أصوات الشمال
الأربعاء 10 جمادى الأول 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * وللنساء جنون آخر   * محافل الثقافة العربية بين قلق الرّسالة وشحّ الدعم /حوار مع الشاعر والكاتب التونسي خالد الكبير    * المبدع عزالدين شنيقي ابن سكيكدة يصدر رواية "الانهيار"   * أمثال عربية أندلسية   * الثقافة الجماهيرية وقيادة شراع الإعلام الاجتماعي   * العولمة وتأثيرها على الرياضة في الوطن العربي    * رواية العزلة .للكاتب خالد الهواري   * يناير والانتقال الضروري من الطابع الفولكلوري إلى البحث العلمي:   *  إشكالية الـحب في الـحياة الـفكرية والروحية في الإسلام    * في أصل الامازيغ..عودة لتاريخ الكنعانيين واساطيرهم   * lما يمكن لرواية أن تفعله بك   * مشكلة الأمازيغية: اللغة والثقافة والهوية   * حوار مع لاعب وفاق سطيف قدور شايب ذراع ( علي حداد)   * في الحزن الباعث على الموت و الحزن الباعث على الحياة   * " أصداء مجاورة الموتى" زجليات التقنّع بالخطاب الصّوفي   * رحلة الى المشتهى   *  أنا، دون غيري.   * البقاء للأصلع    * لا ديموقراطية بالفن..... وديكتاتورية الإخراج   * مثل الروح لا تُرى    أرسل مشاركتك
(( الجمال يواجه قبح العالم ...قراءة في ديوان " الصعود على ظهر أبي" للشاعر قاسم سعودي))
بقلم : إبراهيم موسى النحّاس
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 1060 مرة ]
غلاف الديوان

قراءة نقدية في ديوان (الصعود على ظهر أبي) للشاعر العراقي قاسم سعودي


الشاعر ابن البيئة التي ينشأ فيها وهو أحد أهم أيقوناتها , يتبادل معها التأثير والتأثر , من هنا يلعب المكان والواقع المحيط بالشاعر أكبر الأثر في تشكيل رؤية المبدع , والشاعر قاسم سعودي في ديوانه الجديد" الصعود على ظهر أبي" يقدم لنا رؤية تقوم على مواجهة قبح العالم بالجمال الفنيّ , جمال الشعر في مواجهة الفقر والحرب بدءًا من العنوان الذي حارب فيه الفقر حين قال: (( مرَّة تأخَّرتُ في العودة إلى المنزل/ فذهب أخي حافيًا إلى المدرسة)) كما يواجه قبح الفقر في تلك اللوحة الفنية الرائعة التي رسمها في قصيدة " ثوب العائلة في ص 11 حين قال: (( أعرف عائلةً لا تمتلك سوى ثوبٍ واحدٍ/ ترتديه الأمُ إلى السوقِ/ يلبسه الأبُ في الذهاب إلى المسجد/ ويطير به أطفالهما الثلاثة إلى المدرسة/ ذاتَ يومٍ/ مات الأبُ في الطريقِ/ فبقيَتْ العائلةُ عاريةً في المنزل)) .
وبالجمال الفنيّ في الديوان يواجه الشاعر قبح الحرب , وتكاد تكون صورة الحرب القاتمة وويلاتها هي المسيطرة على معظم قصائد الديوان ليصبح الديوان بمثابة الصرخة التي تعلن رفض الحرب وقتل الإنسان لأخيه الإنسان مهما كانت الأسباب , ونجد في قصيدة " قميص بغداد" الكراهية للحرب حتى عند الحيوانات كالقطط مثلًا فيقول في ص 20-21: (( حسنًا/ أنا أتجوَّلُ الآنَ في شوارع بغداد سعيدًا بقميصي الجديد/ ولا أعرف لماذا يحدث ذلك في كُلِّ مرَّةٍ/ مَثلًا/ كيف لي أن أغازلكِ تحت قصف الطائراتِ/ وهل ستهرب الصواريخ عندما أقول أحبكِ/ وكيف للجدار أن يقع وهو يلامس ظهركِ/ وقمصانكِ لماذا هي سعيدة/ وأنتِ تغطين بها أجساد الصغارِ/هل تستمتعين لصوت القذائف الآنَ؟/ هذا صوت رأسي/ انتبهي لِقِطَّةِ المنزلِ جيدًا هي تكره الحرب أيضًا/لا تنسي زجاجة عطركِ التي توشك على النفاذ/ رُبَّما العطر يُبعد قليلًا تلك الصواريخ)). حتى إنَّ القُبلة الصغيرة من الفتاة على قميصه تصبح مجرّد حلم أمام الجنازات التي تمرُّ على أصابع القتلى حين يقول في ص 72-73: (( لا أعول كثيرًا على القُبلة الطويلة في الشارع/ بمجرد أن تنتهي منها/ تنهال على رأسكَ الهروات والشتائم والنظرات/ الغاضبة/ يحدث هذا على بُعد مدينتين من صديقتي التي تحب الناس جميعًا/ وتحلم بقُبلةٍ صغيرةٍ على قميصي/ قميصي الذي يكذب مثلي/ ويذهب كل ليلة إلى المسجد بآلة موسيقية مرسومة على صدره/ آهٍ / لمَن هذه الجنازة التي تمشي على أصابع القتلى/ ولماذا وحدها العصافير تتذمَّر من بيوت الفقراء)).
وعلى المستوى الفنيّ اعتمد الشاعر على قصيدة النثر القصيرة لتمثل كل قصيدة مشهدًا أو لوحة فنيَّة مكتملة العناصر حتى وإن طالت القصيدة – كما في القصائد الطويلة التي جاءت في نهاية الديوان كقصيدة" تقشير المنزل"- لكنَّه يقسِّم القصيدة الطويلة أيضًا إلى عدد من المقاطع القصيرة التي تقوم على التكثيف الدلالي والمفارقة في نهاية المقطع /القصيدة , مثلما فعل في نهاية قصيدة " الحصول على حياة ثانية" ص 109 حين يقول: (( ماذا لو حصل الموتى على حياة ثانية / الجنود مَثَلًا/ هل سيعودون إلى الحربِ؟/ بائع الحلوى الذي مات دون أن يحصل على غُرفة/ واحدة/ الفتاة التي لم تجد ثمن الدواء لأمها المصابة بالربو/ الطفل الذي يزحف بلا قدمين ولا كرسيّ متحرك/ وتلك العجوز التي تحمل على ظهرها منازل الشهداء/ هل يفكِّرُون في العودة؟/ وأين سيذهبون في هذه الحافة المُدبَّبة من العالَمِ؟/ آهٍ/ الشمس قريبة من رأسي/ وما ألذَّ الشايَ في بغداد)).
وقد استفاد الشاعر في بنية القصيدة السردية من لغة القصة القصيرة التي أحبَّها إلى حد إنجاز مشروع " تعالَ نكتب في بغداد" حيث القيام بِوِرَش عمل لأطفال المدارس ببغداد لاكتشاف المواهب وتدريبهم على كتابة فن القصة القصيرة وطباعة أعمالهم. ونلمح هذا الطابع القصصي القائم على الحكاية في كثير من قصائد الديوان مثل قوله في ص 121: (( في منزل جارتنا العجوز/ ثَمَّة شمعةٌ صغيرةٌ لم تنطفئ منذ ثلاثة شهورٍ/ قالت: إنَّ وَلَدَها الجنديّ أوقَدَها في آخرِ ليلةٍ له في المنزلِ/ ولَمْ يَعُدْ بَعْدَ ذلكَ)).
ومع توظيف السرد القصصي القائم على الحكاية واللغة القائمة على التكثيف الدلالي كان من الطبيعي أن يقوم الخيال في الديوان على توظيف الصورة الكُليَّة التي تهتم بالتشكيل البصري ليرسم الشاعر لوحة فنيَّة أو مشهدًا متكاملًا بكُلِّ عناصره وتفاصيله , وقد جاءت تلك الصور في معظمها جديدة ومُبتكَرة بل وتصل لحد الغرابة التي تؤدي للدهشة الفنيَّة لدى القارئ أحيانًا مثل ذلك المشهد في قصيدة "زجاج أخي " في ص 12-13 حين يقول: (( أخي طفلٌ من زجاج/ تخاف عليه أمِّي كثيرًا/ لا يلهو عادةً على ظهر أبي/ عندما نتشاجر مع أولاد الجيران نجعله خلفَنا/ نحرسه حين يركضُ/ وعندما ينام/ نخاف أن ينقلب فتحزن أمِّي/ لا يأكل شيئًا سوى ضحكاتنا/ ونحن نسرق الطعام الذي لم ينضج بعد من المطبخ/ يبرق طوال اليوم/ لهذا عشقته صغيرات الجيران سريعًا/ لم يذهب إلى المدرسة/ مخافة أن يرميه الأطفال بالحجر/ لا يحب الثياب كثيرًا/ فيخرج عاريًا إلى الشارع/ أخي الذي من زجاج/ شاهدَ اليومَ جنازة شهيدٍ فانكسَر)). أو تلك الصورة الرائعة للشجرة التي أمام البيت والتي رسمها في ص 43 حيث يقول: (( الشجرة اليابسة التي تقف عند بيتنا/ أكلَتْها الهزائم شيئًا فشيئًا/ قرَّرتْ أمِّي أن نقطعها/ وعندما شَرَعْنا بذلك/ سقطَتْ من أوَّلِ ضربةٍ صورة أبي وهو يزرعها/ مع الضربة الثانية صورة أمِّي بثياب العُرْسِ/ مع الضربة الثالثة صورة توابيت أخوتي/ وفي الضربة الرابعة/ سقطَتْ الشجرة/ وبكينا حتى الصباح)).
من القراءة السابقة يمكننا أن نقول إن ديوان " الصعود فوق ظهر أبي" هو بمثابة توظيف لجمال الروح والفن في مواجهة قبح العالم المتمثل في الفقر والحرب بويلاتها في قصيدة نثرية تقوم على التكثيف الدلالي والاستفادة من الأنواع الأدبية الأخرى كالقصة القصيرة معتمدة على الخيال الكُلِّي والصورة الشعرية المبتكرة لنجد أنفسنا أمام تجربة شعرية تؤكد وعي كاتبها وسعيه نحو صوت شِعريّ متفرد يأبى تقليد أيّة نماذج سابقة عليه

نشر في الموقع بتاريخ : الأحد 8 شوال 1438هـ الموافق لـ : 2017-07-02



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

مواعيد ثقافية " رؤى "

برنامج " رؤى " مع الاعلامية غنية سيد عثمان

اصوات الشمال
مواضيع سابقة
إشكالية الـحب في الـحياة الـفكرية والروحية في الإسلام
الدكتور : محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة
        إشكالية الـحب في الـحياة الـفكرية والروحية في الإسلام


في أصل الامازيغ..عودة لتاريخ الكنعانيين واساطيرهم
الدكتور : وليد بوعديلة
في أصل الامازيغ..عودة لتاريخ الكنعانيين واساطيرهم


lما يمكن لرواية أن تفعله بك
بقلم : جميلة طلباوي
lما يمكن لرواية أن تفعله بك


مشكلة الأمازيغية: اللغة والثقافة والهوية
بقلم : أ.د.أحمد زغب
مشكلة الأمازيغية: اللغة والثقافة والهوية


حوار مع لاعب وفاق سطيف قدور شايب ذراع ( علي حداد)
بقلم : حاوره: البشير بوكثير
حوار مع لاعب وفاق سطيف قدور شايب ذراع ( علي حداد)


في الحزن الباعث على الموت و الحزن الباعث على الحياة
بقلم : حمزة بلحاج صالح
في الحزن الباعث على الموت و الحزن الباعث على الحياة


" أصداء مجاورة الموتى" زجليات التقنّع بالخطاب الصّوفي
بقلم : الشاعروالناقد المغربي احمد الشيخاوي



رحلة الى المشتهى
بقلم : حورية ايت ايزم
رحلة الى المشتهى


أنا، دون غيري.
بقلم : فضيلة زياية ( الخنساء).
                                        أنا، دون غيري.


البقاء للأصلع
بقلم : طه بونيني
البقاء للأصلع




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2019م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com