أصوات الشمال
الجمعة 7 ذو القعدة 1439هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * ما مصير القوميات تحت ضغوط العولمة؟   * الحرّيّة ..مقال رأى   * القانون الأسوأ والاخطر في التاريخ    * مؤسسة المحبة و التضامن لولاية غرداية تحل بمدينة قسنطينة   *  لمقرّ سكني محطّتان.   * قصيدة _ انا في انتظارك امام هذا الضوء_ سليم صيفي الجزائر    * قصة قصيرة جدا / مدمن   * مهرة الأشعار   * اطروحة دكتوراه بجامعة عنابة عن الشاعر محمود درويش   * المجاهد القائد حسين بـــــــوفــــلاقـــــــة -الذكرى والعبرة-   * د. ماري توتري في غيهب الموت حياة نيرة    * حيِّ القديم   * مسافرة   * الندم افيّد للبشر / ( شرطي الأعماق ) (*)   * الأسطورة التاريخية الرمز الأنموذج الفريد من نوعه العم أحمد بيده بن الفسيان في ذمة الله.بمتليلي الشعانبة ولاية غرداية    * فهل رحلت أمي ياترى.. ؟   * رحلة قيام الصهيونية .....و أكذوبة أرض بلا شعب لشعب بلا أرض   * بياضات تلوّنها فلسفة الغياب في تجربة الشاعر المغربي محمد الزهراوي أبو نوفل   * المسافرة    * شاعر الحرية أمحمد عون في ذمة الله.    أرسل مشاركتك
كيف نقرأ النص الروائي ؟
بقلم : زكرياء خالد
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 668 مرة ]
الجزائر

أنْ نقرأ الرواية معناه أنْ نعيد تشكيل واقعنا تشكيلا خلاقا داخل مملكة اللغة العجيبة .

الرواية مملكة لغوية، يؤثثها الروائي بجملة من الأدوات اللغوية المثيرة، التي بواسطتها يقتنص الحقيقة المطلقة، الغائبة في ملكوت ذلك العالم الروحاني، ويعيد بناء علاقات العالم بناء جديدا، لا يعرف تقديم الإجابات النهائية، التلقينية، بل إنه في بحث دائم، لامتوقف عن متلق مكمل برؤاه المتنوعة، مشارك في فعل السؤال اللامتوقف، الذي يختزن في علاماته عوالم جديدة، لامتناهية.
ليست الروايةُ مجرد خطاب استهلاكي، دعائي، تقريري، بل هي " بِنَاء " ، وصاحبها " مهندس ماهر"، إنها – بإيجاز – " مغتسلة بأمطار الشعر " على حد تعبير الشاعر السوري " نزار قباني " في تعليقه على رواية " ذاكرة الجسد " للمبدعة الجزائرية " أحلام مستغانمي ".
الرواية بناء جديد لهذا الواقع بأدوات لغوية مخصوصة، تتعمد الحديث بكلام غير عادي، في تعبيرها عن رؤى غير عادية، إنها تشويش مقصود في قاموس اللغة المتداولة، من خلال إفراغها للكلمات من معانيها المألوفة، وشحنها بدلالات جديدة، لا متناهية تعبر عن حركية سيميوزيس النص اللامتوقفة الذي يصيِّر النَّص ولودا، خصبا.
وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على روح التجريب التي تشكل جوهر روح الروائي الذي لا يكتب من فراغ، وإنما يكتب ووراءه، أوأمامه مدونة سردية، كانت، ولاتزال مصدر تناصه، ومحط نقده الهادف إلى التحرر من رمادها، ومعانقة وهجها، من أجل نقل الرواية من مرحلة " خطاب الوسيلة " إلى مرحلة " خطاب النبوة "، وشتان بين الوسيلة والنبوة.
إنَّ الروائي توَّاق إلى تصيير اللغة الروائية بكرا، وإرجاعها إلى طفولتها الأولى، التي تختزل كل دلالات السؤال المتمرد، النابع من أعماق قلب طاهر، بريء، مشحون قيما إنسانية، مطلقة، تشكل مبتغى الروائي الساعي دوماً إلى تكسير قشرة فؤاده، المشكلة من قبل زيف الواقع؛ لتسطع على ربوعِهِ أنوار قيمها الأزلية، التي يعتمد عليه في إعادة تأويل الواقع، وقراءته قراءة جديدة لا تقف عند حدود سطح العالم الخارجي، وإنما تتعداه إلى بنيته العميقة المكتنزة أسراراً إلهيَّةً، يتكىء عليها في فهم أناه فهما شموليا، عميقا، لاجزئيا، إنه – بإيجاز – " قناص الحقيقة المطلقة، الأزلية، لا المناسباتية، الفانية " بلغة شعرية، معه تتمتع بعذريتها، بعد اغتصابها على يد متطفلي النص الروائي، الذين يقولون كل شيء مغيِّب لشاعرية النص الأدبي، إنَّهُم يكتبون طلاسم، وأحاجٍ لا معنى لها، ويقعون في شرك " الانعكاس السلبي"، وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أنَّ الكتابة الروائية هي تجريب واع في الأساس، لا يعتبر اللغة غاية جمالية في حد ذاتها، وإنما يصيرها أداة لاستكناه أسرار الوجود المطلقة، التي هي أساسه في تغيير الواقع، وإعادة بنائه بناء إنسانيا جديدا، هو حصيلة تعاون، وحوار مثمر بينه، وبين متلق
، يختلفان، ويتعايشان في الآن ذاته، في مملكة لغوية من نوع خاص
، تختلف عن ذلك الواقع الموبوء، الذي يعج نفاقا، وتشريعات بالية، تسلطية، فيغدو- بذلك - الروائي رسول الجمال، في زمن اللاجمال.
إنَّ الروائيَّ الحقيق من يؤمن إيمان اليقين بأن الرواية أداة العروج الروحي إلى عوالم الحب، والسلام، والخير، ولما كان الإنسان أساس الوجود، ولما كان وجوده لا يكون خارج نظام اللغة، باعتباره مجرد علامة لغوية داخل نظام اللغة، فإن الرواية الحقيقة هي من تشد الأواصر بين " الإنسان، والوجود، واللغة ".

ثلاثية الإنسان والوجود واللغة :
الوجود لا معنى له بمعزل الإنسان الذي يبث فيه روح الدلالة، ويقدم له قراءات، وتأويلات لامتناهية، باعتبار أن الوجود كتاب مفتوح، وأفق لامتناه من الأسرار، وهو في شكلنته لهذا الوجود، يعتمد على أداة اللغة التي لم تعد مجرد وعاء لفكر سابق عليها، منفصلا عنها ، أو مجموع تشكيلات لغوية جامدة، إنَّها – على خلاف ذلك – هي الفكرُ ذاتهُ الذي لا يتجسد في الوجود إلا من خلال اللغة التي صارت مسكنا أنطولوجيا، تتوق إليه نفس الإنسان ، في محاولة دائمة للانفصال عن ذلك الواقع الآسن، والرقي إلى مصاف الكائنات النورانية.
إنَّ الروائي لا يكتب على مقاس القراء؛ لإرضائهم، وإنما يكتب بلغة مشوشة، مقلقة للمتلقي، من خلال دخولها في المجهول، لا المعلوم، وتعمدها مساءلة المسكوت في تاريخنا العربي الإسلامي؛ من أجل استكناه الأسرار المخبوءة، واستشراف الرؤى المستقبلية؛ إنها – بلغة دقيقة – تمتطي صهوة السؤال الجرىء، في سعيها الدؤوب إلى صنع حياة إنسانية جديدة، متحررة من أخطاء الأجداد، متأسسة على تجاربهم الحية تأسسا قائما على الإضافة، والتجديد، لا التكرار؛ ذلك أن الرواية إبداع ، والإبداع حساسية جمالية مغايرة للمألوف، ومرادفة للخلق على غير منوال سابق، ولما كانت كذلك، فهي لا تقف عند حدود الماضي موقف التقديس، وإنما تعيد قراءة الماضي في ضوء أحداث العصر قراءة جديدة، هي رسم لطرق لامتناهية نحو المستقبل، بعد إزاحة كل العقبات التي تحول دون ذلك، والتي تتحدد في " أمراض الشخصية العربية الإسلامية ".
فالرواية هي تأويل للواقع، وإعادة قراءته بلغة رمزية، قادرة على التعبير عن رؤى الروائي التي تعجز اللغة العادية عن التعبير عنها، ومتمكنة من قول ما لا يستطيع الكلام المتداول قوله، ضف إلى هذا فإن الرمز يُصيِّرُ النص ورشة لإنتاج الدلالات اللامتناهية، التي تعبر عن طاقة الإبداع الخلاق الذي يرفض كل إجابة نهائية، محنطة له، ويسعى دوما إلى بناء ذلك الإنسان المغاير، المتجدد، المبدع، الشاذ، المتمرد، المنتهك، المحطم، ولكنه في الأخير المتآلف مع غيره، برؤاه، وتساؤلاته؛ من أجل بناء الوجود الإنساني، ومعنى هذا الكلام أن الرواية موضوعها الرئيسُ هو الإنسان في علاقته بواقعه عبر اللغة، وغايتها بناء الإنسان الجديد، بناءً لا يعني تقديم الحلول الجاهزة له، بقدر ما يعني استخدام لغة حجاجية، تقنعه ، وتدفعه إلى طرح التساؤلات اللامتناهية، التي تضمن له بقاءه، واستمراريته، وتنفث في النص الروائي روح حيوات جديدة، لامحدودة، متنوعة بتنوع آفاق المتلقين، في زمكانات متنوعة نقرأ في ضوء تغيرات أحداثها النص الروائي قراءة جديدة، خلاقة، وفي الآن ذاته نضيئها، ونجابه مشاكلها بقوة جماليات اللغة الروائية التي تختزن أسرار مطلقة للوجود الإنساني، المثالي، المأمول.
وكخلاصة لهذا المدخل، نقول :
 قبل أن نقرأ النص الروائي، لابد علينا أن نعلم علم اليقين أن الرواية ليست خطابا دعائيا، استهلاكيا، مناسباتيا، يعكس أحداث الواقع كما هي بلغة وصفية، شفافة، سلبية، توقعنا في شرك الخلط بين حياة النص، وحياة الروائي خلطا يدفعنا إلى قراءة النص في ضوء المناهج السياقية التي تهمش جماليات النص، وتغرق في هوامش لا صلة لها به، أو قراءته قراءة انطباعية، قائمة على ثنائيتي " الحب والكره".
الرواية ليست عكسا للواقع عكسا سلبيا، وإنما هي تفنن في تحطيم مرآة الواقع، بمعنى أنها تحطم العوالم الداخلية، والخارجية، وتعيد بنائها من جديد بواسطة لغة رمزية ، موحية، تقول ما لا تقله اللغة العادية، وهو بناء يكون نتاجه عالم إنساني جديد، لا ترسمه الإجابات النهائية، بل يتكون في رحم مشروع نصي يحتاج إلى تأويل مشترك بين ناص ومتلق يختلفا في حوارهما اختلافا مثمرا، ولكنهما يتعايشان، ويتآلفان، تآلفا عنوانه : " تغيير الواقع وتأسيس عالم جميل، تسوده كل قيم الإنسانية " .
أن نقرأ الرواية ليس معناه أن نتجسس على المعاني المقصودة من قبل الروائي؛ بل علينا أن نؤولها تأويلا جديدا، لامتوقفا، متسائلا، يقول ما لم تقله الرواية، ويكشف مالم تكشفه، في علاقة إنتاجية، خلاقة، دون أن نُقَوِّل النص ما لم يقله، فنضيع في متاهات التأويل التفكيكي الذي نجح في تحقيق اللامعنى، أو نقع في شرك الوصف الشكلي الذي فشل في تحقيق المعنى.















نشر في الموقع بتاريخ : الجمعة 16 شعبان 1438هـ الموافق لـ : 2017-05-12



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1439هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com