أصوات الشمال
الخميس 9 صفر 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * قد زارني طيف الحبيب   * الذوق الجمالي فلسفة تستمد قيمتها من الذات    * إنّ كيدكنّ عظيم.   * البسكري الذي قتله فضوله   * الدكتور محمد بغداد.. نحو إعادة النظر في المفاهيم القديمة للخطاب الديني   * الأيام الأدبية السابعة بالمدية تسلط الضوء على ذكرى ألـ17 أكتوبر   * الشاعر والأديب ب . فاروق مواسي يضيء الشمعة السبع والسبعين    * الشدة المستنصرية   * اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى يفتتح موسمه الثقافي   * مقطع من روايتي" قلب الإسباني "   * فجيعة الوطن العربي الكبرى   * وليد عبد الحي: السلوك العربي أنتج منظومة فكرية غرائزية متكاملة   * في رحابِ الموعـــد..!   *  في عدمية النص الفلسفي الغربي و موضة الإتباع... إيميل سيوران نموذجا عابرا   * العدد (50) من مجلة "ذوات": "السوسيولوجيا العربية في زمن التحولات"   * 13 سنة تمر على رحيل الشاعرة و الروائية نجية عبير   * شاعرة حالمة ... قراءة في تجربة ريتا عودة الشعري    * أنا و الآخر   * الودّ المعرفي   * قصائد نثرية قصيرة    أرسل مشاركتك
حداثة مفهوم المكان في الرواية العربية
بقلم : مرين محمد عبد الله
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 2257 مرة ]

حداثة مفهوم المكان في الرواية العربية . رواية "وراء السراب قليلا" لإبراهيم درغوثي أنموذج

أخضع الكاتب العربي المعاصر مفهوم المكان لمقتضيات العصر و الحداثة و التغيرات التي لحقت به، فلم يعد المكان مجرد ديكور روائي من خلال المفاهيم و الدلالات الجديدة التي فرضتها ثورات التطور العلمي و التقني الحديثة فتغيرت أنواعه ليصير المفتوح مغلقا ،أو ينفتح المغلق على رحاب الآفاق الواسعة، بفضل وسائل الإعلام و الاتصال، التي جعلت من العالم قرية صغيرة، بل ووفرت للإنسان القدرة على دخول عوالم الأجسام والتجول داخل الشرايين والأوردة وفتحت له نافذة للإطلاع على كل أصقاع الكون السحيق وما يجري فيه من أحداث وتغيرات لحظة بلحظة. وإن كان ذلك يتوفر في مناطق من العالم دون غيرها...
فارتبط بذلك مفهوم المكان بمصطلح الحداثة والذي ارتبط هو الآخر في معناه المعجمي والاصطلاحي بالزمن ، أي مواكبة العصر وما يصاحبه من تطور وتقدم وتغيير، وارتبط في معناه الفلسفي بالمكان، وهو مجاراة التطور الحضاري الحاصل في بلاد الغرب في كل مجالات الحياة وخاصة في أوروبا وأمريكا دون غيرها، وهو ما أثر في كثير من المفاهيم والمصطلحات في مجالات علمية وفكرية كثيرة، فنجمت عنه مركزية وقطبية فكرية وثقافية وحتى أدبية ولدت العولمة التي أذابت أو تكاد كل الخصوصيات القومية والفردية لباقي مجتمعات العالم، وهو ما يولد الآن ردة فعل في جميع المجالات وما ينجر عنها من آثار وعواقب...

تشهد الساحة الأدبية المعاصرة زيادة طردية لأهمية القارئ في العملية الأدبية وصارت القراءة تملك ناصية الوقوف على الأفق الدلالي لأي عمل أدبي، بحيث هيمن الاتجاه نحو التعدد اللامتناهي للتأويل بسبب طغيان الرمزية على هذه الأعمال وعدم استقرارها على منهج ثابت، وصار العمل الأدبي المتميز هو الذي لا يحتقر قراءه، ولا يعطي أسراره، ويلمح ولا يصرح، وما على القارئ إلا ملء الفراغات وقراءة البياضات( ) وفك الرموز..
مما جعل من الصعب الخروج بالإطار الكامل والمحدد و القصد المبتغى من النص، فشاعرية الرواية وجمالية مكانها بالخصوص تنفتح وتتجدد مع كل قراءة جادة.
وجمالية المكان بوصفها عنصرا أساسيا في الرواية العربية التي عالجت جوانب هامة من الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية وخاصة معاناة الشعوب العربية من الاستعمار، وبالأخص نهب خيرات البلاد وثرواتها الباطنية، وتعطيل قدراتها الفكرية والعلمية، وتهميش موروثها ورصيدها التراثي وتسخير أبنائها وإذلالهم في استغلالهم كالعمل في المناجم، ساهم كل هذا من البداية في رفع المستوى الفني للرواية التي أظهرت معاناة الإنسان في بحثه عن العمل، وكذا الأرض التي جعل منها الكاتب العربي كائنا حيا يشعر ويتألم ويعاني من اضطهاد المستعمر، وما سببه من مشاكل اجتماعية وزرع للفرقة والجهل بين أهل الأرض الأصليين.
فالحديث عن عنصر المكان في الرواية العربية الحديثة يفتح آفاقا جديدة على جماليات النص الروائي ككل وجماليات المكان وحداثة مفهومه فيها، وكذا رمزيته ووظيفته، نظرا لأهمية الموضوع وجدته في إنتاج الرواية، مما دفع إلى الحديث عن معاصرة الرواية للتطورات والتغييرات التي طرأت على مناهج وطرق إنتاج الرواية العربية ودراستها، وهو ما عمل الروائي العربي على تجسيده في رواياته.
إن دراسة المكان دون غيره من المكونات السردية راجع إلى تعدد دلالاته الفنية، من مفتوح ومغلق إلى فردي وجماعي...مما يجعل العملية الإبداعية سابحة في فضاء غير متناه من الدلالات، إضافة إلى دور المكان الهام في حياة الفرد و المجتمع باعتباره الفضاء و الحيز الذي تجري فيه الأحداث التي يعيشها الإنسان و هذا ما يصعب عملية الدراسة و التحليل، مع قلة المراجع و الدراسات حول الموضوع بصفة عامة .
فقد استطاع الكاتب العربي أن يجعل من المكان المصدر الذي لا ينضب بالدلالات المختلفة، و تمكن من استخدام اللغة في تحويل دلالاته و التحكم فيه لتوضيح مقاصده و أفكاره .
إذ كان المكان مصدرا للصراع الحضاري و السياسي تارة و مصدرا للعيش أخرى، و للفقر و المعاناة مرة أخرى، و للخوف أو الحب أو الأمل أو الشجاعة أو شاهدا على العصر و مسجلا للأحداث التاريخية... و هلم جرا .
كما يظهر تأثيره واضحا على الشخصيات و الأحداث و باقي عناصر الرواية الأخرى ، إضافة إلى أنه من خلال التعمق في حيثيات المكان نصل إلى الوقوف على ماهية المكونات السردية الأخرى ومعرفة جوانب كثيرة و هامة من حياة المجتمع وأهل المنطقة التاريخية و الثقافية و السياسية ...
وهو الدافع إلى تسليط الضوء على جانب المكان في الرواية العربية، على الرغم من جدة الموضوع وقلة الدراسات و المراجع حول ما طرأ من تطور على مفهوم المكان في الرواية، إلا أنه وبنظرة فاحصة لأحد النصوص الروائية مثل رواية وراء السراب...قليلا "للدرغوثي" أو إلى أي من الروايات العربية "المكانية"ومنها روايات جزائرية كتبت بالعربية أو الفرنسية مثل"الهضبة المنسية "لمولود معمري ، "الأرض و الدم " ، "الدروب الصاعدة " لمولود فرعون . التي تحفل بالأبعاد المكانية ، إضافة إلى بعض المراجع التي تطرقت لدراسة الموضوع ...
فمن مقاربة وتحليل لموضوع المكان تتضح بعض الدلالات الرمزية وما لها من شاعرية وأثر في الرواية العربية وقارئها...
مدخل حول تطور الرواية العربية: ـ تشهد العقود الأخيرة منذ السبعينيات بالخصوص زيادة كبيرة في الإنتاج الروائي في الوطن العربي، فأخذت الرواية تحتل موقعها مقابل الأجناس لأدبية الأخرى من حيث الانتاج و القراءة، لتصير كأنها النوع الأدبي الأكثر تداولا ، و الذي لم يثر الاهتمام النقدي و الدراسة التحليلية الكافيين على الرغم من أن الرواية صنعت لنفسها التحولات الفنية بانتقالها من مرحلة لأخرى تجاه التحرر من الشكل السردي التقليدي الموروث من الرواية الأوروبية في القرن التاسع عشر و بداية من القرن العشرين ، فدخلت الرواية العربية مرحلة الانبعاث و تكوين أشكال فنية جديدة مرتبطة بحركة الواقع الاجتماعي و تطورات العصر .
فمنذ رواية " زينب " لحسن هيكل 1914 أو حتى من أشكال تراثية مثل " ألف ليلة و ليلة " أو الروايات الشعبية منذ ازمنة أبعد ، حتى و إن لم نأخذ العامل التاريخي ، فإن ولادة الرواية العربية محل دراسة و نقاش و خصوصا حول بداية تشكل الرواية العربية المستقلة عن النموذج السردي الأوربي .
إلا ان الامر البديهي هو الوجود الفعلي لها ، بل إنها بلغت مرحلة الفوران و هي تطرح الجديد على المهتمين بالبحث و الدراسة، كما أنها صارت الفن الأكثر احتواء لحركة الصراعات الاجتماعية ( شخصية و طبقية ) و السياسية و الثقافية ...في المفاهيم و المواقف بمختلف الأشكال و الصور ، و بذلك وافق اتجاه حركة الرواية اتجاه التحرر الوطني و الاجتماعي
و الرواية لا تحمل جديدا إلى فنها إلا إذا انبثقت من نزعة عميقة إلى التحرر ، و ارتباط وثيق بحركة الصراع و التغيير التحرري، وهذا يقوي حقيقة التفاعل بين حركة الواقع الاجتماعي و الحركة الروائية ، فيتأكد الحضور الصارخ للصراعات الاجتماعية في العمق الروائي و تشكل ذاته الفنية وفقا لتقنية متميزة "لا تستلهم الماضي في ماضيه و إنما تعيد تأسيس الموروث الأدبي في وجهة نظر الصراع في الحاضر " ( ) ، و ذلك في ظل المبادئ الإنسانية من أجل الدعوة إلى الحرية و العدالة .
ومن ثمة أخذت الرواية العربية خصوصياتها في اعتمادها في تشكيل كيانها على التراث العربي و الواقع الذي يعيشه المجتمع العربي و الذي فرض نفسه بكل قوة على المبدعين في استخدام اللغة التي يقتضيها هذا الواقع .
إذ كان الاعتماد على واقع الانسان العربي زمانا و مكانا مما رسم آفاق الرؤية الروائية المشبعة بالاتجاهات الاجتماعية و التيارات و المذاهب الأدبية و الفلسفية ، و إن كان البعض قد سلك مسلك التقليد الأعمى للغرب شكلا و مضمونا .
فشق الكثير من الادباء العرب طريق الابداع الروائي فتعددت الروايات العربية في مختلف الأقطار و عالجت مختلف قضايا الشعوب العربية تاريخية كانت أو اجتماعية أو سياسية أو ثقافية ...
حيث كانت الساحة العربية من أخصب ميادين الإبداع في هذا الفن، مستمدة مادتها الخام من واقع المنطقة التاريخي ووضعها الاجتماعي ونضال أهلها التحرري، وإن كانت الرواية فيها قصيرة العمر كما في تونس ، مقارنة ببلدان المشرق العربي، حيث لم تطرح الرواية في تونس كما في المغرب العربي عامة نفسها في الساحة الأدبية العربية بالثقل المطلوب إلا في النصف الثاني من ا لقرن العشرين.
فكانت مثلا أول رواية في تونس " ومن الضحايا" لمحمد لعروسي المطوي سنة 1956 م( ) .حسب دراسة المستشرق الفرنسي الأب جان فونتان ، وإن لم تجد الرواية التونسية فرصة الطبع والتوزيع خارج تونس إلا نادرا، فمنذ 1956 م توالت الروايات وظهر الروائيون الشباب، كرواية "الرحيل إلى الزمن الدامي" للأديب مصطفى لمدايني .
هذه الأخيرة تنقلنا من خلال تعامل كاتبها مع عالمين أحدهما واقعي والآخر أسطوري وكثرة شخوصها وتعدد فصولها لكل منها اسمه في بناء ولغة يمنحانها التدفق والحياة إلى رواية وراء السراب قليلا لإبراهيم درغوثي، والتي يظهر فيها جليا تطور جمالية المكان وعلاقته بمكوناتها الأخرى، كعمل روائي حديث يحمل من الجدة ما يثير الاهتمام والبحث كما في باقي الراويات العربية الجديدة .
فإذا كانت الراويات العربية عموما الابنة الشرعية للحكاية ، فهي تختلف عنها في الأسلوب واللغة والقصد، فهي شكل وبناء فني مبدع بإرادة فردية عكس الحكاية المنقولة برغبة اجتماعية في التعلم وحفظ الموروث.
إن الرواية عمارة إبداعية بتصميم هندسي يخضع لقوانين خاصة يلعب فيها الزمن دور المدخل الذي تفهم منه عمارة الرواية الفنية "فتعكس صورة تعبيرية لفلسفة قائمة ومعروفة"( ). مع أنها تبقى فنا لا يخضع للمقاييس الفلسفية الصارمة، حيث يتضح تماسك نسيجها من وضوح أفكارها وأهدافها، فهي بحاجة إلى تصميم مسبق نابع من فكرة مستمدة من الموروث الفكري الفلسفي حيث يبرز كبار الروائيين من أوساط الصراعات النفسية والإيديولوجية بينما ينبثق الشعراء من المجتمعات البسيطة والبدوية، فتكون الرواية أقرب للفكر والفلسفة منها إلى اللغة الشعرية.
فهي تعمل على تعميق الفكر بلغة خاصة، وتكشف عن فلسفة كاتبها، مما يدعم البناء الفني للرواية ويسهل نقل أفكار الكاتب إلى القارئ، فهناك علاقة بين الواقع الاجتماعي والعمل الروائي أقرتها الوقائع والدراسات النقدية، مع وجود دور كبير للحياة الاجتماعية في تبلور العمل الروائي كالظروف الاجتماعية والتجارب الشخصية لكل كاتب " وفترات الاستعمار" والذكريات التي يمر بها الفرد والمجتمع والتحولات الاجتماعية التي تطرأ عليها.
فتساعد تناقضات المشهد الاجتماعي وتقلباته طبيعية كانت أو شاذة ـ بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ـ على تجسيد اللون الروائي و تحديد شكله ورسم خطوط هيكله الرئيسية.
حيث يعطي الاحباط والفشل الاجتماعي نمطا من الروايات الواقعية أو الرومانسية المبنية على الأمل والبحث عن البطولة أو روايات تاريخية تستند على الماضي، بينما يولد الاضطهاد السياسي المشاهد الرمزية في الرواية، مع خضوع هذه المؤثرات لسيطرة الكاتب الذي يكون شاهدا على العصر أو واصفا أو مؤرخا لأحداثه أو محددا لمعالم مستقبل الواقع الاجتماعي من خلال علاقته بالمجتمع.
وبذلك تعالج الرواية موضوعا او اكثر في حياة شخص أو جماعة ، مما يسهل على المتلقي الإلمام بجوانب حياة البطل وشخوص الرواية و ما تعج به من أحداث على مدى الزمن الروائي .
ذلك أنه لا يخلو عمل روائي من العناصر اللازمة في بنائه و هي : المكان الروائي و الحبكة و الشخصيات و الزمن و الحدث و الحوار ... و التي تكون منسجمة في ما بينها، *فالزمن :يضبط الحدث ، و يتم تسجيل وقائعه على مدى حركته بوصفه عنصرا أساسيا في العمل النثري ، كما أن لغموض الإحساس بالزمن في الشعور الإنساني على مختلف العصور أثر على الأعمال الروائية من عصر إلى آخر.. حيث تعددت دلالاته من زمن اعتيادي محسوب إلى آخر غير طبيعي ( ) بأبعاد نفسية أو اجتماعية تؤثر في حركته و مدى أهميته في العمل الروائي .
* و المكان :الذي تظهر أهميته من اقتران كل حدث بزمان و مكان، فهو من المكونات الاساسية للعمل السردي يستمد قيمته ليس من كونه مجالا تقع فيه الاحداث وإنما بما له من جمالية مستمدة من تضاد او انسجام العناصر المكانية مما يساهم في تشكيل معالم العقدة والتأثير على حركة الايقاع السردي، ويحدد ملامح الشخصية الروائية و انتمائها وهويتها، وتساهم جمالية المكان في تجسيد شعرية النص الروائي من خلال ما يحمله من ابعاد دلالية تؤثر فنيا في تطور الاحداث وما تعيشه الشخصيات من صراع نفسي ومادي .
*اما الحدث : فلا يقوم العمل الروائي إلا باعتباره الفعل المقترن بزمن شأنه كشأن المكونات السردية الأخرى ،ويهتم الروائي بعرضه في أحسن صورة . ومن الاحداث ما يكون حقيقيا يأخذ اشكالا وصورا مختلفة في البناء الروائي ومنها ما يكون مفتعلا يضفي عليه الكاتب عناصر الغرابة والمفاجئة للتأثير على المتلقي .ويعمل الروائي على ترتيب الأحداث وفق مقتضيات الزمان و المكان حتى تكون طبيعية و مقنعة .
*والشخصيات : من المكونات الهامة في البنية الروائية اد تتمحور حولها الأحداث أو تصنعها في زمن ما أو مكان ما في الرواية، وتدخل في صنع الشخصية وصقلها عدة عناصر من مولد وبيئة وسلوك وظروف محيطة مما يطبعها ببعض المميزات، يعمل الروائي على ابراز إحداها بالتحوير و التفعيل في جوانبها التاريخية والنفسية ...او افتعال بعض الشخصيات لإكمال المشهد الروائي حسب ما يقتضيه البناء السردي للرواية وكذا قصد الروائي أو مرجعيته الفلسفية ومن الشخصيات ما هو ثابت يدرك بسهولة ومن أول وهلة (الفارس مثلا) ومنها ما يتميز بالغموض يكشف عنها القارئ عبر تطور احداث الرواية .
*والحبكة : تتعلق بتماسك البناء السردي وكيفية تقديم الأحداث وشبكة العلائق التي تربط مكوناتها الأساسية، وتأخذ أشكالا مختلفة فمنها المنسجمة والمفككة .
كما لا يمكن إغفال العناصر الأخرى ذات الأهمية البالغة في البناء الفني للرواية ، كاللغة والتوقيت المناسب للأحداث والإيقاع وعنصر التشويق وأسلوب الحوار المعتمد بين الشخوص وصوره البيانية ، وقدرة الروائي على التعبير والتصوير الفني ...
وتتم المعالجة الفنية إما بالسرد المباشر فيتحدث الكاتب بلسان الشخصية، أو بواسطة الترجمة الذاتية (كالرسائل المتبادلة) والمونولوج الداخلي :الحديث المعتمد على التأمل والملاحظة و استحضار الذكريات وتصور آمال المستقبل، وذلك عبر التداعي الزمني بمزج المستقبل بالحاضر أو الماضي أو بكليهما.
المكان و أهميته في النصوص السردية : ـ لا يمكن الالمام بخفايا النص و مكوناته إلا من خلال التعرف على عناصره الأساسية المشكلة لمادة المتن الحكائي و شبكة العلائق التي تربطها كنسيج متكامل ، كالزمان و المكان و الشخصيات ...
فمن تشخيص المكان تأخذ الأحداث واقعيتها ، لأنه لا يمكن تصور أي حدث إلا في مكان ما ، و هنا تظهر قدرة الروائي على تسخير المكان في مسار الحكي ، فيماثل الخيالي لما هو واقعي أو العكس .
إذ تختلف أهمية المكان و قيمته من رواية إلى أخرى و هو يكتسي هذه الأهمية من كونه أرضية الاحداث و خلفيتها و ضابط الصراع بين الأبطال و جزء من كيان المعنى في النص، و يساهم في تبلور العقدة، و هو أحد ملامح الشخصيات و دليل هويتها و انتمائها و خلفيتها الأيديولوجية .
و تجلت أهمية المكان في الرواية العربية في اعتماد الكثير من الكتاب العرب على منطلقات " مكانية " بحتة في البناء السردي لأعمالهم الروائية .
فمن الوهلة التأملية الأولى يبدو للقارئ و كأنه امام روايات "مكانية "،إذ من معظم العناوين تتضح الدلالة المكانية، مثل (وراء السراب قليلا ، الحي اللاتيني ، الهضبة المنسية ...) ثم بعد ذلك إلى جوهر الأحداث التي أنتجت صراعات و عقد مصدرها المكان .
فمن الصحراء التي كانت مصدر الخيرات الباطنية و محل صراع بين السكان المحليين للبلدان العربية و الاستعمار، إلى المناجم و المزارع ...التي كانت مصدر عيش لمختلف فئات سكان المنطقة العربية ومحل صراع بين العمال و الشركات الأجنبية ، إلى مشاكل الأحياء و البيوت و المدن و القرى ...الخ .
فقد شملت الرواية العربية الجديدة كل الأمكنة بدلائل و رموز مختلفة أستخدمها الكاتب حسب حاجاته في البناء الروائي و توصيل قصده و عكس مقوماته الشخصية.
أنــواع الأمكــنة : ـ تتعدد أنواع الأمكنة ، و يفرض كل منها علاقة خاصة مع الإنسان و تأثيرات مختلفة على كيان شخصيته و مسار حياته ، و قد قسمتها الدراسات إلى ثنائيات متناقضة فمن المكان الفردي و الجماعي إلى المحدود و اللامتناهي و أماكن جذابة و أخرى طاردة ثم مفتوح و مغلق ...
و سنخص بالتحليل هذين الأخيرين نظرا لأهميتهما في الرواية العربية :
1ـ المكان المفتوح(اللامتناهي):والذي يتميز عموما بأنه إما أن يكون خاليا من الناس أو أنه "لا يخضع لسلطة أحد" ( ) و لا لملكيته فيكون فضاء للأسطورة نظرا لوحشيته و انعدام مرافق الحياة و الحضارة فيه ، كالصحاري الشاسعة و أدغال الغابات و البحار و المحيطات و القارات والأوطان ...
وعلى الرغم من أنها بدأت تفقد هذه الرمزية شيئا فشيئا و حصرت بفعل التطور الحضاري و انتشار وسائل الإعلام و المواصلات و استبدلت بالاستكشافات في عالم الفضاء و السفر عبر الكواكب و النجوم و هي كذلك ملاحقة بالثورة العلمية و التكنولوجيا التي حدت من لا تناهيها و حولت العالم إلى قرية صغيرة، مما يمكن الكاتب من أن يجعل من المكان المفتوح مغلقا أو العكس .
و هو ما أخضع الكاتب العربي المعاصر روايته له حيث امتد بانفتاح المكان في روايته من شساعة الصحراء إلى كوكب الأرض إلى اللاتناهي الفضائي . " حيث يطوف الجواد الأبلق الذي يطير بألف جناح براكبه حول الكرة الارضية إلى أن يرث الله الأرض و من عليها "( ) مستشهدا بحادث ذكر في "صحيفة نيويورك تايمز " حيث صادف أحد رواد مكوك ( ديسكوفري ) فارسا على حصان عربي أصيل يطوف في الفضاء الواسع ...
كما أن المكان المفتوح ارتبط بالحرية من حيث الدلالة على حرية الحركة دون حواجز خارجية تحدها . فقد يجد الإنسان حريته في مكان مغلق و لكن محدوديته تحاصرها، فيعمل بإرادته و قوته و ذكائه وما يملكه من وسائل على توسيع حقله و تحطيم الحدود و إحداث الثغرات في هذه الحواجز التي تكون مادية أو معنوية كالتعليمات والقوانين الجائرة و المحذورات...
2 ـ المكان المغلق: و هو المكان المحدود الذي تضبطه الحدود و الحواجز و الإشارات، و يخضع للقياس و يدرك بالحواس مما يعزل صاحبه عن العالم الخارجي، و كثيرا ما يكون رمزا للحميمية و الألفة و الأمن و الانغلاق و العزلة و الاكتئاب، و يتنوع المكان طردا انطلاقا من الجسد كوعاء للروح خاضع للسلطة الفردية، و ذالك بشكل ذبذبي ( دائري) باتجاه الانفتاح و التوسع، الثياب ثم الحركة ثم الغرفة ثم المنزل ثم الحي و المدينة و المنطقة والوطن و العالم...
و بخضوع الفرد لجدلية الرغبة في انطلاق حرية حركته " الحركة إلى الخارج أو الرغبة في الانكماش و التقوقع نحو الداخل " ( )، قد يستعمل الكاتب المكان المغلق للتعبير عن ما حدث في المكان المفتوح باعتبار الأول جزءا من الثاني، و خضوعه للقياس و سهولة الفهم، كما يحدث في الحديث عن سكان مدينة واحدة للتعبير عن معانة إنسانية أو من خلال أحداث منجم كمكان محدود أو مغلق و لا يمكن وجود شخص واحد في مكانين مختلفين في نفس الوقت مما يجعل المكان الفردي على انغلاقه يزداد قيمة و أهمية لدى الفرد و حياته، " ففي البيت نسعى إلى دمج كل قيمه الخاصة و ندرسه كوحدة بكل تعقيداته "( ) فندفع عنه الآخرين ، و نبني عليه مفاهيمنا و تصوراتنا المادية و المعنوية، فالبعد و القرب و الارتفاع و الانخفاض أخذ منهم السمو و التدني و الرفعة و الوضاعة و سعة القلب و ضيقه ...
ـ نظرة حول شكل الرواية العربية : 1 ـ كثيرا ما يمثل العنوان : في حد ذاته وحدة سردية ذات شعرية و غرائبية تغري القارئ و تثير إعجابه و تساؤله و تجمع بين عالم الخيال اللامحدود و عالم الواقعية مستوحى من دلائل مكانية
2 ـ الرواية : تجمع بين الواقع و الخيال، حيث جعل الكاتب العربي لمغامراته الخيالية حدودا بهذه المزاوجة، حتى لا تحيد عن مقتضيات الفن السردي و مكوناته الرئيسية من أحداث و شخصيات و حبكة و غيرها، فاستخدم الخيال ببراعة وحدة كبيرة لتحقيق الواقع كإظهار كوامن الذات بالرحيل داخل فضائها الغريب و كشف عجائب الحياة وفك غموضها باستخدام الأساطير و عالم التقنية الحديثة .
فالرواية تساعد على كشف النقاب عن فترات تاريخ المنطقة العربية، بالوصول إلى تفاصيل دقيقة من جوانب الحياة اليومية لبعض الأشخاص في هذه الفترات إلى حد ذكر أسماء الأشخاص و الشوارع و الأحياء و المناطق، و تسليط الضوء على حيثيات الصراع التاريخي بين العرب و الاستعمار، و كذا المعاناة و الآفاق الاجتماعية و الشخصيات التي يعيشها السكان، مع المزاوجة بين الواقع و الخيال عبر اللغة، فهي بذلك سبح في فضاء الخيال على أحداث واقعية في حد ذاتها .
فسخرت الأماكن و الشخوص من الواقع الجغرافي و التاريخي و الاجتماعي للمنطقة العربية، فنجد أسماء المدن حيث يجتمع البشر ..بآلامهم و أحلامهم و أوضاعهم الاجتماعية في مكان واحد ..فتتوحد المصائر و المطالب و الآلام و الآمال بعد توحد المكان ثم التوحد في التفكير و استرجاع الحقوق .
فتكون بعض الأجزاء مجالا للخيال و الرمزية و فتح المجال للغة كي تجول بالقارئ في فضاء سردي غير متناهي الدلالات مرتكزا على الدلالة المكانية .
بينما تكون أجزاء أخرى عبارة عن وصف مادي لأحداث تاريخية عينية مما يحد من الرؤية السردية، و يضيق مجال المراوغة باللغة حتى تكون في خدمة المشاهد الروائية، فتقتصر على نقل المعاني و الأحداث، داخل السياق الروائي، حتى كانت نهاية بعض الروايات و كأنها من الواقع الصرف،كما في رواية وراء السراب قليلا بحيث انتهى الاضراب بإذعان العمال، و عودتهم إلى العمل صاغرين .
الصراعات التحررية اجتماعيا و سياسيا من خلال المكان: ـ لما كانت الرواية العربية تنبثق من الواقع الاجتماعي و تعكس تطورات العصر المختلفة، فإن هذا الموضوع على الرغم من قدمه عبر التاريخ الإنساني، إلا انه أكثر تداولا مع نشاط حركات التحرر في العالم ضد الاستعمار و التسلط السياسي و ظهور جنس الرواية كمرآة عاكسة لهذا الواقع و حامل لقيم اجتماعية تناسب تطور العصر .
فكانت الرواية العربية تعبرعن ظروف الاضطهاد و عوامل التحرر، من الواقع الاستعماري الغربي المصلحي المادي ( المتمدن ) بالواقع العربي المضطهد العقائدي (المتخلف ) .
فكان هذا موضوع الكثير من الروائيين و الكتاب العرب على امتداد الوطن العربي و يكفي أن نذكر احداهما كرواية الحي" اللاتيني " لسهيل ادريس من لبنان ، حيث الحديث عن بيئتين : عربية و مستعمرة من خلال وصف مدينة أوروبية جديدة و سكانها، فمع وجود الاختلاف و الفوارق الكبيرة و التناقض بينهما إلا أن بعض الكتاب حاول أن ينسج خيوط الاتصال و الربط بينهما من خلال افتعال أحداث كقصة حب بين أحد المعمرين و فتاة من المنطقة انتهت إلى اندماجه مع أهل المنطقة و هي أحداث تعاكس مسار التأثير الحاصل بين الاستعمار و أهل المنطقة العربية ...
فضاء الرواية العربية : ـ يتضح من البداية أن الرواية العربية الجديدة تحيلنا على فضاء الصراع الحضاري بين الغرب المستعمر، و سكان المنطقة العربية و ما انجر عن ذلك من أحداث و مآسي و مشاكل مست أهل المنطقة و أثر ذلك في نسيجهم الاجتماعي و الثقافي، و هو فضاء يمثل أداة معرفة تسهل على المتلقي القراءة و الفهم .
فالرواية العربية الجديدة ذات مستوى واقعي مادي و حسي و آخر خفي يتجلى من خلال فحص أبعاد الذاكرة ماضيا و حاضرا و مستقبلا ، و كذا مرجعيات الكاتب .
1 ـ الفضاء الواقعي ( الجغرافي ): و يتمثل في الأماكن العينية من كل أنحاء العالم العربي من المحيط إلى الخليج و ما عانوه من اضطهاد من المعمرين الذي انعكس على المنطقة و أهلها و أجيالها المتلاحقة .
2 ـ الفضاء الخفي : أو الدلالي و يمثل الجانب المجازي بحيث يجعل اللغة تسبح في هذا الفضاء اللامتناهي إلى درجة خروج النص عن التاريخية و الوثائقية في رصد الأحداث بل تأويلها و التفلسف في وصفها و ظروف حدوثها .
طبيعة المكان في الرواية العربية : طغى الفضاء المكاني على باقي العناصر الروائية الأخرى، فكان القصر ثم القرية ثم الصحراء، ثم الوطن لينتقل إلى بلدان الوطن العربي ( المغرب، الجزائر، لبنان، مصر ...) ثم إلى المدن الجديدة، حيث يظهر المكان "المحور" كقطب أساسي يكون مصدرا للعقدة في الرواية و محل الصراع و بوتقة المشاعر و مسرح الأحداث الرئيسي في الرواية ويأخذ دلالاته الانسانية من اختياره كنموذج لمكان يوجد في كل بلدان العالم ( مصنع ،منجم ،مؤسسة عمل ...) .
وارتبط المكان المختار بكل قضايا الانسان الحديث التحررية و العلمية و السياسية ( الإيديولوجية ) و الاجتماعية و التاريخية ... فكلها دلالات مشتركة بين أماكن العالم، فكان المكان مصدر إلهام أدبي للتعبير عن معاناة طبقة اجتماعية في الروايات الواقعية .
أ / ارتبطت الرواية العربية بالتحرر كباقي الروايات الغربية في القرن المنصرم .
ب/ ثم الاهتمام بمفهوم الطبقة من خلال الأوضاع الاجتماعية مع كل ما توحي به من دلالات رمزية في هذا الميدان. فكان المكان مصدرا للرزق، أو مصدرا للخوف، و مصدرا للزجر و التأنيب ..أو كان المكان مصدرا للأحلام و الأساطير و الخرافات ...
تطور مفهوم المكان عند الكاتب العربي : ـ أخضع الكاتب العربي المعاصر مفهوم المكان لمقتضيات العصر و الحداثة و التغيرات التي لحقت به، فلم يعد المكان مجرد ديكور روائي من خلال المفاهيم و الدلالات الجديدة التي فرضتها ثورات التطور العلمي و التقني الحديثة فتغيرت أنواعه ليصير المفتوح مغلقا ،أو ينفتح المغلق على رحاب الآفاق الواسعة، بفضل وسائل الإعلام و الاتصال، التي جعلت من العالم قرية صغيرة، بل ووفرت للإنسان القدرة على دخول عوالم الأجسام والتجول داخل الشرايين والأوردة وفتحت له نافذة للإطلاع على كل أصقاع الكون السحيق وما يجري فيه من أحداث وتغيرات لحظة بلحظة. وإن كان ذلك يتوفر في مناطق من العالم دون غيرها...
فارتبط بذلك مفهوم المكان بمصطلح الحداثة والذي ارتبط هو الآخر في معناه المعجمي والاصطلاحي بالزمن ، أي مواكبة العصر وما يصاحبه من تطور وتقدم وتغيير، وارتبط في معناه الفلسفي بالمكان، وهو مجاراة التطور الحضاري الحاصل في بلاد الغرب في كل مجالات الحياة وخاصة في أوروبا وأمريكا دون غيرها، وهو ما أثر في كثير من المفاهيم والمصطلحات في مجالات علمية وفكرية كثيرة، فنجمت عنه مركزية وقطبية فكرية وثقافية وحتى أدبية ولدت العولمة التي أذابت أو تكاد كل الخصوصيات القومية والفردية لباقي مجتمعات العالم، وهو ما يولد الآن ردة فعل في جميع المجالات وما ينجر عنها من آثار وعواقب...
كما زاوج الكاتب العربي في الكثير من المرات بين التقليدي و الحديث تارة باستخدام الخيال و العجائبية أو باستعمال اللغة، كما ألبس التقليدي الحداثة تارة أخرى، أو العكس حتى رأينا (أن القطار واصل سيره في فيافي الصحراء مقتفيا آثار الجمال و القوافي دون سكة ...) كما في رواية الدرغوثي "وراء السرب قليلا" .
كما حافظ الكاتب العربي على غموض رمزية المكان، بحيث بقي المكان مجالا غير متناهي الرمزية و الدلالات .
خلفية المكان في الرواية العربية : ـ لا ريب أن الصورة التي طغت على معظم الروايات العربية هي الأماكن المختلفة بطبيعتها الجغرافية والإيكولوجية، و أول ما يعترضنا هو "صورة الصحراء" عبر فترات تاريخية مختلفة .
الصحراء بما فيها من واحات و قرى كفضاء يشمل كل بلدان العالم العربي تقريبا و قاسم مشترك يجمع بينها، و كرمز للثروة الباطنية، و للمجتمع العربي و قيمه الحضارية و عقيدته الإسلامية و تراثه الشعبي مع شيء من نظرة التخلف العلمي و التقني، و هذا خصوصا في الحاضر و المستقبل فكانت النظرة إلى الصحراء من حاضر الكاتب العربي أكثر من واقعها في زمن الحدث .
إلى أن يصل إلى ذكر قرى و أماكن واقعية من مختلف مناطق الوطن العربي، ثم الأحياء و المعالم والمناجم ...كمكونات و تفاصيل لهذا الفضاء الواسع "الصحراء و الوطن العربي" .
و يقابل ذلك "المدينة الجديدة" كرمز للمستعمر الدخيل و ما يحمله من مدنية حديثة و معاصرة و قيم مخالفة لوقع المنطقة العربية و ما جاء به من تطور علمي و تقني و ما تبع ذلك من مرافق عمومية، و ما ترتب عن ذلك من أحياء قصديرية عشوائية فوضوية أحاطت بالمدينة الجديدة بناها القادمون الذين يبحثون عن حياة أفضل ...فكانت محلا يعكس الظروف المزرية لأهلها من معاناة و آفات اجتماعية .، إلى أن صارت المدينة الحديثة واقعا من حياة الجديدة بعد فترة الاستعمار.
كل هذا انعكس على أحداث الرواية العربية و شخوصها و الأفكار الواردة فيها، فكثيرا ما تحدث الكتاب العرب عن مراحل عديدة كمرحلة ما قبل الاحتلال و مرحلة الاستعمار ثم مرحلة الاستقلال، و بالتالي يتعلق الأمر بالذاكرة الجماعية للمجتمع العربي و خصوصا الطبقات الاجتماعية ( عمال، فلاحين، أغنياء ...) و ما طرأ عليها من تغير جراء هذا التحول، وبذلك يلاحظ تداخل الأمكنة و تغير مدلولاتها، فمن بيوت السقيف البسيطة، في المداشر و الواحات لأهل المنطقة إلى الفِلاَََّت و القصور مما أبرز الصراع الحضاري من خلال أوصاف بيوت و مداشر و قرى المنطقة و أوصاف المدينة الجديدة و المحدثة في عمق المنطقة، حيث كان المكان معلما حضاريا و أحد الاحداثيات التي تمكن القارئ من فهم الاطار العام لهذا الصراع المتواصل و الذي اتسع مجاله في الرواية العربية إلى أرجاء الكون كله، فالمكان يبقى من ركائز الكيان الحضاري و له رمزية كبيرة في تجسيد البعد الحضاري عبر ما يمر به الإنسان من تحولات ثقافية و عقائدية .
و مفهوم القرية كرمز للتحول الحضاري نحو التقدم أو التخلف منقوش في مرجعية الكاتب العربي الفكرية حيث يشير في الكثير من الأحيان إلى ضرورة التمسك بالتقاليد و القيم المحلية لتجنب التأثيرات السلبية التي جاءت بها المدنية الحديثة .
فتحديد معالم المكان شمل عند الكاتب العربي تسمية المسميات و ذكر المعالم و الأوصاف و العناصر المكانية ...( تونس، بيروت، مصر الجديدة ...) .
قد يذكر الجزء للدلالة على الكل، أو الفرع عن الأصل لاشتراكهما في الخصوصية ... (كالنفق عن النجم ) مع انطلاقه مع الفروع لما تدل عليه من عاطفية ذاتية تربطه بالأصل أي الأرض كفضاء للكيان الحضاري .
المكان و اللغة في الرواية العربية : ـ تختلف لغة العمل الروائي من رواية إلى أخرى كما أن هناك اختلافا بين لغة الروايات التقليدية و الروايات الحديثة، فإذا كانت لغة الروايات الأولى موروثة و مستعارة و نمطية بطابع تجريدي و متوازنة في مفرداتها و تركيبها و صورها، فهي لغة الكتب المتوارثة ( أي تقليدية ) مما يوجد فجوات بين الواقع و اللغة الروائية ، تجعل الانسان يندمج بالواقع ككائن منسجم لا فرق عنده بين المآسي و الأفراح .
بينما لغة الرواية الحديثة مستمدة من الحياة اليومية بكل مشاعرها، فهي أكثر ارتباطا بالواقع الحياتي و أكثر اضطرابا "و تجاوبا مع الواقع و التجارب الجديدة" و تلقائية و عفوية يكون فيها الانسان في حالة اضطراب مستمر و مواجهة مع الذات و مع الآخر و المكان كعنصر محسوس يكتسب دلالاته من نظام اللغة كمقابل لا محسوس، باعتبارها المخزون المجرد الذي يمثل البديل عن الواقع في عمل قيم و إيجابي.
(فتسمى الأشياء باللغة ) و هو عمل غير بريء، ـ أي له دلالاته سلبا و إيجابا في الفضاء الثقافي و الخطاب السائد، مثل مصطلحي اليمين و اليسار في المجال السياسي. و بذلك تكون اللغة هي الأداة الأساسية للثقافة.
فإذا كانت لغة الرواية قد حوصرت بالفضاء الواقعي و صارت تقتصر على تمثيل المعنى مفتقرة إلى الرمزية و الانزياح، إلا من الابداع الوصفي في بعض المقاطع، و الذي ألهمته الطبيعة (المكان) شاعريته وجماليته فأبدع الكاتب في وصف المكان بدلائله المكانية ." و الرمال تمتد على مرأى البصر، كثبان صغيرة هنا، و أخرى عالية هناك خطت عليها الرياح رسوما بديعة، خطوط متناسقة تناسقا أخاذا، رسم سوريالي تحط عليه العين فلا تكل ولا تمل "( ) فكأننا أمام لوحة فنية آية في الجمال و التناسق. فيها كمية الألفاظ ذات الدلالة المكانية هي الأكثر، وهي التي تصنع شعرية المقطع،
( الرمال و الكثبان، هنا و هناك، مرأى البصر و حط العين...) و ذلك من حيث الشكل و المضمون.
إذ استعملت اللغة في تأطير الفضاءات و بالتالي توسيع المعنى إلى حدود تلك الفضاءات،" و هو ما عاد على اللغة بالتحرر من مرجعية المعنى المعجمي الضيق " ( ) و قيود التفاصيل إلى المعاني العميقة .
و كأن اللغة كالمكان تكملك فضاءين للمعنى أحدهما مغلق يتمثل في المعنى المعجمي الضيق و أخر مفتوح يشمل مجموعة الدلالات اللامتناهية التي تخضع حركتها لتقنية الانزياح خلال الابداع الفني و ترسيخ رغبة التجريب عند الفنان.
فتعددت التقنيات اللغوية المستعملة في الرواية العربية و إن اختلفت من حيث كمية استعمالها كقلة استعمال الحوار أحيانا على الرغم من أهميته في تحديد صفات الشخصيات و كشف أبعادها و مواقفها مع المساهمة في تطور الأحداث، كونه أداة تواصل تمكن القارئ من الاتصال المبشر مع الشخصيات في سماع آرائها فيكسب الشخصيات حضورها و حيويتها و يحررها من رقابة السرد فلم يظهر الحوار إلا بشكل مقتضب في بعض الروايات .
اللغة الشعبية : على الرغم من أن معظم الكتاب العرب يعتمد لغة عربية فصيحة في روايته وبمستوى راق دون اطناب أو إجحاف في استعملها الألفاظ إلا أنهم يستعينون بالتراث العامي في بعض المسميات لطبعها بصبغة الواقعية من أماكن و أشخاص و إن كانت في معظمها ذات مصدر عربي أو أجنبي مع وجود بعض المقاطع العامية الصرفة .
الإرتداد : {فلاش باك .flach back} و هي تقنية تفاعل الماضي مع الحاضر و اختصار المسافة بينهما و مزاوجتهما اعتمادا على الذاكرة" صياح قادم من بدايات الخليقة ...تطلق الجدة ذلك النداء فيردد الجبل صداه عدة مرات .و حين تهدأ تلك الأصوات القادمة من تخوم الزمن السحيق تهمس الجدة للقبر : أفق يا ولدي طلع النهار( ).إضافة إلى التسلسل الزمني المتمثل في ذكر التواريخ و الأماكن .
المكان و الشخصيات في الرواية العربية : ـ إذا كان تأثير المكان في الشخصيات أمرا بديهيا بحيث أنه يعمق وعيها بذاتها و يمثل هويتها و انتمائها، و عنصرا من عناصر أيديولوجيتها و مشاعرها و ذاكرتها . و الأكثر من ذلك مجال حركتها و تنقلها و فضاء الأحداث المؤثرة فيها، فإن لكل مكان ميزاته و خصوصياته التي يميزه عن غيره، فإن هذه العوامل و الأبعاد ما تلبث أن تطبع على الكيانات الشخصية، مما يفرض تصنيفاتها و انتماءاتها و يؤثر على طموحاته و علاقاتها مع غيرها، و في الرواية العربية ما يجعل معالم و مميزات المكان الروائي تحيلنا على الفضاء العربي ثقافيا و اجتماعيا و تاريخيا .
و نجد في الرواية العربية عدة أنماط من الشخصيات .الأهالي (les indigènes )* المستعمرون ـ العمال الفلاًحين، أغنياء، فقراء ... ـ إضافة إلى شخصيات ذات طابع أسطوري ..أظهرت ارتباطها بالمؤثرات المفتعلة في الرواية لبلورة جاذبيتها و مستواها الفني، كالجنس و الخوف و الخرافة و في الأحياء الشعبية أو التراثية .
فمثلا لعبت شريحة العمال دور حلقة الوصل بين فئتي الأهالي و المستعمرين في بعض الروايات و لعب مكان العمل دور الفضاء الذي تلتقي فيه كل فئات الشخصيات و ما يربطها من علاقات و تأثيرات متبادلة .
فإذا كان الكثير من الكتاب العرب تحدثوا عن هجرة الأهالي في فترة الاستعمار إلى أوربا للعمل، فتطبع معاناتهم مع العمل بطابع الغربة القاسي، فإن بعض الروائيين العرب جعل من أهالي المنطقة العربية غرباء في بلادهم طلبا للعمل تسلط عليهم ضروب من الاهانات و المعانات .
كما أن البعض الآخر أنهى أمل الأهالي بصدمة الخضوع للمطالب مجبرين على قبولها تحت إهانات أرباب العمل المعنوية و الجسدية عكس " العمل على تغذية الأمل في الأشكال الانسانية للتخلص من العبودية" ( ) أو أن تلوح بوادر الأمل في مرحلة اليأس و القنوط دون إمكانية العثور على حل، لأن الاستعمار لا يقدم حلولا، كما في رواية " الهضبة المنسية لمولود معمري" ( ) .
أكد الوجود الصارخ لما يسمى بالاقتصاد الكلونيالي أو البورجوازي المتميز بالغلبة السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية للأقلية الاستعمارية أو الغنية "و بقاء الجماهير في حالة دائمة من الانحطاط على كل المستويات الأساسية للوجود الانساني { التغذية،الثقافة، مجلات الحياة ،الحريات الأساسية للمواطن ...}( ) إضافة للاستغلال المباشر للخيرات الطبيعية للبلاد واحتكار أجود الأراضي .
كأن هناك غياب لرد الفعل الذي أكدته الوقائع التاريخية على امتداد بلاد الوطن العربي عبر الأحقاب، ما عدا ظهور ضمني تمثل في دور العقيدة الاسلامية في الحفاظ على مقومات شخصيات أبناء المنطقة .
الخاتمة : ـ الشيء الملفت للانتباه في الرواية العربية هو قدرة الكاتب العربي على مزج الواقع بالخيال و خلق الأجواء المناسبة لسياق روايته مع الرغبة الكبيرة في التجديد بلغة سرد تستمد حيويتها من الواقع، و انطلاقا من العناصر السردية المعروفة، فكانت بذلك الرواية العربية عملا روائيا يعكس عبقرية إبداعية تمكن صاحبها من التحكم في استخدام المكان و أبعاده الدلالية في التعبير عن دلالة الأحداث التي مرت بها المنطقة العربية و عكس المشاعر و المعاناة التي عرفها أهلها.
فتحدثت عن ما أبرزته الأحداث التاريخية من تغيرات اجتماعية ، مع إبراز دلالات المكان الذي كان فضاء لها و خلفياته المختلفة، كما تمكن من تصوير ما لاقته الطبقات الاجتماعية المختلفة من ويلات و ظروف عمل قاسية كنتائج وخيمة أفرزتها التطورات المختلفة و التي كانت موضوعا للمعالجة الأدبية في أوربا خلال القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين و نقلها لتكون موضوع الرواية العربية،مستغلا " المكان " كفضاء محدود أو مغلق، مع استغلال ما طرأ من تطور تكنولوجي وعلمي وما توفر من وسائل انصال ومواصلات حديثة في تغيير النظرة إلى مفهوم المكان بكل أنواعه ودلالاته في التعبير عما عاناه جميع أهل المنطقة على شساعتها و خصوصا الطبقات الاجتماعية " العمال " ليس في البلاد العربي بل و في العالم كله، فأخذت الرواية العربية بذلك بعدها الانساني و عكست ـ و لو ضمنيا ـ موقف الكاتب العربي المتعاطف مع المطالب والظروف الاجتماعية و كان للمكان دوره الهام في تشكيل هذا الموقف ، حيث أخذ المكان أهميته الكبيرة في العمل الروائي كخلفية حضارية و ثقافية و مجالا للصراع والأحداث التي يعرضها الكاتب العربي، مما أضفى على الرواية العربية بعدا جماليا و فنيا بانسجام عنصر المكان و تداخله مع جميع المكونات السردية الأخرى و تعدد دلالاته في الرواية العربية ومواكبته للتطور العلمي والتكنولوجي وتبعاته الثقافية والاجتماعية والفكرية، مع ما تركته العولمة و القطبية الحضارية من تأثير على الكاتب العربي...
الـمـصـادر و الـمـراجـع : ـ إضافة إلى مجموعة من الروايات العربية على امتداد الوطن العربي تم الاستشهاد ببعض النماذج المحلية و الاقليمية منها :

* رواية وراء السراب ...قليلا – ابراهيم الدرغوثي – دار الاتحاد للنشر – تونس – أبريل 2002
* - la terre et le sang - mouloud Feraoun ــparis seuil . 1953
* -les chemins qui montent ــmouloud Feraoun ــparis seuil 1957 .
* - la colline oubliée – mouloud Mammeri ــparis Plon – 1952
* فضاء المتخيل – مقاربات في الرواية لحسين خمري – منشورات الاختلاف ـ الطبعة الأولى
* اتجاهات الرواية العربية في الجزائر ـ واسيني لعرج ـ المؤسسة الوطنية للكتاب ـ 1986
* أصوات و خطوات ( مقلات في الرواية العربية ) ل: عبد الرحمان مجيد الربيعي
* في الرواية العربية ( البناء و حركة الواقع الاجتماعي ).
* مجلة الطريق . عدد خاص بالرواية العربية 3 و 4 (1981)
*جيانولوجيا الرواية ... و انصهار مدينة – وحيد بن عزوز – مجلة الاختلاف – العدد 1 جوان 2002
*مجلة ألف العدد 6- 1986 تقسيم مول ورمير للأماكن .
* المكون السردي في النص السردي العربي الحديث -مخطوط، أ.عبد القادر بن سالم ،جامعة بشار .الجزائر
* كتاب جماليات المكان – غاستون باشلار – ترجمة غالب هلسى – 1983 بيروت لبنان .

نشر في الموقع بتاريخ : الأربعاء 7 شعبان 1438هـ الموافق لـ : 2017-05-03



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

رابح بلطرش وحديث للاذعة الثقافية موعد للنقاش

موعد للنقاش الاعداد : رشيد صالحي

مواضيع سابقة
اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى يفتتح موسمه الثقافي
بقلم : سعدية حلوة - عبير البحر
اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى يفتتح موسمه الثقافي


مقطع من روايتي" قلب الإسباني "
بقلم : جميلة طلباوي
مقطع من روايتي


فجيعة الوطن العربي الكبرى
بقلم : رشيدة بوخشة
فجيعة الوطن العربي الكبرى


وليد عبد الحي: السلوك العربي أنتج منظومة فكرية غرائزية متكاملة
بقلم : علجية عيش
وليد عبد الحي: السلوك العربي أنتج منظومة فكرية غرائزية متكاملة


في رحابِ الموعـــد..!
بقلم : د. وليد جاسم الزبيدي / العراق
في رحابِ الموعـــد..!


في عدمية النص الفلسفي الغربي و موضة الإتباع... إيميل سيوران نموذجا عابرا
بقلم : حمزة بلحاج صالح
 في عدمية النص الفلسفي الغربي و موضة الإتباع... إيميل سيوران  نموذجا عابرا


العدد (50) من مجلة "ذوات": "السوسيولوجيا العربية في زمن التحولات"
بقلم : عزيز العرباوي
العدد (50) من مجلة


13 سنة تمر على رحيل الشاعرة و الروائية نجية عبير
بقلم : علجية عيش
13 سنة تمر على رحيل الشاعرة و الروائية نجية عبير


شاعرة حالمة ... قراءة في تجربة ريتا عودة الشعري
بقلم : شاكر فريد حسن
شاعرة حالمة ... قراءة في تجربة ريتا عودة الشعري


أنا و الآخر
بقلم : حفصة موساوي
أنا و الآخر




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com