أصوات الشمال
الخميس 11 جمادى الأول 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  *  قراءة أولى في القصيدة الفائزة في "المنارة الشعرية في وصف جامع الجزائر الأعظم"   *  للبرد صهيل الأوسمة.   * رحلة المشتهى او حفر في صورة "العشيقان" .......نقد د.حمام محمد زهير   * وللنساء جنون آخر   * محافل الثقافة العربية بين قلق الرّسالة وشحّ الدعم /حوار مع الشاعر والكاتب التونسي خالد الكبير    * المبدع عزالدين شنيقي ابن سكيكدة يصدر رواية "الانهيار"   * أمثال عربية أندلسية   * الثقافة الجماهيرية وقيادة شراع الإعلام الاجتماعي   * العولمة وتأثيرها على الرياضة في الوطن العربي    * رواية العزلة .للكاتب خالد الهواري   * يناير والانتقال الضروري من الطابع الفولكلوري إلى البحث العلمي:   *  إشكالية الـحب في الـحياة الـفكرية والروحية في الإسلام    * في أصل الامازيغ..عودة لتاريخ الكنعانيين واساطيرهم   * lما يمكن لرواية أن تفعله بك   * مشكلة الأمازيغية: اللغة والثقافة والهوية   * حوار مع لاعب وفاق سطيف قدور شايب ذراع ( علي حداد)   * في الحزن الباعث على الموت و الحزن الباعث على الحياة   * " أصداء مجاورة الموتى" زجليات التقنّع بالخطاب الصّوفي   * رحلة الى المشتهى   *  أنا، دون غيري.    أرسل مشاركتك
"العرس الكوني" قراءة في قصيدة "شهيد الجزائر" للشاعر مختار حنيني
الدكتور : عادل بوديار/ جامعة تبسة
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 1791 مرة ]
شاعر الوطن

مقدمة:
يتمتع النص الشعري ببعده الدلالي الذي يتجلى عبر تشابك عناصر التجربة الفنية التي تتفاعل فيما بينها لتكوِّن عملا إبداعيا يمثل في حقيقته محصلة لجميع العلاقات المتشابكة بين الذات والموضوع، لا الماضية فحسب وإنما المستقبلية أيضا، وهذا التفاعل في الأحداث الخارجية يشمل حتماً التجارب الذاتية التي مر بها الفرد في حياته أو ورثها من بيئته الثقافية، إذ لا نزال في الجزائر نعيش عبق الثورة التحريرية الجزائرية رغم انقضاء ما يربو عن نصف قرن من الزمن.

1. الجزائر أولا:
الشعراء أرواح مرهفة الحس ترفرف حولنا في الحياة كفراشات الربيع، ولكننا لا ننتبه إليهم إلا عندما يصفعنا خبر رحيلهم فجأة عن زهرة الحياة الدنيا، إننا عندما نودع شاعرا ونزعه في التراب، ونسقيه بدموع القوافي، لا نتوقع إلا أن ينمو فينا ذلك الإحساس المرهف الذي زرعه هو فينا قبل رحيله، فالشعراء منذ الأزل جعلونا دون وعي منا شركاء معهم في أفراحهم وأحزانهم.
ولا يمكن لأحد أن ينكر أن شعراء الجزائر بمختلف ألوانهم، وتنوع أطيافهم، وتعدد أيديولوجياتهم كانوا ولا يزالون يولون الجزائر الوطن حق التبجيل عن كل القضايا التي آمنوا بها في حياتهم، والشاعر الراحل: "مختار حنيني" واحد من كوكبة شعراء الجزائر الذين كان الوطن شغلهم الشاغل، وكان التغني بمآثر شهدائه الصوت الداخلي الشجي الذي يتفتق موسيقى عذبة تطرب أسماعهم، ولن نبالغ إذا وصفناه بشاعر "الوطن" حتى وإن وافاه الأجل قبل أن يطبع أشعاره في ديوان.. وكيف نحرمه لقب شاعر "الوطن" وهو ينتمي إلى عائلة كبيرة شامخة تمتد عميق في ربوع الجزائر الحبيبة، وقدمت النفس والنفيس غاليا في سبيل حرية الوطن وعودة السيادة الوطنية.
ما زلت أذكر جيدا ذلك اليوم الربيعي المشمس حين جاءني الشاعر مختار حنيني -رحمه الله- وأنا بالجامعة قبل وفاته بحوالي شهرين، وكان كله فرح وسرور حتى أنني لم أره في سعادة كما رأيته ذلك اليوم، كان يحمل في يديه ورقتين كتب عليهما قصيدته "شهيد الجزائر" التي قطفها من ديوانه المخطوط "هناء بين أحرف البوح"، وطلبي مني ـ والابتسامة المتواضعة لا تفارق محياه ـ أن أنشر مقالا نقديا في موقع من المواقع الأدبية الالكترونية يتناول القصيدة بالقراءة ليصدِّر بها ديوانه عند طبعه، وأنا اليوم أفي بوعدي للشاعر الراحل "مختار حنيني"، وأقرأ بعضًا من أبيات القصيدة التي نظمها الشاعر في عشرين بيتا.
2. الثورة ومسألة المصير:
تعد العملية الإبداعية في حقيقتها نفاذا إلى واقع متخيل، أين يستطيع الشاعر تحويل أخيلته إلى نوع جديد من الحقائق التي تكون انعكاسات قيِّمة لواقعه الذي يمثل مسرحا لتجربته الفنية، فتكون رؤية الشاعر لهذا الواقع مختلفة تماما عما يراه الناس، فهو لا يكتفي بحدود واقعه، بل ينفذ إلى عمقه متخطيا النظرة السطحية إلى نظرة مرتبطة بالكشف والتجاوز، و"شهيد الجزائر" ليس ذلك البطل الذي قدم حياته، ونحتسب أنه ارتقى بروحه مسافرا من ميدان الشرف إلى الجنة فقط، وإنما "شهيد الجزائر" الذي يحدثنا عنه الشاعر "مختار حنيني" هنا هو ذلك الإنسان الذي أراد أن يكون شهيد على حق يسترد بالقوة، وشاهدا على عزم عقد ليحيا الوطن حرا مستقلا.. فيخوض جهاد السلاح، والنار، والحرب في أجمل صور التضحية والعطاء، يقول:
عقدنا العزم لتحيا البلاد وخضنا الجهاد فما أروعا
إنَّ تغني الشاعر "مختار حنيني" بشهيد الجزائر ما هو في أصله إلا انعكاس لروايات البطولة التي سمعها ممن حوله من الذين عايشوا الثورة، واكتووا بنارها، ويبدو أنه كشاعر لم يكن يسمع بأذنيه، بل كان ينصت بحاسة الشعر المرهفة التي تحيي الذكرى من جديد، وتنفث الروح في الكلمة فتعيد مواجعها وآلامها، ولعلنا نفهم تلك النبرة الحزينة التي ما زالت تتردد بين كلمات الشاعر كلما تحدث عن الوطن والثورة، فهو يصور مختلف مظاهر البطولة التي عكست آيات التضحية في سبيل الوطن بعد أن تحولت تلك الساحات من ساحات موت إلى احتفالات وأعرس يلاعب فيها الشهيد قصف المدافع في شجاعة، ويغازل فيها ليل الصمود سابحا بروحه في بحور الجنان، يقول:
وراح الشهيد كعرس لديه يلاعب قصفا فما أشجع
يغازل ليلا بحور الجنان وسبح كشعر أتى مسرعا
ولأن الشهادة تشكل في القصيدة أحد أهم مظاهر التضحية التي حفل بها الشاعر بعدما وجد في وصفها نوعا من التسلية النفسية؛ إذ تعتوره أحاسيس مختلفة، ومتناقضة أحيانا، فهو يتوتر، ويقلق للظلم الذي تعرض له شعب أعزل حينا، وهو يفرح، ويسعد، وتأخذه الغبطة، والنشوة لارتقاء روح الشهيد إلى ربها راضية مرضية حينا آخر، يقول:
فهم بمـوت وهمت به وضم بعشق طوى أضلعا
بلهف يثور ورفض وجزم وبالله أكبر كم أصدع
لقد كان الشاعر غاية في الإحساس حين استلهم من تاريخ الجزائر المضرج بدماء الشهداء مظاهر الحسن، والجمال في صورها المختلفة، وحين جعل الثورة مصدر إلهامه إذ عمل على استعادة صور البطولة الممتعة المشبعة بلذة الحركة، وحرارة الصحبة، وحيوية الحياة التي تشترك في صنعها مجموعة من الذوات منها ما هو واقعي منبثق من عمق الثورة ذاتها، ومنها ما هو متخيل يكثف من عالمها، ويمنحه جدة وبريقا يؤكد على تشبث هذه الذات بالحرية، وحرصها على أسباب تحقيق النصر في ساحات الوغى على العدو الغاصب الذي دون اسمه عنوانا للهزائم التي تلقاها، يقول:
فبيجار خر كجلف هوى لأن الشهيد رمى الأذرعا
وسد المنافذ من كلها وبالـدم غذى وكم نفعا
إنها ثورة التحريرية الجزائرية التي غدت أسطورة التضحية في سبيل الوطن.. إنها النبع الذي أمد الشاعر الجزائري بمعان تزاوج بين شذى الماضي الإسلامي العريق، وعبق الحاضر المفعم بالثورة، والصمود، إنها الأحاسيس المختلفة التي اعتملت في وجدان الشاعر ليجد نفسه مجبرا على تأمل ما خلَّفه سفر الشهيد في قلوب العالمين، فأم الشهيد تبسم دمعا، وتصدح زغاريد تشيع بها ابنها إلى مثواه الجميل، وأرض الوطن تفتح ذراعيها لتحتضن جسد الشهيد في حنان كأنه ابن غائب عاد إليها من سفر طويل جدا، يقول:
وأم الشهيد بكت مرتيـن لغصب الأراضي وما زرعا
دماء الشهيد تغذي التراب وتلهمـه نـورا بدا سطع
إنها اللحظة الحالمة التي انتظرها الشاعر حين مزج بين حزنه على فراق الأحبة، وفرحته بالمصير المشرق الذي خلَّفه الشهيد، فهو محبوب في الدنيا عند الناس، وهو مقرب عند ربه في جنات النعيم.. إنها لحظة التحول الكبرى التي يتحول فيها الشعر إلى كيان مواز للعالم، فيتجاوز الحدود المنطقية إلى أخرى تبحث في كنه الوجود، إنها محاولة التأسيس لعرس الحرية، والاستقلال الذي لا يقف عند حدود التجربة الراهنة، ليكوّن رؤية جديدة تدفع الأجيال القادمة نحو التأسي بمثال ثابت لن يتغير، إنه "شهيد الجزائر" الذي صدق ما عاهد الله عليه، وقضى نحبه، يقول:
ربيع البلاد أتي أبكر لأن الشهيد لربي دعا
نعم هكذا رأيت الشاعر "مختار حنيني" في هذه الأبيات صورة للرجل الذي أحب وطنه، وعظَّم كل رموزه، وحتى وأن أخفى هذا الحب في حضرة الواقع إلا أن الشعر الذي دائما يمثل دائما اللهب الذي يختزن الطاقة الداعية للتغيير كشف أمره، إنه ينظر إلى جزائر الشهيد من خلال "شهيد الجزائر" نظرة لا تُنظر بالبصر بقدر ما تُدرك بالبصيرة، إنها الجزائر الجميلة بكل معاني الجمال، وبأثمن عبارات الصدق، إنها الجمال الكوني كله.

نشر في الموقع بتاريخ : الثلاثاء 4 صفر 1439هـ الموافق لـ : 2017-10-24

التعليقات
محمد نحال
 بسم الله الرّحمن الرّحيم.....تحية عبقة عطرية للأستاذ الد. عادل بوديار/ من جامعة تبسة... ورحمالله أخانا وصديقنا " مختار حنيني" الذي وافاه الأجل وهو يحلم بجمع ما كتب بغرض الطبع وإخراج نصوصه إلى النور....وال"د. عادل" مشكور على هذه الالتفاتة الطيبة وهذا الغوص العميق في نصوص المرحوم بما يبرز جهده الواضح كقارئ ناقد متمرس.... غير أنّ ما كنت أنتظره هو نشر النص المقصود بالدراسة حتى يتبين القارئ قيمته الأدبية كما يبرزها الأستاذ الناقد... 




أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

مواعيد ثقافية " رؤى "

برنامج " رؤى " مع الاعلامية غنية سيد عثمان

اصوات الشمال
مواضيع سابقة
العولمة وتأثيرها على الرياضة في الوطن العربي
بقلم : نعمان عبد الغني
العولمة  وتأثيرها على الرياضة في الوطن العربي


رواية العزلة .للكاتب خالد الهواري
بقلم : ايمن بدر . صحفي مهاجر في النرويج
رواية العزلة .للكاتب خالد الهواري


يناير والانتقال الضروري من الطابع الفولكلوري إلى البحث العلمي:
بقلم : نورالدين برقادي
يناير والانتقال الضروري من الطابع الفولكلوري إلى البحث العلمي:


إشكالية الـحب في الـحياة الـفكرية والروحية في الإسلام
الدكتور : محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة
        إشكالية الـحب في الـحياة الـفكرية والروحية في الإسلام


في أصل الامازيغ..عودة لتاريخ الكنعانيين واساطيرهم
الدكتور : وليد بوعديلة
في أصل الامازيغ..عودة لتاريخ الكنعانيين واساطيرهم


lما يمكن لرواية أن تفعله بك
بقلم : جميلة طلباوي
lما يمكن لرواية أن تفعله بك


مشكلة الأمازيغية: اللغة والثقافة والهوية
بقلم : أ.د.أحمد زغب
مشكلة الأمازيغية: اللغة والثقافة والهوية


حوار مع لاعب وفاق سطيف قدور شايب ذراع ( علي حداد)
بقلم : حاوره: البشير بوكثير
حوار مع لاعب وفاق سطيف قدور شايب ذراع ( علي حداد)


في الحزن الباعث على الموت و الحزن الباعث على الحياة
بقلم : حمزة بلحاج صالح
في الحزن الباعث على الموت و الحزن الباعث على الحياة


" أصداء مجاورة الموتى" زجليات التقنّع بالخطاب الصّوفي
بقلم : الشاعروالناقد المغربي احمد الشيخاوي





ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2019م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com