أصوات الشمال
الأربعاء 8 صفر 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * الشدة المستنصرية   * اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى يفتتح موسمه الثقافي   * مقطع من روايتي" قلب الإسباني "   * فجيعة الوطن العربي الكبرى   * وليد عبد الحي: السلوك العربي أنتج منظومة فكرية غرائزية متكاملة   * في رحابِ الموعـــد..!   *  في عدمية النص الفلسفي الغربي و موضة الإتباع... إيميل سيوران نموذجا عابرا   * العدد (50) من مجلة "ذوات": "السوسيولوجيا العربية في زمن التحولات"   * 13 سنة تمر على رحيل الشاعرة و الروائية نجية عبير   * شاعرة حالمة ... قراءة في تجربة ريتا عودة الشعري    * أنا و الآخر   * الودّ المعرفي   * قصائد نثرية قصيرة   * لضَّاد و نزف الرَوح   * قصة قصيرة جدا / كابوس   * للحرية عيون مغمضة   * مَنْ يَكْبَحُ جِمَاحَ الْمُتنمِّرِينَ..؟! / وَمَنْ يَنْتَشِلُ الأسْتَاذَة..؟!   * عادل عبد المهدي   * استعجلت الرحيل   * بلا دبابة..فرنسا تحتل الجزائر؟؟    أرسل مشاركتك
صوب بحر المعاني، قصص تختصر الضّياع. قراءة في المجموعة القصصية "صوب البحر" للقاص والمترجم "بوداود عميّر".
بقلم : فضيلة بهيليل
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 1092 مرة ]

بأسلوب بسيط ولغة جميلة سلسة يبحر بنا القاص "بوداود عميّر" داخل عوالم مجتمع تغيرت فيه المفاهيم حتى باتت غرابتها في استقامتها، وأصبح القارئ يفتش بين ثنايا الكلمات عن معاني القصص التي على تنوعها إلا أننا نشعر كأنها متصلة ببعضها وتصب في قالب واحد، كيف لا، وجميعها اختارها القاص من رحم المجتمع بكل تناقضاته، عارضا حالاته المضطربة، تاركا للقارئ مهمة التأويل والبحث عمّا يسكن تلك الكلمات.

تحتوى المجموعة على 49 قصة، تراوحت بين القصيرة والقصيرة جدا، ولعل الملفت للانتباه فيها هو تلك القصص القصيرة جدا التي جاءت مكثفة بالرمز، موجزة، اشتغل فيها القاص على الموضوع أكثر من اشتغاله على اللغة رغم سلاسة هذه الأخيرة وجمالها بحيث جعلت من القصة القصيرة منفتحة على عدة قراءات، "والقصة القصيرة مخلوق زئبقي يروغ بين يدي المبدع في صراع مرير حتى يتمكن منه، فإذا تطابقت لغته مع فكرته أمكن القاص أن يجسّده في عبارات مقتضبة هي الحد الأعلى في عملية الطرح" ، ومن القصص التي لفتت انتباهي أذكر قصة "الكتاب" التي يحاكي فيها القاص زمنا تغيّرت فيه نظرة الناس للكتاب الذي صار غريبا، افتتحها بحوار بين الراوي وصديقه الذي يروم لقاءه، فيتساءل أحدهما كيف سيلتقي الآخر وكيف سيتعرف عليه في ظل مدينة غاصة بالناس والمقاهي، يقول:
"مقاهينا كثيرة ومتشابهة أنت تعرف ! وغاصة بالناس لحد الاختناق!
كيف لي إذاً أن أميّزك وسطهم؟" .
وبعد برهة من الزمن يتفطن صديقه لطريقة يستطيعان من خلالها تحقيق اللقاء، حين يشير إليه:
" وجدتها ! صاح صديقه:
ستجد من بين هذا الحشد الضخم من الناس شخصا يمسك بين يديه كتابا... ذاك الشخص هو أنا" .
تعتبر النهاية النتيجة والحل الذي ينير النص القصصي، "وليست النهاية عملية ختم لأحداث القصة فحسب، بل هي عملية تنوير نهائي للعمل القصصي الواحد المتماسك ومن خلاله يتم الكشف النهائي عن أدوار الشخصيات" . إن اختيار هذه النهاية للقصة هو اختيار ذكي من القاص، يحمل معان بعيدة عكس ما تبديه القراءة الأولية السطحية، فالكتاب رمز للقراءة والفكر ولكل ما يمت للعلم بصلة، وقد جعل القاص شخصا واحدا فقط من يحمل هذا الفكر وسط حشد ضخم من الناس كما وصفهم، فظاهرة حمل الكتاب تكاد تصبح منعدمة في وسط كثرت به وسائل التسلية والثرثرة التي لا تثمر شيئا وهو ما عبّر عنه القاص باستعمال الرمز المتمثل في كثرة المقاهي: "مقاهينا كثيرة ومتشابهة" فتعدد أماكن الجلوس والثرثرة ووصفه لها بالتشابه إنما ليقول أن لا اختلاف ستنتجه جلسات المقاهي التي غالبا ما لا تتجاوز الثرثرة والترويح عن النفس ونفث الهموم اليومية.
وصف لنا القاص في مفارقة جميلة انقلاب الموازين في هذا المجتمع، وكيف أن البلاد أصبحت تعج بالمقاهي، تلك التي وصفها في قوله: "غاصّة بالناس لحد الاختناق!"، في حين لا نكاد نعثر على شخص يحمل كتاباً من بين كل تلك الجموع، وليقينه أن لا أحد يحمل كتابا داخل مقهى، جعلها وسيلة للتعرف عليه. هو ما آلت إليه القراءة في وقتنا الراهن، فلا أهمية للكتاب ولا وجود لقراء همهم قراءة كتاب ورقي بعدما طغت الالكترونيات ووسائل التواصل الاجتماعي على حميمية الكتاب الورقي بالأخص.
إن هذه الرمزية التي تجلت في القصة عبارة عن دلالات تنفتح على عدة قراءات بذهن المتلقي تجعله يسعى للكشف عنها، هي التقنية التي بنيت عليها المجموعة القصصية "صوب البحر" على اختلاف مواضيعها و طولها بين القصيرة والقصيرة جدا.
من المفارقات التي طبعت مشاهدنا هذه الأيام إضافة لما سبق قضية "العيش للمظاهر والغش"، والتي صورها الكاتب "بوداود عميّر" في قصة "قبل ساعة"، وهي قصة قصيرة جدا وردت بإيقاع سريع لكن مكثف ورامز، يفتتح القصة باستغراب بطلها " وهو يدخل زائرا المدينة أبصر عمالا يقتلعون نباتا وأشجارا كانت تزين جنبات الطريق الرئيسي للمدينة" ، غير أن استغرابه سرعان ما يزول عندما يعرف أن "قائد البلاد المبجل مرّ من هنا قبل ساعة" ، سؤال فجواب كان بمثابة الصدمة للقارئ، والمألوف لدى بطل القصة، بإيجاز لخّص لنا القاص الفكرة، فلم تكن بحاجة لمزيد من الشروحات ولا التبريرات، لأن جملة: "بعد أن علم أن قائد البلاد مرّ من هنا قبل ساعة" كانت كفيلة بحلّ اللغز ومحو دهشة السؤال الذي في البدء كان مُلحّا وضروريا.
أما قصة "قدر امرأة" التي خُتمت بها المجموعة القصصية فقد كانت متوسطة الطول نوعا ما غير أنها لم تخرج عن الطابع الذي أكسب المجموعة سمة البحث في المفارقات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي يعيشها هؤلاء الأشخاص، إنها تصوّر لنا مشهدا حزينا تعيشه هذه المرأة المسكينة، جعل لها القاص فضاءً مكانيا لا يتعدى المستشفى الذي تتوسّل المرأة طبيبَه، شاكية متضرعة كي ينقد زوجها وأبا أبنائها "أرجوك، أتوسل إليك، افعل شيئا يا دكتور... إنه زوجي... أبو بناتي..." ، ليرد هذا الأخير بلامبالاة شأنه في ذلك شأن جلّ الأطباء الذين فقدوا معنى الإنسانية والرأفة بالمريض وأهله، قائلا في حدّة:
" مسألة ساعات، والبقية في حياتك" ، ثم يورد القاص حوارا كان أشبه بالسخرية وفي نفس الوقت مدعاة للشفقة، حين يجري الطبيب اتصالا هاتفيا لحبيبته بينما المرأة المستنجدة به تظل خلفه تتبعه شاكية مستعطفة، تترجاه لعّل قلبه يرق لها ويساعد زوجها.
إن هذا المشهد الذي غلب عليه الحوار بين أطراف ثلاث: (المرأة زوجة المريض، الطبيب، حبيبة الطبيب) كان مناسبا للشخصيات رغم أن حوار الشخصية الثالثة لم يكن صريحا وإنما كان ضمنيا يُفهم من السياق الذي تمثّل في ردود وأسئلة الطبيب والذي ركّبه القاص بشكل جميل بحيث تتقاطع الأصوات بطريقة عكسية ويعيش القارئ بحزن ألم المرأة وبغضب فرح الطبيب، ومن وظائف الحوار في النص السردي "بعث روح حيوية في الشخصية، ومن شروطه أن يكون مناسبا وموافقا للشخصية التي يصدر عنها" ، فعبارات التوسّل كانت مناسبة للمرأة الضعيفة مثل: (أرجوك، أتوسل إليك،المصيبة ستكون أعظم،يا رب ارحمني..)، "ومن الشروط الفنية للحوار القصصي أيضا التركيز والإيجاز والسرعة في التعبير عما في ذهن الشخصية، من أفكار حيوية، أما طول الحوار فإنه يضر بالبناء الفني للقصة القصيرة" ، وهو ما تجلى في قصة "قدر امرأة" إيجاز وتكثيف وبحر من المعاني التي تلفت انتباه القارئ لما خلف الكلمات والحوارات.
إن المجموعة القصصية "صوب البحر" للقاص والمترجم "بوداود عميّر" لجديرة بالقراءة وبالبحث في خبايا نصوصها وخلفيات أحداثها التي حرص القاص على أن تكون مواكبة لما يعيشه أفراد المجتمع، يحدثنا عن كثب، ويسرد لنا بأسلوب قصصي جميل معاناتهم كما تجلى في القصص السابقة وفي قصص أخرى لم يسعني الحديث عنها هنا في عجالة كــــ: "صوب البحر، جواز سفر، انتظار، سرقة، براءة....وغيرها".

نشر في الموقع بتاريخ : الثلاثاء 28 رجب 1438هـ الموافق لـ : 2017-04-25



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

رابح بلطرش وحديث للاذعة الثقافية موعد للنقاش

موعد للنقاش الاعداد : رشيد صالحي

مواضيع سابقة
13 سنة تمر على رحيل الشاعرة و الروائية نجية عبير
بقلم : علجية عيش
13 سنة تمر على رحيل الشاعرة و الروائية نجية عبير


شاعرة حالمة ... قراءة في تجربة ريتا عودة الشعري
بقلم : شاكر فريد حسن
شاعرة حالمة ... قراءة في تجربة ريتا عودة الشعري


أنا و الآخر
بقلم : حفصة موساوي
أنا و الآخر


الودّ المعرفي
بقلم : د: ليلى لعوير
الودّ المعرفي


قصائد نثرية قصيرة
الشاعر : محمود غانمي سيدي بوزيد - تونس
قصائد نثرية قصيرة


لضَّاد و نزف الرَوح
بقلم : فضيلة معيرش
لضَّاد و نزف الرَوح


قصة قصيرة جدا / كابوس
بقلم : بختي ضيف الله المعتزبالله
قصة قصيرة جدا / كابوس


للحرية عيون مغمضة
بقلم : د. محمد سعيد المخلافي
للحرية عيون مغمضة


مَنْ يَكْبَحُ جِمَاحَ الْمُتنمِّرِينَ..؟! / وَمَنْ يَنْتَشِلُ الأسْتَاذَة..؟!
بقلم : حمد الصغير داسه
مَنْ يَكْبَحُ جِمَاحَ الْمُتنمِّرِينَ..؟! / وَمَنْ يَنْتَشِلُ الأسْتَاذَة..؟!


عادل عبد المهدي
بقلم : علاء الأديب
عادل عبد المهدي




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com