أصوات الشمال
الثلاثاء 7 صفر 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * الشدة المستنصرية   * اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى يفتتح موسمه الثقافي   * مقطع من روايتي" قلب الإسباني "   * فجيعة الوطن العربي الكبرى   * وليد عبد الحي: السلوك العربي أنتج منظومة فكرية غرائزية متكاملة   * في رحابِ الموعـــد..!   *  في عدمية النص الفلسفي الغربي و موضة الإتباع... إيميل سيوران نموذجا عابرا   * العدد (50) من مجلة "ذوات": "السوسيولوجيا العربية في زمن التحولات"   * 13 سنة تمر على رحيل الشاعرة و الروائية نجية عبير   * شاعرة حالمة ... قراءة في تجربة ريتا عودة الشعري    * أنا و الآخر   * الودّ المعرفي   * قصائد نثرية قصيرة   * لضَّاد و نزف الرَوح   * قصة قصيرة جدا / كابوس   * للحرية عيون مغمضة   * مَنْ يَكْبَحُ جِمَاحَ الْمُتنمِّرِينَ..؟! / وَمَنْ يَنْتَشِلُ الأسْتَاذَة..؟!   * عادل عبد المهدي   * استعجلت الرحيل   * بلا دبابة..فرنسا تحتل الجزائر؟؟    أرسل مشاركتك
خيْرَة بِنْت الرَّاعِي..! الحَلقة:05
بقلم : محمد الصغير داسه
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 1004 مرة ]

تمْضِي إِلى وجَعٍ آخَر، لكنّهَا تكتفِي بالتألُّم، تقُول وبصَوْتٍ مُنْخَفِض: إنّها ليْسَت أنْثى فحَسْب ولكنّها كِيانٌ ضائعٌ تعَرّضَ للتخْريب والنّهْب، هِيّ مصْدُومَةٌ بزوَاجِ فاشل، زوَاجُ الشّتْم والضّرْبِ بالنّعَال {قَوالِبَ 44} تسْأل: فَقط لتطمَئنّ، وتَطمَئِنُّ لتحْمِي نَفْسَها من بَعْضِ الوحُوش الضّاريّة، فمَنْ سيُرَافِقُها ويَحْمِيهَا؟ تسْتَجمَعُ خيْرَة قوَاهَا، تمْشِي علَى مَهْل، وجْهُها الصَّبُوح يَشِعُّ بِشرًا ونُورًا، يَغمُرُ شِعَابُ جَسَدِهَا توَهُجٌ وسِمْنةٌ، تقُول:لاوَقتَ للتشَاؤُم فليَطمَئِن الَجَمِيعُ...............



10- وإذَا كانَتِ الْمَرْأَةُ كَائِنًا بَشَرِيًا، فإنّ أوْضَاعَ النِّسَاء الارَامِل صَارَتْ تَخْتلفُ، واسْرَارُهنّ بَاتَتْ عَصِيّة عَلَى الفَهْم، فبَعْضُهُنّ تحوّل إلى كائِن عدَمِي، ومَأسَاةٍ منْسِيّة تدُوسُهَا النِّعَال، فهنّ يَعشْنَ غُرْبة قاسِيّة وفؤَادًا ولُوعًا، يَتسَاءَلنَ بمرَارَةٍ وفِي كل مُناسَبةٍ وحِين..هل هُنّ مُذْنبَات؟ من افْتَى بإحَالتِهنّ عَلى البُؤْسِ والإحْبَاط، لمَاذا تُحْرَمُ الارَامِلُ من الحَيَاة الزوْجيّة الكريمَة؟ مَاذنْبُهُنّ؟ اليْسَتْ الارْمَلةُ كائِنٌ اجْتمَاعِيٌّ واعِي؟ نِساءٌ عَفيفاتٌ قادِمَات من القُرَى الميّتة واطرَاف المَدِينَةِ ، مُعرَّضَاتُ للعُنْف والاضْطهَادِ، والارْمَلة بَرِيئَة مَكسُورَة الخَاطِر،لاَعَيْبَ فِيهَا سِوَى أنّهَا تُحِبُّ الْحَيَاة، وتَبْكِي حَظّهَا النّكِد، فبِصَبْرهِنَّ ومُكابَدَتِهنّ، بَدَأْنَ يُعِدْنَ لأنْفسِهنّ الحْياة بِتَؤُدّة، غيْمَاتٌ حَالِمَاتٌ يَتبَاهَيْن بجَمَالِهِنّ وَسَط نِسَاءِ المَدينة، اكتَسبْن دُرْبة ووعْيًا، وبطبْعِ نِسَاءِ البادِيّة خجُولات ثرْثارَات، يَعْرفْن مَطالبَ الحَيَاة ويَتحفّظن! يُخْفِين مُايُعَانِين من ألمٍ وبُؤْس، يَتردّدْنَ على سُوقِ حمّام خيْرَة بنْتِ الرّاعي، للتسَوُّقِ وجَلب ألانْتبَاه، يعْمَلنَ عَلى حِمَايَة أنْفسِهنّ مِنَ الانْطِفَاء، صَارلهُنّ افُقٌ مُضِيءٌ مٌعَطرٌ بالحِكايَات، لكنّ أحْلامَهُنّ بَاتَت ترْتدِي ثوْبَ الإثارَة، لاحَت على وجُوهِهن العابِسَة المَكدُودَة مَسْحَة مِن الضَيَاع، اكْتِئَابًا.. تَوَتُّرًا.. هَوَاجِسَ، بدَت سوَاعِدُهُنّ النّحِيفَات تَشِي بِخيْبَة واضِحَةٍ، ترَهّلت الأمْنيّاتُ، تبَعْثرَت الاحْزانُ بدَاخِلهنّ، سَكنَت شِغَافَ القلوب، تلاشَت النّشوَةُ، تبدّدَ الحُلمُ.. ربّاه.. اصبَحَت الحيَاة كقهوَة مُرّة المَذاقِ بطعْم العَلقم، تَحوّلَ الانْتظارُالطويلُ مَعَ الايّام إلَى أرَقٍ يَقُضّ المضَاجعَ،والانْتِظَارُ مُؤْلِمٌ لَكِنَّ الْحَيَاةَ انْتِظَارٌمُؤَجَّلٌ كمَا يُقال، مُبادَرَاتُ خيْرَة، بَصيصُ أمَل يَلوحُ في الأفق، وهَل لايُوجَدُ فِي المَدِينَةِ إلا خَيْرة؟! أجَل..هيّ امْرَأةٌ اسْتِثنَائِيّة صنَعَت الابْتِسَامَة، ترَكت عَبَقهَا يجُوبُ الدُّرُوبَ والتِلال، يَنْتشرُ عَبيرُها في شوَارع المَدِينة، يبْعَثُ فِي النُفُوس سَعَادَة غَامِرَة، وبهْجَة إنْسَانيّه رَفيعَة، ذَاتَ لِقَاء دَعتْهُنّ إلى التفكِير بِجديّة في مُسْتقْبَلهِنّ "..ومَا حَك جِلدُك مِثل ظفْرك." طلبَت إليْهنّ أنْ يَقترحْن الحُلول، بدَلا مِن النبْش في الترَاب، جَمِيلٌ أنْ يَكونَ للمَرْأةِ وجُودٌ ومَعْنى، تُقطبُ جَبِينَها وهيّ تتحَدِّث اليْهنّ: انْتنّ كعَصافِير الصّباح، كل وَاحِدةٍ منْكنّ تنْفُضُ عَن ريشهَا الندَى، لتَتبَاهَى بهنْدامِها، وتُلفِتُ إليْها ألانْتبَاه، هَذا حقٌ مشرُوعٌ ليْسَ تَبرُجًا، فلنُفَكِّرونَعْمَل بِهدُوءٍ، اعَدّت لهُنّ في بَهْو الحَمّام مُتكآتٍ وظِلالٍ، أفرِشَةٍ وكرَاسي، ودَعَتْهُنّ إلى اسْتراحَة تُتيحُ لهُنّ الاهْتمَامَ بأنْفسِهِنّ، ولا عَيْب فِي ذلك وَلاغَرَابَة، أنْ تُحِبّ كل امْرَأة الْحَياة، اوْعَزَت إلى الرِّجَال، دَعْتهُم إلى الاسْتفادَة من المَشرُوع، فالعَلاقةُ الزوْجيّة تكامُليّة، يهْتزُّ قلبُ الارْضِ من فرْحَتِهنّ، تنبْسط ُوجُوهُهُن، تقول لهُنّ: ضَاعَت مِنكنّ بعْضُ المَكاسِب، لكنّ الحَظ لايُغادرُكُن، فمَاذا تَقْترحْن؟ يَحْتَرِقْنَ شَوْقًا ولاَ يَجِدْنَ جَوَاباً تَقُول:السّعْديّة:هل يَتسِعُ صدْرُكِ لصَرَاحَتِنَا ولأحَادِيثِنَا المُمِلّةِ؟ أجَل..الصَّرَاحَةُ رَاحَة..انْتنّ بهَوْدَجِ القلب مَكانَتُكنّ عَاليّة، بحُضُوركن تشْمَلنِي السّكينة، تقول مَسْعُودَة: نَقترحُ عليْك اقامَة عُرْسٍ جَمَاعِي لتزْويج الارَامِل والمُطلقات، فمارَأيُك؟ نِعْم الرّأي هَذا..ضحِكت خَضْرَة بنْت ألإمَام ضحْكة اعْجَابٍ، وتقول: خَيْرُ البِرِّ عَاجلُهُ، الحَياةُ لا تنْتهِي بالطلاقِ ولا بالموْتِ، فلا تسْتسْلمْنَ لليَأس والإحْبَاط والبعْدِ عَن الأمَل، هيّا نُبَادِر.. لتكُن خيْرَة بِنْت الرّاعي أمِيرَة ُالعَرَائِس أنْمُوذجًا وقدْوَة، والمَثل الأعْلى دائمًا يُحْتذَى،اليْسَ كَذلِك؟ لمْلمَت اشْلاءَ الفرْحَة، ارْتفعَ صوْتُها بالضّحك مُجَلجَلا، تعَالت الزَّغَارِيدُ، افرَجَت خَضْرَة عَن ضحْكة انْتِصَار وتبَاهِي، قالت:خيْرَة يُنبُوعَ عَطاءٍ مُتدفّق، ونهْرُ اخْلاصِ ووَفاءِ، بادِري وبالتوفيق، لكِ السّعادَة الدّائِمَة، تضْحَك خيْرَة بنعُومَة لذِيذةٍ، وعَيْناهَا بحَاجَةٍ إلى دُمُوعِ الفرْحَة.


11- تنَاهَى الخبرُ اسْمَاعَ النّسْوَة، فاقْبلنَ كأسْرَاب الطيُور الظمْأى يتهَامسْن..يَتلطفْن، تضرّجَت وجُوهُهُنّ بحُمْرَة الخَجل، يَسْألنَ بحيْرَةٍ وترَقُّبٍ أيْنَ الرّجال؟ تَقُول خَضْرَة: صبْرًا ياجَمِيلات، الرِّجَال الارَامِل كالنّسَاءِ المُرمَّلات "..من جدّ وجدَ ومَن زرَع حَصَد.." تقول زيْنب: في اسْواقِها تُبَاعُ الأشْيَاء، كلمَاتٌ امْتصْتْها الآذانُ الصّاغيّة، هِيّ ذِي نَصِرَة فتاةٌ سَمْرَاءُ مُتوتِّرةٌ حَدّ الانْفعَال، تلهُو بأحْلامِهَا، والدّهْشةُ لاتَزالُ تسْكنُهَا، ترْمُقهَا عَمْرَة بنظرَةٍ عَفويّةٍ تُمزِّقُ صَمْتهَا، تَشيحُ بوجْهِهَا النّضِر،تقول: ليْسَت لهَا أمُّ ..هِيَّ خَائفةٌ ترْتَجفُ.. تَتوَسَدُّ أحْزَانَهَا..تسْأل مَنْ يَنْتشلُها من هَذِه الغيْبُوبة؟ تنْخَرطُ فِي نَوْبَة بُكَاء، أخذَتْ خيْرَة نَفَسًا عَمِيقًا، من خِلاَلَها حَاوَلَت أنْ تُهَدِّئ رَوْعَها، تُجيبُها بحَنانٍ كلنا أمُّك، غدًا سَتكُونِينَ أمٌّا ولكِ عيّالٌ، تَتنَهدُ بزَفرَةٍ تفُوقُ حَجْمَ مُعَاناتِهَا، تسِيلُ الدُّمُوعُ قوَافل مُتناثِرَةٍ، تغْمُرُخديْهَا المُتوَرّدتيْن، تسْتأنفُ شهَقاتِها، بصعُوبَة تَتصَالحُ شَفتاهَا مَعَ الكلمَاتٍ المُتقطعَة، تسْتنْفرُ طاقتَها بشَهَقاتٍ إضَافيّة، تنْفَتِحُ لديْها نوَافذَ الشّوْقِ والحَنين، تُطمِرُ أحْزَانَها فِي رَمَادِ الذِكرَيَات، تمْضِي إِلى وجَعٍ آخَر، لكنّهَا تكتفِي بالتألُّم، تقُول وبصَوْتٍ مُنْخَفِض: إنّها ليْسَت أنْثى فحَسْب ولكنّها كِيانٌ ضائعٌ تعَرّضَ للتخْريب والنّهْب، هِيّ مصْدُومَةٌ بزوَاجِ فاشل، زوَاجُ الشّتْم والضّرْبِ بالنّعَال {قَوالِبَ 44} تسْأل: فَقط لتطمَئنّ، وتَطمَئِنُّ لتحْمِي نَفْسَها من بَعْضِ الوحُوش الضّاريّة، فمَنْ سيُرَافِقُها ويَحْمِيهَا؟ تسْتَجمَعُ خيْرَة قوَاهَا، تمْشِي علَى مَهْل، وجْهُها الصَّبُوح يَشِعُّ بِشرًا ونُورًا، يَغمُرُ شِعَابُ جَسَدِهَا توَهُجٌ وسِمْنةٌ، تقُول:لاوَقتَ للتشَاؤُم فليَطمَئِن الَجَمِيعُ، تهْتِفُ إلى الجمْعِيّة تشيدُ بدوْرالمُتعَاونَات البَاحِثات عَن أزْوَاج، تُزيحُ عَنهُنّ شبَحَ الخوْفِ وعَدَم التفكِير فيمَا مَضى، لقد تشكّلت جَمْعيّة {الخير} شِعَارُهَا فِي ظلِّ المَوَدّةِ والرّحْمَة، شرَعَت في احْصَاءِ النّسَاء وبدُون اكرَاهٍ، ورَصْد الرِّجال الرّاغِبين في الزّوَاج، كانَ مِن نَصيبِ خيْرَة الحَاج {لعْبَيْدي} اخْتارَتهُ بعْلاً لهَا، تعْرفُهُ في ريفِ {البِيرين} ويعْرفُها، ذاتَ يوْم سَمِعَتهُ يَترنّمُ ".. وزَوّجْنِي يَازَوّاجْ* بِخَيْرَةَ بِنْت الرّاعِي" فوَاعَدَتْهُ.. اقبَل أهْل الخيْر الدّاعِمِين للمَشرُوع، وهُم اكسِيرُ ألحَيَاة، ودَفقُ المَحبّة المُتوَهّج،ينْتَصَبُ الرِّجَال بِهَامَاتٍ شَامِخَات، تشْرَئبُّ أعْنَاقُ النِّسْوَة، يحَدَثُ التعَارفُ ويبَدأ التآلفُ، يدْلَفُ الْجَمِيعُ أحْضَانَ الشّوْق، عُرْسٌ جَمَاعِي بهيٌّ في قاعَة الحَفلات، على وَقع الزُّرْنة والبارُود والزّغاريد، الأفرَاحُ عَارمَة تمْلأ الجوَانحَ، الأحْلامُ تكبُرُ، الشّوارعُ تعجُّ بالمُهَنِئين، الأسُرُ مُبْتهَجَة، وفِي الْمُبَادَرَات فتْحٌ مُبِينٌ، الهدَايا تَتسَاقطُ، الوجُوهُ تعْلوهَا المسَاحِيق والأصْبَاغُ التجْميليّة، ومُرَطبَات الشِّفَاه، الانْفاسُ تُعَانقُ نَهْنهَات الشَّوْق، العَرَائِسُ أوقدْنَ هَذَا المَسَاء شُمُوعَ الفرْحَةِ بعَفويّة لامَثيل لهَا، خَضّبْنَ الايَادِي بالحنّة، وعَلى السّوَاعِد والسِّيقانِ رَسَمْناخرَائِط الطريق بلوْنٍ بُنيٍّ، ضَحِكْنَ بِجَلْجَلة مُبْتهِجِينَ، هُنّ جَميعًا يرْفلْنَ بالدِيبَاج والتِيجَان وجَمِيلُ المُجوْهَرَات، تترَامَى إليْهِن ضحَكاتٌ هامِسَة مُهنّئةٌ.
12- وفي مَوَاكبِ الفرْحَةِ الحَاشِدة، تتوَجّهُ العَرَائِسُ إلى بيُوتِهِنّ مُبْتهجَات، تسْتعْرضُ خيْرَة بنْت الرّاعِي بلقيس هذا الزّمان، جَسَدها الرّشيق، ترْمُقُ العَرَائِسَ بنظرْةٍ فيهَاعَطفٌ وفيهَا حَنانٌ وشَفَقة ودُمُوع، تُوزّعُ عليْهُنّ باقاتُ الزُّهُوروقُنَيِنَاتِ العِطْر، تُمْطِرُهُنّ بِابْتِسَامَاتٍ رَقْرَاقَةٍ، وبصَوْتٍ جهُورتقول: يَالهَا من مَكاسِبَ لاتقدّرُ بِثمَنٍ! فجْأةً اقبَل مَوْكبُ العَريس، الحَاج لعْبيْدي مُتبخْترًا". مُكَسْتَمًا." قاصدًا بيْتَ عرُوسَتِه، على عَرَبَة تتقدمُهَا الجيّادُ، كانَت خيْرَة في اسْتقبَالهِ مُتسَرْبلَة فِي أبْهَى حُللها، تَخْتَالُ في فُسْتانِهَا الابْيَض الفضْفاض، وببَرَاءَة الحَرَائر تقُولُ: اهْلا بِك ياأنْتَ في بَيْتِك، الشوْقُ يَتألقُ في عَيْنيْها الودِيعَتيْن كالبَريق، ونبْعُ الوَفَاءِ شَلالٌ يتدَفّقُ، خرَجَتْ الصُّبحَ تَتَهَادَى، ترْفُل فِي أبْهَى حُللها، تُهَسْهِسُ في جَمَال مَلابِسَها، تقِفُ مُنْتَصِبَة فى بَهْو الحَمّام المَفرُوشَة أرْضُهُ، تسْتقبلُ نسَاءَ المَدينة المُهنِئَات، بابْتسَامة دَافِئة مُرْتعَشة، حَازَتْ على اكبَر قدْرٍ مِن الاحْترَام والتبْجيل، كَانَ الحَدِيثُ مَعَها شَائقا مُمْتعًا، سَرَقت الأضْواءَ بجَمَالِها..بقامَتِها السّامِقَة..بِعَذْبِ صوْتِها النّدِي الرخم.. هِيّ ذِي تُحلقُ في سَمَوَاتِ الوَفاء والحَنَان، تتهَاطلُ عليْها الاسْئلة المُثيرَة والمُرْبِكة أحْيَانًا، تَغَارُ نِسَاءُ المَدِينَة، تتصَدَى لهنّ بهُدُوء واقنَاعٍ،هَذِه احْدَى المُهنّئات، مِن ذوَاتِ الْمَزَاج السَيِّئ تريدُ اسْتفزازَهَا، ترْمِيهَا بِصَلفٍ وَعَنْجَهِيّة بِوَابِلٍ من الكلمات الفجّةِ فتقول:ايُعْقل أنّكِ وفِي هَذا السِنّ تتزوّجِين؟! تُجيبُها مُبْتسِمَة: أنَا كبِيرَةٌ..لكنّي لسْتُ عجُوزًا بَعْدُ كمَا تتوَهَمِين، اخترْتُ غيْمَة من تِلك الغُيُوم الحَابِلة، لتمْطرَ بيْتِي حُبًا وجَمَالا..موَدّة ورحْمَة، وتُغُرقُها لهْفة وحَناناً..رُوَيْدَك يَا أنْتِ..المَرْأة لايُمْكنُها أنْ تبْقى كالأثاث المُرْمَى في زاويَة مهْجُورَةٍ مِن البيْت، مُومِيّات مُحَنّطات مَحْفُوظة عَلى الرُّفُوف للفُرْجَة، تعِيشُ الغُرْبَة وَحِيدَة في مَنْزلٍ صَامِتٍ، تجْلسُ خلفَ الجدَار، تُصْغِي للأصْوات النّكرَات، وصَخَب الشّارع، تبْكي حَظّها، لا احَدَ يُصْغِي لأنِينِهَا وزَفرَاتِها، في كل مُناسَبة تُحَاولُ أنْ تبْكي بخْتها بُكاء مُرًا وتَنْتغِمُ، تُداوي احْزَانَها بدُمُوع تلجِمُها ".والشكوَى لغيْر الله مَذلة." خيرٌ لهًا أن تكنُس اليَأس بمَكنسَةِ الأمَل وتُبادِرُ، وأنْ لا تَكُونَ ظِئْرًا للآخَرين، تخْنقُ أنفسَاها فِي ظلمَة الْمَكان، تعِيشُ في عُمْق الأوْهَام، أتسْمعِين يَاهذِه..إنّي فضّلتُ أنْ يُكون لي رَجُل اسْتأنِسُ به، احْمِيه ويحْمِيني من عَادِيَات الزَّمَان، قبلتُهُ كانْسَان مُكتمَل الوَعْي، اعتبرْتُ أنّ رحْلة الانْجَاز ليْسَت هِيّ فرْحَةُ الزَّواج، طعْمُ الحيَاة لايتمُّ إلا فِي خَمَائل الافرَاح نتفيّأ ظلالَهَا.
13- تقول امْرَأة مُتصَابِيّة: اغْمِطك على نجَاحِك في الحَيَاة، تسْترْسلُ في الضّحِك مُقهْقهة، زَوَاجُك حُلمٌ دَاخِل حُلم، تتقدّمُ منْها فتاةٌ شغْرَاءَ تقول: ما الْغَرابَة في زوَاج الكبَار؟! تقتربُ مِن خيْرَة، تقبِّل جَبينَها المُضِيئ، تهَنِّئُها..تهديها بَاقة زُهور، تضْحَكُ خيْرَة مِلءَ حُنْجرَتِها تقول: هذهِ الزّهُور لاتتنوَّر إلا فِي بيْتٍ مَفرُوشٍ؛ تلتفِتُ وإذَا بِنسَاءِ المَدِينَة يتهَامَسْن، لا يكفُفْن عن تحْريك عُيُونِهنّ والعَبَث بألسِنتهن، ابْتسَامَاتُهنّ حَاقدِةٌ، حُرُوفُها تتلوَى عَلى الشِّفاه، تُحدّجُهُنّ خَيْرَة بنظْرَةٍ غَريبَة، تشْعُر بوَخْزَةٍ صَارِمَة، ترْفعُ بَصَرَها إلى قلب الأشيَاء، تلتقِي عَينَاها بعيْنيْ تِلك المَرأة ألشمْطاء.. تتجَاهلُها..تَترفّعُ عَنْها مُسْتنْكِفَة.. تهْمِسُ إليْها خَادمتُها:"..كل ذِي نعْمَة محْسُود.." تهزُّ رأسَها مُبْتسِمَة غيْر مُباليّة بهَذِهِ الكَائِنات الطفليّة التِي لاتُشبِهُ إلا الضيَاعَ، وبمَا يتسَلل إلى نفُوسِهنّ المَرِيضَة من غِيرَةٍ وأحْقادٍ، بنبْرَةٍ تنِمُّ على الاحْترَام تقول: النّساءُ يَمْلكنَ الكثير من وقتِ الفرَاغ، لكِن ليْسَ بإمْكانِهنّ احْصَاء الاوْقات الضّائعَة أوالتِي ولّت، شبَقُ الذِكْريَاتِ افلتَ مِن بيْن ايْدِيهنّ في غَفْلة، تبْحْثُ تِلك المَرْأة المُتصابيّة عن مَخْرَج لها فلا تهْتدِي، تكتفِي بالقوْل:" إياك اعْني واسْمَعِي يَاجَارَة.." ثمّ تسْأل:أسْئلة أصَابَهَا تَعَبُ البَحْثُ، هَل أنْتِ ياخيْرَة مُتعلمة..؟! وتُطبقُ شَفتاها دُونَ أنْ تُكمِل مَاتُخْفِيهِ، تترنّحُ في مَكانِها..تَنْتفض.. تَتسِعُ عيْناهَا في ذهُولٍ، تنْكمَشُ رَفِيقتُها وتتملْملُ عَلى الكرْسيِّ، تدُسُّ رَأسَها بيْن فَخِذَيْها خَجَلاً،وَتَنْهَارُ تَأمّلاتُها، تُبادلهن خيْرة نظرات ثقيلة مُعَتّمَة كَالِحَة، تُجيبُهُن مُشْفِقة: أنا لسْتُ مُتعلّمة، أنَا وَاعيّة..اسْتدَعيْتُ الحَيَاة من البَادِيّة، كنْتُ لاأجيدُ حَتّى ذِكرالاسْمَاء مِثلكُنَ، ولا أفقهُ شيْئًا من ألحيَاةِ، الحْمدُ لله، دَخَلتُ فُصُول مَحْو الأميّة..تَعلمْتُ ماتيسّرَ مِنَ القرْآن..حمَلتُ تجَاربَ ناضِجَة، جادَتْ بها عليّ نسْوَةُ الرّيف وحَرَائرَ البدْو، كنتُ أكثرَ وَعْيٍ من نِسَاء المَدِينة المُشْتغلاتِ بعُيُوبِ غيْرهِنّ، وهل يَعْرفْن غيْرَ ذلك؟ أنا أكثرُمنكنّ حِكمَة و قُدْرَة عَلى الصُّمُودِ وتحَمُّل المسْؤُوليّة، بعْضُكُنّ سلبيَّاتٌ مُتفرجَاتٌ ، اكثركُنّ مُخَادِعَاتٌ تافِهَاتّ".وفِي مُسْتَنقعِ الاكَاذِيبِ لاتسْبَحُ سِوَى الاسْمَاكُ الْمَيِّتة.." قضيْنَ زهْرَة حَياتِهن مُتسَكِّعَات، يُغْمَطن على الغَبَاوَةِ والتبلُّدِ، في مَجَالسِهنّ ضَحِكٌ وتهْريجٌ، قمزٌ وَلمْزٌ، حَدِيثهُنّ مُنحَطٌ لا يُفيدُ، وتسْتوِي واقفة وقد اسْتشَظت غيْضًا، ترْمُقهُنّ بسِهَام التحْقِير، يَنتفضُ قلبُها وتَتأسّفُ.. يَلتزمْنَ الصّمْتَ بعْضَ الوَقْت، يَلكْن الهَزَائمَ، يَكتفِين بابْتلاع الكلمَاتِ الجافّة، وقد اسْتنْزَفْنَ مَايجِبُ أنْ يُقال، ينظرْنَ إلى خيْرَة في ذُهُولٍ وخَجَلٍ، ندِم البعْضُ واعْتذرَالبعْضُ الآخَر، خيْرَة مُتسَامِحَة، تقول: لقاؤُنا كانَ مِنْ اجْل تقدِيم التهَاني، للأسَف تَحوَّل إلى مُنَاوَشَاتٍ غَيْرُ مُريحَة، تبْتَسِم في وُجُوهِهنّ ابتسَامَة بَاهِتة، يَتكتمْنَ ضَحَكاتٍ بَلهَاء، تُجَرْجِرُهُن إلى مُربَّع التسَوُّقِ والطرَائِف والأعْرَاس، لتَتغلّبَ عَلى غِيرَتِهنّ، بلطفٍ تدعُوهُنّ إلى مَائدَة الإفْطار وتُكْرمُهُنّ، كانَ حَديثُها شَائِقًا غَاطِسًا فِي الْمَسَرَّات، جَعَلت احْداهُن تقول: مَا الطفَ القِصَص التِي ترْويهَا عَمّتي خيْرَة، ومَا اسْعَدَنا ونحْنُ نُصْغِي إلى حَدِيثها الشّائِق، حَدِيثًا يُلامِسُ نبْض القلوب، فنَشوَةُ العِطر الجَذّاب، وصَخَبُ الأفرَاح كألقِ الامْوَاجِ يسْقي الأرْوَاح، فإنْ سَرَق البُعْدُ مِنَّا اعْمَارَنا، فسَنْلتقِي ولو بَعْدَ طُولِ انْتظار، حَان اوَانُ الرّحِيل.. وعَلى الاجْسَادِ صَمْتٌ وحُلمٌ طافِحٌ، اخَذَ الكلُّ يرْكضُ إلى مُسْتقرٍّ لهُ..إلا امْرَأة كالغَيْمَة المَنسيّة تعُودُ أدْرَاجَها، تسْتُرُ جَسَدَها بغُلالةٍ رَقِيقة تحْتَ المِعْطفِ،تَخْتَالُ فِي اسْمَالِهَا، أطرافُها ترْتَعِشُ، تقُول:ضَبابُ بيْتِها لمْ يرْحَل بعْدُ، تسْألُها خيْرة: ما خَطبُك يَاأنْتِ..؟ تلتزمُ الصّمْت هُنيْهَات..تنْخَرطُ في بُكاءٍ مَرير،ٍ ترْفعُ صَوْتَها: إنَها وَحِيدَةٌ في بيْتهَا..تحْمِلُ حَطبَ الْحَياة، تفْترشُ ضِفَافَ المَوَاجِع، تَصْرُخُ: يَا ابْنَت الرّاعِي انْتشِلينِي من غَيْبُوبَتي، مِن اشْوَاكِ دَرْبِي..رَجَاء.. انَا امْرأةٌ بَريئَة، لسْتُ مُتزوّجَة، تَتمَلمَلُ..تَنْتفضُ..تلتفِتُ.. وفي تِلك اللحْظة المبَاغِتَة، وبلهْجَةٍ سَاخِرَة تسْأل: هل تعْلمِينَ ياخيْرَة أنّ ابَاك كانَ رَاعِيَّا عِنْدَنا؟ هَذا زَمَانُك..! تَطَاوَلِي إنْ شِئْتِ..وافْعَلِي مَاشِئْتِ..تُخْفِي خيْرَة ابْتسَامَتِهَا وبِمَضَاضَة تقُول:مَا الغَرَابَة فِي ذلك؟! أذْكُرُ هَذا وَلاَ أنْكُرُ، اعْتَزُّبِتلكَ الأيّام الْجَمِيلة، فمَا اكثرَنِي حَنِينًا إلى تِلك المَرَابع ؟! إلى البَيَادِر مُمْتلئِة بِأكدَاسِ الحَصِيدِ،إلى تِلك المَرَاعِي الجَمِيلة والقُطعَان الهَائِمَة، ترْشُفُ الفتَاة دُمُوعَها، تَخْفَضُ رَأسَهَا، تَضْغَط عَلَى مَخَارِجِ الْفَاظِهَا وَتَقُول:مُنْذ أنْ امْتطيْت وَحْشَة المَكَان، انْتُزِعَت مَريايَا، ذابَتْ أطيَافي، ضَاعَ المَجْدُ التليد، تشتّتَ العيّالُ..ياحَسْرَتَاه! ولاَ غَيْمَة فِي الأفُقِ، تُجيبُها خَيْرَة مُتفائِلة وهيّ تُرَبِّتُ عَلى كتفيْهَا: مَهْلا سيِّدِتي..أنْتِ وَاحِدَةٌ مِنَ العِيّالِ..لاتحْزَنِي..سَيرْحَلُ الضَبَابُ غدًا، ويَأتِي الرّبيعُ في حُلَلِهِ البَهيّة..!.تُلملمُ اشْلاءَ الفرْحَةِ، تُسْدِلُ عَلى وَجْهِهَا خِمَارَالعِفّةِ، تؤنّبُ نَفسَها وقد نَكَفَتْ دَمْعَهَا، تفزَعُ لتَقُول: افْتَحِي ياخيْرَة بَابَ الأمَانِي، فالقُلوبُ انْتَشَتْ عَبِيرًا، ألآنَ أذْهَبُ.. وسَأتِيكِ غَدًا..والصّبْحُ مَوْعِدُنَا..!!"..أليْسَ الصُّبْحُ بِقرِيب.." أجل..إنّ غدًا لنَاظِرِهِ قَرِيبٌ...

نشر في الموقع بتاريخ : الثلاثاء 30 ذو القعدة 1438هـ الموافق لـ : 2017-08-22



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

رابح بلطرش وحديث للاذعة الثقافية موعد للنقاش

موعد للنقاش الاعداد : رشيد صالحي

مواضيع سابقة
13 سنة تمر على رحيل الشاعرة و الروائية نجية عبير
بقلم : علجية عيش
13 سنة تمر على رحيل الشاعرة و الروائية نجية عبير


شاعرة حالمة ... قراءة في تجربة ريتا عودة الشعري
بقلم : شاكر فريد حسن
شاعرة حالمة ... قراءة في تجربة ريتا عودة الشعري


أنا و الآخر
بقلم : حفصة موساوي
أنا و الآخر


الودّ المعرفي
بقلم : د: ليلى لعوير
الودّ المعرفي


قصائد نثرية قصيرة
الشاعر : محمود غانمي سيدي بوزيد - تونس
قصائد نثرية قصيرة


لضَّاد و نزف الرَوح
بقلم : فضيلة معيرش
لضَّاد و نزف الرَوح


قصة قصيرة جدا / كابوس
بقلم : بختي ضيف الله المعتزبالله
قصة قصيرة جدا / كابوس


للحرية عيون مغمضة
بقلم : د. محمد سعيد المخلافي
للحرية عيون مغمضة


مَنْ يَكْبَحُ جِمَاحَ الْمُتنمِّرِينَ..؟! / وَمَنْ يَنْتَشِلُ الأسْتَاذَة..؟!
بقلم : حمد الصغير داسه
مَنْ يَكْبَحُ جِمَاحَ الْمُتنمِّرِينَ..؟! / وَمَنْ يَنْتَشِلُ الأسْتَاذَة..؟!


عادل عبد المهدي
بقلم : علاء الأديب
عادل عبد المهدي




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com