أصوات الشمال
الثلاثاء 7 صفر 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * الشدة المستنصرية   * اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى يفتتح موسمه الثقافي   * مقطع من روايتي" قلب الإسباني "   * فجيعة الوطن العربي الكبرى   * وليد عبد الحي: السلوك العربي أنتج منظومة فكرية غرائزية متكاملة   * في رحابِ الموعـــد..!   *  في عدمية النص الفلسفي الغربي و موضة الإتباع... إيميل سيوران نموذجا عابرا   * العدد (50) من مجلة "ذوات": "السوسيولوجيا العربية في زمن التحولات"   * 13 سنة تمر على رحيل الشاعرة و الروائية نجية عبير   * شاعرة حالمة ... قراءة في تجربة ريتا عودة الشعري    * أنا و الآخر   * الودّ المعرفي   * قصائد نثرية قصيرة   * لضَّاد و نزف الرَوح   * قصة قصيرة جدا / كابوس   * للحرية عيون مغمضة   * مَنْ يَكْبَحُ جِمَاحَ الْمُتنمِّرِينَ..؟! / وَمَنْ يَنْتَشِلُ الأسْتَاذَة..؟!   * عادل عبد المهدي   * استعجلت الرحيل   * بلا دبابة..فرنسا تحتل الجزائر؟؟    أرسل مشاركتك
الترجمة الأدبية- بين الحرفية والنسقية ، ترجمة بديعة أمين لمقال سيدارثا البطل المكتمل لأدوين كاسبير أنموذجاً
الدكتورة : هناء سليم غانم /بغداد
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 1022 مرة ]
الشاعرة الدكتورة هناء سليم

إنَّ ترجمة بديعة أمين لدراسة (كاسبير ) النقدية تكشف عن دقة متناهية تجمع الترجمة الحرفية والنسقية معاً في إناءٍ واحد, وتكشف لنا أيضاً إنَّ ثقافة بديعة أمين وثقافة أدوين ف.كاسبير ,الناقد المُترجَم لهُ, قد استسقت المياه من البئرِ نفسها .فالناقدة أمين تعوّدت السفر كثيراً في تلكَ الحِقبة مما أتاح لها الاطلاع على ثقافات العالم المختلفة ,ومن هنا, جاء اهتمام الفلاسفة للترجمة بوصفها قضيّة فلسفية ؛لأنَّ اللغة إحدى تجليّات الفِكر,بل أنّها وسيلة للتفكير التي تحدّد رؤية الإنسان للعالم ( ) ,فلا تقتصر فائدة الترجمة على إثراء الثقافة المتلقية وإنّما تمتدّ ,كذلك, إلى خدمة الثقافة التي نُقِلت منها النصوص " فالترجمة تهب النصّ الأصلي وجهاً جديداً وتمنحه حياة جديدة في محيط ثقافي جديد فيصبح النقل اللغوي انتقالاً وتحولاً وتلاقحاً للمفاهيم والأفكار في أفضية مُتجددة وعوالم متكاثرة" ( ) ولعلَّ ترجمة بديعة أمين لهذهِ الدراسة تكشف تمكنّها من تقنيّات الترجمة وتوفّر أدواتها للناقدة في كنف تحليل الخطاب أيضاً .

ويذهب القاسمي إلى أنَّ ترجمة الأعمال الأدبية تتطلب من المترجم تخصصاً في الجنس الأدبي الّذي يترجمه ,وإلماماً بالمجال الموضوعي الّذي يتناوله ومعرفة بثقافة المؤلف الأصلي ,وحضارة العصر الّذي عاش فيه , واستيعاباً لأسلوب الكاتب وتقنياته في الكتابة ( ) ولعلّ هذا ما فعلته بديعة أمين تماماً في ترجمتها *لدراسة نقدية كتبها ادوين .ف.كاسبير(Edwin.f.casobeer)عن رواية سيدارثا لـ(هيرمان هيس Hermann Hesse) الكاتب الألماني والّذي يعد واحداً من عمالقة الأدب الغربي المعاصر .فيجد القارئ إنَّ الكاتبة ناقدة ,وتترجم مقالة نقدية لناقدٍ أمريكي يقدّم دراسة نقدية لرواية أدبية تهتم بالفلسفة الهندية القديمة,و هي,هنا,لا تهتم بترجمة مقالٍ أدبي بقدر ما تهتم بنقل أفكار ثقافية إنسانية تمارس حقّها في الجدل الكوني الإنساني وعلاقة الإنسان بالكون,تقول: " ولابُدَّ من الإشارة هنا إلى أنَّ (سيدارثا ) تستند إلى الفلسفة الهندية, وهي تتناول التطوّر الروحي الّذي يتعرّض له البطل الّذي يحمل نفس الاسم من خلال التجربة الفكرية والحِسيّة , وهي تتبنّى ,بشكل أساسي, العلاقة الدايلكتيكيّة بين الإنسان والكون " ( ).
والكاتبة"بديعة"هنا تبين فِكرة الرواية وقيمتها الثقافية في آن,ثمَّ تحدّد سبب اختيارها لترجمة هذهِ الدراسة مبيّنه أنّها تتوغّل ,من جهة, في أعمال الفلسفة الهندية ,وهي تعكسُ,من جهةٍ أُخرى ,قضيّة مهمّة ألا وهي قضية التفاعل الجديد بين الثقافات الشرقية والغربية والدور الّذي تلعبه الفلسفة والثقافة الشرقية في المسار الثقافي في الغرب, وفي نظرة الفرد الغربي الّذي يعاني من ضغوط الحضارة التكنولوجية , إلى العالم,تضف إلى ذلك حقيقة اننا بحاجة ماسة ,كما تظن , إلى الاطلاع على نماذج جيدة من النقد الأدبي والفنّي العالمي ( ). وتفرض الأمانة العلمية سلطاتها على مبادئ المترجمة ,حينما تشير ,في الختام,إلى أنّها قامت بحذف فقرات محدودة جداً من هذهِ الدراسة نظراً إلى أنَّ المترجمة وجدت أنّها لا تتعلّق بصلب الموضوع,كما لا تتعلّق بالجانب النقدي والفِكري, وإنّما يمكن أن تعتبر معلومات تكنيكيّة, أو أنّها لا تعدو كونها مصطلحات بوذيّة أو برهميّة . ولا ضرورة هناك لإبقائها ؛ من حيث أنها تربك القارئ الّذي لم يسبق له الاطلاع عليها. ( )
إنَّ ترجمة بديعة أمين لنصوص رواية سيدارثا, تبيّن تمكّنها ,الاسلوبي والثقافي لا اللغوي فحسب, للغة الانكليزية,.ولهذا فائدته؛فمعرفة المترجم ثقافة الشَّعب الّذي يُترجِم من لغتهِ,وانعكاس تلك الثقافة على اللغة,أمرٌ يجنّب المُترجِم الحرفيَّة,ويجعله يعطي صورة دقيقة للمُراد من مفردات تلك اللغة وتعبيراتها( ).و يتّضح ذلك في ترجمتها لقول سيدارثا ,بطل الرواية:
"سأتعلّم من نفسي ,سأكونُ تلميذ نفسي؛
سأتعلّمُ من نفسي سِرَّ سيدارثا (ص32)" ( )
"وتولد الرؤية قشعريرة ثلجية داخله,لقد ارتجف داخلياً كحيوانٍ صغير...في تلك اللحظة, حين ذابَ العالم المحيط بهِ’ ,حينَ وقفَ وحيداً كنجمٍ في السماوات غمره شعور بيأس ثلجي , غير أنّه كان نفسه بشكل أكثر رسوخاً من أي وقت مضى .كانت تلكَ الارتجافة الأخيرة ليقضتهِ’آخر آلام المخاض"( ). أمّا هوامش المُترجِمة,فاتسمت بالتفسير والتوضيح لبعض المصطلحات وأسماء المعتقدات الهندية القديمة التي تبدو جديدة على القارئ . وتكشف عن ولع المترجمة بدراسة الديانات المقارنة وثقافة فلسفتاها,تقول في تفسيرها (للنيرفانا)" السعادة القصوى التي تتخطّى الألم , والتي يتم الوصول إليها,كما تقتضب البوذيّة, عن طريق قتل الشهوات , وفي الهندوسية تعني , انطفاء شعلة الحياة والاتحاد الكلّي مع روح الكون أما بالنسبة للبرهمية ,[تعني]( ), تلافي الألم والكراهية والغِلال من القلب"( )
إنَّ ترجمتها لدراسة (كاسبير ) النقدية تكشف عن دقة متناهية تجمع الترجمة الحرفية والنسقية معاً في إناءٍ واحد, وتكشف لنا أيضاً إنَّ ثقافة بديعة أمين وثقافة أدوين ف.كاسبير ,الناقد المُترجَم لهُ, قد استسقت المياه من البئرِ نفسها .فالناقدة أمين تعوّدت السفر كثيراً في تلكَ الحِقبة مما أتاح لها الاطلاع على ثقافات العالم المختلفة ,ومن هنا, جاء اهتمام الفلاسفة للترجمة بوصفها قضيّة فلسفية ؛لأنَّ اللغة إحدى تجليّات الفِكر,بل أنّها وسيلة للتفكير التي تحدّد رؤية الإنسان للعالم ( ) ,فلا تقتصر فائدة الترجمة على إثراء الثقافة المتلقية وإنّما تمتدّ ,كذلك, إلى خدمة الثقافة التي نُقِلت منها النصوص " فالترجمة تهب النصّ الأصلي وجهاً جديداً وتمنحه حياة جديدة في محيط ثقافي جديد فيصبح النقل اللغوي انتقالاً وتحولاً وتلاقحاً للمفاهيم والأفكار في أفضية مُتجددة وعوالم متكاثرة" ( ) ولعلَّ ترجمة بديعة أمين لهذهِ الدراسة تكشف تمكنّها من تقنيّات الترجمة وتوفّر أدواتها للناقدة في كنف تحليل الخطاب أيضاً .
إنَّ تحليل الخطاب إجراءٌ فعّالٌ في حضرة الترجمة,ويحوله,فضلاً عن ذلك, إلى تخصصٍ يُدارسُ اللغة بوصفِها نشاطاً مُثبتاً في سياق ما ينتج وحدات عِبر- جملية , وبوصفها استعمالاً للغة لغايات اجتماعيّة وتعبيرية ومرجعيّة وعليهِ فإنّهُ " كلّما تكرسّت الأبعاد التداولية واتضحت معالم المقامية للخطاب ,اقترب الأمر من جوهر الترجمي , وسهّلَ على المترجِم اجتراح طريقة محددة في نسخة اللغة الهدف" ( ) ذلكَ لأنَّ" الترجمة ليست عملية استبدال علامات لسانية بعلامات من نظام لساني آخر , بل أنّها عملية تقع في معمعة المقام التواصلي على خط الإصدار والتلقي " ( ) لقد أضحى الإيمان راسخاً بأنَّ اللغة وعاء الثقافة , ولا يمكن تصوّر أيّة رسالة بمعزلٍ عن القالب والسياق الثقافي الّذي ترد فيه "وفي الحقيقة إنَّ المرء لا يُترجم لغات , بل يترجم ثقافات " ( ) .
وفي ترجمتها لبعض النصوص من كتاب (مذكرات يهودي مُعادٍ للصهيونية) للمناضل اليهودي,حسب وصفها,د.آلمر برغر( ) تبيّن بديعة أمين ,أولاً ,سبب اهتمامها بتلك المذكرات بقولها :" كتب المذكرات تمتلك عادةً اغراءً خاصاً للقارئ الّذي يهتم بالمجال أو الحقل الّذي يتحرّك فيه كاتب المذكرات ,و لهذهِ الأخيرة أيضاً نكهة لا يستطيع القارئ أن يحس بها حتى وإن كانت خفيّة بين ثنايا الكلمات وفي ظِلال السطور" ( ) .إذن شُغِفت الناقدة المترجمة في ,تتبع خفايا المذكرات وكشف مضامينها المُستترة ما يخدم ما تطمح إليه الكاتبة أو يخدم مجال دراستها في تتبع النمط الفِكري للأدب الصهيوني ,كان هو الدافع الأساس والغاية الرئيسة التي تقف وراء هذهِ الترجمة . وتكمل الناقدة " كما انَّ [البعض]* منها قد يظل محتفظاً بالقدرة على ممارسة تأثيرات لا يُستهان بها في هذا المنحى أو ذاك في الميدان الّذي يتحرك فيه الكاتب ,أو إن له القدرة على أن يضيء جوانب معتمة مما يسهم بشكل أو بآخر في تنشيط حركة الآخر المُمتد في الزمن الآتي " ( ) .
ويستطيع كل من يقرأ هذهِ الترجمة أن يلمَح أنّها قراءة مكمِّلة لكتابيها "الصهيونية ليست حركة قومية 1987" و"المشكلة اليهودية والحركة الصهيونية 1974. فهي تفرّق في ترجمتها هنا بين الصهيونية واليهودية وتبين أنَّ من اليهود من هم معادين,بطبيعتهم, للصهيونية, ثمَّ تبين المترجمة هنا السبب الرئيس الّذي دفعَ "برغر"إلى الانطواء تحت راية مُعاداة الصهيونية( ).وتهتم بديعة أمين ببعض النصوص التي تؤكد منطلقها وتسمو بها قضيتها متخذةً من التوثيق الحدثي التاريخي وذكر بعض الأماكن والأسماء منهجاً لها أو معياراً لاختيار النصوص المُراد ترجمتها ,فقدّمت هذا الكتاب للقارئ العربي ؛لِما فيه من اضاءات مُلهمة .غير أنَّ بديعة أمين لم تتخذ من الطريقة المألوفة في مجال قراءة وترجمة المذكرات منهجاً لها ." حيثُ أنَّ مناقشة كتب المُذكرات تبدو غير معقولة من حيث أنَّ مثل هذهِ الكتب تتناول أحداثاً أو وقائع أو قناعات مضت" ( ) لِذا نرى المترجِمة تركز ,بالدرجة الأولى, على ترجمة وإيجاز بعض النصوص التي قد تسهم في فهم بعض الحقائق, وفي الإطلاع على جوانب غير معروفة في النضال الذي يخوضه اولئك الّذين يؤيدون القضية الفلسطينية ضد اليهودية .
كانت ترجمتها حرفية عن اللغة الانكليزية غير أنّها كانت ترجمة انتقائية اختيارية لبعض النصوص والأحداث والوقائع التي تجد المترجِمة أنها وثائق مهمة , كانت ترجمة موضوعية تبتعد عن الانحيازية ,فالكاتبة بديعة أمين تنتصر فيها للدكتور"آلمر برغر" على الرغم من كونه يهوديّاً, كما انَّ ترجمتها ترجمة علمية تتسم بالجرأة السياسية ذات لغة تحريضيّة بليغة ورصينة ,أمّا قراءتها لها فتتسم بالدقة , والتقاط الرموز والأحداث وكشف مابين السطور ,مما يعطي صورة لباحثة جادة ومترجمة دقيقة في هذا المجال. ولعلَّ النصوص, ونحنُ نتحدّث دائماً في إطار ترجمة الأعمال الأدبية , لِما يضمنه النصّ الأدبي في توجهات سياسية أو دينية أو أجنبية أو إيديولوجية , ذات الاتجاه السياسي , خاصة تلك التي تحمل أفكاراً معارضة للنظام أو نصوصاً مناهضة للاستعمار هي مجالٌ قد يكلّف المترجم حياته إن حدث وإن جازف بعدم إجراء بعض التعديلات على النصّ أو اللجوء مباشرة إلى حذف بعض الأفكار ,لكن في المقابل, نجد مترجمين يتعمدون تشويه أقوال الكاتب الأصلي ,خاصة إذا ما كانوا ينتمون إلى ثقافةٍ غربيةٍ غير اسلامية , وينقلون نصّاً من العربية إلى إحدى اللغات الغربية ويتصرّفون في محتويات النصوص على أساس ذاتي ومتحيّز مطلق " وهذهِ نماذج تظهر خاصة في سياق الصراع العربي_الاسرائيلي القائم , وقد يتبنّى هؤلاء الاتجاه نفسه في أثناء نقل النصوص التي تغلب عليها المظاهر الدينية الاسلامية ,في خضم ما يسمّى بحرب دولهم على الإرهاب , ونادراً ما تكون الذاتية هنا ناتجة عن سوء فهم اللغة الأصل , ولكن نابعة من حب السيطرة والعنصرية وخدمةً لمصالح أُخرى " ( ) .
وبديعة أمين بعيدة عن هذهِ الذاتيّة في الترجمة, ولعلَّ خير دليلٍ على ذلك قراءتها لمذكرات آلمر برغر ,كما رأيناها قبل قليل , وقراءتها لقصة "في مستوطنة العقاب " لفرانز كافكا( ) و"بنو آوى وعرب ,محاولة قراءة الفكر السياسي لكافكا( ) إنَّ المُترجِم صوتٌ لا يُخرَس صداه ,ولكن صاحبه لا يبرز كالمؤلف؛ كونه الواسطة أو الوسيط بين طرفين, يحملُ إلى الواحد أو الجمهور رسالة الآخر , ويمكن للمُترجِم أن يكون مُبدعاً في اختصاصه عندما يكون متمكنّاً في اللغتين أو أكثر أو متعمقاً في المعنى و المبنى , وقادراً على تطابق المعنيين بدقة وتصوّر مبدع ولغة فصيحة ومُتقدِّمة( ) .والواقع انَّ ترجمة القصة , ومثلها ترجمة سائر الفنون الأدبية , تتطلّب قدراً معيّناً من الانفتاح الاجتماعي والثقافي على أنماط الجِدّة التي تصوّرها هذهِ القصص وتعبّر عنها هذهِ الفنون , وخلق نُخبة من القرّاء مهيّأة لتذوّق ما في الترجمات من معانٍ وصور غير مألوفة وتأمين رواج مناسب للترجمات يكفل نموها واستمرارها ( ). كما أنَّ ترجمة القصة رافقت نشوء الصحف والمجلات قبل أن تزدهر وتُنقل,إذ كانت هذهِ الأخيرة وسيلة فعّالة لنشرها , وكانت القصص المترجمة ,بالمقابل , عوناً فعّالاً لهذهِ الصحف على الانتشار ( )
ولعلَّ اهتمام" بديعة أمين "بالمُتلقي والسعي وراء تثقيفه من جهة , واشتغالها بالترجمة بالصحف والمجلات من جهة ٍأُخرى هو ما دفعها إلى البدء في الترجمة كأوّل عملٍ لها .و عندَ قِراءة أعمال "بديعة" ,في مجال الترجمة , يجد القارئ أنها تميل إلى الترجمة الحرفية في المواضيع الفكرية والعلمية,إذ أنَّ الطرح يكون فيها مباشراً, بينما تميل إلى التكافؤ النصّي,معتمدةً على السياق في النصوص الأدبية والتي تحتاج إلى جمالية اسلوبية قلّما يتمكّن منها المترجِم , وهذا ليس عيباً بحد ذاته بل إنَّ البحث عن تطابق شكلي تام بين أيّة لغتين حتى وإن كانتا تنتميان إلى أسرة أو شجرة لغويّة واحدة ,بحثٌ عبثي" لا يهتم بهِ إلا المترجم الهزيل غير الواثق من نفسهِ ,ومن أدواته الترجميّة ؛ ذلك لأنَّ هذا التطابق [لا وجوداً حقيقياًّ له]( ) ,إذ لو وُجِد لأصبحت اللغتان لغة واحدة"( ).وهذا ما تتولّاهُ الترجمة المكافئة التي جاءَ بها "يوجين نيداNida",والتي تجمعُ بين المنهجينِ السَّابقين على أفضل ما يُمكن ,أي بالمُداخلة والتعديل( ).أمّا البحث عن التكافؤ النصّي فهو بحثٌ فيه كل الجدوى ويمكن أن يأتي بنتائج مدهشة تناصر المدافعين عن جدوى الترجمة , إذا ما تعهّدَ هذا البحث مترجمون متمكنون من اللغتين والثقافتين اللتين يترجمون منها وإليها ( ). و يتبيّن ذلك للقارئ أكثر َ في دراستها لمسرحية " في انتظار غودو" لصموئيل بيكيت ( )وتعيين الرموز المشتركة,والتي تأخذ الطابع العبثي, مع مسرحية "اجتماع شمل العائلة "( ) ل ت.س اليوت . تترجم بديعة أمين ,على لسان هاري في مسرحية التئام العائلة: "لن تفهمي أبداً ..
إنَّ الايضاح سيؤدي فقط إلى سوء فهمٍ أردأ
إنَّ الايضاح سيجعلني أكثر بُعداً عنكِ " ( )
أمَّا ترجمة د.محمد حبيب للنصّ نفسه:
"ماري: أظن أني قادرة على الفهم ,لكن عليك أن تكون صبوراً معي ومع كل الّذين لم يعيشوا تجربتك.
هاري: لو حاولت أن أشرح لما استطعتِ فهمي , سيخلق الشرح سوء فهمٍ أكبر , سيبعدني الشرح عنكِ أكثر "( ) *
يجد القارئ إنَّ الترجمتين متقاربتان نسبياً غير أنَّ بديعة أمين تستخدم كلمة (الايضاح),بينما الأستاذ محمد حبيب يعوّض عنها بكلمة (شرح)من بنية الفعل (أشرح) أولاً , ثمَّ من بنية المصدر,الشرح, ثانياً. وإن شئنا التطابق الشكلي الحرفي يختار القارئ الشرح ؛وذلك لأن التوضيح ما يأتي بعد الشرح,والشرح ما يأتي أولاً, غير إنَّ القارئ المتذوّق سيرى أنَّ ترجمة بديعة أمين مكثفة ومختزلة ترفع راياتها الجمالية في كنفِ ترجمة السياق واسلوبه,فهي تحاول جاهدةً أن تعطي للنصّ المسرحي نكهته الأدبية الفنية باللجوء إلى تكافؤٍ نصّي يعتمد السياق مرجعاً لهُ وقاعدة.أمّا ما تؤخَذ عليه المُترجمة هو اعتبارها شخصية (أجاثا), أغاثا,كما تسمّيها( ) ,شخصية ذكوريّة فتُذكّرها على الرغم من كونها أُنثى,والدليل هذا الحوار بين ماري وأجاثا : "أجاثا: بعد سبع سنين.
ماري: اوه انكِ لا تفهمين !بل تفهمين لكنكِ تريدين أن تعرفي إن كنتُ أفهم" ( ) , ولعلَّ ذلك عائدٌ إلى الضمائر واختلاف السياقات باختلاف حرف واحد في اللغة الانكليزية. تميل بديعة أمين إلى الايجاز مع مُراعاة الاسلوب والكثافة اللغوية في معظم ترجماتها ,وهي بذلك تتبّع اسلوب الروائيين الروس والكتّاب الغرب في دقّة الفكرة, وقصر العبارة( ). وهنا نطرح سؤال لا بُدَّ من طرحهِ حول مديّات الكفاءة وحدود القصور,ودرجة الثقة التي يمكننا أن نمنحها للنصِّ المترجَم, الإجابة عن هذا السؤال ترتبط بنوعية النصّ, أي بهدفهِ وبطبيعة اللغة المستخدمة فيه,فإذا كان الهدف مجرّد توصيل الحقائق العلمية الثابتة والمعلومات الاخبارية العامة خلال لغة مُحايدة لا تثير الانتباه لذاتها ولا تستهدف سوى وظيفتها الإبلاغية بلا زيادة أو نقصان , أي عندما تكون اللغة أُحاديّة المرجع لا تشير فيها الدوال إلا إلى مدلولات محددة لا يبتغي منها غير توصيل مراجعها المتلقي , مجرّدة من أيّة ظِلال ايحائية أو قيم انفعالية إذا كان ذلكَ هو هدف النصّ وكانت تلك هي طبيعة اللغة " فإنَّ مدى كفاءة الترجمة يكون واسعاً , وتكون مهمة المترجم يسيرة لا تكلّفه عناءً كبيراً, لكن الترجمة تغدو مهمة صعبة لا ينبغي أن يتولّاها إلا العارفون بدقائق اللغتين صوتيّاً,ونحويّاً, ودِلاليّاً عندما تتجاوز اللغة في النصّ المُقدَّم للترجمة وظيفتها النفعية الاعتيادية...,وتجلب لنفسها ,أي لأصواتها ومفرداتها وتراكيبها النحوية والدلالية والصورية , من الانتباه ما يفوق أحياناً ,في النصوص الأدبية , والانتباه الّذي تقتضيه مراجعها المحددة ظاهرياً" ( )
وانطلاقاً من قراءة ترجمات هذهِ المقالات والتركيز بالخصوص على المواضيع التي لها صلة مباشرة بالموضوع , استخلصت الناقدة أمين إنَّ رؤية المؤلف تقوم على ثلاثة محاور تمثّل الوجوه المختلفة للعلم والمعرفة , هي :النظرية ,والمنهج, والإجراء . وقد تشكّلت هذهِ الرؤية بفعل الخبرة التي راكمتها الناقدة في مجال الترجمة سواء في ترجمة المقالات والمذكّرات ( ) ,أو في ترجمة الدراسات النقدية الأدبية( ) , أو في ترجمة بعض القصص( ) والروايات الأجنبية ( ) أو في ترجمة بعض الكتب من العربية إلى الانجليزية ( ) أو في كتابة الكتب باللغة الانجليزية مباشرة( ).


ولعلّه يمكننا حصر مواقف النَّاقدة من المُثاقفة الغربية ,نسبةً لِما مثّلنا لهُ سابقاً, بالمستويات الثلاث الآتية :
1- مستوى المرجعيـــــــــــة.
2- مستوى تحليل النصوص.
3- مستوى الاستشهــــــــــاد.


الهوامش

- الترجمة وأدواتها - علي القاسمي 158.
- يُنظر: م.ن ص.ن.
- سيدارثا ،البطل المكتمل -ادوين كاسبير - تر.بديعة أمين - آفاق عربية - بغداد - س4-ع3-ت2 1978 52.
*تقع ترجمة بديعة أمين لهذهِ الدراسة النقدية في اثني عشرَ صفحة.
- يُنظر: م.ن ص.ن.
- يُنظر: سيدارثا ،البطل المكتمل -ادوين كاسبير - تر.بديعة أمين - آفاق عربية - بغداد - س4- ع3- ت2 1978 52.
- يُنظر: فصولٌ في اللغة والنقد- د.نعمة رحيم العزاوي 28.
- : سيدارثا ،البطل المكتمل -ادوين كاسبير - تر.بديعة أمين -آفاق عربية - بغداد - س4- ع3- ت2 1978 57.
-م,ن ص, ن.
- خ/ فتعني.
- م.ن 63..
- يُنظر: الترجمة الأدبية لدى علي القاسمي من النظرية إلى التطبيق ,محمد اليملاحي - مركز النور للدراسات 2162010
www.alnoor.searticle.asb/?id=81336
- الترجمة وأدواتها - علي القاسمي 17.ويثنظر: مهمّة الترجمة,مهمّة الفشكر- عبد السَّلام بن عبد العالي-مجلّة علامات ,جدّة-جـ54-مج14-ديسمبر,2004 8.
- الترجمة في كنف تحليل الخطاب ,اقتراب واصف من المفاهيم ,أ.د.محمد عدلان- الآداب العالمية -اتحاد الكتّاب العرب - دمشق - ع 142- ربيع 2010- س35 25.
-م.ن/ ص.ن.
- نظريات الترجمة وتطبيقاتها في تدريس الترجمة من العربية إلى الانجليزية وبالعكس -محمد شاهين 26.. ويُنظر: فصولٌ في اللغة والنقد- د.نعمة رحيم العزّاوي 28.
- د.آلمر برغر ,كان رئيساً تنفيذياً للمجلس اليهودي الأمريكي والذي أُرغِمَ ,بسبب من الدسائس والمؤامرات الصهيونية , على التخلّي عن هذا المنصب بعد أن تغلغلت العناصر اليهودية في هذهِ المؤسسة ؛لينشئ ,فيما بعد, مؤسسة أخرى تواصل مهمة التصدّي للمناورات المؤامرات الصهيونية وإنقاذ اليهودية من الصهيونية.
- قراءة في مذكرات يهودي مُعادٍ للصهيونية ,د.آلمر برغر- تر.بديعة أمين - آفاق عربية - بغداد - ع- س5- ت2- 1979 116.
*خ إنَّ بعضاً منها :إذ انَّ (بعض) لا تدخل عليها (ال)التعريف.
- قراءة في مذكرات يهودي معادٍ للصهيونية .د.آلمر برغر ,تر.بديعة أمين - آفاق عربية-بغداد- ع3- س5- ت2 1979 116.
- قراءة في مذكرات يهودي معادٍ للصهيونية .د.آلمر برغر ,تر.بديعة أمين - آفاق عربية-بغداد- ع3- س5- ت2 1979 116.
-م.ن ص.ن .
- نظريات الترجمة وتطبيقاتها _محمد شاهين 27.
- يُنظر : هل ينبغي إحراق كافكا ؟ بديعة أمين 135.
- يُنظر: م,ن 247_248.
- يُنظر: الترجمة في خدمة الثقافة الجماهيرية دراسة- سالم العيس 50.
- يُنظر: : الترجمة في خدمة الثقافة الجماهيرية دراسة- سالم العيس 135
- يُنظر: م.ن ص.ن.
- خ/ لا وجود حقيقي له.
- دراسات في الأدب والنقد والترجمة , سليمان داود الواسطي 296.
- يُنظر:أصداء, دراسات أدبيَّة ونقدية- أ.د.عناد غزوان 163.
- يُنظر: دراسات في الأدب والنقد- سليمان الواسطي 296.
- نُشِرتْ هذهِ الدراسة في مجلة الأقلام العراقية _في ع1_س4 شباط 1971, وقد ضمتها الناقدة إلى كتابها "في المعنى والرؤيا_دراسات في الأدب والفن" 12.
- "تعتبر مسرحية "اجتماع شمل العائلة" المسرحية التي نالت العناية الأكبر أثناء كتابتها , ومع ذلك فهي الأكثر تصدّعاً في نتاج إليوت الدرامي , وربما بين كل أعماله تنفذ التصدّعات إلى قلب المسرحية , ومع ذلك فالأفكار التي تناقَش فيها آسرة , وأصيلة , وشجاعة لدرجة أنَّ هذهِ التصدّعات أجدر بالمناقشة من حسنات عملٍ أدبي أكثر نجاحاً تماسكاً" (اجتماع شمل العائلة)ت.س اليوت ,تر.محمد حبيب 5.
- في المعنى والرؤيا - دراسات في الأدب والفن 35.
- اجتماع شمل العائلة , ت.س اليوت , تر. محمد حبيب 104_105.
*المشاهد كلها تحدث في بيت ريفي شمال انكلترا , (هاري) أكبر أبناء السيدة مونشتسي : ايمي- و(ماري) ,ابنة عم بعيدة للسيدة مونشتسي. يُنظر: م.ن 105 .
- وهي إحدى أخوات إيمي دوجر الصغيرات الثلاثة ,يُنظر اجتماع شمل العائلة, ت.س.إليوت تر. محمد حبيب 67.
- م.ن 98.
- يُنظر: في المعنى والرؤيا 47.
- دراسات في الأدب والنقد والترجمة - د.سلمان داوّد الواسطي 293.ويُنظر: فصولق في اللغة والنقد- د.نعمة رحيم العزاوي 25.
- يُنظر: قراءة في المذكرات يهودي معادٍ للصهيونية ,د.آلمر برغر ,تر. بديعة أمين ,سبق ذكره .
- يُنظر: سيدراثا البطل المكتمل,تأليف :هيرمان هيس- دراسة- أدوين .ف. كاسبير تر.بديعة أمين .
- كما هو الحال لترجمتها لقصة (تحريات كلب) و(الحِجر) لكافكا ,يُنظر: هل ينبغي احراق كافكا؟ 279 وما بعدها و 226 وما بعدها.
- ينظر: ترجمتها لرواية (غبار) ليائيل دايان غي كتاب,في المعنى والرؤيا...92, وفي كتاب الأسس الإيديولوجية للأدب الصهيوني ج2, 309.
- Iraq on The move 1971
- مثل كتابها (We go To collect Afewsticks 1970) وكتاب (Socialism And Zionism.1970)

نشر في الموقع بتاريخ : الاثنين 12 محرم 1439هـ الموافق لـ : 2017-10-02



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

رابح بلطرش وحديث للاذعة الثقافية موعد للنقاش

موعد للنقاش الاعداد : رشيد صالحي

مواضيع سابقة
13 سنة تمر على رحيل الشاعرة و الروائية نجية عبير
بقلم : علجية عيش
13 سنة تمر على رحيل الشاعرة و الروائية نجية عبير


شاعرة حالمة ... قراءة في تجربة ريتا عودة الشعري
بقلم : شاكر فريد حسن
شاعرة حالمة ... قراءة في تجربة ريتا عودة الشعري


أنا و الآخر
بقلم : حفصة موساوي
أنا و الآخر


الودّ المعرفي
بقلم : د: ليلى لعوير
الودّ المعرفي


قصائد نثرية قصيرة
الشاعر : محمود غانمي سيدي بوزيد - تونس
قصائد نثرية قصيرة


لضَّاد و نزف الرَوح
بقلم : فضيلة معيرش
لضَّاد و نزف الرَوح


قصة قصيرة جدا / كابوس
بقلم : بختي ضيف الله المعتزبالله
قصة قصيرة جدا / كابوس


للحرية عيون مغمضة
بقلم : د. محمد سعيد المخلافي
للحرية عيون مغمضة


مَنْ يَكْبَحُ جِمَاحَ الْمُتنمِّرِينَ..؟! / وَمَنْ يَنْتَشِلُ الأسْتَاذَة..؟!
بقلم : حمد الصغير داسه
مَنْ يَكْبَحُ جِمَاحَ الْمُتنمِّرِينَ..؟! / وَمَنْ يَنْتَشِلُ الأسْتَاذَة..؟!


عادل عبد المهدي
بقلم : علاء الأديب
عادل عبد المهدي




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com