أصوات الشمال
السبت 3 جمادى الأول 1439هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * يا فتى لك في ابن باديس قدوة   * تعريف بالكاتب الجزائري مالك شبل    * دروب شائكة (ق.ق.ج)   * صحافي إسرائيلي ينتحل شخصية "ناشط إسلامي" ويفبرك حلقات وثائقية عن "الخطر الإسلامي " في الغرب !!   * صقـرُ الكتائب   *  لِلْهَوَاتِف رُقاَةٌ.. و فِي المَدِينَةِ مُشَعْوِذُونَ..؟!   * الاستغفار(الماهية_الكيفية_الفوائد_الثمار)   *  رؤية ادبية لقصيدة" الحب في العصر الغادر "لـ صابر حجازى بقلم محمد الشيخ    * المجنون والسحاب   * العانس    *  ليلة العمر بستراسبورغ بفرنسا مطلع سنة 2018 تضامن و وفاء رمز العمل الخيري لأبناء الجالية بالمهجر بفرنسا   * الدكتور محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة من قسم اللغة العربية بجامعة عنابة يصدر أول كتاب عن المفكر والمجاهد عبد الحميد مهري    * سقوط ( ق.ق.ج)   * سوق ذرّ   * يوميات فلسطينية   * يا ساكن القاع   * لاتُضيًِع إنسانيتك بين قسوة العقل وإنجراف العاطفة    * جمال عبد الناصر والعدوان الثلاثي حسب يوميات بن غوريون وديان   * معلومات جديدة حول الأديب الجزائري عبد الحميد بن هدوقة   * هنا القدس     أرسل مشاركتك
الوهم
بقلم : أ/عبد القادر صيد
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 401 مرة ]
شاعر و قاص

ينهض مع الفجر ، يؤدي صلاته ، ثم يشرع في تحضير الفول و الحمص و بعض المكسرات الزهيدة ، يضعها في عربته الصغيرة ، بعدها يسوقها أمامه في العتمة بخطوات أربعيني لم تؤثر فيه الكهولة بعد ،


ينهض مع الفجر ، يؤدي صلاته ، ثم يشرع في تحضير الفول و الحمص و بعض المكسرات الزهيدة ، يضعها في عربته الصغيرة ، بعدها يسوقها أمامه في العتمة بخطوات أربعيني لم تؤثر فيه الكهولة بعد ، لا يتبيّنه إلا أولئك الخارجون من المسجد الذين تعودوا أن يبتاعوا منه الفول الطازج بالماء المالح ،يستهلون به صباحهم ، و هي عادة اكتسبوها منذ القدم ، بعدها ينتقل إلى بعض المشاريع القريبة منه يقدم للبنائين خدماته المتواضعة التي تتناسب مع أجرتهم ، و ما إن تبدأ الشمس في الطلوع و تفتح المدارس حتى يقبل عليه الأولاد ليقتنوا ألوان الحلوى التي يعدها في منزله، و هي سكر مذاب على برتقالة صغيرة تُحمل بعود ،أو سكر في قلب قوقعات تثير شهية الصغار، و عندما تصل الساعة الثامنة، يتقدم بعربته عند أقرب محل ، و يتركها في الحفظ و الصون ، لا يقترب منها أحد ، ثم يقصد مقر العمل الرسمي، و هو إداري محنك ، يلجأ إليه الموظفون كلما أعيتهم مشكلة إدارية . بعد الدوام ، لا يرجع إلى منزله ، بل يكمل بيع ما تبقى له من سلعة، و لا يركن إلى منزله إلا ليلا ، نفس العمل يقوم به منذ عشر سنوات و لا أحد ممن يعرفه أنكر عليه أو طلب منه الإجابة عن سبب هذه اللهفة أو المبرر لكل هذا الشقاء ، كما لم يسألوه عن سبب بقائه عازبا طوال هذا العمر .
قبل أن يسلم نفسه للنوم يفكر في تلك العينين اللامعتين اللتين يراهما يوميا من خلف النافذة في أعلى تلك البناية في طريقه إلى العمل، يشغله أمرهما ، و يحيره، فهو منذ عشر سنوات لم يتقدم بخطوة ، ولا هما كذلك، يأخذان منه عادة التفكير ساعة أو ساعتين ، ثم ينام ليبدأ صفحة جديدة خالية من أي همّ ، لكن المؤكد أنه سيكون له يوما ما مع هاتين العينين شأن عظيم.
ليس له مشكلة مادية مع أي فاتورة أو أي استحقاق ، إلا أن الهاجس المادي هو أول اهتماماته دائما ، كما هو أول مخاوفه ، فمنذ وفاة والده الذي ترك له مبلغا محترما من المال ، و هو وفيّ لنهجه أبيه في السعي الحثيث ، لا يعرف لا أصدقاء و لا وقتا للراحة ، و لا يعترف بمندوحة للترفيه و الاستجمام ، لم يخرج من بلدته يوما ، لأنه لا يمكنه أن يترك العمل الذي يعني له أرقاما جديدة ، و لكنه مع ذلك لا يخسر شيئا حين يكرّس ساعة أو ساعتين من التفكير و التفاعل مع تلك العينين اللامعتين في تلك العتمة ، لا بأس من التوقف أمام هذا الوفاء اليومي منذ سنوات، الأكيد أن صاحبته تكنّ له من المشاعر أنبلها ، و لكن يبدو أنه لن يتحرك إلا بمعجزة أو بزلزال يغير جميع المفاهيم .
هذه الليلة تقلب كثيرا على فراشه ، لم يفكر في تلك العينين ، بل لم يكن تفكيره منصبا على شيء بعينه ، هي صور تعرض أمامه يعجز عن توقيفها ، و لكي يخدعها يحاول استحضار تلك العينين ، وما إن تستجيبا حتى تتشبثا فيه و لا تتركاه ، فتصبحان هما في حد ذاتهما مشكلة ، يقنع بهما بوصفهما مشكلة ممتعة، و لكنهما تبالغان في وظيفتهما ، فترهقانه حتى يبدو عليه التعب في الصباح ، ويصبح منظره مع الأيام ملفتا للنظر، و يصير فجأة عرضة للشكوك التي تحوم حول كل المواضيع لا تحاشي شيئا، حتى رست على افتراضية دخول أنثى في حياته ، فأصبح عرضة للتندر بالتلميح ، و مع الأيام صدق نفسه بأنه مغرم ، و صدق أيضا أنه مثل باقي البشر، لذلك قرر أن يبحث عن صاحبة العينين .
استقر رأيه على أن يضحي بقيمة مبيعات أمسية ، فأعد في الصباح بضاعة أقل من المعتاد ،و سأل عن ذلك المنزل ، فعرف بأنه لشخص موسر يؤجر هذه البناية لمجموعة من الأشخاص من بينهم عائلات ،وله في الطابق الأرضي مجموعة من المحلات، فبدأ يتقرب منه ، و يجلس معه حتى وقت المغرب،يتفحص وجوه الفتيات اللواتي يصعدن البناية . مكث شهرا كاملا ، لم يلاحظ أن أي واحدة منهن يمكن أن تكون هي ، فقرر أن يؤجر غرفة في البناية بحجة أنه يريد أن يهدم بيته و يعيد بناءه من جديد ،و من المصادفات أن كان البيت الذي تبدو منه العينان مقابلا لباب بيته ،طار فرحا في بداية الأمر، سكن غرفته شهرا ، و هو لا يجرؤ أن يسأل عن صاحبة البيت ، لكن الأمر طال ، و لم ير الباب فتح و لو مرة واحدة ، سأل مرة صاحب البناية ، فأجابه بلامبالاة :
ـ لا يهمك أمره ..
توقف عن جر تلك العربة ، فتخلى بذلك عن ذلك المبلغ الإضافي الذي كان يميزه عن بقية زملائه في العمل ، و أصبح يسدد مبلغا زائدا و هو الإيجار .مرت الأيام و فكره يروح شمالا و يمينا حول ساكنة البيت إلى أن تخوف من أن يكون مسكونا بالجنيات ، حاول جر المالك إلى سره بأسلوب غير ملفت للنظر، فكان يتهرب من سؤاله ، إلى أن صارحه يوما :
ـ من التي تسكن البيت ؟
ـ البيت فارغ منذ عشر سنوات ، أخشى أن يتهدم بين الفينة و الأخرى، لا أحد يشغله ..
ـ إذا يمكن أن تؤجره لي ؟
ـ نعم بكل سرور..
دخل البيت فإذا هو بيت مهجور ، لا شيء فيه يوحي بأنه كان مأهولا ، لم يصدق ما يراه ، عرف أنه كان مسحورا منذ عشر سنوات.. اعترته قشعريرة ، قاومها ، تقدم إلى النافذة فتحها ، فإذا فيها رسم عينين بمادة تلوين تلمع ليلا إذا تعرضت للأضواء ، جلس من شدة الصدمة على كرسي مغبر، عرف أنه كان مغفلا طيلة هذه الفترة ، نزع الصورة ، و رجع في نفس الوقت إلى منزله القديم ، فنام نومة هانئة لأول مرة منذ سنوات ، و لم يستيقظ إلا مع وقت العمل الإداري . بعد مدة رجع إلى المالك فوجده حزينا ،فسأله عن السبب ، فرد عليه :
ـ يا صديقي إنك منذ أن خرجت من البيت ، شرع المؤجرون يغادرون الواحد تلو الآخر ، حتى المتزوجون ،لم يبق منهم أحد ..
ذلك الرسم كان لطفل صغير ، لقد عمّر إبداعه البريء البناية لعشر سنوات دون علم المالك ، الملفت للنظر أن ذلك الطفل ما زال يعبث بهذه الهواية من بناية إلى أخرى حتى الشيخوخة ، لكنه لا يحس بضحاياه أبدا ..





نشر في الموقع بتاريخ : الأربعاء 12 رمضان 1438هـ الموافق لـ : 2017-06-07

التعليقات
سمير الاسعد
 فكرة رائعة وفريدة من نوعها.. كل الاحترام والتقدير والى الامام 




أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

ايام لها حضور بالتاريخ

17 أكتوبر 1961 اليوم الوطني للهجرة

.
مواضيع سابقة
المجنون والسحاب
قصة : سمير الاسعد-فلسطين
المجنون والسحاب


العانس
بقلم : محمد جربوعة
العانس


ليلة العمر بستراسبورغ بفرنسا مطلع سنة 2018 تضامن و وفاء رمز العمل الخيري لأبناء الجالية بالمهجر بفرنسا
بقلم : الاستاذ بامون الحاج نورالدين
 ليلة العمر بستراسبورغ بفرنسا مطلع سنة 2018 تضامن و وفاء رمز العمل الخيري لأبناء الجالية بالمهجر بفرنسا


الدكتور محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة من قسم اللغة العربية بجامعة عنابة يصدر أول كتاب عن المفكر والمجاهد عبد الحميد مهري
بقلم : صياد سيد
الدكتور محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة من قسم اللغة العربية بجامعة عنابة يصدر أول كتاب عن المفكر والمجاهد عبد الحميد مهري


سقوط ( ق.ق.ج)
بقلم : المختار حميدي (خالد)
سقوط ( ق.ق.ج)


سوق ذرّ
بقلم : محمد جربوعة
سوق ذرّ


يوميات فلسطينية
قصة : د.سناء الشعلان
يوميات فلسطينية


يا ساكن القاع
الشاعر : محمد محمد علي جنيدي
يا ساكن القاع


لاتُضيًِع إنسانيتك بين قسوة العقل وإنجراف العاطفة
السيدة : هيام الكناني
لاتُضيًِع إنسانيتك بين قسوة العقل وإنجراف العاطفة


جمال عبد الناصر والعدوان الثلاثي حسب يوميات بن غوريون وديان
بقلم : نبيل عودة
جمال عبد الناصر والعدوان الثلاثي حسب يوميات بن غوريون وديان




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1439هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com