أصوات الشمال
الأحد 9 ربيع الثاني 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * تراتيل الفجر   * أحزان وأحلام متكسرة - قراءة في ديواني تميم صائب (حزن الجواد المتعب وحزة السكين)   * من دفتر الذكريات    * الكتابةُ لحظة ُوعْيٍ..   * مع الروائي الشاب أسامة تايب    * اتحاد كتاب فرع سيدي عيسى و النادي الأدبي يذكران بأحداث 11ديسمبر    * الدكتور الأنيق لا يضرب إلّا بالهراوات، أحمد سليمان العمري   * حوار خاص مع الشاعرة الفلسطينية هيام مصطفى قبلان   * النخبة تسترجع الأيام الذهبية لإتحاد الكتاب الجزائريين في ذكرى رحيل الأديب مصطفى نطور    * في الثقافة الجزائرية في القرن العشرين   * مثل الروح لا تُرى   * اليلة   * في وداع المربية المرحومة أميرة قرمان - حصري    * سطوة العشق في اغتيال الورد   * ما يمكن لرواية أن تفعله بك   * اتحاد كتاب بسكرة يوقّع: لقاء ثقافي مع النّاقد والدّبلوماسي إبراهيم رمّاني   * الدّراسات الثّقافية ..والنّقد الثّقافي بين..مالك بن نبي والغذّامي..   * فلسطينيون: لا نريد شيئا سوى أن نحظى بفرصة العيش في سلام   * ملامح من ديوان مزيدا من الحب للشاعر عبد العلي مزغيش   *  احتفاءٌ بعالم...مآثرٌ تُنشر، ومفاخرٌ تُذكر    أرسل مشاركتك
وصايا الجدّة.. تميمة الحياة
بقلم : جميلة طلباوي
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 918 مرة ]

إلى أمّ أمجد

يتناهى صوت الجدّة إلى سمعي و هي توصي المولود الجديد في احتفالية العقيقة، تدافعت الوصايا أشبه ما تكون بتمائم علّقت على شجرة حياته التي ستعرف لحظات تورق فيها أزهارها، و لحظات تَحوَل الزهرة إلى ثمرة قد لا تذو ق حلاوتها ، و قد لا تتعرّف على اليد التي قطفتها، ستعرف رياحا عاتية تكابد خلالها الهلع من اقتلاع جذورها ، و ستطمئن لقطرات الغيث المتناسلة من السماء تغسلها و تعيد الألق لأوراقها. ستدركها كآبة فصل الخريف فتيبس أوراقها و تتناثر لتملأ وجه الأرض.
مدّت العجوز يدها المعروقة ،حكّت أذن المولود الجديد و هي تكرّر قولها على إيقاع زغاريد النسوة:" كاين الله ، و كاين الرسول، كاين أمك فلانة و كاين أبوك فلان " و راحت تعدّد أسماء أفراد العائلتين ، التفتت إليها امرأة التحفت رداءا مزركشا و اشتغلت بإطلاق البخور و تمتمت : و كاين الرعد و كاين المطر ، كاين البرد و كاين السخانة " و توالت وصايا الجدة تحك أذن الصغير و تمتم بصوتها الهادئ المصقول على حجر الخبرة في هذه الحياة.
كنت حينها أشتمّ رائحة البخور الزكية و عيني على إناء الماء ، الذي قامت فيه الجدّة بطقوس الغسل الأكبر و الوضوء للصبي الصغير الذي مرّ على خروجه إلى هذه الحياة أيام سبع ، كما السنابل السبع الممتلئات. منظر قنّينة الكحل و المرود جعلني أسترجع لحظة أمسكته الجدة بعد أن ألبسته ملابسه الجديدة و قامت بتمرير المرود بين جفنيه و هو هادئ مستمتع بعد أن شبع من حليب أمّه، و كأنّني به أدرك بحاسة ما أنّ يومه هذا استثنائي في حياته ، يوم أرادته الجدّة بوصاياها قاعدة تبني عليها عمره بأكمله ، تساءلت في لحظة شاردة : أين ذهبت وصايا جدّات التعساء في هذا العالم، لما لم تستقر في شريط العمر منذ البداية ؟
و استقرّ نظري على وجه الصبي الملائكي و هو يحاول تحرير يديه من قماطة القماش التي لفته بها الجدة و أحكمتها على مفاصله ليكون قوامه أجمل في المستقبل. هذا الصبي الذي كان مجرّد أمنية حملها قلب الأمّ الشابة ، تحرّك يوما في أحشائها ، طارت فرحا، تناسلت أحلامها به منذ أن يولد إلى أن يكبر و يصير طبيبا أو مهندسا ، ها هو اليوم أمامها خرج من سكينة رحمها إلى هذا العالم الذي يعجّ بالآلام فربطت منديلا على رأسها وضعت فيه حلقا من فضة كإشارة للمولود الذكر ، ها هو اليوم أمامها تعدّه الجدّة لمجابهة الحياة بحلوها و مرّها ، بحقائقها المفجعة و بلحظات السعادة القصيرة فيها ، تهادت لحظتها في ذهني الشارد مقولة جبران خليل جبران :"عندما كنت كلمة صامتة بين شفتي الحياة المرتعشتين ، كنت أنا مثلك كلمة صامتة ، و ما أن تلفظت بنا الحياة حتى برزنا إلى الوجود و قلبانا يخفقان بتذكارات الأمس و الحنين إلى الغد ، و ما الأمس سوى الموت مطرودا و ما الغد سوى الميلاد مقصودا ."
تقوم الجدّة منتصبة تفوح منها رائحة القرنفل و الأعشاب البرية التي مشطت بها شعرها ، مسبلة ضفيرتيها وراء ظهرها ، تحمل الصبي بين يديها تتبعها الأم الشابة و تتبعهما النسوة في موكب لتعريف الصبي بغرف البيت و زواياه، تلقنه الجدة أبجديات سكن جديد و هو الذي ألف رحم أمه سكنا له.
تتعالى الزغاريد توزع قطع الحلوى على الأطفال، و من وسط النسوة تخرج طفلة صغيرة هي الحفيدة المدللة ، تلتحف منديل الجدّة و ترقص مبتهجة و هي تغني:" سيري و ميحي يا أم البنات ، عايشة مشات و أنا ليك يا الكوزينة ".تتحسس أم الوليد القرط في منديلها و في داخلها تنبت أمنية أن يكون المولود القادم أنثى.

نشر في الموقع بتاريخ : الثلاثاء 25 رمضان 1438هـ الموافق لـ : 2017-06-20



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

مواعيد ثقافية " رؤى "

برنامج " رؤى " مع الاعلامية غنية سيد عثمان

اصوات الشمال
مواضيع سابقة
حوار خاص مع الشاعرة الفلسطينية هيام مصطفى قبلان
حاورها : عبدالكريم القيشوري
حوار خاص مع الشاعرة الفلسطينية هيام مصطفى قبلان


النخبة تسترجع الأيام الذهبية لإتحاد الكتاب الجزائريين في ذكرى رحيل الأديب مصطفى نطور
بقلم : علجية عيش
النخبة تسترجع الأيام الذهبية لإتحاد الكتاب الجزائريين في ذكرى رحيل الأديب مصطفى نطور


في الثقافة الجزائرية في القرن العشرين
بقلم : إبراهيم مشارة
في  الثقافة الجزائرية في القرن العشرين


مثل الروح لا تُرى
بقلم : الدكتور/ محمد سعيد المخلافي
مثل الروح لا تُرى


اليلة
بقلم : أ/عبد القادر صيد
اليلة


في وداع المربية المرحومة أميرة قرمان - حصري
بقلم : شاكر فريد حسن
في وداع المربية المرحومة أميرة قرمان - حصري


سطوة العشق في اغتيال الورد
الدكتور : حمام محمد زهير
سطوة العشق في اغتيال الورد


ما يمكن لرواية أن تفعله بك
بقلم : جميلة طلباوي
ما يمكن لرواية أن تفعله بك


اتحاد كتاب بسكرة يوقّع: لقاء ثقافي مع النّاقد والدّبلوماسي إبراهيم رمّاني
بقلم : عبد الله لالي
اتحاد كتاب بسكرة يوقّع: لقاء ثقافي مع النّاقد والدّبلوماسي إبراهيم رمّاني


الدّراسات الثّقافية ..والنّقد الثّقافي بين..مالك بن نبي والغذّامي..
بقلم : محمد جلول معروف
الدّراسات الثّقافية ..والنّقد الثّقافي بين..مالك بن نبي والغذّامي..




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com