أصوات الشمال
الجمعة 12 جمادى الأول 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * ما يجب أن يكون للنهوض بالمجتمعات العربية   *  قراءة أولى في القصيدة الفائزة في "المنارة الشعرية في وصف جامع الجزائر الأعظم"   *  للبرد صهيل الأوسمة.   * رحلة المشتهى او حفر في صورة "العشيقان" .......نقد د.حمام محمد زهير   * وللنساء جنون آخر   * محافل الثقافة العربية بين قلق الرّسالة وشحّ الدعم /حوار مع الشاعر والكاتب التونسي خالد الكبير    * المبدع عزالدين شنيقي ابن سكيكدة يصدر رواية "الانهيار"   * أمثال عربية أندلسية   * الثقافة الجماهيرية وقيادة شراع الإعلام الاجتماعي   * العولمة وتأثيرها على الرياضة في الوطن العربي    * رواية العزلة .للكاتب خالد الهواري   * يناير والانتقال الضروري من الطابع الفولكلوري إلى البحث العلمي:   *  إشكالية الـحب في الـحياة الـفكرية والروحية في الإسلام    * في أصل الامازيغ..عودة لتاريخ الكنعانيين واساطيرهم   * lما يمكن لرواية أن تفعله بك   * مشكلة الأمازيغية: اللغة والثقافة والهوية   * حوار مع لاعب وفاق سطيف قدور شايب ذراع ( علي حداد)   * في الحزن الباعث على الموت و الحزن الباعث على الحياة   * " أصداء مجاورة الموتى" زجليات التقنّع بالخطاب الصّوفي   * رحلة الى المشتهى    أرسل مشاركتك
الصلاحية
بقلم : أ/عبد القادر صيد
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 709 مرة ]
شاعر و قاص

خرجت في إحدى الأمسيات أبحث عن مكان أضع فيه نفسي ، رحت أتابع ملامح الراجلين و هي تتلوّن لي ابتساما و تعجبا كفلم صامت ، دون أن تصلني أصواتهم التي في حقيقة الأمر كانت تلعنني لعنا

خرجت في إحدى الأمسيات أبحث عن مكان أضع فيه نفسي ، رحت أتابع ملامح الراجلين و هي تتلوّن لي ابتساما و تعجبا كفلم صامت ، دون أن تصلني أصواتهم التي في حقيقة الأمر كانت تلعنني لعنا صارخا وراء زجاجات عيونهم على دخولي هذه السوق الضيقة بسيارتي ، لا يجرؤون على المجاهرة بذلك لسبب بسيط ، و هو أني أقود سيارة فاخرة ، و أتقمص وجها عابسا متعاليا ، لو قُدر و انفلتت مني ابتسامة بالخطأ ، فسأكون هدفا لوابل من الشتائم أو ربما لركل العجلات بأقدامهم الغاضبة نكاية بي و استشفاء ،لذلك بقيت متحصنا باصطناع اللامبالاة ، و أشقّ جحافل المتسوّقين بكل ثقة ،إلى أن قابلتني وسط الطريق عظام بالية مكسوة بجلدة ،في تقديري أنها لا تزن رطلين ، عرفت تسميتها من خلال عبارتها
ـ حاذر ، أمامك عجوز..
توقفت عازما على حملها و إيصالها معي ،محاولا التكفير عن ذنبي في محاصرتهم ،كثرت الاحتجاجات على شكل همهمات غير واضحة ، فلا يتوقعون من مالك سيارة فخمة أن يتنازل ليساعد أمثال هذه الكائنات ، و ما إن رأوني أقترب منها ، و أساعدها على الركوب حتى هدأ تذمرهم ، لكنهم بقوا متحفظين في الثناء ..تعجبت عندما رأيت رفقتها سلعة كبيرة ، كأنها تخشى اندلاع الحرب ، الحمد لله على أن الشباب ساعدوني على حملها ، و شققت طريقي يعينني بعضهم في فضّ الزحمة من أجل عيون العجوز التي تتكئ كالسلطانة خلفي، ما أشد طيبة هذه الكائنات !بقيت أثناء الطريق أتوقّع في أي لحظة أن تفارق الحياة من شدة هزالها، و كبرها . عندما رشقتها بنظرة في المرآة العاكسة كان أول ما جلب انتباهي هو بروز عروقها الخضراء ،كأنها ممرات ضيّقة سدت على روحها كل منفذ للخروج ، ما سبّب في تعميرها إلى هذه المرحلة ،تتفرع هذه العروق تفرعا أسطوريا ، حتى تصير كالعرجون القديم ، ثم رأيت وجهها، فإذا هو جلدة بيضاء لا فسحة فيه لتجعيدة جديدة مهما كانت صغيرة ، يبرهن على العلامة المسجلة تلك الوشوم الفلكورية المزغردة على جمر ولائم جاهلية النكهة ، استدرت إليها:
ـ وجهتك أيتها الحاجّة ؟
ـ أمك هي الحاجّة ، التفت إلى الأمام أيها الوقح..
قالت هذا و ضربتني على كتفي ،فامتثلت لأمرها ، و سألتني:
ـ ابن من أنت ؟
ـ أنا في سن يليق به سؤال : أبو من أنت ؟
ـ إذا بلغت مائة سنة مثلي ، يحق لك هذا التبجح ، ما اسم أمك ؟
ـ عائشة..
عرفت بالحدس أنه ليس اسم أمي ، فقد تعلمت منذ الصغر أن لا أبوح باسم أمي إلا أمام الحالة المدنية ، أما عدا ذلك فعيب ، عيب..
ـ عرشك ؟
ـ العرش الفلاني
ـ سبحان الله ، عرش مفلس خائب يخرج منه شخص مثلك ، لقد انقلبت الدنيا..
فما أدري هل من اللائق أن أحسّ بالفخر أو بالانزعاج ؟بينما هي تبدو غير مكترثة بي ، بل انطلقت في موجة هستيرية تحدثني عن نقائص و فضائح كل عرش ، و أنا أستمتع بذكر مثالب قبيلتي . عندما أوصلتها إلى منزلها ، نادت أبناء الحي .فأنزلوا مشترياتها ، و أدخلوها إلى مكانها ، ناولتهم بعض النقود ، فقبّلوا يدها بهيبة ،و أرجعوا إليها مفتاح المنزل ، ثم قالت لي:
ـ أكمل صنيعك ،و أوصلني إلى حي (حوزة الباي) ، فإنني أنتظره منذ شهر.
فكرت فيما يمكن أن تنتظره هذه المعمّرة غير الموت ، فإذا هي تخبرني أنها تنتظر أجرة كراء منزلها مبدية لي شكوى مريرة من مماطلة المستأجر ، إلى أن وصلنا إليه ، وأشبعته شتما و اتهاما بالطمع و التحايل و كلّ ما هو وضيع ، حتى استحييت منه ، أما هو فالظاهر أنه قد أعدّ لها مبلغ السنة المقبلة كما هي عادة الكراء في هذه البلدة ، لكنه يبدو أنه لا يريد أن يناولها إياه إلا بعد أن تشنّف أذنيه بسمفونيتها المعهودة ،ما جعلني أعتقد أنهما متفقان على هذه الطقوس كل مرة ،رجعت بها ، فأوقفتني أمام البنك أين أودعت دراهمها بسرعة ، و رجعت كالشبح ، لم أنتبه لركوبها إلا بعد صوت غلق الباب ، دعتني إلى تناول الشاي ،دخلت منزلها ، فإذا هو غرف كبيرة مملوءة دقيقا ، كأني في جمعية خيرية:
ـ سيدتي ، لم كل هذا الدقيق ؟
ـ أخشى الجوع ، فإنني أشتري كل يوم كيسا منه ،حتى إذا انقطع لأمر من الطوارئ لم أحتج إلى المخاطرة للخروج من المنزل ، لا أهل لي و لا ولد ..لم تجرّب الجوع يا بني ..لم تجربوّه كلكم ، كما لم تجربوا الخوف..
ذرفت عيناها ، فتعجبت من قدرتها على البكاء ، و احتفاظها بزاد من الدموع حتى هذا السن، ثم أخبرتني أنها تدّخر الأكياس منتهية الصلاحية في القبو ، توسلت إليها:
ـ اسمحي لي من فضلك أن أنضم إلى أكياس القبو..
ـ لك ذلك ، قبلت أن أؤجر لك غرفة ، بشرط أن لا تلغي الاتفاق بسبب الفئران ، اكتب ذلك في العقد..
نفذتُ شرطها ، و من ذلك القبو، و بجانب أكياس القمح منتهية الصلاحية بعثت لكم هذه القصة..


نشر في الموقع بتاريخ : الثلاثاء 18 رمضان 1438هـ الموافق لـ : 2017-06-13



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

مواعيد ثقافية " رؤى "

برنامج " رؤى " مع الاعلامية غنية سيد عثمان

اصوات الشمال
مواضيع سابقة
الثقافة الجماهيرية وقيادة شراع الإعلام الاجتماعي
بقلم : د. سكينة العابد
الثقافة الجماهيرية وقيادة شراع الإعلام الاجتماعي


العولمة وتأثيرها على الرياضة في الوطن العربي
بقلم : نعمان عبد الغني
العولمة  وتأثيرها على الرياضة في الوطن العربي


رواية العزلة .للكاتب خالد الهواري
بقلم : ايمن بدر . صحفي مهاجر في النرويج
رواية العزلة .للكاتب خالد الهواري


يناير والانتقال الضروري من الطابع الفولكلوري إلى البحث العلمي:
بقلم : نورالدين برقادي
يناير والانتقال الضروري من الطابع الفولكلوري إلى البحث العلمي:


إشكالية الـحب في الـحياة الـفكرية والروحية في الإسلام
الدكتور : محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة
        إشكالية الـحب في الـحياة الـفكرية والروحية في الإسلام


في أصل الامازيغ..عودة لتاريخ الكنعانيين واساطيرهم
الدكتور : وليد بوعديلة
في أصل الامازيغ..عودة لتاريخ الكنعانيين واساطيرهم


lما يمكن لرواية أن تفعله بك
بقلم : جميلة طلباوي
lما يمكن لرواية أن تفعله بك


مشكلة الأمازيغية: اللغة والثقافة والهوية
بقلم : أ.د.أحمد زغب
مشكلة الأمازيغية: اللغة والثقافة والهوية


حوار مع لاعب وفاق سطيف قدور شايب ذراع ( علي حداد)
بقلم : حاوره: البشير بوكثير
حوار مع لاعب وفاق سطيف قدور شايب ذراع ( علي حداد)


في الحزن الباعث على الموت و الحزن الباعث على الحياة
بقلم : حمزة بلحاج صالح
في الحزن الباعث على الموت و الحزن الباعث على الحياة




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2019م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com