أصوات الشمال
الجمعة 7 ذو القعدة 1439هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * ما مصير القوميات تحت ضغوط العولمة؟   * الحرّيّة ..مقال رأى   * القانون الأسوأ والاخطر في التاريخ    * مؤسسة المحبة و التضامن لولاية غرداية تحل بمدينة قسنطينة   *  لمقرّ سكني محطّتان.   * قصيدة _ انا في انتظارك امام هذا الضوء_ سليم صيفي الجزائر    * قصة قصيرة جدا / مدمن   * مهرة الأشعار   * اطروحة دكتوراه بجامعة عنابة عن الشاعر محمود درويش   * المجاهد القائد حسين بـــــــوفــــلاقـــــــة -الذكرى والعبرة-   * د. ماري توتري في غيهب الموت حياة نيرة    * حيِّ القديم   * مسافرة   * الندم افيّد للبشر / ( شرطي الأعماق ) (*)   * الأسطورة التاريخية الرمز الأنموذج الفريد من نوعه العم أحمد بيده بن الفسيان في ذمة الله.بمتليلي الشعانبة ولاية غرداية    * فهل رحلت أمي ياترى.. ؟   * رحلة قيام الصهيونية .....و أكذوبة أرض بلا شعب لشعب بلا أرض   * بياضات تلوّنها فلسفة الغياب في تجربة الشاعر المغربي محمد الزهراوي أبو نوفل   * المسافرة    * شاعر الحرية أمحمد عون في ذمة الله.    أرسل مشاركتك
خَيْرَة بنْتُ الرّاعِي..! الْحَلقة : .04..
بقلم : محمد الصغير داسه
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 960 مرة ]

يا ليْتني متُّ قبل أنْ ارَى العُمران خرابًا، والحوْش مهْجُورًا..؟ يا ليتني ندمْتُ قبل أنْ أغيب، حَتّى وإنْ كان الندَمُ يسْخرُ من الندم، إنّي اتفجّعُ وحْدِي، أتوجّعُ، ارَى الاشبَاح تحاصرني..تتطايرُ في الهوَاء..تتقافزُ، الأوْجَاعُ تسْخَرُ من ألأوْجَاع، الجرَاحُ تنزفُ قطرانًا، احْتسِي حَفْنة من الغُبار، اتلْحَّسُ بقايا القدُور المُتراميّة حُطامًا، اعْصرُ فمَ القِرْبة وقد كانت بطعْم مَادَة القطرَان تطفئُ عطش الصيْف، ارَى حُطام الصُحُون مُبعثرًا، وفناجين القهْوة معفّرة بالتراب..اقلب اقداح الطين والحلفة ..هذه {شكوى} مزّقتعا الذئاب، وتلك أوتادٌ غمرْتها الرِّمال، وهذه صهاريج الماء مُهشمة قرْب الزّريبة،

08- عادَتْ من غُرْبَتِها هَذا المَسَاء كرَعْشة صوْتٍ خَافت نديٍّ، كفرَاشة تاهَت وسَط العَصَافير، ما إنْ وصلت المَدينة حَتى يمّمت وجْهَها شَطر ريف البيرين {العلب} كانت تتبخْتر في شَالِهَا الابْيَض، تسْبحُ في بَحْر اضْطرَابها، لاأحدَ يُخفّفُ عليْها وطأة المَتاعِب ووعْثاءَ السّفر، طوَت المَمرَّات، بحَثت لها عَن فضَاءات تسَعُها، اسْتفاقت نادِمَة أن سَكنَت البَعيد، قضت سَنتيْن في حيِّ الكنَائن ب {اولاد فايت} تملمَلت في دُرُوب وَعِرَة لم تكن تعْرفُها، تسَلقت مرْكبَات لم ترْكبْها من قبلُ، تنقلت بيْن بيُوت أبْنائِها في صَمْت مُرْهف، والكنائن يرْفُضْنها، يَنظرْن إليْها بازْدرَاء واحْتقار، يُحَاوِلنَ ما أمْكن ابْعَادَها، فالأبوَاب تُغلق دُونها وفِي وجْهها، تحْلمُ بالرّحِيل إلى المجْهُول، كلت ومَلت وسَئِمَت التجوَال والوُجُوه العَابسَة، توغلت في المَتاهات، كحشرَة تنْشدُّ الآمَان، كانت تتهادَى في مشيتِها عبْر الاسْوَاق وفي دَاخلها انْتفاضة، وماعَرفت الاسْواقُ من قبل، تُناجي الذكريَات بعُيُون من حَنين، لم تعدْ خيْرة القويّة الذكيّة المُتوَقدَة حيويّة ونشاطاً، تغيّرت وتقيّر المكان والزمان، إنّها تقاومُ الاعْياء والهَواجس، وشيْءٌ من الاحْباط ، هيّ ابْنتُ كبيرالرُّعَاة، والرُّعاة خدمُوها بإخْلاص وخدَمتهُم بوَفاء، يُعذبها أنّها تركتهم في الرّخاءِ فتركوها في الشدّة، ومن حَقهم أن يترُكوا دِيارًا تخلى عَنْها أهلها، يُؤرقها أنَّها افتقدت اصْدقاءهَا وافتقدُوها، هُم في سُويدَاء قلبها، في أحْلامها.. في مَنامها..في قيّامها..في حَركاتها.. في سُكونها..تصرُخ، تنادي: أين أنتم يا أهلي وياعشيرتي؟ توزّعُ نظراتِها على المَكان، لاتصدِّق ماتراهُ، الحوْش صارَت جُدُرانهُ صمّاءَ لاتجيب، تجدِّدُ النداءَ المرّة تلو الأخْرى، تصرُخ: يا ليْتني متُّ قبل أنْ ارَى العُمران خرابًا، والحوْش مهْجُورًا..؟ يا ليتني ندمْتُ قبل أنْ أغيب، حَتّى وإنْ كان الندَمُ يسْخرُ من الندم، إنّي اتفجّعُ وحْدِي، أتوجّعُ، ارَى الاشبَاح تحاصرني..تتطايرُ في الهوَاء..تتقافزُ، الأوْجَاعُ تسْخَرُ من ألأوْجَاع، الجرَاحُ تنزفُ قطرانًا، احْتسِي حَفْنة من الغُبار، اتلْحَّسُ بقايا القدُور المُتراميّة حُطامًا، اعْصرُ فمَ القِرْبة وقد كانت بطعْم مَادَة القطرَان تطفئُ عطش الصيْف، ارَى حُطام الصُحُون مُبعثرًا، وفناجين القهْوة معفّرة بالتراب..اقلب اقداح الطين والحلفة ..هذه {شكوى} مزّقتعا الذئاب، وتلك أوتادٌ غمرْتها الرِّمال، وهذه صهاريج الماء مُهشمة قرْب الزّريبة، امْعِنُ النظرَ في الأشيَاء المُبعْثرة كلعْبة القطيع، أبحْلقُ في حُطام الأوَاني..هِيّ ذِي تدَنْدُ..تهْتفُ..تضعُ يديْها ورَاء ظهْرها مُتنهدة، تمْشي مُتثاقلة لتطوف بالحوْش طوَاف الوَدَاع، تبْتلعُ زَفراتِها، تسْأل بمرَارَة: يا إلهي.. لم تعُدْ هُناك اشجَارٌ ولا أزْهار ولا حَمَائم ترفرفُ، ولا كلابٌ تنبحُ ولا قطط تمُوءُ، ولاقطعان ولا حيونات تجُوبُ المرَاعي، ولا أبناء تفتخرُ بهم، كل شيْءٍ تحوّل إلى سَراب، إلى خرَاب، تغمرُها دهْشة بعْد دهْشة، ومن مَرابع الرُّعاة تخْطفُ اللآلام والآهَات والذكريَات، تتذكّر سُكان الحيِّ، تذكرُ من كان يُخاطبُها عبْر الحُجُب، ومن كان يجلسُ معَها ويرَاها وتراهُ، رحل الرُّعاةُ واحَسْرتاه..!، شحّت السّمَاءُ، جفّت الأرْض، اسْتكانت المزارعُ للخُمُول وللذبُول، تصحّرَت المرَاعي، غاب الرُّعَاةُ..واأسَفاه.! صارت الحياة هُنا غامِضة في القفار، الكلماتُ تبسُط أجْنحَتها، تسَابيح الغربان تتردّدُ، خيْرة النخلةُ االسّامقة تسْتبدُّ بها الصّعَاب والكرُوبُ، لم تعدْ تتحكّم في مَشاعِرها، تنهَمرُ الدُّمُوعُ من مُقلتيْها شَلالا، تقفُ مُنتصبَة مَبهُوتة مصْدُومَة، مُثقلة بالشعُور بالذَّنب، لا تعْرفُ طريق العوْدة ولا مِن أيْن ستبْدأ.. تشعُر بالضّيق الشديد، تعيشُث لحظات تُشبِهُ الهياج، كأنّها تجْترُّ حُطامَ عَذابِها، نهارُها يُصافحُ ريّاحَ المَساء، هبّت نسَائمُ الْحنين مع ذكريَات الرّوح، تنتظرُ الغمَام لتتبعْثر اشوْاقُها وفي رُوحِها إباءٌ، فهل تنْتصرُ على أوْهَامِها ؟ لا يَزال لديْها كبْريّاءُ وحُضُور بيْن العوَائل، تنتفضُ.. تعْتزمُ أنْ تبارحَ المَكان وقد اسْتشاظت غيْضا، لعل في المَدينة ابْناءَ الرُّعاة الميسُورِين يُسْعفُونها، لاتشك في ذلك، فلقد صارَلهُم حُضورٌ قويٌّ في الذاكرَة الاجْتمَاعية ومَال وفيرٌ، وبيُوتٌ كالقُصور ومُتكآت.


09- هيّ الظرُوف تسْرقُنا، تُغْرينا.. تجلدُنا.. تُذِلنا..أمّا الكلمَاتُ الدّافئة الصادقة فتأسَرُنا، لأنّ لها أبعادٌ حَقيقية ودلالات اكثر عُمْقا وجَمَالا، تقول: – وهي عَائِدَة من الشمال- تُحدّثُ نفسَها، هل نبْقى مُتفرِّجين نعيش البُكائيات وعلى فتاةِ الماضي نقْتاتُ، نُناجي الذكرَيات بعُيُون من حَنين، نتساءل ونتألمُ؟! أمْ نصمُد ونلتزمُ الصّمت؟ وفي الصّمْت فوائد، لكن لا بدّ أنْ نتجدّد مادُمْنا نحْمِل بذْرَة العَطاء، اذ الكلماتُ المُرْتعِشة سَتبقى تتردّدُ، تمتصُّها الآذانُ الصّاغية، تكتحِلُ بها العُيُون، تشرئِبُّ لها الأعْناقُ، في ملامِحنا حَقائبَ مُرحَّلة، الرّحْلة شَغَفٌ مَكلومٌ، في خيَالِنا اسْئلة حَالمَة، الأحْلامُ حُرُوفُها تتدفق من حُولناعطرًا، الايّامُ تحْنُو عل الغُربَاء كيْمَاء الفُقراء بالألق والنّضَارَة، هيَّ تلتقط الاسْرار والخفايا..فمن يُجيبها؟ الأحْلام البيْضاء مُجنّحة بالآمال، في مِخْيال خيْرةعلاماتُ اسْتفهام باذخة تتردّدُ باسْتغرَاب، بعضُها مُثيرٌ، الكثيرُ منها يُسافرُ باتجَاهِ القلوب الطيّبة والأحْداق.. تنْتشِي رُوحُها فخرًا..تنشدُ نهْضة وقودُها فعْل الخيْرات، وإدْخال المَسرّات، تُدْركُ بعُمق تفكْيرها ورجَاحة عقلها، ما يجبُ فعلهُ فيما تبقى من العُمر،.كلماتُها تتسَللُ إلى النُّفوس على مَهلٍ كضباب الخَريف، ترْتشفُ اطلال وحْدتها على مضَض، يتضرَّجُ وجْهُها النَّضر بحُمْرة الخجَل، نسَاءُ الرِّيف بطبْعِهن خجُولات..كيّسَات..صابرات، فمن وسَط العائِدات من الرّيف اللواتي خرجْن هذ المساء في اسْتقبالها، ينْبعثُ صوْتٌ سجيُّ مسْمُوعٌ يُطالبْنها بإلبقاء معهُنّ عزيزة مُبجّلة، يعْترفن لها بالْجَميل، المدينة تريّفت بفعْل النزُوح وصارت امتدادًا لثقافة البدْو، هيّ تعتزمُ مُساعد الارَامل وترقيتهن بانْجاز مشارع دِينية تربويّة اجْتماعيّه، مسْجدًا ومَقرأة وحمامًا، تسْتجيبُ لرغْبتهن في العيْش الكريم، لتَتخلصَ من لحَظات الضّعْف والانْكسار{اذا هبّت ريّاحُك فاغتنمْها** فإنّ لكلِّ خافِقة سُكُون} رحلت من بيْتها في الرّيف ذات شتاء بدُون اسْتئذان، تناسَت الحياة في البادية، لازمَها اليَأس، رغم المرَارة كانت اسْعدَ الناس، تتحدّثُ عن الرّحيل والوداع، تقول أنّها صبرت، وأنّها تجاوَزت أخطاءَها، تذكّرت حَسناتها،عشقت الصّمْت والجرَاح، كبُرت حيْرتُها، اقتنعت بأنّ الحياة فرْصة لتعْميق الحُبّ، هيّ تجتهدُ لتعيدَ لِنفسها حياة العِزّة والكرَامَة في ابْهى صوّرها، فالذِي يفقدُ عرْشه كأنّه فقدَ ملكه، لكن لا مَناص للعُظماء والفضليات – بخاصة - من الاذْعان لواقع مكدُودٍ فرَض نفسه، باعت الأرَاضي للرُّعاة ألأثريّاء، من أجْل أنْ يخرج مشرُوعها المُضِيء في ابْهَى حلله، ما اسْعدَ مَن يتدارك الفُرص الثمينة..! اذْ الاعْتِذارُ للحَياة ليْس إحْباطًا، بل هو احْترامٌ للذات، وأسْلوبٌ راقي يُحرّْرنا من الأنانيّة، يجْعَلنا نكسبُ الآخرين..نتخلصُ من التأسُف والتشكي إذ { الشكوى لغير الله مذلة} تسْتعِيد الهدُوءَ الذي افْتقدته في ضَجيج الأحْداث، تمْضي تدير شأنها بوعْي واقتدار، يتمَاوجُ حَنينُها، يشتدّ اثر الشوْق لديْها، فجْر المدينة لايخْتلف عن فجْر الرِّيف إلا فِي صيّاح الديك، في المدينة النساء الارَامل كائناتٌ يعْتكفْن على بُؤسِهن كالبُوذيّات، يقصُدْن الحَمّام للتبرك والتجارة، يتردّدُ اسْمُ خيرة وقد ذاع صيتها، حمّامُ الحاجة خيْرة بنت الراعي، مَنارة الحُبِّ المُعَطر والسّعاة الغامِرة، وصدق الوَفاء، كاللبوءة تجْلس في بهْو الحمّام توزِّع ابْتسَامَاتها، تُتابع دُخول النسْوة وخُروجهن بشَغف، ومن حَولها مُتكآت، تحْتسِي فنجان القهوة، وفي السنيّة فواكه وأكواب العَصير وأصْناف الحلوى، تُعانق الكلمات، ولحديث النّساء المتسوِّقات شهواتٌ أخْرى، خيرة ترمُقهُن بنظراتٍ عَفويّة وفي داخِلها أسْئلة تُغازل اوْرَاق العُمر، تلتفتُ إلى الماضي، تُريدُ قبْر أحْزَانها، باسْتعادة أبنائها، فهل ترْتدِي الطريق من جَديد...؟ لم يَعدْ في مُتناولها فعْل شيْء إلا الدُّمُوع حِبْرًا تكتبُ به أوجَاعَها..وما عسَاها تفعل غير التأسُّف والبُكاء...!!
انتهى


نشر في الموقع بتاريخ : الاثنين 9 شوال 1438هـ الموافق لـ : 2017-07-03

التعليقات
عبير البحر
  (هيّ الظرُوف تسْرقُنا، تُغْرينا.. تجلدُنا.. تُذِلنا..أمّا الكلمَاتُ الدّافئة الصادقة فتأسَرُنا، لأنّ لها أبعادٌ حَقيقية ودلالات اكثر عُمْقا وجَمَالا..)بورك القلم و الصدق و الجمال ..خالص التحايا و الامتنان  


محمد الصغير داسه
 والله ايتها الاديبة والكاتبة عبير البحر.. اسعد كثيرا بكلمات ذات البعد الدلالي..واعتز بك اديبة وقارئة وناقدة وشاعرة وباحثة كل هذه وغيرها مجتمعة..في شخصك الكريم...واذ نحتاج الى قامات شاخصصة مثلك فاننا والله ممتنيين ششكرا عبير 




أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1439هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com