أصوات الشمال
الأحد 6 شعبان 1439هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * محنة المثقف في رائعة إسحاق بابل " الفرسان الحمر "   *  مشاهد قبيل الشهادة...عفوًا أيّها الشهداء   * وداعـــــا يا حـــــراس الجـــــزائر : تــعـــــــــــــزية تحطم الطائرة العسكرية ببوفاريك   *  عودة الجدل حول قضية "إمامة المرأة" !! توظيف غربي لإلهائنا عن قضايانا المصيرية    * حوار مع الكاتب والشاعر والاعلامي صابر حجازي اجرته ابتسام حياصات   * زنابق الحكاية الحزينة ...   * حفريات دلالية في كتاب " الفلسفة و البلاغة .. مقاربة حجاجية للخطاب الفلسفي " لــدكتور عمارة ناصر   * سرمدي   * اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى يحييّ ذكرى يوم العلم   * المقامرة الباسكالیة   * قصائد للوطن(قصيرة)   *  لعيادة "سيغموند فرويد".   * دقائق قبل الفراق.... هكذا يفعل أبناء الجزائر   * اللسانيات وصلتها بتحليل الخطاب   * آخر ما قيل في طائرة الموت   * وَفِي الْغَايَةِ.. قارُورَاتُ خَضْرَاء...!!   * عُبــــــــــــور   * تاريخ و تراث شلالة العذاورة في ملتقي وطني   * البحر والعرب في التاريخ والأدب    * البركان قادم وانتظروه    أرسل مشاركتك
بعيداً عن كل شيء
بقلم : أحمد غانم عبد الحليل
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 648 مرة ]

تتوسط أرض الغرفة الصغيرة مربعات من ضياء شمس الظهيرة الحامية، ترسمها ظلال قضبان الشباك المتعامدة أمام مكتبه، تفرض عليه كسل الاستئذان والانصراف مبكراً للتسكع في الشوارع دون غاية، قبل أن يعرِّج على ذلك المقهى الذي اعتاد وأصدقاؤه الجلوس فيه خلال الأمسيات الطويلة وغالبية النهارات ممطوطة الوقت، خاصةً بعد انهائهم الخدمة العسكرية، لا يملك سوى انتظار طوق النجاة من طرف صديق والده المستقر في إحدى بلدان الخليج منذ سنوات.


تتوسط أرض الغرفة الصغيرة مربعات من ضياء شمس الظهيرة الحامية، ترسمها ظلال قضبان الشباك المتعامدة أمام مكتبه، تفرض عليه كسل الاستئذان والانصراف مبكراً للتسكع في الشوارع دون غاية، قبل أن يعرِّج على ذلك المقهى الذي اعتاد وأصدقاؤه الجلوس فيه خلال الأمسيات الطويلة وغالبية النهارات ممطوطة الوقت، خاصةً بعد انهائهم الخدمة العسكرية، لا يملك سوى انتظار طوق النجاة من طرف صديق والده المستقر في إحدى بلدان الخليج منذ سنوات.
إلى يمينه يوجد مكتب الست إلهام، ملفوفة الجسد، خمرية الوجه جميل القسمات، وحسنة المظهر رغم بساطة ثيابها، تنكب على الأوراق أمامها، بشعرٍ كثيف يتخطى كتفيها، انتهك البياض بعض ذوائبه فاحمة السواد، ترفع عيناها البنيتان كل حين نحو ملله من مطالعة الجريدة في سخريةٍ مضمرة من أخبارها المكربة المكرورة، ومراقبة العصافير الحاطة على شجرة الصفصاف يابسة الأوراق، جافة الجذع والأغصان، بعد إنجازه المعاملات التي كلفته بتعقيبها، بآليةٍ يستغربها، ثم نحو المكتب المقابل لها، حيث يجلس الأستاذ كريم، قليل الكلام وكثير التدخين، ترمقه بنظراتٍ تأنيبية، تحضه على التقليل من السجائر التي تذبل شفتيه وتصبغ طرفي إصبعيه وأسنانه بشيءٍ من الصفرة الغامقة، أحياناً ينظر إليهما كأم وابنها، رغم الشيب الهاطل فوق شعر رأسه الصغير، نسبةً إلى جذعه الممتلئ، يرتكز على ساقين نحيلتين، إحداهما اصطناعية، تعلن عن قدومه الوئيد من مدخل الرواق، يتصوَرها قيداً يأسره، لا يدري متى يدفعه التذمر إلى تحطيمها، زرعتها في حياته المغلقة ذات الحرب العاصفة التي ألبستها السواد وحملتها مسؤولية تربية أولادها الثلاثة، أكبرهم في المرحلة الثانوية، في بيت أهلها.
تلمَس خفة روحها منذ الأيام الأولى لتعيينه، لما كلفها المدير إفهامه طريقة سير العمل في القسم، تلقي النكات، وتضحك بدورها لنكاته أكثر من ذلك المتبحر في طلاسم صمته، فتحثه على قول المزيد وتناسي جو المكتب الكئيب، ثم تقص عليهما بعض مشاغبات أولادها ونوادرهم، عندئذٍ يلاحظ في عينيّ زميلهما الواسعتين وميضاً من نوعٍ خاص نحوها، كما برقب خبوه لدى خروجها من الغرفة، تأخرها عن الحضور صباحاً، خروجها المبكر لسببٍ من الأسباب المتعلقة دوماً بشأنٍ يخص أحد أولادها، هي ذات هواجس الوحدة والضعف التي أشقته مراراً لدى خلو قاعة المحاضرات من حضور حبيبته البهي، كم كان يحنق على الأستاذ الذي لا يسمح بدخولها المحاضرة الأولى بعد إغلاقه الباب، لا يتحرج الآن من وصفها بقصة حب عادية، يكثر تكرارها على نحوٍ ممل، لا تلبث أن تمسي ذكريات تمضغها دوامات الحياة على مهل، فلا تخلف سوى آهة خفيفة، أو ضحكة باهتة تلفظها الشفاه المتيبسة، أما عند عدم حضورها إلى الدائرة بالمرة، فالغرفة تعج بدخان السجائر الرخيصة النوع، الكلام يصبح شبه منعدم، يستبدله بحسرات صبي يجهل فعل أي شيء بمفرده، وأصابع يده تكاد لا تكف عن مداعبة شعر شاربه الكث في توَتر ملحوظ، خاصةً في فترة تغيبها عن العمل عند إجراء ابنها الصغير عملية جراحية، صار حاد المزاج، مهمل العمل والهندام، عيناه الغائمتان تشيان بآثار السهر الطويل والثمالة.
تهاوى على الارض قرب مكتبه عند موعد الانصراف، بعد مضي أسبوع على فراغ مكتبها الموحش أمامه، سمع الشاب طقطقة عظامه أثناء هروعه إليه وإعانته على النهوض؛ لم يطلب يوماً المساعدة من أحد، بل كان يرفض ذلك في نفورٍ حاد، ولكنه طلب منه إيصاله إلى منزله العتيق، لم يكن يحتوي سوى على غرفة نومٍ واحدة، بالكاد تتسع للمرور من جانب سرير يوشك على التساوي مع مستوى الأرض المفروشة بسجادةٍ بالية كالحة الألوان، مهترئة الخيوط عند حد خزانة ملابس صغيرة، ذات ضلفة واحدة، تبدو وكأنها مستندةٌ إليها.
توقع ركونه إلى نومٍ طويل بعد تناوله حبة من مسَكن آلام العظام، ولكنه باغت جلوسه في الصالة بوجهٍ ناعس ضجر، يرتدي جلبابا باهت الزرقة، لم تصدر عنه كلمة لدى ذهابه للمطبخ، أتى بزجاجة خمر نصف ملآنه وقدحين زجاجيين، يقطر الماء منهما، حطهم على الطاولة أمام الشاب المذهول، رفض مشاركته الشراب وهم بالرحيل، استوقفه طالباً منه مشاركته الحديث على الأقل، وإن لم يكن يعرف أي موضوع بالتحديد يمكن أن يجمعهما، فاجأه بخلع ساقه الصناعية، كقطعةٍ من ركام، ثم ركلها تحت الطاولة بالساق السليمة.
لا يدري لمَ راح يبحث عن أي نفحة أنثوية في الدار، رغم علمه أن صاحبه لم يتزوج قط، وأنه يعيش بمفرده بين تلك الجدران الرطبة والأثاث المتداعي، ولكن ما الغريب في أن يؤنس وحدته بعلاقةٍ غرامية، وإن كانت عابرة مع إحداهنّ، يستعيض بها عن أحلامه المفقودة، كما يداعبه خياله أن يفعل من حينٍ مكفهر لآخر، ربما يتجرد من تلك الساق، أو قد يتركها تتدلى من فخذه، علَ الحياة تدب فيها، لدى شبق اللقاء المتواري عن أنياب العمر الملول.
نفض عن رأسه تطوحات أفكاره الغريبة، كما لو أنه ثمل هو الآخر بفعل الرائحة النفاذة التي عبقّت المكان، فراح يشارك الرجل بعض هلوسة قنوطه، وحتى النعاس الذي أثقل جفنيه المحمرين، يلقيه على حافات النوم المتراخية، قد تضطره مجدداً إلى ملاحقة تلك الساق الصلدة، البحث عنها في شوارع المدينة وأزقتها المظلمة، يسابق إليها الصبية الذين يتقاذفوها في هرجٍ ساخر، يضرمون النار فيها، علَها تقيهم شيئاً من صقيع الحياة، يرجوهم أن يعيدوها إليه، بينما يقفز كالكنغر على ساق واحدة نفذ بها من حربٍ رشفت الثمالة من فم الشيطان، كما سمعه يتذمر أكثر من مرة دون وجل.
لم يفطن إلى خروج الشاب المتمهل، أغلق الباب الخشبي المتآكل وراءه برفق، سار بضع خطوات في الشارع الضيق، يبلل شعر رأسه رذاذ مطر جاء سابقاً لأوانه، تحف به نسائم عذبة، تزيح عن رئتيه عبء الاختناق، عكس اتجاه سيارة أجرة توقفت أمام الدار، ترجلت منها الأرملة الحسناء ذات العينين البنيتين، المتموجتين ألقاً حزيناً، مرقت سريعاً عبر الباب الصدئ، مخلخل المفاصل، نحو بيت الزوجية، تغشاها لهفة مجنونة لإلقاء رأسها على صدره، ولو لوقتٍ محدود، بعيداً عن كل شيء.




نشر في الموقع بتاريخ : الأربعاء 7 شعبان 1438هـ الموافق لـ : 2017-05-03



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

رابح بلطرش وحديث للاذعة الثقافية موعد للنقاش

موعد للنقاش الاعداد : رشيد صالحي

مواضيع سابقة
اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى يحييّ ذكرى يوم العلم
بقلم : سعدية حلوة / عبير البحر
اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى يحييّ ذكرى يوم العلم


المقامرة الباسكالیة
بقلم : نبيل عودة
المقامرة الباسكالیة


قصائد للوطن(قصيرة)
الشاعر : حسين عبروس
قصائد للوطن(قصيرة)


لعيادة "سيغموند فرويد".
بقلم : فضيلة زياية ( الخنساء).
                                                          لعيادة


دقائق قبل الفراق.... هكذا يفعل أبناء الجزائر
بقلم : عيسى دهنون
دقائق قبل الفراق.... هكذا يفعل أبناء الجزائر


اللسانيات وصلتها بتحليل الخطاب
الدكتور : محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة
اللسانيات وصلتها بتحليل الخطاب


آخر ما قيل في طائرة الموت
شعر : بغداد سايح
آخر ما قيل في طائرة الموت


وَفِي الْغَايَةِ.. قارُورَاتُ خَضْرَاء...!!
بقلم : محمد الصغير داسه
وَفِي الْغَايَةِ.. قارُورَاتُ خَضْرَاء...!!


عُبــــــــــــور
شعر : رضا خامة
عُبــــــــــــور


تاريخ و تراث شلالة العذاورة في ملتقي وطني
بقلم : طهاري عبدالكريم
تاريخ و تراث شلالة العذاورة في ملتقي وطني




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1439هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com