أصوات الشمال
الأحد 6 شعبان 1439هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * محنة المثقف في رائعة إسحاق بابل " الفرسان الحمر "   *  مشاهد قبيل الشهادة...عفوًا أيّها الشهداء   * وداعـــــا يا حـــــراس الجـــــزائر : تــعـــــــــــــزية تحطم الطائرة العسكرية ببوفاريك   *  عودة الجدل حول قضية "إمامة المرأة" !! توظيف غربي لإلهائنا عن قضايانا المصيرية    * حوار مع الكاتب والشاعر والاعلامي صابر حجازي اجرته ابتسام حياصات   * زنابق الحكاية الحزينة ...   * حفريات دلالية في كتاب " الفلسفة و البلاغة .. مقاربة حجاجية للخطاب الفلسفي " لــدكتور عمارة ناصر   * سرمدي   * اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى يحييّ ذكرى يوم العلم   * المقامرة الباسكالیة   * قصائد للوطن(قصيرة)   *  لعيادة "سيغموند فرويد".   * دقائق قبل الفراق.... هكذا يفعل أبناء الجزائر   * اللسانيات وصلتها بتحليل الخطاب   * آخر ما قيل في طائرة الموت   * وَفِي الْغَايَةِ.. قارُورَاتُ خَضْرَاء...!!   * عُبــــــــــــور   * تاريخ و تراث شلالة العذاورة في ملتقي وطني   * البحر والعرب في التاريخ والأدب    * البركان قادم وانتظروه    أرسل مشاركتك
سراب حياة ورغد
بقلم : د. زهرة خدرج
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 576 مرة ]
مدونة وكاتبة في العلوم الإنسانية


غدى هذا الزواج المؤقت مهنة دفعني والدي إلى احترافها، وممارستها في كل صيف تحت غطاء الحاجة، كرهت نفسي، وكرهت أسرتي، وأضحيت أرى جمالي لعنة تصب فوق رأسي استعباداً في زمن يقال عنه أنه لم يعد فيه رق أو عبيد.

كنت في الثالثة عشر من عمري حين جلست خلف بيتنا شعثاء الشعر حافية القدمين ألهو مع أخواتي، لفت انتباهي زامور سيارة وأصوات غريبة شرعت تصخب أمام بيتا، ميزت من بينها صوت أبي يمطر القادمين بعبارات الاستقبال والترحيب.. وما هي إلا لحظات حتى تناهى إلى سمعي صوت الملاعق تقرع أكواب الشاي. نادتني أمي مضطربة، وساقتني من يدي إلى الحمام، غسَّلتني، وألبستني الفستان الوحيد الذي أرتديه في الأعياد والمناسبات أو حين أذهب لأي سبب إلى المدينة، ومشطت شعري وضمته كذيل الحصان في مؤخرة رأسي.. ألححت عليها خلال ذلك بأسئلة عدة:
-لماذا تغسلينني فالوقت ليس ليلاً، ولن أذهب للفراش بعد قليل؟ وما مناسبة ارتداء الفستان الآن فالعيد بعيد، ولا أظنني سأذهب للمدينة؟ ومن هؤلاء الغرباء؟ وماذا يريدون منا؟.
رأيت في عينيها نظرة بؤس، ولكنها لم تجبني على أيٍ منها.
وما هي إلا دقائق معدودة حتى علا صوت أبي منادياً "أم أحمد، تعالي أنت والبنت"، أمسكت أمي بيدي، وأدخلتني إلى حيث يجلس الضيوف، دخلت بخطوات متعثرة لشدة خجلي وحيرتي.. من هؤلاء؟ وما دخلي أنا بهم؟. وجدت في الغرفة كهلاً سميناً يرتدي عباءة سوداء مذهبة، يغطي رأسه بعمامة بيضاء، أبيض البشرة تبدو عليه آثار النعمة، وجلس آخر إلى جانبه طويل القامة نحيل الجسد أسمر الوجه تبرز عظام وجنتيه بوضوح. ما إن دخلت الغرفة حتى انغرس نظر الرجلان الغريبان في وجهي.. قطرت حبات الغرق من جبيني وجلاً وخجلاً، بينما نهض الكهل أبيض البشرة مقترباً مني قائلاً:
-ما شاء الله، مثل فلقة القمر..
طلب مني والدي الخروج بعد هذه الكلمة ونبرة صوته تفيض بالأنفة.
-بالله عليكم، أخبروني ماذا يجري..
-اصبري قليلاً، وسيتضح كل شيء.. عدت لألعب مع أخواتي في حوش البيت حين شاهدت سيارة الغرباء تتحرك مغادرة.
وما هي إلا أيام قلائل، وجدت نفسي بعدها أرتحل عن البيت إلى جهة لا أعلمها، بعد استعدادات جعلتني أُلقي طفولتي جانباً وأبدو كامرأة يافعة، وورقة طُلب إلي أن أذيلها ببصمتي. ارتحلت برفقة رجل غريب قيل لي أنه زوجي منذ هذه اللحظة.. رأيت دمعة تفر من عيني أمي جاهدت نفسها لتخفيها. وشاهدت والدي يتسلم رزمة من المال غير تلك العملة التي نتعامل بها في بلدي.. أما أنا فالحيرة تملكتني ولا أفهم ماذا يجري.
جلست في السيارة خائفة مترددة تسيطر على نفسي مشاعر لم آلفها. وبعد مسير طويل امتد لساعتين، وصلت لمبنى كبير لم أر مثله سابقاً، سمعتهم يقولون عنه "الفندق"، دون أن أدري ماذا يكون، اقتادني الرجل من ذراعي، وأدخلني إلى غرفة أوصد بابها من الداخل، قدم لي طعاماً منعني الخوف والحياء من تناوله، خاصة وأنا أشاهد عيناه لا تتحولان عن وجهي..
ثم أخذ يجردني من طفولتي بنهم، مر على تضاريس جسدي بجوع معتق، ثلاثة أسابيع قضيتها برفقته على الحال نفسه، صباح مساء.. لم أر خلالها ضوء الشمس ولا نور النهار.. الستائر مسدلة، والباب موصد، ولا أحتك ببشر غيره، ويحرص كل يوم مساءً على إعطائي قرصاً من الدواء، عارضت أخذه فأنا لست مريضة، ولكنه قال لي: هذا ضروري لك.
أعادني بعدها إلى القرية منهكة حتى آخر رمق.. وارتحل تاركاً لي ورقة علمت أن فيها فكاكي منه، ورزمة أخرى من المال، وصرة فيها بعض الثياب الثمينة.
ما هذا يا أبي؟ كيف تسلمني لذلك الرجل يفعل بي ما يشاء؟؟ كيف تقبل يا أبي بما جرى لي؟
ماذا نفعل يا ابنتي، أنت تعلمين أننا فقراء، بل معدمون، ولا نملك ثمن الدواء لأمك، لهذا اضطررت إلى تزويجك لهذا الرجل العربي.
صمتُّ وخضعت لإرادة والدي، فلا بد من ذلك لإنقاذ أمي وعائلتي. لم أعد إلى القرية طفلة بريئة كما خرجت منها، لم أعد للعب مع أخواتي، ربما لأني شعرت وكأنني كبرت فجأة، وربما لأنني شعرت بي دنسة لا يليق بها أن تلوث بقية فتيات العائلة.
غدى هذا الزواج المؤقت مهنة دفعني والدي إلى احترافها، وممارستها في كل صيف تحت غطاء الحاجة، كرهت نفسي، وكرهت أسرتي، وأضحيت أرى جمالي لعنة تصب فوق رأسي استعباداً في زمن يقال عنه أنه لم يعد فيه رق أو عبيد.
بقلم: د. زهرة خدرج

نشر في الموقع بتاريخ : الأحد 5 ذو الحجة 1438هـ الموافق لـ : 2017-08-27



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

رابح بلطرش وحديث للاذعة الثقافية موعد للنقاش

موعد للنقاش الاعداد : رشيد صالحي

مواضيع سابقة
اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى يحييّ ذكرى يوم العلم
بقلم : سعدية حلوة / عبير البحر
اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى يحييّ ذكرى يوم العلم


المقامرة الباسكالیة
بقلم : نبيل عودة
المقامرة الباسكالیة


قصائد للوطن(قصيرة)
الشاعر : حسين عبروس
قصائد للوطن(قصيرة)


لعيادة "سيغموند فرويد".
بقلم : فضيلة زياية ( الخنساء).
                                                          لعيادة


دقائق قبل الفراق.... هكذا يفعل أبناء الجزائر
بقلم : عيسى دهنون
دقائق قبل الفراق.... هكذا يفعل أبناء الجزائر


اللسانيات وصلتها بتحليل الخطاب
الدكتور : محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة
اللسانيات وصلتها بتحليل الخطاب


آخر ما قيل في طائرة الموت
شعر : بغداد سايح
آخر ما قيل في طائرة الموت


وَفِي الْغَايَةِ.. قارُورَاتُ خَضْرَاء...!!
بقلم : محمد الصغير داسه
وَفِي الْغَايَةِ.. قارُورَاتُ خَضْرَاء...!!


عُبــــــــــــور
شعر : رضا خامة
عُبــــــــــــور


تاريخ و تراث شلالة العذاورة في ملتقي وطني
بقلم : طهاري عبدالكريم
تاريخ و تراث شلالة العذاورة في ملتقي وطني




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1439هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com