أصوات الشمال
الثلاثاء 6 جمادى الأول 1439هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * ماذنب الخليل   * ألف مبروك الأستاذ رواني بوحفص فاروق شهادة الدكتوراه في التدقيق بجامعة تلمسان بالعرب الجزائري 2018    * الدكتور محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة من قسم اللغة العربية بجامعة عنابة يصدر كتاب: « عبد الملك مرتاض:المفكر الناقد »    * بيان    * قراءة في المسار الإبداعي عند محمد مفلاح   * خبر ثقافي اتحاد الكتاب الجزائريين    * الساق فوق الساق في ثبوت رؤية هلال العشاق   * عودة الأستاذ مسعود بومعزة عميد معهد الأندلس بشيلتغايم ستراسبورغ فرنسا وإستناف نشاطه بخير   * ندوة احاديث العشيات    * رشيد موزاوي مخترع جزائري يخترع برنامج الأول من نوعه عالميا يكشف عن الكذب   * ومن وحي المدرج   * "كتاب القول الأوسط في أخبار بعض من حَلَّ بالمغرب الأوسط"   * وتعلم كــــم أنت عندي   * حُقَّ لنا   * يا فتى لك في ابن باديس قدوة   * تعريف بالكاتب الجزائري مالك شبل    * دروب شائكة (ق.ق.ج)   * صحافي إسرائيلي ينتحل شخصية "ناشط إسلامي" ويفبرك حلقات وثائقية عن "الخطر الإسلامي " في الغرب !!   * صقـرُ الكتائب   *  لِلْهَوَاتِف رُقاَةٌ.. و فِي المَدِينَةِ مُشَعْوِذُونَ..؟!    أرسل مشاركتك
قراءة في رواية : ( توق يحاصره الطّوق ) للروائي التُّونسي المحسن بن هنيّة
بقلم : عبد الله لالي
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 516 مرة ]
غلاف الرّواية

قراءة في رواية :
( توق يحاصره الطّوق )
للروائي التُّونسي المحسن بن هنيّة

قراءة في رواية :
( توق يحاصره الطّوق )
للروائي التُّونسي المحسن بن هنيّة
بقلم: عبد الله لالي
هذه الرِّواية جعلتني أتساءل بإلحاح عن ماهية الكتابة النّسوية ؟ هل الكتابة النّسوية هي حضور صوت المرأة في صورة ( ضمير الرَّاوي ) الذي يتولى عملية السّرد أو الخطاب ؟ أم يكفي في ذلك أن تحضر هموم المرأة وشؤونها الخاصة في العمل الإبداعي ؟ أم ينوب عن كل ذلك مجرد أن يُذيّل العملُ الإبداعي باسم مؤلف ( أنثى ) ؟
المحسن بن هنية في رواية ( توق يحاصره الطوق) قلب ظهر المجن ، وسلَّمَ مقاليد السَّرد في روايته لبطلة ( أنثى ) هي ( نجاة ) ، رمز المرأة التي شاع في الوسط الأدبي أنَّ الوصاية ( الذكورية ) تكمِّمُ فاها ، وتكتم أنفاسَها ، وتمارس عليها دكتاتورية الإقصاء القَسْرِي في ميدان الإبداع عموما والأدبي بصفة خاصة ..
في هذه الرواية أصرّ المحسن بن هنية أن يُسمع صوت المرأة جهيرا داويا ، وأن يُنيبها عنه وعن كلّ نساء تونس في الحديث عن مرحلة التحوّل الكبير الذي عاشته تونس في فترة العهد البوليسي الذي قهر الناس وضرب ( طوقا على توق ) وحجرَ على كلّ أمل أو تطلّع لمستقبل مشروع ، يستنشق فيه الإنسان التونسي نسائم الحرّية ..
وكانت المرأة _ بالرّغم مما قيل عمّا حظيت به من حرية مطلقة ، ومكانة لا تُظاهى - عانت مما عانى منه الرجل وأكثر، وساهمت في صناعة التغيير الكبير الذي اكتسح صور الماضي القاتمة، التي كادت تجعل التاريخ التونسي يراوح مكانه ، لولا أنّ الجماهير استعارت ذلك الصوت الصدّاح لشاعرِ إرادة الحياة :
إذا الشعب يوما أراد الحياة * * فلا بدّ أن يستجيب القدر
والذي ترجمته بطلة الرّواية ( السّاردة ) في ختام ( مَسْرَدَتِهَا ) هذه ، كما تسميها بقولها :
" بعد حين أكون أمام قدري الذي كتبته بنفسي، ولم تكتبه قوى أخرى خارج ذاتي .. أمّي .. سريري .. غرفتي.. أيّام تُقتَلَع الواحدة تلوى الأخرى كأوراق اليوميّة .."
تعالج الرواية ما عانته المرأة في تلك المرحلة مجسّدة في شخصية الفتاة الجامعية العانس ( نجاة ) ، التي توفّي أبوها بعدما نالت شهادة الأستاذيّة ، وظلّت طيلة سبع سنوات تعاني البطالة ، ولم تتمكن من استكمال دراساتها الجامعيّة العليا ، وزحف شبح العنوسة على مَفْرَق رأسها ، وامتدّ إلى أن يسربل كيانها كلّه ، وقد فوّتت فرصتين للزواج ، من زميلين لها في الدّراسة ، الأوّل هو أحمد حامد ( إسلامي متشدد بنظر البطلة ) والذي هاجر فيما بعد إلى إيران واتخذ له حياة أخرى في عالم آخر ، والثاني هو الدّكتور حسيب الهمامي وكان ابن بلدتها وسبقها في الجامعة بسنوات وأراد الزواج منها دون الخضوع لقوانين الزواج المتعارف عليها ، كان يريدها جسدا وحسب على طريقته الخاصّة ( زواج عرفي )..
مشكلة البطلة الأساسيّة التي عالجها الكاتب محاولا أن يجعل منها مشكلة كلّ النساء في تونس في تلك المرحلة ، هي مشكلة العنوسة ، وما ينجرّ عنها من كبت جنسي ، أو ممارسة إباحية غير مشروعة قد تصل أحيانا إلى درجة البهيميّة..
وتغوص الرّاوية ( السّاردة أو البطلة ) في وصف معاناتها ومحاولة خروجها من هذا الطوق الذي ألجم التوق ، بمحاولة التسجيل في الجامعة مجددا ، إلى أن تفاجأ بالثورة التونسيّة ( ثورة الرّبيع العربي ) التي أشعل وقودها الشّاب الجامعي ( البوعزيزي ) ابن بلدتها ، وتنخرط في تيار الاحتجاج الشعبي الذي رفع شعار :
" تونس حرّة بن علي برّة "
وكان قرارها قبل ذلك بقليل :
" يدي ضاع منها مطلبي الشخصي ، ويتوحّد في مطلب هاجت به الجماهير المتدافعة من أحياء قيل عنها شعبيّة.."
رفّة العنوان:
( توق يحاصره الطوق ) ، لهذا العنوان رفّة تشبه رفّة الحمام ، تلقي بظلالها على كامل الرّواية ، وفيه شيء من أساليب الماضين في اعتماد السّجع ، بالإضافة إلى الجناس النّاقص بين لفظتي ( توق / الطوق ) ، وهذا شكل من أشكال المحسنات البديعيّة التي ارتفعت أصوات التيار الحداثي تدعو إلى اطّراحها ، لأنّها صارت أساليب مستهلكة ، وفيها كثير من التكلّف والتصنّع ، لكنّ هناك من النّاس مَن ما يزال يستحسنها ويتذوّقها ، بل يعمد بعض الكتّاب إلى تحميلها تكثيفا مركزا من المعاني والإيحاءات القويّة..
وفي العنوان لفتة أخرى وجب الوقوف عندها ، تمثُلُ في تعريف كلمة ( الطوق ) بدل تنكيرها وهو ما يوافق الجرس النغمي المؤثر ( توق طوق ) ، فعمد المؤلّف إلى التعريف بدل التنكير ، وهو أمر له دلالته ، فالطوق ( بمعنى الحصار والقمع ) لشدّة وطأته وطول أيّامه وإلف الناس لأساليبه في كبت الحريّات وقهر الناس صار يُشار إليه بالبنان ، هو ذا الطوق الذي أركسنا في الحمأة سنين متطاولة .. ليس مجرّد طوق قد يتخلّص منه الشعب بيسر ودون تضحيّات ، بل هو الطوق الذي ( هَرِموا ) تحت شدّة وطأته ، وقهر دولته البوليسيّة التي أذلّت الرّقاب وأخضعت العباد..
الفضاء الزماني والمكاني للرواية
يحدّد المؤلّف زمان أحداث الرواية بأنّه في فترة حكم الرّئيس التونسي المخلوع ( زيد العابدين بن علي ) ، والذي أطاحت بحكمه الثورة الشعبيّة فيما اصطلح على تسميته فيما بعد بالرّبيع العربي ، ثم لمّا انحرفت عجلة مساره لتقع بين فكّي كمّاشة ( الفوضى الخلاقة ) ؛ صار يُطلِق عليه بعض المحللين تسمية الخريف العربي.
أمّا بالنّسبة للمكان فهو تحديدا بلدة سيدي بوزيد التي انطلقت منها شرارة الثورة التونسيّة الجماهيريّة، البلدة التي أحرق فيها ذلك الشابّ الجامعيّ المقهور نفسَه وسط حشد من الجماهير ، احتجاجا على القهر والظلم الذي مارسه نظام زين العابدين بن علي على الشعب التونسي ، وهو أنموذج لا تخطئه العين لمعظم الأنظمة العربيّة حذوك النعل بالنعل..
هذا بالنّسبة للفضاء أو الحيّز الزمني العام ، وهناك تفريعات زمنيّة أخرى تشير إليها الرواية في تمفصلاتها السّرديّة ، وتتخذ منها تكأة لبسط معاناتها وشرح تاريخ تعاستها الذي كُتِبت له النهاية يوم نادى الشعب بلسان واحد:
( بن علي برّة ! ) ، ومن تلك التفرّعات دور أوراق اليوميّة التي تعلّق على الجدار لتشير إلى مرور الزمن ، وتحاول السّاردة فهم فلسفة الحياة من خلالها ، أو من خلال نزع أوراق الأيّام المنصرمة. وظلّت تلك اليوميّة ( أيقونة الزمن الذي تتأمّل البطلة / السّاردة ؛ فعله في الحياة والبشر ، حتّى تقول في آخر أسطار الرواية:
" قبّلت الورقة وخبّأتها وفي نفسي رغبة في تأطيرها بإطار من ذهب، ولكن سبقني التاريخ ليضعها في ذاكرته التي لا تمحى أو يتسرّب إليها النسيان ..".
كانت البطلة تشير بذلك إلى تاريخ 14 جانفي 2011 م ، وهو التاريخ الذي فرّ فيه الرّئيس زين العابدين بن علي من تونس، ونجاح الثورة التونسية ، تاريخ مشهود تفخر به البطلة وتشير إلى أنّ التاريخ وضعه في ذاكرته التي لا تَنْسَى جسام الأحداث.. !
أمّا بالنّسبة للمكان فقد تفرّع إلى تونس العاصمة حيث شارع الزّعيم ، وحيث الجامعة وشقّة الطلبة التي سكنتها البطلة ( نجاة ) لفترة من الزمن ، وبعض الأماكن الفرعيّة الأخرى ، التي جعلها المؤلّف إطارا لأحداث الرّواية. كما لا يغيب عن بالنا استعمال المؤلّف لأزمنة وأمكنة أخرى ، يمكن أن نسمّيها فضاءات الاسترجاع ، وهي تجعل المكان يمتدّ في الماضي كما يمتدّ أحيانا في آفاق المستقبل على أجنحة الخيال..
وبذلك تنال الرواية حظّها الوافر من التمدد زمانا ومكانا ، وتنعم بموفور من الحركة في كلا بعديها الضروريَن لصناعة حياة روائيّة ضاجة بالحركة والفعل المؤثر في القارئ بشكل آسر..
أبطال زمن التيه ( شخوص الرّواية ):
أبطال الرّواية يبدون مضطربين يعيشون زمن التيه والحصار ، وربّما ذلك ما يفسّر عنوان الرّواية بشكل جلي ، هؤلاء الأبطال لهم أشواق وآمال وأحلام يتوقون إلى تحقيقها ، لكنّ الطوق الذي فرضه عليهم نظام القهر والاستبداد في تلك الحقبة ؛ منع توقهم وتطّلعاتهم أن تتحقّق وتجسّد في واقع حياتهم ، ولم يتنفسوا الصّعداء إلا بعد أن وقع الانفجار العظيم ( بيغ بانغ الثورة التونسيّة ) ، فانخرطوا جميعا في تياره الجارف وأشعلوا منارة ( التوق ) من جديد بعد أن تحطّم ( الطوق ) أو يكاد.. !
البطلة الرئيسيّة في الرّواية هي ( نجاة ) الفتاة الجمعيّة التي قدّر لها أن تكون من بلدة سيدي بوزيد مهد الثورة وبلدة أيقونتها ( البوعزيزي ) ، أو هكذا شاء لها المؤلّف أن تكون ، ولعلّه بذلك أراد أن يحبس اللحظة التّاريخيّة ، ويرسم ظلالها في لوحة فنيّة ( روائيّة ) مشرقة رغم المعاناة والألم.
وشاء المؤلّف أيضا أن تكون البطلة هي الرّاوية ( السّاردة ) ، وهي طريقة أنجح – في الغالب – من أن يتولّى المؤلّف نفسه السّرد من خارج أحداث الرواية فيكون العليم بكلّ شيء ، لكنّه يتكلّف الغوص في أعماق الشخصيّات ويحلل مشاعرها وأفكارها ، ويجد في ذلك العنت الكبير ، لكن أن تتولّى البطلة ذاتها عملية السّرد فذلك يُيسر عليه الأمر.
ونجاة فتاة في السّابعة والثلاثين من العمر ، تسكن مع أمّها بعد وفاة أبيها ، وقد حصلت على شهادة الأستاذية من الجامعة ، لكنّها فشلت في الحصول على فارس المستقبل ، فظلّت تعاني من الكبت الدّاخلي طول أحداث الرواية ، شوق إلى الرجل ، شوق إلى الأبناء شوق إلى الأسرة التي تتمنّاها كلّ فتاة في مثل سنّها.
البطلان الرّديفان هما ( الدّكتور حسيب الهمامي ) صاحب الشخصية الكاريزمية القويّة و( أحمد حامد ) الشاب المتدين على نهج الإخوان ، الذي اقتحم عليها أسوار خلوتها في المكتبة وأراد أن يفرض عليها وصاية ما ، باسم أخوّة الدّين.
لكنهما كانا أقلّ حضورا وأقلّ فاعلية في مشاهد الرواية المختلفة ، لكن كان لهم الدّور المؤثر جدا ، لاسيما ( الدّكتور حسيب الهمامي ) الأستاذ الجامعي، في خلخة مشاعر البطلة ، وتأجيج عواطفها والتأثير في قراراتها.
هناك شخصيّات أخرى ثانوية تؤدي أدوارا تكميليّة ، مثل شخصيّة أم البطلة التي هي بمثابة حضن الحنان الذي تلجأ إليه في الملمّات والشدائد ، وهي شخصيّة ثابتة ، مكتملة الصورة ، لم تتغيّر إلا في مشهد واحد ، هو مشهد الحلم التخيّلي ، الذي افترضته الرّاوية محتملَ الوقوع ، عندما رأت نفسها ، تقع في الرذيلة مع الدّكتور الجامعي ، فكان ردّ فعل الأمّ غير متوقّع بل تحوّل إلى مشهد تراجيدي كاد يصور شخصيّة الأم في هيئة الشيطان الرّجيم ، الذي ليس في قلبه شفقة ولا رحمة ، دور الأب كان هامشيّا ، اعتمد على استحضاره في مخيال التذكّر وحسب .. !
زميلة الغرفة في الإقامة الجامعيّة هي أيضا كانت مكمّلة للدّيكور العام فلم يزد دورها على استقبال زميلتها نجاة ، والإيحاء إليها بأنّها غارقة في الرذيلة إلى الأذقان وأنّ العالم الجديد الذي يعيشان فيه في الجامعة هو عالم لا يعرف حدودا ولا حواجز أمام الشهوات والمحرّمات ، المهم أن يقضي الفرد فيه وطره ، بغض النّظر عن العادات والتقاليد أو شرائع الدّين.. !
لم تنغمس الراوية ( البطلة ) في التعرّض إلى البعد السياسي إلا بشكل محتشم ، بين المشاهد ، مثل الحوار الذي كان يجري بين راكبي سيارة الأجرة ، أو ما دار من حوار بين ( نجاة ) والدّكتور الجامعي حسيب الهمامي..
المعمار الفنّي في الرّواية:
أتقن المؤلف نسج المعمار الفنّي في هذه الرواية ، إذ اعتمد على جملة من التقنيات السّردية ، تجعل القارئ يقرأ بلهفة وشوق ، ولا يشعر بالملل ، بل لا يتوقع ما سيأتي من أحداث إلا في حدود ضيقة وقريبة جدا من الحدث الآني.. !
ومن تلك التقنيات الفنيّة نرصد العناصر التالية:
تقنية الاسترجاع:
وقد طغت على الحجم الأكبر للرواية ، وهي تقنية ناجحة غالبا ، لأنّها من خصائص الإنسان الطبيعيّة والملازمة له حتّى في أحداث حياته اليوميّة ، فما بالك إذا كانت البطلة ، تعيش صراعا مريرا مع مرور الزمن وانخرام أيّام العمر سريعا ، بلغت السابعة والثلاثين ولم تنل إربها من الزواج بعدُ ، وهذا السّن بالنّسبة لمجتمع شرقي متدين يعتبر سنّ عنوسة بامتياز.. ومن بلغته من الفتيات يشار إليها بأصابع الريبة دون شكّ..
ومن هنا تأتي تقنية الاسترجاع لتستعرض ما مرّ من أيّام ، وما فات من فرص ، وما لم تهتبله من مشاهد رومانسية وعاطفية كان الأحرى بها أن تعيشها بكامل عنفوانها وحميميّتها ، ولكنّها الآن تعظ أصابع النّدم على ما فاتها ، وما تركته ينسرب من بين أصابعها ، لكنني لا أتوافق مع الكاتب أو ( السّاردة ) بالأحرى أن يكون الهاجس الجنسي هو المحور الأساسي لمعاناتها ، بل جعلت الهمّ السياسي يأتي في الرتبة الثانية بعده ، وهي تبرر ذلك بالرّكون إلى نظرية عالم النّفس الألماني فرويد ، إلا أنّها في ختام الرواية بعد بزوغ فجر الثورة ، تخلّت عن كلّ ذلك وحسبته همّا شخصيّا ، مجرّد همّ شخصي ، وانخرطت مع جماهير الشعب في الهمّ العام .. !
تقنيّة الحوار:
الحوار من العناصر التي تسجّل حضورا قويّا ومستمرا في عملية السّرد الروائي ، وهذا الحوار يتعدد في أشكاله وأنواعه ، فهو أحيانا حوار مع طرف ثان في الرواية ، وأحيانا يكون حوارا مع الذّات ، وفي حالات أخرى يكون حوارا مع كائنات أخرى من غير الأحياء ( مثل حوارها لليوميّة المعلّقة على الجدار ) ، يضفى عليها الحياة ويتواصل معه أبطال الرواية بشكل ( غرائبي ) ، ومن كلّ ذلك احتوت رواية ( توق يحاصره الطّوق ) ، فالمؤلّف متمرّس بأساليب السّرد الروائي ، ويعلم متى يستدرج القارئ ويحبسه في لحظته السّردية حتّى يتشبّع بها..
حوار البطلة مع ذاتها في هيئة مونولج أو حوار صامت أو حوار داخل عالم الاسترجاع ، وحوار في حالة التخيّل أيضا ، بمعنى أنّ الحوار مع الذّات كان منوّعا بشكل كبير وغنيّ جدا ، ما أسهم في رسم أحداث الرواية من زوايا متعددة ، لا من زاوية السّرد البارد ، الذي يعتمد صيغة الماضي باستمرار ، ويتكئ دوما على ضمير المتكلّم لا غير ..
ومن أمثلة حوارها مع الطرف الثاني حوارها مع بطلي الرواية الرديفين ( حسيب الهمامي وأحمد حامد ) وكان فيه نقاط مثيرة ومشوّقة نكتفي بإيراد هذا المثال من حوارها مع الهمامي :
" أردت مرّة أخرى أن أقطع عليه استرساله حتّى لا يسرد عليّ المصحف كلّه فأكملت:
- وهكذا جعل الله لمريم مخرجا من محنتها وقد نطق الرّضيع طالبا البرّ بوالدته ، ويُعلم المعترضين أنّه نبيّ ، وأنّ السّلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيّا ، لكن ما علاقتي أنا بكلّ هذه الأبعاد ؟ !!
- أنت .. أنت مسلمة لا شكّ ... وأنت تحملين في جوانبك من ريحان الأمانة ريحانة.. وهذا يجعل من أخوّتي لك واجب رعايتك.
وهكذا أدركت كيف لمثل هذا الأخ أن يقتحم حتّى الأسوار المغلقة ذات الأبواب الموصدة .."
إنّه حوار الذّئب مع العنزة الذي يريد أن يصير لها أخا ويحميها بأنيابه ، ولكن هل هذه الصورة العامة لكلّ متدين على هذا النّمط ، أم هو الشذوذ الذي لا ينبغي أن تبنى عليه قاعدة ، حتّى وإن كانت قسوة التجربة التي مرّت بها البطلة تجعلها ترى في ذئبها ( هذا ) ، صورة لكلّ شخص مَاثَلَه في الهيئة والفكرة والاتجاه ، حتّى وإن كان بريئا من نيّة أكل لحمها كبراءة ذئب يوسف..
وليكن المثال عن حوارها مع القارئ ، وهو نهج اتبعه المؤلّف ليكسر روتين السّرد الذي يفرض على القارئ المتابعة من خارج النّص ، فيعمد إلى إقحامه فيه وهي تقنية أخرى سنتحدّث عنها بعدُ ، تقول البطلة في ص 45:
" يبدو أنّي فرّطت في خيط حكاية سيرتي ... واغفروا لي هذا الانفلات الذي يحدث دائما عند الماكث في حيّز لا يتغيّر .. وهو ليس داخل حدود ومغالق تحكم حركته.."
والنمط السّائد من الحوار هو حوراها مع نفسها ، الذي احتلّ الحيز الأكبر من أحداث الرواية ، تقول في وقفة ما مع الذّات مستنطقة وجهها في المرآة :
" خطواتي في تسارع تدفعني إلى غرفتي. أوّل وجه اعترضني وجهي في مرآة دولاب ملابسي ، فهاجمني بالأسئلة:
" هل تراه أمعن في هذا الوجه الشّاحب ، الجاف ، الكالح ، والمصفرّ بفعل الانطواء والجوع.. هل تراه نظر فيه وحدّد أجزاءه ؟ ! وهذه التجاعيد الزاحفة على العنق ، واللون الدّاكن حول العينين ! أتراه التقط ببصره هذه الشعيرات الفاقدة للونها الأسود ..؟ ! "
ومن العناصر التي زخر بها المعمار الفنّي لرواية ( توق يحاصره الطوق ) يمكن أن نظيف ( الصور الفنيّة / تقنية التناص ).
الصور الفنيّة:
ما يسرّ الناظرين في أيّة رواية هو جمال التصوير فيها ، الذي ينبغي أن يتوفّر على صور فنيّة غير اعتيادية، صور تكثّف الفكرة وتقدّمها في مثل باقة الورد تُشمّ ويُتمَلّى بهاؤها ، وتؤجج عواطف القارئ وتثير حواسّه..
ومن تلك الصور التي حفلت بها رواية المحسن بن هنيّة ، يمكن أن ننتقي هذه الباقة :
الصّورة الأولى:
تقول بطلة الرّواية ( نجاة ) واصفة الدّكتور حسيب الهمامي الذي زار بيتهم فجأة بعد سنوات طويلة من الانقطاع ص 58:
" أما يزال المصباح المضيء الذي ترفّ حوله الفراشات ... أما يزال كما هو لا يعبأ بأجنحة الفراشات الخافقات نحوه والتي تنتهي إلى الاحتراق..ألست أحد الفراشات التي كان نوره ينزل عليها بردا وسلاما..؟ !! "
في هذا المشهد الدرامي البليغ تصف البطلة حسيب الهمامي بأنّه كان يستقطب الفتيات في الجامعة بشخصيّته القويّة ، وبحكم صيته الذي بلغ الآفاق ، فيقعن في حبائله ويؤخذن بالتوهج المنبعث من شخصيته ، ويقعن في اللهب ويحترقن مثل الفراشات التي تنقضّ في النار في نهاية المطاف..
صورة قويّة ومعبّرة ، تبلغ الفكرة بأجمل أسلوب ، حتّى وإن كانت تعبّر عن مشهد مأساوي مؤسف..! ولا شكّ أنّ هذه الصورة تحمل في طيّاتها شيئا من التناقض العنيف ، إذ عبّرت البطلة في نهايتها أنّها هي نفسها وقعت في الشرك ولكن بشكل مختلف " ألست أحد الفراشات التي كان نوره ينزل عليها بردا وسلاما..؟ !! "
وهذا التناقض يعبّر بلا شك عن تجربة اللّذة القاتلة ، اللذة المردية في الأتون، تشعرها بالمتعة ولكن نهايتها وبال..
الصّورة الثانية:
وربّما يفسّر لذة ( الاحتراق ) تلك قولها في ص 54 عن المحسن الهمامي:
".. هنا عاودتني من ذكراه جنائن حلم ..كنت قد زرعته داخل روابي وأودية مشاعري وعواطفي.."
كانت ترى في بطلها هذا الفارس الحلم ، ولذلك صوَّرته أو صوّرت حياتها المنتظرةَ معه كأنّها جنائن حلم ، وهذه الجنائن زرعتها في روابي مشاعرها وعواطفها.. تعبير مجازي كأبلغ ما يكون.
وهو مشهد تصويري مضخّم يحوّل الحلم القائم بالذّات إلى جنائن يمكن أن تزرع وتنضج ، وتعطي ثمارها بعد حين ، إنّه تجسيد المعنوي المحسوس ، بالمادي الملموس والمرئيّ ، طريقة فنيّة في التعبير عن الأحداث بأسلوب الشعراء.. !
الصورة الثالثة:
تقول البطلة دائما في حوار ذاتي مع نفسها ص 60:
" صوت أمّي يقطع عليّ انحداري مع الذّكريات الماضية ، وإيغالي في غابات عبرت أفق أيّامي المرتحلة.."
تشبّه البطلة ( السّاردة ) ذكرياتها كأنّها غابات عبرت أفق أيّامها ، ودلالة الغابة تشير إلى عنفوان الأسرار وتنوّعها وإيغالها في الغموض ، وربّما التوحش ، بمثل ما تحتوي عليه الغابة من كلّ ذلك، وهذا التعبير أقوى دلالة من التعبير الواقعي المباشر ، الذي يستحضر الذكريات كما هي بحلاوتها ومرارتها دون أن يلقي عليها غلالة من ألوان المشاعر ، التي تراها بغير العين التي يراها بها من لم يعايشها ويستشعر رهبتها ورغبتها.. !
الصورة الرّابعة:
في موقف مربك ومحرج في وقت واحد تحذّر البطلةَ صديقتُها ( سالمة ) أن تذكر اسمها الحقيقي في الوسط الجامعي ، لأنّها غيَّرته بما يناسب الوسط الجديد الذي صارت تعيش فيه ، وقد اتخذت لها اسم ( سوسن ) ، تقول ( الساردة ) ص 136:
"ابتلعت ارتباكي محاولة السباحة في هذا الموج المتعالي على صخوري.."
هي تشير إلى قوّتها وصلابة شخصيتها ، كأنّ لها صخورا تحميها من عاديات الدّهر ، لكن رغم ذلك فإنّ موج الأحداث يعلو حتّى يرتفع فوق هذه الصخور ويتجاوزها ، بل يحاول تحطيمها ، إنّه قمّة تصوير المعاناة ، ومواجهة مصاعب الأيّام ونُوَبِ الدّهر.. !
والرّواية بصفة عامة حافلة بصور فنيّة متنوّعة ، ما جعل منها تشبه ورشة فنان تشكيلي ، رسمت لوحاتها بأحرف مضيئة ، وكلمات دافقة بالحركة والحياة..
ثراء النّص بالتناص:
عجّت الرواية بالتناص بمختلف أشكاله وأنواعه ، فجعل من الرواية حديقة غنّاء ، وبستانا زاخرا بمختلف الأساليب الفنيّة البديعة ، وجاء التناص مع القرآن والحديث والشعر والتراث العربي الغنيّ ، وهذه أمثلة منه منتقاة:
يقول المؤلّف على لسان بطلته في ص 54 :
" وبالمقابل لديّ قوّة عقل ونفاذ بصيرة وجسد سليم قادر على الضّرب في الأرض... أليس " أرض الله واسعة " وإذا سُدّ باب نطرق باب "
وفي هذا التعبير تناص واضح ومقصود بشكل دقيق من المؤلف مع قول الله تعالى في القرآن الكريم:
" إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا " سورة النّساء الآية 97.
وهي محاولة من الراوية للخروج من مأزق عزلتها مستعينة بهذا المتح الذهبي من القرآن الكريم ، وفي تناص آخر ص 91 ؛ يقول المؤلّف على لسان حسيب الهمامي في حواره مع ( نجاة ) في رؤياها التي رأت بين اليقظة والمنام :
" عساه يكون كعيسى المكتمل في لحظات . ودفع أمّه إلى جذع النخلة ، انظري عندي نخلة في الحديقة فإذا جاءك المخاض مدّي يدك إليها سيتساقط عليك من الرّطب ما يغذّيك .."
وفي هذا المشهد نوع من السّخرية من الذّات ، وجلد لها – حتّى في الحلم – إذ تحاول أن ترى مآلات احتمال وقوعها في الخطيئة ، وكيف سيكون موقف الدّكتور الجامعي (سي حسيب الهمامي) منها إذا هي حبلت ، من غير زواج ولا علاقة شرعيّة، والتناص مع قصّة مريم وقصّة يوسف وكذلك قصّة موسى عليه السّلام وكثير من القصص القرآني ، أسلوب شائع في النّصوص الإبداعيّة الحديثة ، ولا يكاد يبلى على التكرار ، وتناسله من مبدع إلى آخر ، ذلك أنّه يستمدّ قوّته من نصّ لا ينفد عطاؤه.. !
ويستمرّ هذا التناص إلى أن يعبّ من معين آية أخرى في ص 96 ، إذ تقول الرّاوية ( السّاردة ):
" ولكن أنّى لي أن أفجّرها في وجه من حملتني وهنا على وهن ، وأرضعتني حولين ..والجنّة تحت قدميها.."
وفي هذا المقطع من الرواية تناصّ مع ثلاثة نصوص دينيّة ، اثنان من القرآن الكريم وهما قوله تعالى:
" وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ" سورة لقمان الآية 14.
هذا في جانب والجانب الآخر مع قوله تعالى:
" وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ " سورة البقرة جزء من الآية 233.
أمّا الثاني فهو تناص مع الحديث المنسوب إلى الرّسول صلّى الله عليه وسلّم:
" الجنّة تحت أقدام الأمهات ".
ونحتم أمثلة التناص بهذا الأنموذج من صفحة 99 :
" .. هي الآن كائن قائم بذاته... سويّة تفعل ما يحلو لها .. أليس كلّ نفس بما كسبت رهينة..؟؟ "
وواضح أنّها تأخذ صيغتها من قوله تعالى:
" كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ " سورة المدّثر الآية 38.
غَناءٌ فنّي:
ولا تقف الرّواية عند هذه العناصر الفنيّة الهامّة والمثرية للنّص الروائي ، بل هناك عناصر أخرى كثيرة يصعب تقصيها وحصرها ، إلا من خلال دراسة علمية شاملة تنبش في طوايا النّص وتبحر في عباب أمواجه ، لكن يمكن أن نشير إلى بعض تلك العناصر بشيء من الإيماء والإيجاز غير المخلّ ، فنذكر منها :
التطريز الشعري
حفلت الرواية بكثير من عيون الشعر العربي وفي مقدّمتها أبيات من قصيدة أبي القاسم الشابي التي كانت شعار الثورة التونسيّة الأخيرة:
إذا الشعب يوما أراد الحياة * * فلابدّ أن يستجيب القدر.
وكذلك قول المستنجد بالله العبّاسي من قصيدته التي غنّاها ناظم الغزالي:
إن شابت الذّوائب * * فاللّيالي تزيّنها الأقمار
ومطلعها:
عيرتني بالشيب وهو وقار * * يا ليتها عيرتني بما هو عار
وقول الشاعر الحصري القيرواني:
يا ليل الصّب متى غده * * أقيام الساعة موعده ؟
التوشية بالأمثال والحكم :
في الرّواية أيضا زخم كبير من الأمثال والحكم منها الفصيح ومنها العامي استعان بها الكاتب على بناء نصّه ، ونسج أحداث روايته ، منها في ص53 :
قول أمّ البطلة لها :
" يفرجها اللي ما ينام الليل"
وفي ص 141 :
" الغراب حب يمشي مشية الحمام ضيع مشيته "
وفي ص 147 :
" وزادت لمراكبي الطين بلّة " ، وهو مثل عربي شهير ومتداول على الألسنة إلى يومنا هذا ..
الرواية تعالج مرحلة هامّة ومفصلية في تاريخ تونس ، وقد دبّجها المؤلّف بكوكتيل فنّي زاخر زادها سحرا ونضارة .



نشر في الموقع بتاريخ : الجمعة 30 محرم 1439هـ الموافق لـ : 2017-10-20



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

ايام لها حضور بالتاريخ

17 أكتوبر 1961 اليوم الوطني للهجرة

.
مواضيع سابقة
ندوة احاديث العشيات
بقلم : جيلالي بن عبيدة
ندوة احاديث العشيات


رشيد موزاوي مخترع جزائري يخترع برنامج الأول من نوعه عالميا يكشف عن الكذب
بقلم : الكاتب عبد الكريم الجزائري
رشيد موزاوي مخترع جزائري يخترع برنامج الأول من نوعه عالميا يكشف عن الكذب


ومن وحي المدرج
الدكتور : بدرالدين زواقة
ومن وحي المدرج


"كتاب القول الأوسط في أخبار بعض من حَلَّ بالمغرب الأوسط"
بقلم : علجية عيش



وتعلم كــــم أنت عندي
بقلم : اسماعيل عريف
وتعلم كــــم أنت عندي


حُقَّ لنا
بقلم : فردوس جبّار
حُقَّ لنا


يا فتى لك في ابن باديس قدوة
بقلم : : جمال الدين خنفري
يا فتى لك في ابن باديس قدوة


تعريف بالكاتب الجزائري مالك شبل
بقلم : الكاتب عبد الكريم الجزائري
تعريف بالكاتب الجزائري مالك شبل


دروب شائكة (ق.ق.ج)
بقلم : المختار حميدي (خالد)
دروب شائكة (ق.ق.ج)


صحافي إسرائيلي ينتحل شخصية "ناشط إسلامي" ويفبرك حلقات وثائقية عن "الخطر الإسلامي " في الغرب !!
بقلم : محمد مصطفى حابس: جنيف/ سويسرا
صحافي إسرائيلي ينتحل شخصية




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1439هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com