أصوات الشمال
الاثنين 6 صفر 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * الشدة المستنصرية   * اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى يفتتح موسمه الثقافي   * مقطع من روايتي" قلب الإسباني "   * فجيعة الوطن العربي الكبرى   * وليد عبد الحي: السلوك العربي أنتج منظومة فكرية غرائزية متكاملة   * في رحابِ الموعـــد..!   *  في عدمية النص الفلسفي الغربي و موضة الإتباع... إيميل سيوران نموذجا عابرا   * العدد (50) من مجلة "ذوات": "السوسيولوجيا العربية في زمن التحولات"   * 13 سنة تمر على رحيل الشاعرة و الروائية نجية عبير   * شاعرة حالمة ... قراءة في تجربة ريتا عودة الشعري    * أنا و الآخر   * الودّ المعرفي   * قصائد نثرية قصيرة   * لضَّاد و نزف الرَوح   * قصة قصيرة جدا / كابوس   * للحرية عيون مغمضة   * مَنْ يَكْبَحُ جِمَاحَ الْمُتنمِّرِينَ..؟! / وَمَنْ يَنْتَشِلُ الأسْتَاذَة..؟!   * عادل عبد المهدي   * استعجلت الرحيل   * بلا دبابة..فرنسا تحتل الجزائر؟؟    أرسل مشاركتك
خَيْرَة.. بنْت الرّاعِي...!!
بقلم : محمد الصغير داسه
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 1514 مرة ]

ولا سَراب يرْشُدُها.. تنتفضُ.. تفزَعُ .. تَتنقل.. تجْمعُ وجعًا قديمًا تمْزجُه بجَديدٍ، تتذكرُ اسْماء أهل الحيِّ وديّارهم وقد صَارت أطلالا تُشبهُ المقابر المُوحِشة، المَكشُوفة الجَمَاجم والعظام، تتنعّمُ بالشّقاء لتحْمي غُرْبتها، تكنسُ اطيَاف الْحنين، تزْرَعُ من الأمل إكليلا، ومِن الصبْر مَناراتٍ مُضيئة، ومن الوَفاءِ أيْقونة حُبٍّ وَوفاء، في كل مَسَاء تتسَاءل: مَتى يعُودُ القطيعُ لتطمَئِن؟ اسْئِلة تتشكل كسُحُب عَابِرة،

01- للذاكرة مَساحَات، وللخيَال طيُوف، وللأحْلام الوان قزحيّة، تُعَانِق رَذاذ اللحَظات، خيْرة بنت الرّاعي، ذاكرةٌ وخيالٌ وأحْلامٌ.. فتاة ميْساء، رهيفة القلب، تتلذذ بنسَمات الهواء في الرِّيف الجَميل، تزوّجت أحد الرُّعاة، ولسُوءِ بخْتها صُدمَت في رَبيع عُمْرها بمَوْت بعْلها، عاشت في العلب بريف {البيرين} في صبْر ومُكابدةٍ من أجْل أبْنائها، ارْملة مُعْتزَةٌ بنفسها، مُحَافظة على شرَفها، تتميّز برَشاقة القد، وخِفة الحَرَكة، وذكاء ألعَيْنين، يشدُّها الحَنين إلى هَذِه المرابع القابعَة بيْن التلال، تحْرُسُها العَصافير، تعيشُ عيْشة الازْهار والفراشات في المرَاعي، تتحرَّكُ في فضَاء فسيح، بيْن بوَاسق الوَجَع وانتظار القادم من الأيام، تتوسّدُ حيْرتها؛ السُّكانُ من حوْلها انتجَعُوا، بقيْت هنا كالعُشب بدُون صُراخ،والحرائر بطبْعِهن مُسَالمَات عَاطفيات، يخْترقن حُجُب الظلام بذكاء، ويقمْن بتربيّة أبنائهن تربيّة واعيّة، تخرجُ في الصباح، تطوفُ حوْل الحوْش، تتفقدُ الدوَاجن، تجْمَعُ الحَطب..تُوقدُهُ، تصبُّ الحَليب الرّائب في الشّكوْة ..تمخُضُها، تعْرُك عَجَائنَ الخُبْز،تعِدُّ ارْغِفة الفُطور..تطهيها، تُداعِبُ خيُوط المنسج..تُتطرُزُها، في المَساء تُجدّدُ الذكريات بتنهداتٍ حَزينة ترْدِمُها في رمَاد الشوْق والحَنين، تختارُ الْمَكان الذِي تجْلسُ فيه، مُتأمّلة مُتألمَة ولا سَراب يرْشُدُها.. تنتفضُ.. تفزَعُ .. تَتنقل.. تجْمعُ وجعًا قديمًا تمْزجُه بجَديدٍ، تتذكرُ اسْماء أهل الحيِّ وديّارهم وقد صَارت أطلالا تُشبهُ المقابر المُوحِشة، المَكشُوفة الجَمَاجم والعظام، تتنعّمُ بالشّقاء لتحْمي غُرْبتها، تكنسُ اطيَاف الْحنين، تزْرَعُ من الأمل إكليلا، ومِن الصبْر مَناراتٍ مُضيئة، ومن الوَفاءِ أيْقونة حُبٍّ وَوفاء، في كل مَسَاء تتسَاءل: مَتى يعُودُ القطيعُ لتطمَئِن؟ اسْئِلة تتشكل كسُحُب عَابِرة، تتدفقُ الذكريات العذبة كالشّوْق لتهزّ الرُّوح من حُلم اليَقظة، تَتراقصُ في ذِهْنها تسُاؤلات مُذْهلة، يُشغلها مَصيرُ أبنائِها، تحْرُسُهم بعيُونها، إلى مَتى وهيّ هُنا وحْدَها كزهْرَة سَاقطةٍ عن غُصْنها؟ مَتى تسْكُنُ ألمدينة ويتحَققُ حُلم أبَنائها ؟ إنّها تُوقظ احْزانًا ظلت دَفِينة في اعْمَاقها، تنْتزعُها من صدْرها كالتنهدَة المسْمُوعَة، تُمْعن في كبْت تِلك الشّحَنَات الرّهيبَة في صدْرها رحْمَة بأبْنائها، تنْتهِى تِلك الامْسِيّة الرَتيبة على غيْر عَادَة، ففي هذِه اللحَظات الكئيبَة، كان كبيرُابْنُائها يلجُ البيْت، مُضرّجٌ بالدّماء، مُلطخ الملابس، مُعفَّربالتُراب، تحْت عيْنيْه ارْتسَمت كدَمات سَوْداء، تفزَعَ مُتعثرة تسْأله، فيسْترقُ البصر إليها مُتلكئا: أمّي تشَاجَرْت مَع الرّعَاة، تلقيتُ ضرَبات مُوجعَة، كنتُ أدافعُ عَن نفسي وأنا في حَالة هيجَان يُشبهُ الجُنون، هويْتُ بدُون وعْي على رَأس ابرَاهيم بالخيْزرَانة، فسَقط على الأرْض مُغشى عليه لا يُبْدِي حرَاكا، تركتُه مُنبطحًا في العَرَاء، أخْشى أنْ يَكون قد مَات، يَضيقُ الأفق من حولها، تتهَشّم الكلمَات وتبعثر، تضْربُ بقوّة على صدْرها، والعُيون جَاحظة، والهواجس راكضة، والوجْه مُحْمرٌّ، تشعُرُبشيْءٍ يرْعَش جَسدَها، والأرْضُ تهوى وتمِيدُ من تحْت قدميْها، فتصْرخ: يا ويلتاه ضاع الأمل، ماذا افعل ...؟!


02- تقفُ مشدُوهة مُتألمة، والدِّمَاء تتجمّد في عُروقها لتذوبَ في الأعْمَاق، تلتفتُ..تنتفض..ترْفعُ صوْتها مُدنْدِنا..ترْتعدُ.. تُجْهش بالبكاء: لِمَ فعلت ذلك ياولدي..؟ وللتوتتلفّعُ لحَافها، تنْتعل حذاءَها، تمْتشِقُ عَصاها، تخرَجُ عَصرًا مُسرْبلة بالأحْزان، مُمتطيّة ظهْرَ أتَان، يتحَرّكُ ودّها نحْو حيِّ الرُّعَاة، ومَا خَرَجت من قبل.! تُرافِقها هوَاجشُ الخوْف والرّعْب والحشمَة، ينْطبعَ مُحَيّاها بمسْحة دَكناءَ، تقتربُ من حيِّ {اولاد اسْلِيمَة} النِسْوَة هنا توارثن عن امّهاتهن الشقاء والخوف، يخرُجْن يتهامسْن بأحاديث سَحيقة لاسْتقبالها، العُيُون مشدُودَة نحْوها.. تحيِّيهن، يُرحِّبْن بها..تسألهُنّ بحسْرَة وبريق جَاف: كيْف حَال الوَلد..؟ على أيِّ الأولادِ تسْألين يا خَالتي؟ السّعيد الذِي تشاجر مع ابْني ابْرَاهيم، تتهربُ ألأمّ من الجواب، فتسْتأنِفُ حديثها: لقد تشاجر ابناؤنا وخِفتُ أنْ يتحوّل الشجار إلى عُنف يُفضي إلى عَداوة، قلتُ في نفسي الحَذر يُؤتى مِن مَكْمَنه، قلنَ لها:لطفا.. بَيْن العائلات صِلات وَوشَائج مُنذ عهْد الجُدُود، حاولت أنْ تُدافع عن ابْنِها ولكن حلقها الْجاف أبَى أنْ يُسْعفها، فتكتفي بطلب جُرْعَة مَاء، توَدَّعُهن وفِي نفسها شيْءٌ من الْحسْرة والألم، تعودُ إلى بيْتها وسَتائر الليل تسْدل خيُوطها، تقتربُ من الحوْش مُترنحة، ينْتهى إلى سَمْعِها صُراخٌ.. يجْتاحُها خوفٌ رهِيبٌ بحَجْم الهوْل، ينبْعَث الدَم دَافِقا إلى أوْصالها، تسْأل بمرَارة ماذا يحْدُث ؟ اتْلعَت بعُنقِها، جَالت ببَصرها اطرَاف المكان، ابرهيم يئن..ياويلتاه..! واخْوتُه يُحِيطون به ..يتوعَدُون، على هَدْي من ذُبالة ضوْءٍ خافتٍ تنْحنِي.. تتفحّصُّه، الدّمُوعُ تسبحُ على وجْنتيها، المشهد كان مُذْهلا، لقد تسَلل ذلك العرْبيد إلى البيْت وطعَن ولدها بسكين، قالت في نفسِها: لعله انْتقامٌ، فمن يَكون هذا المُنتقم؟ يُنقل ولدُها إلى المشفى ترَافقهُ، تكتفي بتحْذير ابنائها من التهوُّر، تلتزمُ الصّمْت صائِمة عن الكلام والطعام، هائمَة تقتاتُ على بؤس اللحَظات.


03-جاءَ رجالُ الدرك بيْتها صباحا، اخذ الرّعاة يُدلون بشهاداتهم، أثناء التحيق يعثرُون على كوْمة من الأوْراق، بضْعة أمْتار من الزريبة، الجاني ليْس من ابناء الحيّ، جاء على متن شَاحِنة بأضوَاءٍ مُطفأة، بغرَض السَرقة، في الطريق وقعَ له حادث مُرور، هُو ذاتهُ يعْترَفُ بأفعاله، يتسَاءلون كيْف وصل هذا الشقيّ إلى هُنا ؟ لاشك أنّها خَديعَة مُحْبكة، اللص يسْتهْوي الرّعَاة بطيْشه ولذاقة لسَانه وخِبْرته في اسْتدْراج ضحَاياه، يُوقعُ بيْنهم العَداوَة والبغضاء، ياللعجب..فهل الرعاة صاروا سراقا؟ جاء الرُّعَاةُ يسْتفسرُون وقد هيّجهُم الحادث، {رقوبة} ترْحل إلى المسْتشفى، تدْخل الغرفة مُنحنية، تتظاهر بضحْكة جافة لما رَأت ابراهيم يرقدُ بجانب السّعيد و{خيرة} أمّ ابراهيم تخدمُهما، يعْترفُ السّعيد أنّ الجَاني كان يَتردّدُ عليْهم، وأنّه المُتسبب في اشْعال نار الفِتنة بيْن الرّعَاة، يعْترفون أنّ مرايا حوَاسِّهم كانت عَمْشَاء مُشوّهَة، لاتفرّقُ بين الصّديق والعدوِّ، في تِلك اللحظات جاء شابٌ يجُر عصاه، يرْنو بعيْنين نصْف مُغمَضتيْن، يُمْطرُ ابْناء عمِّه بكلمَاتٍ بذِيئة هوْجَاءَ شامِتة، يَتهمُهم بالجُبْن ومسَاعدة الغُرباءعلى التوغل في المرْعَى، خيرة تهدئُ من روْعه وتقول: من حَقنا أن نغْضب ولكن{ الازْهار لاتتعْسلجُ ولا تُزْهر إلا في خمَائل المَسرّات، أمّا الطحَالب فتنمُو وتتكاثرُ في فوض المُسْتنقعات} حَقيقة أنّ الرّعَاة { يُفضِّلون أن يَكونُوا ظِلا لغيْرهم} كحَالة الأعْرَاب في البلادِ العَربيّة، ردّت عليْها رقوبة: صدقتِ ياخَالة {من تسَترَ عَاش سَعيدًا} هِي ذِي النتيجة، تركنا أبناءَنا يَعيشون الأوْهام والأحْلام، ولم يَجِدُوا في ذالك أيّة غَضَاضة. {خيْرة بنْت الرّاعي} طاقة مُتجَدّدة في ريف البيرين، استوْعَبت الدَّرْس، أخذ يُلازمُها هَاجِسُ الخوْف وقد صار يُرافقها، ترْتعِشُ لخوْف الخوْف، وخلف العَتمَة تُعابِثُ النجُومَ، ترمُقها بحَنان، تُنْصتُ للسُّكوت، مَراياها مُكتضّة بالغَضب وبشيْءٍ من الأمَل، تلهُو بالظلال، فجأة تُعْلنَ عن الرّحيل، ملفوفة بغلالة الاشواق والحنين لتسْكنَ المَدِينة وتعْتنِقُ الفوْضى.

نشر في الموقع بتاريخ : الأربعاء 7 شعبان 1438هـ الموافق لـ : 2017-05-03

التعليقات
عبير البخر
 تحفة ادبية رائعة ..بارك الله فيك واصل و دمت مبدعا  


محمد الصغير داسه
 كلمات باذخة باالمعاني وصيدثمين للفكرة..احسن الله لك ووفقك أدييبة قارئة متفحصصة شكرا جزيلا 




أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

رابح بلطرش وحديث للاذعة الثقافية موعد للنقاش

موعد للنقاش الاعداد : رشيد صالحي

مواضيع سابقة
13 سنة تمر على رحيل الشاعرة و الروائية نجية عبير
بقلم : علجية عيش
13 سنة تمر على رحيل الشاعرة و الروائية نجية عبير


شاعرة حالمة ... قراءة في تجربة ريتا عودة الشعري
بقلم : شاكر فريد حسن
شاعرة حالمة ... قراءة في تجربة ريتا عودة الشعري


أنا و الآخر
بقلم : حفصة موساوي
أنا و الآخر


الودّ المعرفي
بقلم : د: ليلى لعوير
الودّ المعرفي


قصائد نثرية قصيرة
الشاعر : محمود غانمي سيدي بوزيد - تونس
قصائد نثرية قصيرة


لضَّاد و نزف الرَوح
بقلم : فضيلة معيرش
لضَّاد و نزف الرَوح


قصة قصيرة جدا / كابوس
بقلم : بختي ضيف الله المعتزبالله
قصة قصيرة جدا / كابوس


للحرية عيون مغمضة
بقلم : د. محمد سعيد المخلافي
للحرية عيون مغمضة


مَنْ يَكْبَحُ جِمَاحَ الْمُتنمِّرِينَ..؟! / وَمَنْ يَنْتَشِلُ الأسْتَاذَة..؟!
بقلم : حمد الصغير داسه
مَنْ يَكْبَحُ جِمَاحَ الْمُتنمِّرِينَ..؟! / وَمَنْ يَنْتَشِلُ الأسْتَاذَة..؟!


عادل عبد المهدي
بقلم : علاء الأديب
عادل عبد المهدي




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com