أصوات الشمال
الخميس 3 شعبان 1439هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  *  مشاهد قبيل الشهادة...عفوًا أيّها الشهداء   * وداعـــــا يا حـــــراس الجـــــزائر : تــعـــــــــــــزية تحطم الطائرة العسكرية ببوفاريك   *  عودة الجدل حول قضية "إمامة المرأة" !! توظيف غربي لإلهائنا عن قضايانا المصيرية    * حوار مع الكاتب والشاعر والاعلامي صابر حجازي اجرته ابتسام حياصات   * زنابق الحكاية الحزينة ...   * حفريات دلالية في كتاب " الفلسفة و البلاغة .. مقاربة حجاجية للخطاب الفلسفي " لــدكتور عمارة ناصر   * سرمدي   * اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى يحييّ ذكرى يوم العلم   * المقامرة الباسكالیة   * قصائد للوطن(قصيرة)   *  لعيادة "سيغموند فرويد".   * دقائق قبل الفراق.... هكذا يفعل أبناء الجزائر   * اللسانيات وصلتها بتحليل الخطاب   * آخر ما قيل في طائرة الموت   * وَفِي الْغَايَةِ.. قارُورَاتُ خَضْرَاء...!!   * عُبــــــــــــور   * تاريخ و تراث شلالة العذاورة في ملتقي وطني   * البحر والعرب في التاريخ والأدب    * البركان قادم وانتظروه   * اتّحاد البصريّ والذّهنيّ في تجسيد الجمال الإنسانيّ / قراءة في لوحة "القبلة" لغوستاف كليمت    أرسل مشاركتك
خَيْرَة.. بنْت الرّاعِي...!! / الحلقة: 02
بقلم : محمد الصغير داسه
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 867 مرة ]

هيّ تحنُّ إلى تربة تفوحُ منها رائحة الودّ والإخاء، وصفاء القلوب ونقاء السّريرة، ترنو إلى الانعتاق، تشتاق إلى حديث الغرُوب، مآثرها مدْفونة مطمُورة في تلك الروابي السمراء من سُهوب {البيرين} الشاسعة، امْرأة يسْكنها المكان، يتملكها عبقُ التارخ، بين حناياها يغرق الشوق، يهيّج مُهْجتها الحنين،

04- خيْرَة بنْت الرّاعي، زهْرَةٌ الباديّة، شذاها لايزل يضُوعُ في مرابعها، امْرَأة احْتفظت بماضيها التليد، عندما رحلت من البادية، كانت مُكرهة، لذلك اخذ يجْتاحُها ألحنين، ويغمُرها الشوق إلى مسقط رأسها، ويعْتصر الحُزن قلبها، فمنذ أن سكنت المدينة، بقيت في صدرها زفرة محبُوسة لكنها لم تنهزم، لم تنخدع لبريق المدينة، ولا لكثرة دُورها وعيْشها الرّغد، كانت ترْفضُ أن يتسكع أبناؤها على ارْصفة الشوارع، يجْلسون في المقاهي، ينخرطون في حلقات لعب النرد، يقتلون الوقت، يلهثون كالرِّيح خلف السّراب، هيّ تحنُّ إلى تربة تفوحُ منها رائحة الودّ والإخاء، وصفاء القلوب ونقاء السّريرة، ترنو إلى الانعتاق، تشتاق إلى حديث الغرُوب، مآثرها مدْفونة مطمُورة في تلك الروابي السمراء من سُهوب {البيرين} الشاسعة، امْرأة يسْكنها المكان، يتملكها عبقُ التارخ، بين حناياها يغرق الشوق، يهيّج مُهْجتها الحنين، معركتها في الحياة مُتواصلة، بدأت في البادية ولم تنته، ستعُود إلى مرابعها بوجْه يختلف، ستسلك طريقا آخرَ، فوجُودها في المدينة ليس للنزهة، إنما كان صمْتا مُحمّلا بحِزَم من الأسْئلة، وسعْيا دؤوبا لترتيب اوْاق حياتها، وضبْط مشاريعها، فلقد اخذت حصّتها من الدّعم الفلاحي، جرارٌ ومركبة نفعيّة، وسكنٌ ريفي، وكهرباء، وأبقارٌ حلوب، وأرضٌ مُهيّأة للزّرع وغرس الاشجار المثمرة، السّهوب مسافات تتمدّدُ، وأفقٌ يتماهى، وأشياءٌ جميلة كبريق الامل تتوارى لتبتسم، تطير الأحْلام، تتراقص كالفراشات، يُمكن لحقول القمح في تربة العلب المعطاء أن تغيّر لون السّماء في كل لحظة، ويُمكن للشمس أن تنشُر كلامها المُضيء، تتجدّد الألوان التي زرعتها في الحقول، وتستعيدُ بَريقها، الرُّعاة غابَ بعضهم، وهام البعض الآخر في البرَاري، اشتغل كل من ورث عن اجداده البُداةُ الرُّحل قسْوة الحياة..وبُؤس الأيام وهزائم البطالة، وشظف العيش، تناثرت بيُوتهم المتواضعة القابعة في مُنخفضات الهضاب، ومن يسْكن منهم الديار انحَنت جدُرانها المُتهالكة وتقوّست، لايزال الرُّعاة يتماوجُون، يرتمُون على ضاف الحقول، تشرئب اعناقهم نحو سُحُب السّماء لينتجعُوا، زخّات المطر تُنعشهم، تلامس بحنان تربة الارض العطرة، الحياة هُنا تتجدّدُ، أجل..يُمكن ل خيرة وأبنائها أن يشطبُوا بعْض النكرَات، ويُمكنها أن تسْتدْعي من تشاءُ من التائِهين في الفيافي، لتعيدَ لهم الحياة الكريمة، تمنحُهم جُرعات من الضوْء، وشيْئا من الامل والطمأنينة، تقول لأبنائها: لسْنا وحْدنا في الرّيف فاطمئنوا، كونوا مثلا يُحتذى وقدْوَة، يقول لها ابراهيم إن الأغبيّاء من سُكان الارْياف يتعاركون على الأرض، ليبعُوها بأثمان بخْسة من أجل شراء سيّارات، يَحْرمُون النساء من حُقوقهن المشرُوعة، يقول موسى مُتألما: تبا لهؤلاء ألأوْباش غدًا سَيندمُون، توالت الأيام واستطالت، زوّجت خيرة ابناءها الثلاثة وأضافت إلى بيْتها كنائن يُشبهْنها، بين العوائل الريفية وشائج وصلات، فهم يتزوّجُون بالتبادل، والكبار يتحدّثون بالنيّابة عن ابْنائهم وبناتهن، الأمّهات يرْمُقن بناتهن بتفجُّع وتنهيدات عَجيببة، ويخضن في اعْراض الناس ليروِّحْن على أنفسهن، وبعْضهن يبْتهجْن بالخوْف خلف الأبواب والأسْوار يسْترقن المشاهد، ويخْتصرن الكثير من كوَامن النفس في زغرُودة تشبه الزّفرة..لتبعث البهجة في النفوس..يراقبن بعيْنين اسِيرتين ودفقات قلبٍ مٌنكسرالعائدين من بعيد، الأحلام تبقى مقتولة، لتذوبَ في رغْوة الفراغ.


05- {خيرة} صار لها حيٌّ يُسمّى باسْمها، وسُكان يُطوِّقون الحوْش يحْرُسونه، ديّار من طين وخيّم وأكواخ، ومَقرأة لتحْفيظ الأطفال القرآنَ الكريم، في البادية يُولدُ الابْناء فجْأة ويكبرُون بسُرْعة، ولا أحدَ يَهْتم بهم ويرْعاهم، يخرجُ الرُّعاة الصُّبح ينفضُون نُعَاس الليل، والنسَمات تُصافحُ وجُوههم قاصدين المرَاعي، يتوزّع المُزارعُون على الحُقول في حَركة عفويّة، السماء تشوبُها سُحُب دَكناء..بعض الفلاحيين يرْشفون فناجيل القهوة على عجل، الأطفال يزْحفون نحو المقرأة، أبناء خيْرة يُشرفون على سَقي الحْقول وزراعة الأشجار، بينما امُّهم تسْترقُ النظر إليْهم وكأنّها تزْرع رشّات العطرفي طريقهم، تشتغل كعادتها في مُحيط البيْت بطريقتها الخاصة مع نِسْوَة الحيّ، اللواتي ترك الزّمن اخَادِيده على وجُوهِهن النحيفات، لم تعدْ تنفعُ الاصْباغ تلك التشققات، فجَمالهُن وُضع في ارْشيف الذكريات، ولمّا هبّ عليهُن ريحُ الخير، اكتشفن انفسهُن مع خيْرة ورقوبة وعمرة وسهيلة ودلولة، وليس لامْرأة كادِحة إلا أنْ تكتم سِرّها في رئتها، فنساءُ الحيّ مُعظمُهن ارْملات، اتيحت لهُن فرَص اللقاءِ مع بعْضهن في هذا الفضاء، ليعْملن مُتعاونات بشرَفٍ ورغبة، أحاديثهن تنسَابُ رقة وعُذوبة مُحمّلة بالألق واللهفة، وضعْت بين أيديهن ماكينات لحلب الأبقارومَخّاضَة وعَجّانة، وبسُرْعة البرْق استوْعبن تيكنولوجية العصر، فآخذن يعْملن براحة ضميروحُب وشوْق، يُعانقن اللحَظات بحَرارة وتفاعل..وتبقى خيْرة تطوفُ بين هؤلاء وأولئك كالحَمامة مُتورّدة الخدين، كثيرة الحركة، تعلو مُحيّاها ابْتسامه ودِيعَة، يرْكب الباهي بغلته وهو شيخ مُسنٌ غزاه الشيْب، ورسم الحُزن على ملامحه سُحُبا دكناء، يحْمل ارْغفة مُنتفخة بيْضاء وحمْراء من القمْح الخالص وخُبز الشّعير، واللبن والبصل، يوزّعها على الفلاحيين والرّعاة، يلتفون حوله، يتناولون ماتيسر من طعام، يقف في رهْبة وخُشوع بعْض الوقت، ثم يقفل عائدا كأنّه يعْزف على اوْتار مجْهُولة، يفتحُ ذراعيْه لينزَع البرْدعة، يترك البغلة تذهبُ إلى حال سَبيلها، لم يَعدْ يخافُ الحياة ولا الموْت ولا الجُوع، يتململ في ملابس رثة، يذهبُ ليجْلس حيث المُسنين والمُسنات، يجْترُّون كلمات مُسترجعة كميّة العُشب، ينصتون لاغنيّات صمْتهم في السُّكون العَميق، تجودُ عليهم خيرَة بجفنة من الكسْكس، أوقدر من الحَساء، وأحْيانا ثريدًا، ينْسَلون كالظل خلسَة ليندسُّوا بين الأشباح، تدنو الشمس من ارْض الغُروب، وما تبقى عند المُسنات، سِوَى اجْنحة الاسْئلة المُهتزّة، التي تتشابه في مُجْمل غوَامضها، وخلف اسْوار الابتسامة خيرة تمنح الزّهُور عطر أرجيها، وتضمِّخ الفضاء بنشرالموَدة ، النساء الريفيات يسْبحن في شواطئ اضطرَابهن، يحتفظن بالذكريات وبنشوة الانتصار،عواطف تجُودُ بها السّماء، في مساء الريف يتهامَسْن بكلمات طواها النسْيان، تعوّدْن الجلوس إلى بعْضهن مُتلطفات على ضوْء القمر، ومن فرط الشوْق والحنين يُجْهِشن بالبكاء، والبكاء مُطهر للأحْزان، هكذا تقول:الخالة رقوبة، فتبتسم خيرة، وتقول :الاجدر بنا أن نخلع فتيل التوتر، ونزرع في النفوس بريق الامل.

نشر في الموقع بتاريخ : الأربعاء 28 شعبان 1438هـ الموافق لـ : 2017-05-24

التعليقات
محمد الصغير داسه
 الى قراء اصوات الشمال..الى جميع الكتاب والادباء ..الى القائمين المشرفين على منارةاالفكر اصوات...مبارك... أعاده الله عليناووعليكم بااليمن والسعادة...ووالغفران...مع المنيات لكم جميعا....شكرا 




أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

رابح بلطرش وحديث للاذعة الثقافية موعد للنقاش

موعد للنقاش الاعداد : رشيد صالحي

مواضيع سابقة
المقامرة الباسكالیة
بقلم : نبيل عودة
المقامرة الباسكالیة


قصائد للوطن(قصيرة)
الشاعر : حسين عبروس
قصائد للوطن(قصيرة)


لعيادة "سيغموند فرويد".
بقلم : فضيلة زياية ( الخنساء).
                                                          لعيادة


دقائق قبل الفراق.... هكذا يفعل أبناء الجزائر
بقلم : عيسى دهنون
دقائق قبل الفراق.... هكذا يفعل أبناء الجزائر


اللسانيات وصلتها بتحليل الخطاب
الدكتور : محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة
اللسانيات وصلتها بتحليل الخطاب


آخر ما قيل في طائرة الموت
شعر : بغداد سايح
آخر ما قيل في طائرة الموت


وَفِي الْغَايَةِ.. قارُورَاتُ خَضْرَاء...!!
بقلم : محمد الصغير داسه
وَفِي الْغَايَةِ.. قارُورَاتُ خَضْرَاء...!!


عُبــــــــــــور
شعر : رضا خامة
عُبــــــــــــور


تاريخ و تراث شلالة العذاورة في ملتقي وطني
بقلم : طهاري عبدالكريم
تاريخ و تراث شلالة العذاورة في ملتقي وطني


البحر والعرب في التاريخ والأدب
بقلم : محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة
البحر والعرب في التاريخ والأدب




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1439هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com