أصوات الشمال
الثلاثاء 4 جمادى الثاني 1439هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * جمعية العلماء المسلمين شعبة سيدي عيسى تكرم الدكتور عمار طالبي   * التدريس الفعال   * قراءة في قصة "غابرون " للكاتبة الجزائرية / مريم بغيبغ   * سلسلة شعراء بونة وأدباؤها سيف الملوك سكتة شاعر المعنى والمعنى الآخر   * ملاحظات عن الفرق بين مصطلحي الثقافة والحضارة   * دكتوراه بجامعة تبسة عن نقد النقد   * وقفة تذكر و ترحم 11 سنة مرت 2007--2018 الفقيد الأستاذ بن مسعود الحاج الشيخ بن محمد    *  صابر حجازي يحاور الشاعرة الجزائريه رزيقة بنت الهضاب    *  مَا يُكتبُ فِي الْجَرَائِد ومَا يُقال في القنوات ..    * بونة تئد شعراءها وتلتهم مثقفيها    * انتربولوجية القلب في قصيد ( وتعلم كم أنت عندي) للشاعر إسماعيل عريف..   * الروائي رابح بوشارب: أنا ضد تدريس اللغة الأمازيغية في المدارس و مقر الجاحظية ليس للبيع   * حوار مع الإعلامية رجاء مكي   * جاءت متأخرة   * ومضةُ حنيـــنٍ وأنين    * شبابنا   * الاستاذ الملهم   * جائزة السَّيف الشّرقي للأديبة آسيا جبّار حيَّرت كثير من النقاد    * عندما تكتب النّساء...   * قراءة في رواية(خرافة الرجل القوي) لبومدين بلكبير    أرسل مشاركتك
التجنيس ؛ ومغامرة التجرب القصصي الومضة المتدحرجة أنموذجا
الدكتور : خالد وهاب
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 393 مرة ]

يعدّ فن القصة القصيرة جدّا ، فنا حديثا نسبيا مقارنة مع بقية الأجناس الأدبية الأخرى ، وهو ما يجعله الجنس الأدبي الأكثر انفتاحا على عوالم التجريب – ممارسة وتنظيرا- ، ويرجع ذلك لقدرته على إثارة العديد من القضايا الجوهرية ، لعلّ أبرزها (إشكالية التداخل بين الأجناس الأدبية) ، حيث أن بنية القصة القصيرة جدا تسمح بمثل هذا التداخل والتمازج ، مما يحدث نوعا من الخلل والتعقيد أثناء عملية التلقي ...
هذا ما سنحاول استجلاؤه من خلال هذه الورقة البحثية التي تروم إلى طرح ، ومناقشة العديد من القضايا المتعلقة بــ (التجنيس ، ومغامرة التجريب القصصي) ، وحتى لا يتسم طرحنا بالتنظير الذي لا يلامس عمق الظواهر الأدبية الكامنة داخل النصوص الإبداعية ، فقد ارتأينا أن نلحق بالجانب النظري شكلا من أشكال الكتابة الإبداعية ؛ والمتمثل في (الومضة المتدحرجة) ، وذلك من أجل الكشف عن عمق هذه الكتابة ، ومدى تعالقها مع الفن القصصي ، أو بعبارة أخرى ، هل يمكن اعتبار هذا النمط من الكتابة جنسا أدبيا جديدا يضاف إلى مجموع الأجناس المعروفة ، أم أنه لا يعدو إلا أن يكون مجرد تقنية من تقنيات كتابة القصة القصيرة جدا؟
وللإجابة على هذا التساؤل الذي نعتقد بأنه يشكل مركزا تتناسل منه الكثير من التساؤلات ، لا بدّ من التعرض إلى قضية أساسية وجوهرية ، وهي قضية (جدلية مصطلح القصة القصيرة جدا بين الصناعة والمفهوم) .

1- جدلية المصطلح (الصناعة/ المفهوم) :
يشير الباحث (أحمد جاسم الحسين ) في كتابه " القصة القصيرة جدا –مقاربة تحليلية – " الصادر عن دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر عام 2010) إلى الفوضى العارمة التي اكتنفت فن القصة القصيرة جدا ، وذلك راجع إلى كثرة المصطلحات التي تشير إلى هذا الفن ، وغياب مفهوم محدد ضابط يمكن أن يستنيم إليه الباحث في هذا المجال ، لذا فهو يعدد أزيد من خمسة عشر مصطلحا متداولا :
1- القصة القصيرة جدا 2- القصة الومضة 3- القصة اللقطة
4- القصة القصيرة للغاية 5- القصة المكثفة 6- القصة الكبسولة
7- القصة البرقية 8- اللوحة القصصية 9- الصورة القصصية
10- النكتة القصصية 11- الخبر القصصي 12- القصة الشعر
13- الخاطرة القصصية 14- القصة الجديدة 15- القصة الحديثة
16- الحالة القصصية "( )
وللخروج من هذا المأزق المصطلحي ، يقترح الباحث تصنيف هذه المصطلحات ضمن ثلاث مجموعات على النحو التالي :








أ/ المقترح الأول :
- المجموعة الأولى :
تضم هذه المجموعة سبع مصطلحات:(القصة القصيرة جدا ، القصة الومضة ، القصة اللقطة القصة القصيرة للغاية ، القصة المكثّفة ، القصة الكبسولة ، القصة البرقية.) فالأول عبر التأكيد (جدّا) والثاني من (الومض) ، ووميض البرق إشارة إلى قصر مدة ظهوره المرتبط بالسرعة الفائقة ، و(اللقطة) مرتبط بعالم التصوير والسينما والتلفزيون ، دلالة على الاختزال والتحديد المرتبط بالصورة في حدّ ذاتها سواء أكانت متحركة ، أم ساكنة ، أما مصطلح (قصيرة للغاية) فيدل على الإيجاز وكثافة المعنى المدرك عبر ألفاظ موحية تختزن داخلها دلالة يتم تفجيرها من طرف متلقي هذا الفن ، فيما يشير مصطلح (كبسولة) إلى صغر الحجم مع المقدرة على ترك الأثر ، وهو مأخوذ من عالم الأسلحة ليدل على سرعة الانفجار ، ومن الأدوية ليعني صغر الحجم مع كبر الفعل والتأثير ، أما المصطلح الأخير فيشير إلى الحرص على إيصال الخبر بأقصر الطرق ، والبرقيات إحدى هذه الطرق
والملاحظ على هذه المصطلحات اشتراكها في صفتين هما : التأكيد على معنى القص ، والقصر الشديد."( )
ب/ المقترح الثاني :
- المجموعة الثانية :
مصطلحات هذه المجموعة تنسب فن القصة القصيرة جدا إلى فنون وأجناس أخرى (اللوحة القصصية الصورة القصصية ، النكتة القصصية ، الخبر القصصي ، الشعر القصصي ، الخاطرة القصصية.)
ومن الواضح بأن هذه المصطلحات تحيل إلى الفن التشكيلي ، والتصوير بنوعيه الفوتوغرافي ، والسينمائي والسخرية ، والصحافة والشعر والخاطرة ...
والجدير بالذكر أن هذه المصطلحات المركبة في أغلبها من لفظتين ، يأتي فيها فن القصة تابعا لا متبوعا ، بحيث غالبا ما يتم إلحاقه بفن من الفنون ، وربما هذا ما يسهم في عملية اختزاله وتضيق مساحة اشتغاله . فالقصة القصيرة جدا ، هي قصة أولا وقصيرة جدا ثانيا ، وهي تستفيد من سيمات عدد من الفنون والأجناس ، ولكن ذلك لا يعني أبدا أن تنسب ، وتصير تابعة لها ."( )
ج / المقترح الثالث :
- المجموعة الثالثة :
توحي مجموعة هذه المصطلحات بشيء من حكم القيمة المسبق ، وقد يشير بعضها إلى حالة كتابها والزمن الخارجي والداخلي لكتابتها وهي :(القصة الجديدة ، القصة الحديثة ، الحالة القصصية، المغامرة القصصية.)
ومن المعروف بأن الابتعاد عن أحكام القيمة خير للجميع ، للقصة القصيرة جدا ، ولكتابها ولدارسيها ولا بد من التنويه إلى أن استعمال هذه الكثرة من المصطلحات للإشارة إلى فن بعينة جاء كتعبير فرضته جدّة هذا الفن وحداثته ، وربما لم يصل الكثير منها إلى درجة المصطلح النقدي الذي لا بدّ أن تتوفر فيه جملة من الشروط لعلّ أبرزها :
- الاطراد : أي الاعتماد على شيوع المصطلح ورواجه بين مستعمليه .
- التداول : أن يكون الحدّ الاصطلاحي سهلا وقصيرا وغير معقد الشكل .
- الحوافز: أي كل ما من شأنه أن يحفّز المستعمِل على اختيار المصطلح ؛ كبساطة الصيغة وسهولة الاشتقاق منه ، وتركيبه الصرفي الواضح ، وبعده عن الطول والغرابة. "( )
ويشير ذات الباحث إلى أن هذه الكثرة المصطلحية لا تنفي التداخل والتلاقح والتجاور الموجود بينها ، وقد يكون من غير المجدي الإكثار من التنوع المصطلحي ، خصوص وأن مصطلح (القصة القصيرة جدا ) قد فرض نفسه بما أنه يؤكد على سمتين رئيسيتين هما : سمة القصصية والقصر الشديد جدا . "( )
إلا أننا ، وبعد الاطلاع على ما كتبه رواد هذا الفن نقرّ بأنّ جميع هذه المصطلحات على كثرتها تشير فعلا إلى جنس (ق ق ج) ، ومع ذلك فنحن نعتقد بأن كل مصطلح من هذه المصطلحات يعكس تقنية من تقنيات كتابة القصة القصيرة جدا ، وربما هذا راجع إلى كون هذا الجنس الأدبي لا يزال في استفاضة دائمة نتيجة إصراره على خرق الأنساق التقليدية ، وانفلاته في كثير من الأحيان من القواعد الصارمة ، وهو ما تكشف عنه النصوص ذاتها ، بحيث نجد الكثير منها لا يلتزم بعناصر السرد كلها فقد يغيب الراوي وتحلّ محله الشخصية ، وقد يتخفى الزمان داخل المكان ، وقد يغيب الحدث بسبب الاستغراق في الصدمة والدهشة وهكذا ... ولكن مرة أخرى ما المقصود بالقصة القصيرة جدا، وما هي أركانها؟
يمكننا إعطاء مفهوم فضفاض لجنس القصة القصيرة جدا ، وذلك بسبب الاختلاف الحاصل في ضبط مقاييسها ، إلا انه بإمكاننا إجمال وحصر هذه المقاييس فيما يلي :
أولا : الحجم القصير جدا ؛ والمتمعن في كلمة قصير جدا يرى بأنها تشكل اختلافا لدى كل من النقاد والمبدعين ، فهنالك من يحصرها بعدد الصفحات كأن يقول مابين نصف الصفحة والصفحة وهنالك من يحصرها بعدد الكلمات مثل (حسين المناصرة ) الذي حدّدها بـ ثلاث مئة كلمة.
ثانيا : ضرورة الحفاظ على الحبكة القصصية من (بداية وعقدة وصراع وحل وتوازن) ، إلا أن المبدعين غالبا ما يتصرفون في هذه المكونات بالزيادة أو النقصان أو الاستبدال ، أو استعمال تقنية الحذف ، وتنويع البدايات والخواتيم لمفاجأة القارئ الضمني وتخييب أفق انتظاره .
ثالثا: انتقاء الأوصاف الدقيقة ، وعدم الإسهاب فيها إلى درجة اقتراب القصة القصيرة جدا من النص القصصي أو الروائي.
رابعا : توظيف الجمل الفعلية ، واستخدام الإيقاع السريع في تحريك القصة ، واستعمال ظاهرة التراكب الجملي ، والمفارقة والإدهاش ، والإضمار والتنكير ، والسخرية ، والصورة الومضة وتحويل القصة إلى أسئلة محيرة على الرغم من الحجم القصير جدا.
خامسا : يمكن أيضا توظيف الأجناس الأخرى من حكاية وشعر وأحجية ، ولغز ، وكاريكاتور وخبر ووعظ ...إلخ بشرط أن تحتفظ القصة القصيرة جدا على جميع مقوماتها الأساسية."( )
2- التجنيس ومغامرة التجريب :
هل يمكن اعتبار القصة القصيرة جدا جنس أدبي تتناسل منه أجناس أخرى ؟ وإذا كانت الإجابة عن هذا السؤال إنعاما ، فما هي هذه الأجناس الجديدة ؟
ولكن قبل الإجابة عن هذه التساؤلات ، لا بدّ من التعرض إلى مفهوم التجريب في الأدب ، وذلك بغية تكوين أرضية صلبة تمكننا من تحرّي الدقة والموضوعية في تحليل ومناقشة قضايا لا تزال محل أخذ ورد بين معظم المنظرين والنقاد ، فيا ترى ما مفهوم التجريب القصصي؟وما علاقته بقضية التجنيس الأدبي ؟
إن مفهوم "التجريب" "لا يتحقق إلا عبر التحرّر من سكونية النص التقليدي ، بحيث تقوم الكتابة الإبداعية فيه بالأساس على هاجس البحث ؛ توقا إلى تحقيق المغامرة من خلال أسئلة تستهدف المتن والأبنية والأنساق لغة وخطابا."( )
إذن فالتجريب هو " بحث دؤوب عن صيغ أخرى للكتابة ، والمغامرة هي جوهر التجريب ، وذلك بحكم ارتكازه على نقض المسلمات الجامدة ، والتقاليد الثابتة ، والأعراف الخانقة ، وصياغة السؤال الذي يولّد السؤال ، وممارسة حرية الإبداع في أصفى حالاتها .
وبهذا فإن التجريب يتأسس على البحث عن كتابة سردية متغيرة ومتحولة في واقع كل ما فيه يتغيّر ويتحول ويتجدّد ، ولعلّ التحولات التي شهدها المجتمعات العربية هي من فرضت على الكتاب تجديد الأشكال والأبنية التي يعبرون بها عنها ، وذلك بسبب ما طرحته من أسئلة جديدة لم تعد أنساق النموذج التقليدي قادرة على استيعابها."( )
هكذا جاء فن القصة القصيرة جدا ليطرح أسئلته الخاصة حول الذات والعالم عبر ما يملكه من جماليات مميزة بدءا من الحجم القصير مرورا باللغة الشعرية المكثفة ، الدقيقة ، الدالة ، التي لا تقبل أي حشو أو ترهل ، وانتهاءً بجملة القُفلة(الخاتمة) التي تفضي إلى التأويل والمفارقة في متن هذه القصة .
أما فيما يخص البنية السردية أو الحكائية ، فيجب أن تكون عناصر القص فيها متنوعة ، من شخصية وحدث وزمان ومكان وراو وبداية ونهاية ...
أما فيما يتعلق بالمضمون فهو إيحاء واختزال وعلاقات نفسية وانفعالية ، لا إخبار في ذلك ، ولا إسهاب وتفصيل ، وعلينا أن ندرك أن الرمزية والتكثيف هي أهم العناصر التي تجعل المضمون أكبر بكثير من حجم الكلمات."( ) ولعل أنجح القصص العالمية هي تلك التي تعمل على تفجير الدلالة من عدد قليل من الكلمات ، وهو الأمر الذي فعله "(أرنست همينغواي) عام 1925 حينما أطلق مصطلح القصة القصيرة جدا على إحدى قصصه ، وكانت هذه القصة مكونة من ثماني كلمات فحسب ( للبيع ، حذاء لطفل ، لم يلبس قط ) ، وكان (هيمنغواي) يفتخر بهذا النص الإبداعي القصير جدا ، ويعتبره أعظم ما كتب في حياته الإبداعية ."( )
إذن يستند فن القصة القصيرة جدا إلى مكونات قصصية تتجسد في الفضاءات السردية الأساسية :
"الأحداث ، الشخصيات والبنية الزمكانية ، وصيغ الأسلوب عبر التكثيف والإيحاء والانزياح والخرق والترميز ، وتنوع أشكال السرد تجريبا وتأصيلا عبر التركيز والتدقيق في اختيار الكلمات والجمل ، وتجنّب الحشو والاستطراد والوصف والمبالغة في الإسهاب والرصد السردي لمكونات القصة التقليدية .
إن الحساسية الجديدة في السرد القصصي لجأت عبر مغامرتها التجريبية إلى تحطيم كل المواصفات المعروفة أو معظمها ؛ بمعنى الاستغناء عن بنية السرد التقليدية ، واختفاء بعض التقنيات مثل : نمو الشخصية ، الحوار الداخلي أو النجوى الداخلية (المحاكاة) وتيار الوعي .
بالإضافة إلى الاستغناء عن الحبكة تماما واقتحام عوالم الحلم والفنتازيا والخيال عبر علائق لغوية وسردية جديدة ، ومحاولة إدخال تركيب جديد في اللغة بمعنى تفجيرها باتجاه مزيد من الحيوية والمرونة بعيدا عن الابتذال والتقعر والرصانة التقليدية المصطنعة ضاربة بكل القواعد والقوالب المألوفة حتى تكاد كل قصة تحمل شروطها وعناصرها الفنية التي تميّزها عن الأخرى .
في ضوء ذلك تجسدت أنماط عدّة للقصة القصيرة جدا كالقصة الرومانسية والقصة الواقعية والقصة الفنتاستيكية والقصة الرمزية والقصة الأسطورية ...إلخ " ( )
هذا من ناحية المضامين ، أما من ناحية الأشكال أو القوالب الفنية ، فهنالك العديد من التقنيات والأنماط الكتابية ، لعلّ أبرزها : الومضة ، والومضة المتدحرجة ، وهو ما سنحاول تسليط الضوء عليه في ثنايا هذه المداخلة فيا ترى ما هي الومضة المتدحرجة ؟ وما هي أركانها وقواعد كتابتها ؟ هل الومضة المتدحرجة جنس أدبي جديد كما يزعم " مجموعة كتاب ومبدعو القصة القصيرة جدا ، أم أنها لا تعدو إلا أن تكون نمطا من أنماط القصة القصيرة جدا ؟
أ/ الومضة المتدحرجة :
بداية دعونا نتتبع هذه الظاهرة الكتابية لدى المبدعين الذين بشروا بميلادها
يقول(حيدر مساد) - وهو أحد مبدعي هذا النمط من الكتابة- :" إن أول من أطلق مصطلح (الومضة المتدحرجة) على هذا النمط من الكتابة هو القاص والأديب (عماد أبو حطب) ، وربما يرجع السبب إلى كون هذه النصوص الحداثية تتسم بالاختصار والسرعة والتكثيف ؛ وهي تشبه كرة الثلج فتبدأ بالتسارع والنمو لتصل في النهاية إلى الاصطدام القوي ، وهو ما تسعى إليه (الومضة المتدحرجة) في قُفلتها لتكون الومضة الأخيرة في النص هي الصدمة والمفاجئة في القصة ككل ، والتي تحدث الدهشة والانبهار ..."( )
ويرى أصحاب هذا الرأي – مجموعة كتاب القصة القصيرة جدا- " أن (الومضة المتدحرجة) هي استثمار لفني (القصة القصيرة جدا) و (الومضة) ، ولذلك ارتأت المجموعة اعتماد هذا النمط من الكتابة وتسميتها بــ (الومضة المتدحرجة) تشبيها لها بكرة الثلج التي تكبر كلما تدحرجت إلى الأمام لتخلق في النهاية نصا متكاملا."( )
ب/ قواعد وأركان كتابة الومضة المتدحرجة :
اعتمد كتاب هذا النمط على مجموعة من القواعد والأركان أبرزها :
أولا : الحد الأدنى في نص متن الومضة المتدحرجة هو ثلاث ومضات ، تكون الومضة الأولى هي بداية النص ، وعليها يتم بناء ما تبقى من ومضات ، والومضة الثانية تأتي لتسهم في تطوير الحدث لتشكل ذروة النص وعقدته ، ثم يأتي الختام بالومضة الثالثة وهي قفلة النص ، وعليه يجب أن تكون الومضة الأخيرة كلها صادمة ومفاجئة ، وذروة الصدمة تأتي في شطرها الثاني .
ثانيا : الحد الأعلى للومضات لا يتعدى خمس ومضات.
ثالثا : الومضة الواحدة لا يتعدى عدد كلماتها ثماني كلمات مع إغفال عد الحروف كحروف الجر وكل ومضة مكونة من شطرين يفصل بينهما فاصلة (،) أو فاصلة منقوطة (؛) وينتهي الشطر الثاني بنقطة ملاصقة لآخر كلمة.
رابعا : يجب أن يكون تطور الحدث متسلسلا ومتصاعدا ابتداء من الومضة الأولى وصولا إلى الومضة الأخيرة .
خامسا : تحتوي (الومضة المتدحرجة) على العناصر المعروفة من إيجاز واقتصار ونهاية المفاجئة وكل ومضة تحتوي أيضا على عناصر الومضة من إيجاز وتكثيف ومفارقة وإدهاش ونهاية مفاجئة .
سادسا : لا يوجد عناوين منفصلة للومضات ، فجميع الومضات تشترك في عنوان واحد هو عنوان الومضة المتدحرجة في البداية ."( )
ج/ نماذج عن الومضة المتدحرجة :
نص للمبدع (عماد عبد القادر) بعنوان " طفولة" ، وهو مكون من ثلاث ومضات

*طفــــــــولة ( )
شاهدوا ألوان الموت نهارا ؛ بثوا لهم برامج الطفولة ليلا.
قطعوا برنامج توم وجيري ؛ بثُّوا خبر تقطيع الرؤوس.
جاء عيدهم ؛ ماتت الطفولة بداخلهم.

نص للمبدعة (إكرام شحادة) بعنوان " طفل توحد " ، وهو مكون من أربع ومضات

*طفـــل توحد( )
كرّر مرارا خطأه ؛ عنّفته أمّه.
بكت ضعف إدراكه ؛ ضحك لها.
انهارت من ردّة فعله ؛ ضرب نفسه.
احتضنته من الخلف ؛ هدأ غضبه.

نص للمبدع (مكرم خلف) بعنوان " أنثى " ، وهو مكون من خمس ومضات
*أنثــــــى ( )
خلقت من ضلع أعوج ؛ علّقوا عليها خطاياهم.
قتل الأخ أخاه ؛ اتهمت بالفتنة.
استنقصوا عقلها ودينها ؛ استعظموا كيدها.
أوهموها بالمساواة ؛ استنزفوا عواطفها.
ظلمتها الحروب ؛ تعاطفت الغرب مع حقها في القيادة.



تحليل نص " طفولة " لعماد عبد القادر:
يعرض نص المبدع (عماد عبد القادر) المعنونة بـ " طفولة " عالما شفافا ملائكي مليئ بالأحلام والأماني ، ولكن سرعان ما يستباح ويدسن هذا العالم ، حيث يتم استنزاف وانتهاك ومصادرة حق الطفولة وذلك بسبب بشاعة الحروب وقساوة منفذيها ، ليجد الأطفال أنفسهم ضحية من دون أيما جرم أو ظلم اقترفوه .
فاجعة الطفولة المضطهدة والتي لا تعرف ، ولا تملك وسيلة للدفاع عن نفسها لخصها المبدع (عماد عبد القادر) في ومضة متدحرجة مكونة من ثلاثة أجزاء ، جاءت على شكل ومضات ، كل ومضة تتضمن ثنائية ضدية تجسد عمق المأساة ، فكانت الومضة الأولى بمثابة الأرضية التي تمّ بناء بقية الومضات عليها (شاهدوا ألوان الموت نهارا ؛ بثّوا لهم برامج الطفولة ليلا.) ، لتأتي الومضة الثانية لتسهم في تصاعد الحدث إلى الذروة ، وذلك بالقضاء على حلم البراءة واستبداله بعالم مظلم غارق في الدماء لتأتي القُفلة المدهشة والصادمة ، والتي تعمل على تخييب أفق انتظار القارئ ، ويرجع ذلك إلى أنها مزيج من المشاعر والأحاسيس المختلطة والمزيفة ، فما فائدة الاحتفال بعيد يأتي ، بعدما تم قتل الطفولة داخل قلوب البراءة (جاء عيدهم ؛ ماتت الطفولة بداخلهم.)
بعد التعرف على (الومضة المتدحرجة) تنظيرا وممارسة ، وذلك من خلال عرض تجارب بعض النقاد والمبدعين في هذا المجال ، لابد من العودة مرّة أخرى إلى الحديث عن قضية (التجنيس ومغامرة التجريب) ، وذلك للإجابة عن التساؤل الذي طرحناه آنفا : هل يمكن اعتبار (الومضة المتدحرجة) جنسا أدبيا جديد يضاف إلى الأجناس المعروفة ، أم أنها مجرّد شكل من أشكال القصة القصيرة جدا؟
إن الإجابة عن هذا التساؤل يقودنا إلى عقد مقارنة بسيطة بين مقاييس كتابة القصة القصيرة، ومقاييس كتابة الومضة المتدحرجة ، وهذا ما سنوضحه من خلال الجدول التالي :




مقاييس كتابة القصة القصيرة جدا مقايس كتابة الومضة المتدحرجة

الحجم :

8 كلمات إلى غاية 300 كلمة

تقنيات وقواعد الكتابة :
الراوي ، الشخصية ، الحدث ، الزمان ، المكان بداية ، وسط نهاية.
صياغة الأسلوب عبر التكثيف والإيحاء والانزياح والخرق والترميز ، وتنوع أشكال السرد تجريبا وتأصيلا عبر التركيز والتدقيق في اختيار الكلمات والجمل ، وتجنّب الحشو والاستطراد والوصف والمبالغة في الإسهاب والرصد السردي لمكونات القصة التقليدية.
الحجم :

ومضة ( حولي 8 كلمات) x 5 ومضات = حوالي 40 كلمة
تقنيات وقواعد الكتابة :



- نفس تقنيات وقواعد الكتابة .
خاتمة :
في ختام هذه المداخلة لا بد من التنويه إلى أن كتاب هذا النمط من الكتابة ، قد قاموا باستثمار (الومضة) وهي شكل من أشكال القصة القصيرة جدا ، وذلك عبر إعادة تكرارها في نسق تتابعي بحيث تؤدي كل ومضة إلى الومضة التي تليها ، لتشكل الومضات مجتمعة قصة قصيرة جدا ، مع إمكانية اعتبار الومضة المفردة نصا مكتفيا بذاته. وربما تعود هذه الفكرة إلى التصوير الفوتوغرافي ، فإذا شبهنا الومضة المفردة بصورة فوتوغرافية ، فإن الومضة المتدحرجة تشبه مجموع صور فتوغرافية ملتقطة بسرعة ولكن هذه السرعة في التقاط الصور لا تجعلنا نخمن بأنها شيء آخر غير كونها صور ، بهذا لا يمكن اعتبار(الومضة المتدحرجة) جنسا أدبيا جديدا ، بل هي تقنية وشكل من أشكال كتابة القصة القصيرة جدا.


الهوامش :
- جاسم الحسين : القصة القصيرة جدا – مقاربة تحليلية - ، دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر ، دط 2010،ص26.
- المرجع نفسه ، ص30.
- المرجع نفسه ، ص31.
- يوسف وغليسي : إشكالية المصطلح في الخطاب النقدي العربي الجديد ، منشورات الاختلاف ، الجزائر ، ط1 2009، ص71.
- جاسم الحسين : القصة القصيرة جدا – مقاربة تحليلية - ، ص32.
- جميل حمداوي : وقفة نقدية أخرى مع القصة القصيرة جدا ، مجلة أدب فن ، 2015 ، الرابط : WWW .adabfan .com
- عبد القادر بن سالم : بنية الحكاية ، منشورات الاختلاف الجزائر ، ط1 ،2013،ص37.
- المرجع نفسه ،ص38.
- حسن المناصرة: القصة القصيرة جدا رؤى وجماليات ، عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع ، ط1، 2015،ص 15.
ينظر أيضا : حميد الحمداني : بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي ، المركز الثقافي العربي ،ط3، 2000،ص13-18
- جميل حمداوي : القصة القصيرة جدا : قضايا ومشاكل ومعوقات ، أريفينو ، يو 10/03/2013 نقلا عن : بحثا عن الديناصورات ، مختارات من القصة القصيرة جدا في أمريكا اللاتينية ، تر: سعيد بنعبد الواحد وحسن بوتكي ، مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب ، معهد سربانتيس ، الدار البيضاء ،ط1،ص26-148.
- جريدة الأسبوع الأدبي : مقاربة نظرية لمفهوم القصة القصيرة جدا ، اتحاد الكتاب العرب ، دمشق ، عدد1274 2011 ،ص21
- مجموعة كتاب ومبدعو القصة القصيرة جدا : الومضة المتدحرجة خلق القص من الومض ، حمارتك العرجا للنشر الالكتروني ، ط1، 2015، ص8.
: مجموعة إلكترونية مخصصة لنشر القصة القصيرة جدا والومضات أسسها كل من : د. عماد سعيد أبو حطب وحيدر مساد ، وذلك بتاريخ 03 نوفمبر 2014 ، صدر لها كتاب بعنوان (الومضة المتدحرجة –خلق القص من الومض - ) في عام 2015 ، وقد احتوى هذا الكتاب على مجموعة من النصوص ، بالإضافة إلى ندوات ومناقشات حول نمط هذه الكتابة ، ومن المبدعين الذين كتبوا (الومضة المتدحرجة) نذكر : عماد سعيد أبو حطب ، وحيدر مساد ، مكرم خلف محمد كريزان ، روزا السيد بغدادي ، عبد اللطيف ديدوش ، إبراهيم التكريتي ، رفاء صائب ، هداية مرزق ، عماد عبد القادر ...الخ
- مجموعة كتاب ومبدعو القصة القصيرة جدا : الومضة المتدحرجة خلق القص من الومض ، ص 9.
- المرجع نفسه ، ص12-13.
- المرجع نفسه، ص110.
- المرجع نفسه، ص154.
- المرجع نفسه ، ص115.


نشر في الموقع بتاريخ : الأربعاء 10 ذو القعدة 1438هـ الموافق لـ : 2017-08-02



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

ايام لها حضور بالتاريخ

17 أكتوبر 1961 اليوم الوطني للهجرة

.
مواضيع سابقة
مَا يُكتبُ فِي الْجَرَائِد ومَا يُقال في القنوات ..
بقلم : محمد الصغير داسه
             مَا يُكتبُ فِي الْجَرَائِد ومَا يُقال في  القنوات  ..


بونة تئد شعراءها وتلتهم مثقفيها
بقلم : الاستاذ عرامي اسماعيل
بونة تئد شعراءها وتلتهم مثقفيها


انتربولوجية القلب في قصيد ( وتعلم كم أنت عندي) للشاعر إسماعيل عريف..
الدكتور : حمام محمد زهير
انتربولوجية القلب في قصيد ( وتعلم كم أنت عندي) للشاعر إسماعيل عريف..


الروائي رابح بوشارب: أنا ضد تدريس اللغة الأمازيغية في المدارس و مقر الجاحظية ليس للبيع
حاورته : علجية عيش
الروائي رابح بوشارب: أنا ضد تدريس اللغة الأمازيغية في المدارس و مقر الجاحظية ليس للبيع


حوار مع الإعلامية رجاء مكي
بقلم : بلعامري فوضيل
حوار مع الإعلامية رجاء مكي


جاءت متأخرة
بقلم : محمد بتش"مسعود"
جاءت متأخرة


ومضةُ حنيـــنٍ وأنين
بقلم : البشير بوكثير
ومضةُ حنيـــنٍ وأنين


شبابنا
بقلم : عربية معمري
شبابنا


الاستاذ الملهم
الدكتور : بدرالدين زواقة
الاستاذ الملهم


جائزة السَّيف الشّرقي للأديبة آسيا جبّار حيَّرت كثير من النقاد
بقلم : علجية عيش
جائزة السَّيف الشّرقي للأديبة آسيا  جبّار حيَّرت كثير من النقاد




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1439هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com