أصوات الشمال
الأربعاء 8 صفر 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * الشدة المستنصرية   * اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى يفتتح موسمه الثقافي   * مقطع من روايتي" قلب الإسباني "   * فجيعة الوطن العربي الكبرى   * وليد عبد الحي: السلوك العربي أنتج منظومة فكرية غرائزية متكاملة   * في رحابِ الموعـــد..!   *  في عدمية النص الفلسفي الغربي و موضة الإتباع... إيميل سيوران نموذجا عابرا   * العدد (50) من مجلة "ذوات": "السوسيولوجيا العربية في زمن التحولات"   * 13 سنة تمر على رحيل الشاعرة و الروائية نجية عبير   * شاعرة حالمة ... قراءة في تجربة ريتا عودة الشعري    * أنا و الآخر   * الودّ المعرفي   * قصائد نثرية قصيرة   * لضَّاد و نزف الرَوح   * قصة قصيرة جدا / كابوس   * للحرية عيون مغمضة   * مَنْ يَكْبَحُ جِمَاحَ الْمُتنمِّرِينَ..؟! / وَمَنْ يَنْتَشِلُ الأسْتَاذَة..؟!   * عادل عبد المهدي   * استعجلت الرحيل   * بلا دبابة..فرنسا تحتل الجزائر؟؟    أرسل مشاركتك
ثورة الفولار وسقوط القنار ...قراءة في رواية ليلة هروب فجرة .أحمد زغب
بقلم : الأستاذ بشير غريب
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 1010 مرة ]

فجرة فتاة ترغم على الزواج من ابن عمتها الثري في مجتمع لا يقيم للحب وزنا ولا للمرأة .تنتظر حبيبها الفقير البدوي أن يقوم بأعمال الفروسية عند البدو فيخطفها ويطير بها الى مرابع قومه لكنه يخذلها فتهرب هي ألية في مغامرة شاقة وخطرة فتقلب بذلك النظام الاجتماعي الذكوري..وتصبح مغامرتها حديث العام والخاص.


. أضوى من لفجار خدّك يا فجرة .... عيونك جدي الريم في سطوح المجرى . بهذا المطلع الشعري البديع، يطلعنا الروائي أحمد زغب على أغرب قصة حبّ عاشها مجتمع سوف أواخر القرن التاسع عشر ، ويجعلنا نعيش أيام العشق الممنوع في مجتمع ذكوري لا مكانة للمرأة فيه ولا احترام لمشاعر الحب المتبادلة بين العشاق. تدور أحداث القصة بين مجتمعين متآلفين رغم اختلاف نمط عيشهم وطبقتهم الاجتماعية، مجتمع قروي متحضّر مستقر يسكنه ملاّك النخيل وتجاره وهم سكان ( النخلة ) جنوب الوادي ، ومجتمع أولاد حامد البدوي المتنقّل من بادية إلى أخرى، والذي يعيش حياة الرعي والترحال، وكثيرا ما يقيمون النجع بمنطقة باغام شرق النخلة بكيلومترات قليلة، وعلى هذا التآلف والتحابب تكثر الزيارات المختلفة بينهم في المناسبات والأفراح، وهو العامل الذي نجم عنه تلاقي الشاب البدوي عايش بالقروية باكي ( فجرة ) وتبادلهما الإعجاب الذي تطوّر إلى عشق مفرط فيما بعد ليهدّد صفو العلاقة بين المجتمعين و يُحارَبَ الحب الصافي النقي من أجل الحفاظ على قيم الكرامة بمفهوم كل مجتمع منهما، وسرعان ما تتغيّر الأحداث وتنقلب الموازين المتداولة في سلم القيم الاجتماعية، إذ تهرب البنت القروية العاشقة من بيت أبيها رافضة الزواج من ابن عمتّها العرباوي و متحدّية كل الأعراف الاجتماعية وسلطة المجتمع الذكوري لتنتصر لحبّها وتفرض رأيها وموقفها الذي تراه حريّة المرأة المفترضة . وتسلّم نفسها لعشيقها عايش البدوي، ورغم زعزعة جذع العرف الاجتماعي إلى أن الانتصار في الأخير كان للحب وللمرأة القويّة الشجاعة . وانتهت أحداث القضية باستسلام الأب وجبروته إلى الأمر الواقع و قبول المجتمعين نمط الزيجة الجديدة التي فرضها عليهم تحدّي الحبّ المطلق وصموده في وجه الأعراف المتسلّطة, وقد يبرز في هذه الحالة الموقف الديني ممثلا في شخصية الشيخ الحسين الذي حسم الأمر محايدا وكان أقرب للتعقّل و الحكمة و المنطق عكس ما كان مشاعا في تديّن العوام وتساهل رجال الدين آنذاك في إخضاع الأحكام الشرعية لواقع الأعراف والمعتقدات، وهنا يشير الرّوائي بأن الأمر موكل لعادات مجتمع فطري مازالت تحكمه الأعراف المتطرّفة والخرافات الواهمة ، وأنّ رأي الدين إزاءه مختلف....
إنّ هذه الثورة ضدّ الذكورية وقمع الحريّات الشخصية يصوّرها أحمد زغب بدقّة في كامل روايته عبر ثنائيات ضديّة عدّة عبّرت عن الفارق الكبير بين الحياة الريفية والبدوية وبين المجتمع الغني ( ملاك النخيل ) والمجتمع الفقير ( الرعاة ) و أوضحت النظرة الدونية التي يبديها الحضر للبدو رغم السلم القائم بينهما، ولا حاجة للإمعان والتأمل لاستنباط الفوارق فالنص موح كلّه بهذه الاختلافات الداعمّة لصورة التأزّم الذي أفرزها حب عايش لفجرة: ( الحضر ـ البدو ) ( الأغنياء ـ الفقراء ) ( المستقرّون ـ المرتحلون ) ( الواقعيون ـ الشعراء الحالمون ) ( المرأة الشجاعة ـ الرجل الجبان ) ... إلخ ...
وعلى اتضاح هذه الرؤية التي يطرحها أحمد زغب في قصة فجرة وتحدّيها للعرف الاجتماعي وثورتها النادرة ضد سلطة الأب والمجتمع الذكوري إلاّ أنه يمكن استنباط رؤى وأحكاما أخرى أعمق، ولربّما عبّرت الرواية عن مركزية المرأة في حياة المجتمع وأعرافه ودورها الهام في تغيير نمط التعامل والتواصل الاجتماعي ، فلم يكن التسلّط الذكوري قائما لولا سكوت المرأة وتقبّلها الوضع المهين، واستسلامها لقناعات واهمة بضعفها وقلّة حيلتها، وها هي فجرة تثبت أن المرأة هي المساهمة في قمعها و إلغائها لا الرّجل وحده وأنّها قادرة على أن تثبت وجودها وحرّيتها في المجتمع دون تحميل الرجّل المسؤولية كلّها، فالسكوت هو أكبر جريمة يقترفها الإنسان ضدّ حريته المشروعة وبدل أن يلعن ظلام الاستبداد عليه إشعال شمعة التحدّي والمقاومة، وفي هذا العمل يتقاطع الروائي مع الكثير من الأعمال الابداعية الروائية وغيرها التي نادت باسم الحريّة الشخصية وحرية المرأة وضرورة المقاومة ضدّ أيّ انتهاك لمكانة الإنسان في المجتمع ، هو أشبه برسالة كُتّاب قصص ألف ليلة وليلة الذين أرادوا من المجتمع أن يغيّروا واقعهم بالكلام وأن يقاوموا معاناتهم بالتعبير عن رأيهم وتوحيد صيحة الحق مثل شهرزاد ولا يكتفوا بالصمت فتجرفهم المنيّة واحدا تلو الآخر كزوجات شهريار الأوُل. في (ليلة هروب فجرة ) فسحة للقرّاء لاكتشاف الموروث السوفي الأصيل، وفضاء واسعا للتعرّف عن أغلب مظاهر الفلكلور بمنطقة سوف ، فالروائي أحمد زغب يستثمر ثقافته الواسعة بالتراث المحليّ لإقليم سوف ويوظّفه داخل النص الروائي ليعطيها ملمحها السّوفي ويعبّر عن بيئتها الصحراوية البديعة، فحركية الشخصيات الدقيقة في أحداث الرواية تبرز بطريقة أو بأخرى ثقافة المجتمع السوفي المتميّزة من خلال طقوس الاحتفال في الأعراس والختان و وصف اللباس و سلوك الكبار والصغار والنساء والرّجال وطرق التواصل بينهم....إلخ ، كذلك الألغاز والأمثال الشعبية والقصائد الرجالية والأراجيز النسوية بمختلف أوزانها وطرق آدائها الواردة في سياقات عدّة في حبكة الرواية التي أضفت عنها صبغة تراثية وحلّة سوفية جميلة وتفرّدت بشخصيتها المميّزة عن باقي بيئات الروايات الأخرى، الأمر الذي يجعلنا نكشف قصدية الروائي في عرض أدق تفاصيل حياة الفرد السوفي قديما ولعلّه أحيانا يجبرنا على تقمّص دور طالب الأدب الشعبي أو الأنثروبولوجيا حين يسهب بلغة أقرب للتقرير في وصف أحد مظاهر التراث كالرداسي و الختان وعيد طقطيوط و التعريف بأنواع اللباس والتأصيل لأسماء الأماكن والنباتات والحيوانات ...إلخ . وهذا ليس بغريب عن الروائي أحمد زغب الذي عرفناه أستاذا باحثا في التراث وناقدا وموثّقا للمورث الشعبي بمنطقة سوف و حين امتزجت التجربتان ( الروائي ـ الباحث ) استطاعت الرواية نقلنا لمشاهد الحياة التراثية بكامل تفاصيلها الجميلة وجعلنا نعيش ذلك الواقع ونحياه مع من يعيشه ويحياه في اللحظة ذاتها.
ليلة هروب فجرة هي الليلة الهاربة من ليالي ألف ليلة وليلة وها آن لها العودة والانكشاف بأسلوب روائي مميّز وبلغة بسيطة حالمة بساطة من تحكي عنهم وتسرد آمالهم وزمن لا تختلف أحداثه عن حياة العرب قديما من حيث الكرم والشهامة والكرامة والنبل والذوق الابداع، فهنيئا لأحمد زغب هذا الإنجاز المميز آملين له دوام الألق والتوفيق في مشواره الروائي .



نشر في الموقع بتاريخ : الأربعاء 8 ذو الحجة 1438هـ الموافق لـ : 2017-08-30



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

رابح بلطرش وحديث للاذعة الثقافية موعد للنقاش

موعد للنقاش الاعداد : رشيد صالحي

مواضيع سابقة
13 سنة تمر على رحيل الشاعرة و الروائية نجية عبير
بقلم : علجية عيش
13 سنة تمر على رحيل الشاعرة و الروائية نجية عبير


شاعرة حالمة ... قراءة في تجربة ريتا عودة الشعري
بقلم : شاكر فريد حسن
شاعرة حالمة ... قراءة في تجربة ريتا عودة الشعري


أنا و الآخر
بقلم : حفصة موساوي
أنا و الآخر


الودّ المعرفي
بقلم : د: ليلى لعوير
الودّ المعرفي


قصائد نثرية قصيرة
الشاعر : محمود غانمي سيدي بوزيد - تونس
قصائد نثرية قصيرة


لضَّاد و نزف الرَوح
بقلم : فضيلة معيرش
لضَّاد و نزف الرَوح


قصة قصيرة جدا / كابوس
بقلم : بختي ضيف الله المعتزبالله
قصة قصيرة جدا / كابوس


للحرية عيون مغمضة
بقلم : د. محمد سعيد المخلافي
للحرية عيون مغمضة


مَنْ يَكْبَحُ جِمَاحَ الْمُتنمِّرِينَ..؟! / وَمَنْ يَنْتَشِلُ الأسْتَاذَة..؟!
بقلم : حمد الصغير داسه
مَنْ يَكْبَحُ جِمَاحَ الْمُتنمِّرِينَ..؟! / وَمَنْ يَنْتَشِلُ الأسْتَاذَة..؟!


عادل عبد المهدي
بقلم : علاء الأديب
عادل عبد المهدي




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com