أصوات الشمال
الثلاثاء 8 محرم 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  *  كلمة عزاء لتيارات التنوير العربي المزيف و سرابها و حلمها في إبعاد القيم عن معيوشنا    * الأستاذ الدكتور موسى لقبال ... أستاذ الأساتذة و شيخ مؤرخي الجزائر في التاريخ الإسلامي   * ما الأدب؟ سؤال سريع ومختصر وخطير..   * أحاديث سامي وسمير 2: رائحة التفّاح   * ندوة وطنية حول فكر و نضال العقيد محمد الصالح يحياوي   * بين كفّين.!   * أدباء منسيون من بلادي / الشاعر زامل سعيد فتاح    *  صابرحجازي يحاور الشاعرة والناشطة اليمنية مليحة الأسعدي   * المفارقة في الرواية الجزائرية دراسة تطبيقية للباحث الدكتور شريف عبيدي   *  لماذا يضحك "هذان"؟؟؟   * التشكّل المرآوي و تمثلات الانعكاس في أعمال أنيش كابور   * أحاديث سامي وسمير (1): ضمير "الكلونديستان" مرتاح!   * "العَيْشُ معًا في سَلاَمٍ"..الطّرِيقُ نحو "المُوَاطَنَة" الحَقِيقِيَّة   * خيالات ذابلة   * الـــــنـــــقـــد وتـحلـــيــــل الـخطاب وقضايا نظـرية الأدب   * مجروحة القلب انا اليوم   * ثلاثية حصن الحصين ودليل الخيرات وآية الكرسي   * المدرسة الجزائرية و مواطنة الاولياء   * لَيلُ الوَجْدِ   * الأنا في قصيدة الشاعرة سهام بعيطيش ( أم عبد الرحيم )بعنوان 'مغرورة '     أرسل مشاركتك
بعيداً عن كل شيء
بقلم : أحمد غانم عبد الحليل
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 824 مرة ]

تتوسط أرض الغرفة الصغيرة مربعات من ضياء شمس الظهيرة الحامية، ترسمها ظلال قضبان الشباك المتعامدة أمام مكتبه، تفرض عليه كسل الاستئذان والانصراف مبكراً للتسكع في الشوارع دون غاية، قبل أن يعرِّج على ذلك المقهى الذي اعتاد وأصدقاؤه الجلوس فيه خلال الأمسيات الطويلة وغالبية النهارات ممطوطة الوقت، خاصةً بعد انهائهم الخدمة العسكرية، لا يملك سوى انتظار طوق النجاة من طرف صديق والده المستقر في إحدى بلدان الخليج منذ سنوات.


تتوسط أرض الغرفة الصغيرة مربعات من ضياء شمس الظهيرة الحامية، ترسمها ظلال قضبان الشباك المتعامدة أمام مكتبه، تفرض عليه كسل الاستئذان والانصراف مبكراً للتسكع في الشوارع دون غاية، قبل أن يعرِّج على ذلك المقهى الذي اعتاد وأصدقاؤه الجلوس فيه خلال الأمسيات الطويلة وغالبية النهارات ممطوطة الوقت، خاصةً بعد انهائهم الخدمة العسكرية، لا يملك سوى انتظار طوق النجاة من طرف صديق والده المستقر في إحدى بلدان الخليج منذ سنوات.
إلى يمينه يوجد مكتب الست إلهام، ملفوفة الجسد، خمرية الوجه جميل القسمات، وحسنة المظهر رغم بساطة ثيابها، تنكب على الأوراق أمامها، بشعرٍ كثيف يتخطى كتفيها، انتهك البياض بعض ذوائبه فاحمة السواد، ترفع عيناها البنيتان كل حين نحو ملله من مطالعة الجريدة في سخريةٍ مضمرة من أخبارها المكربة المكرورة، ومراقبة العصافير الحاطة على شجرة الصفصاف يابسة الأوراق، جافة الجذع والأغصان، بعد إنجازه المعاملات التي كلفته بتعقيبها، بآليةٍ يستغربها، ثم نحو المكتب المقابل لها، حيث يجلس الأستاذ كريم، قليل الكلام وكثير التدخين، ترمقه بنظراتٍ تأنيبية، تحضه على التقليل من السجائر التي تذبل شفتيه وتصبغ طرفي إصبعيه وأسنانه بشيءٍ من الصفرة الغامقة، أحياناً ينظر إليهما كأم وابنها، رغم الشيب الهاطل فوق شعر رأسه الصغير، نسبةً إلى جذعه الممتلئ، يرتكز على ساقين نحيلتين، إحداهما اصطناعية، تعلن عن قدومه الوئيد من مدخل الرواق، يتصوَرها قيداً يأسره، لا يدري متى يدفعه التذمر إلى تحطيمها، زرعتها في حياته المغلقة ذات الحرب العاصفة التي ألبستها السواد وحملتها مسؤولية تربية أولادها الثلاثة، أكبرهم في المرحلة الثانوية، في بيت أهلها.
تلمَس خفة روحها منذ الأيام الأولى لتعيينه، لما كلفها المدير إفهامه طريقة سير العمل في القسم، تلقي النكات، وتضحك بدورها لنكاته أكثر من ذلك المتبحر في طلاسم صمته، فتحثه على قول المزيد وتناسي جو المكتب الكئيب، ثم تقص عليهما بعض مشاغبات أولادها ونوادرهم، عندئذٍ يلاحظ في عينيّ زميلهما الواسعتين وميضاً من نوعٍ خاص نحوها، كما برقب خبوه لدى خروجها من الغرفة، تأخرها عن الحضور صباحاً، خروجها المبكر لسببٍ من الأسباب المتعلقة دوماً بشأنٍ يخص أحد أولادها، هي ذات هواجس الوحدة والضعف التي أشقته مراراً لدى خلو قاعة المحاضرات من حضور حبيبته البهي، كم كان يحنق على الأستاذ الذي لا يسمح بدخولها المحاضرة الأولى بعد إغلاقه الباب، لا يتحرج الآن من وصفها بقصة حب عادية، يكثر تكرارها على نحوٍ ممل، لا تلبث أن تمسي ذكريات تمضغها دوامات الحياة على مهل، فلا تخلف سوى آهة خفيفة، أو ضحكة باهتة تلفظها الشفاه المتيبسة، أما عند عدم حضورها إلى الدائرة بالمرة، فالغرفة تعج بدخان السجائر الرخيصة النوع، الكلام يصبح شبه منعدم، يستبدله بحسرات صبي يجهل فعل أي شيء بمفرده، وأصابع يده تكاد لا تكف عن مداعبة شعر شاربه الكث في توَتر ملحوظ، خاصةً في فترة تغيبها عن العمل عند إجراء ابنها الصغير عملية جراحية، صار حاد المزاج، مهمل العمل والهندام، عيناه الغائمتان تشيان بآثار السهر الطويل والثمالة.
تهاوى على الارض قرب مكتبه عند موعد الانصراف، بعد مضي أسبوع على فراغ مكتبها الموحش أمامه، سمع الشاب طقطقة عظامه أثناء هروعه إليه وإعانته على النهوض؛ لم يطلب يوماً المساعدة من أحد، بل كان يرفض ذلك في نفورٍ حاد، ولكنه طلب منه إيصاله إلى منزله العتيق، لم يكن يحتوي سوى على غرفة نومٍ واحدة، بالكاد تتسع للمرور من جانب سرير يوشك على التساوي مع مستوى الأرض المفروشة بسجادةٍ بالية كالحة الألوان، مهترئة الخيوط عند حد خزانة ملابس صغيرة، ذات ضلفة واحدة، تبدو وكأنها مستندةٌ إليها.
توقع ركونه إلى نومٍ طويل بعد تناوله حبة من مسَكن آلام العظام، ولكنه باغت جلوسه في الصالة بوجهٍ ناعس ضجر، يرتدي جلبابا باهت الزرقة، لم تصدر عنه كلمة لدى ذهابه للمطبخ، أتى بزجاجة خمر نصف ملآنه وقدحين زجاجيين، يقطر الماء منهما، حطهم على الطاولة أمام الشاب المذهول، رفض مشاركته الشراب وهم بالرحيل، استوقفه طالباً منه مشاركته الحديث على الأقل، وإن لم يكن يعرف أي موضوع بالتحديد يمكن أن يجمعهما، فاجأه بخلع ساقه الصناعية، كقطعةٍ من ركام، ثم ركلها تحت الطاولة بالساق السليمة.
لا يدري لمَ راح يبحث عن أي نفحة أنثوية في الدار، رغم علمه أن صاحبه لم يتزوج قط، وأنه يعيش بمفرده بين تلك الجدران الرطبة والأثاث المتداعي، ولكن ما الغريب في أن يؤنس وحدته بعلاقةٍ غرامية، وإن كانت عابرة مع إحداهنّ، يستعيض بها عن أحلامه المفقودة، كما يداعبه خياله أن يفعل من حينٍ مكفهر لآخر، ربما يتجرد من تلك الساق، أو قد يتركها تتدلى من فخذه، علَ الحياة تدب فيها، لدى شبق اللقاء المتواري عن أنياب العمر الملول.
نفض عن رأسه تطوحات أفكاره الغريبة، كما لو أنه ثمل هو الآخر بفعل الرائحة النفاذة التي عبقّت المكان، فراح يشارك الرجل بعض هلوسة قنوطه، وحتى النعاس الذي أثقل جفنيه المحمرين، يلقيه على حافات النوم المتراخية، قد تضطره مجدداً إلى ملاحقة تلك الساق الصلدة، البحث عنها في شوارع المدينة وأزقتها المظلمة، يسابق إليها الصبية الذين يتقاذفوها في هرجٍ ساخر، يضرمون النار فيها، علَها تقيهم شيئاً من صقيع الحياة، يرجوهم أن يعيدوها إليه، بينما يقفز كالكنغر على ساق واحدة نفذ بها من حربٍ رشفت الثمالة من فم الشيطان، كما سمعه يتذمر أكثر من مرة دون وجل.
لم يفطن إلى خروج الشاب المتمهل، أغلق الباب الخشبي المتآكل وراءه برفق، سار بضع خطوات في الشارع الضيق، يبلل شعر رأسه رذاذ مطر جاء سابقاً لأوانه، تحف به نسائم عذبة، تزيح عن رئتيه عبء الاختناق، عكس اتجاه سيارة أجرة توقفت أمام الدار، ترجلت منها الأرملة الحسناء ذات العينين البنيتين، المتموجتين ألقاً حزيناً، مرقت سريعاً عبر الباب الصدئ، مخلخل المفاصل، نحو بيت الزوجية، تغشاها لهفة مجنونة لإلقاء رأسها على صدره، ولو لوقتٍ محدود، بعيداً عن كل شيء.




نشر في الموقع بتاريخ : الأربعاء 7 شعبان 1438هـ الموافق لـ : 2017-05-03



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

رابح بلطرش وحديث للاذعة الثقافية موعد للنقاش

موعد للنقاش الاعداد : رشيد صالحي

مواضيع سابقة
المفارقة في الرواية الجزائرية دراسة تطبيقية للباحث الدكتور شريف عبيدي
موضوع : الأديبة نجاة مزهود
المفارقة في الرواية الجزائرية  دراسة تطبيقية للباحث الدكتور شريف عبيدي


لماذا يضحك "هذان"؟؟؟
بقلم : فضيلة زياية ( الخنساء)
                                          لماذا يضحك


التشكّل المرآوي و تمثلات الانعكاس في أعمال أنيش كابور
بقلم : نورالدين بنعمر
التشكّل المرآوي و تمثلات الانعكاس  في أعمال أنيش كابور


أحاديث سامي وسمير (1): ضمير "الكلونديستان" مرتاح!
بقلم : الكاتب طه بونيني
أحاديث سامي وسمير (1): ضمير


"العَيْشُ معًا في سَلاَمٍ"..الطّرِيقُ نحو "المُوَاطَنَة" الحَقِيقِيَّة
بقلم : علجية عيش كاتبة صحافية



خيالات ذابلة
بقلم : أ/عبد القادر صيد
خيالات ذابلة


الـــــنـــــقـــد وتـحلـــيــــل الـخطاب وقضايا نظـرية الأدب
الدكتور : محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة
الـــــنـــــقـــد وتـحلـــيــــل الـخطاب وقضايا نظـرية الأدب


مجروحة القلب انا اليوم
بقلم : نصيرة عمارة
مجروحة القلب انا اليوم


ثلاثية حصن الحصين ودليل الخيرات وآية الكرسي
بقلم : العقيد بن دحو / ادرار / الجزائر
ثلاثية حصن الحصين ودليل الخيرات وآية الكرسي


المدرسة الجزائرية و مواطنة الاولياء
الدكتور : وليد بوعديلة
المدرسة الجزائرية و مواطنة الاولياء




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com