير على بعد ما بينهما من زمن ( أربعة عشر قرنا ) وما بينهما من مسافة ( العالم الآخر ).. ويعبر عن مشاعر كعب بن زهير الذي ابتعدت عنه سعادُه (محبوبة قلبه )، وتركها خلفه ليحظى بأعظم حبّ في الدنيا ؛ حبّ محمّد صلّى الله عليه وسلّم :
بالله بــس ذاك الجــــبيـــــن وقـــــل لــــــه * * إنّي أحـــسّ بأضـــلعــــي كالمــــوقـــد
أهواه ، أهجر – كي أقبّل نعله - * * ألفي سعادٍ .. فاتنات، خرّد
وما ذلك الإشراق بالمحبّة والتعبير عن ترك كلّ حبّ في الدنيا عدا حبّ محمّد ؛ ما هو إلا تعبير عن شعور الشاعر محمّد جربوعة نفسه ، وانغماس قلبه في بحر الأنوار ، وهو شعور كلّ مؤمن راسخ الإيمان يعبّر عنه كلٌّ بطريقته وأسلوبه..
وعندما وصل عبّر عن التجلّي الكبير الذي يحظى به من رأى وسمع ، ومن غشيه النور ، وتلحّف بالإشراق الكوني.. ! ولذلك فهو يقول:
والآن قلبك يا أخي متلألئ * * بمحمّد ، متعلّق بالمسجد
ويلتفت إلى سعاد ويصف حالها بعد هجره لها ميمِّما وجهه شطر المدينة :
أمّا سعـــــاد فســـــوف تحمــــــل قلّــــة * * وتـــروح مثــــــل غـــــزالـــــــة للـــمــــورد
وهناك تسمع من صبايا حيّها * * خبر الذي هجر الظباء ليهتدي
إي وربّي هجر الظباء ليهتدي .. !!
أيّ مشهد أجمل وأروع من هذا.. ؟ ! صبيّة تحمل قلّتَها وقد كانت واثقة من نفسها مُدِلَّة بجمالها ، ترى أنّها تأسر حبيبها بإشارة من إصبعها المخضَّب بالحنّاء ، فإذا بها تفاجأُ أنّه هجَرَها ، ولكن ليس إلى غادة أخرى ، أو صبية هي أكثر منها جمالا ، وأروعُ دلالا ، بل هجرها لأجل رؤية أحمد ، والفوز بتكحيل عينيه بنوره.. !

نشر في الموقع بتاريخ : الجمعة 28 صفر 1439هـ الموافق لـ : 2017-11-17

التعليقات
أحمد جلال
  قدتحيّةَ إجلال وتقدير للأديبين ( الشّاعر والنّاقد). جميلٌ أن يوجّهَ النّاقدُ الحصيف، عنايته صوبَ لآلئَ من غوّاصٍ ثقيف. 




أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

الشاعر حمري بحري

.
مواضيع سابقة
أسئـــلة الحداثة
الدكتور : عبد الله حمادي
أسئـــلة الحداثة


حاج حمد و أسئلة تأسيس نظرية للقراءة و بناء المنهج
بقلم : حمزة بلحاج صالح
حاج حمد و أسئلة تأسيس نظرية للقراءة و بناء المنهج


((ألبير كامو..بين نوبل و ثورة التحرير الوطني الجزائرية))
السيدة : زاهية شلواي
((ألبير كامو..بين نوبل و ثورة التحرير الوطني الجزائرية))


رَيْحَانَةُ الْقَلْبِ
الشاعر : احمد الشيخاوي
رَيْحَانَةُ الْقَلْبِ


ما مصير القوميات تحت ضغوط العولمة؟
بقلم : أمال مراكب
ما مصير القوميات تحت ضغوط العولمة؟


الخصاء
بقلم : سمير عباس
الخصاء


الحرّيّة ..مقال رأى
موضوع : ‏ابراهيم امين مؤمن
الحرّيّة ..مقال رأى


القانون الأسوأ والاخطر في التاريخ
بقلم : شاكر فريد حسن
القانون الأسوأ والاخطر في التاريخ


مؤسسة المحبة و التضامن لولاية غرداية تحل بمدينة قسنطينة
بقلم : علجية عيش
مؤسسة المحبة و التضامن لولاية غرداية تحل بمدينة قسنطينة


لمقرّ سكني محطّتان.
بقلم : فضيلة زياية ( الخنساء)
                                         لمقرّ سكني محطّتان.




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1439هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com