أصوات الشمال
الثلاثاء 4 جمادى الثاني 1439هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * جمعية العلماء المسلمين شعبة سيدي عيسى تكرم الدكتور عمار طالبي   * التدريس الفعال   * قراءة في قصة "غابرون " للكاتبة الجزائرية / مريم بغيبغ   * سلسلة شعراء بونة وأدباؤها سيف الملوك سكتة شاعر المعنى والمعنى الآخر   * ملاحظات عن الفرق بين مصطلحي الثقافة والحضارة   * دكتوراه بجامعة تبسة عن نقد النقد   * وقفة تذكر و ترحم 11 سنة مرت 2007--2018 الفقيد الأستاذ بن مسعود الحاج الشيخ بن محمد    *  صابر حجازي يحاور الشاعرة الجزائريه رزيقة بنت الهضاب    *  مَا يُكتبُ فِي الْجَرَائِد ومَا يُقال في القنوات ..    * بونة تئد شعراءها وتلتهم مثقفيها    * انتربولوجية القلب في قصيد ( وتعلم كم أنت عندي) للشاعر إسماعيل عريف..   * الروائي رابح بوشارب: أنا ضد تدريس اللغة الأمازيغية في المدارس و مقر الجاحظية ليس للبيع   * حوار مع الإعلامية رجاء مكي   * جاءت متأخرة   * ومضةُ حنيـــنٍ وأنين    * شبابنا   * الاستاذ الملهم   * جائزة السَّيف الشّرقي للأديبة آسيا جبّار حيَّرت كثير من النقاد    * عندما تكتب النّساء...   * قراءة في رواية(خرافة الرجل القوي) لبومدين بلكبير    أرسل مشاركتك
النورانية والشهوانية جماليات الاستدعاء في نص ( بأي توق أهمسك؟!) للشاعرة السورية إباء الخطيب.
بقلم : الناقد محمد العثمان
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 669 مرة ]
نجمة أمير الشعراء الشاعرة إباء الخطيب

من اللغة تخلق ماهية الإنسان ومنها تتدفق مكوناته الفكرية والوجودية والاجتماعية، فمن خلالها يتجذر، وبها يتأصل.
يبدو أن نص الشاعرة السورية إباء الخطيب المعنون ( بأي توق أهمسك..؟!) الذي شاركت به مؤخراً في مسابقة أمير الشعراء في موسمه السابع ينطلق من هذه البؤرة ويتشاكل معها.
إنّ اللغةَ ومكوناتِ الخلق والخصوبة فيه تنبعث

من باعثٍ ومصدر نوراني، هذا المصدر جعلته الشاعرة مفتوح الدلالة، فربما هو ( الحبيب / الشعر / الحرف / الباعث / الخالق ....إلخ ). لذلك تَربطُ بشكلٍ تكاملي بين خصوبتها وبين غزارته وحيويةِ وجودِه في حياتها، فتقول معبّرةً عن خلقها المعنوي المتدفق ضمن ماهية اللغة:
لأنّــــــــكَ مَائــي، لــــمْ أَزَلْ مُـتَــــــدَفِّـــقَةْ
ضِفَافُكَ نَشْوى، والحُروفُ مُحَلِّقَةْ
إن القيمة الجمالية في أيِّ نصٍّ حيويّ مُتجددٍ قائمةٌ على النشاط والتفاعل، وهذا ما حاولتِ الشاعرة فعله منذ الجملة الأولى هو ماؤها ـــــــــــــــــــــــــــ إذاً هي متدفقة)، (وضفافُه منتشية بالخصوبة والجمال والتجّدد ــــــــــــــــــــــــــــــ إذاً فالحروف تحلق في سماء لا قيدَ فيها أو حدود).
هذا الربط الجماليّ أساسه جمالُ الإحساس بالحياة والانعتاق عن شوائبها، لتتشاكلَ مع الآخر النقي، فلا شعور بالاغتراب بين مكوناته ومكونات الموجودات حوله، فيحدث بعده تحوّلٌ نوراني نحو الاتحاد بالبهاء والدخول بأعتابه، وهذا ما يظهرُه البيت الثاني:
كأنّي على أفْقِ ابْتِهـَـــــالِكَ كوْكَـــــبٌ
يدورُ بأعْتــــــابِ البَهــــــــاءِ لِتُعْـــــــتــــــــِقَهْ
اكتمال المشهد من خلال أدوات الربط المتفاعلة جعل النص مُتدفقا منسابا، فجاءت بنية (كأني) هي مفتاح هذا التحول النوراني، لتدخل الروح التواقةُ إلى الجمال المطلق في مرحلة العتق الوجودي مع نفسها، فتخطو في مسارات محبوبها وتتوحد فيه.
وما يؤكد عملية التوحد مع محبوبها هو البيت الثالث، إذ تقول:
لبِسْتُ غَمَاماً من رُؤاكَ فلَفّــــــني...
وأرخــــى بروحي تَوْقَهُ.. حُلْـــمَ شَرْنَقَةْ
هذا التستر وراء كينونة المحبوب النوراني تجعل الذات متماهية في ملكوت آخر، وهو نفسه الذي يمدّ لها يد التوق حالمةً بالتوحد مع منئشها لتنعتق كشرنقة حالمةٍ بالاكتمال والخروج من ذاتها نحو الفضاء؛ وهو فضاء المحبوب الأرحب.
ثم بعد هذا المدخل ينتقل النص نقلة نوعية مركزة بعناية، حين جعلت هذه النقلة مبنية على التمازح بين النوراني والحسي، وبين المعنوي والوجودي، فلم تشعرنا بفجوة هذا الانتقال؛ بل بحركة دراماتيكية هدفها الأساسي تفعيل النص جمالياً وأسلوبيا من خلال الصعود إلى الأفق الآخر. جعلته انتقالا نحو ( أفق الشعر) وهو المعادل الموضوعي للباعث النوراني، فيخلق مسافة جديدة للكلام؛ نستطيع من خلاله ربط القول مع الفعل، فالشعر في هذه النقلة حمل معه فعل الغواية ، ولن ننسى أن الشعر في مدلوله وبنيته المعنوية يحمل فنيات القول وجماليات الانزياح، وهنا إشارة ذكية لآلية الخلق والتمازج بين النوراني والحسي ( القول من خلال ماهية الشعر نفسه ... والفعل من خلال ممارسة الغواية ووقوعها في نفس الشاعرة) لتتحول بعدها من شرنقة حالمة إلى فراشة تخيط من نار الشعر عتقَها وارتعاشاتِها الشغوفة المحببة للتحول ، فتقول:
هو الشّعــــرُ أغواني، فكُنْــــتُ فراشةً
مِنَ النــّـــــارِ خاطَتْ رَعْــــــشةً مُتَشَوّقَةْ
تشتغل الشاعرة في هذا الجزء من القصيدة على إظهار التواصل والتفاعل مع الآخر ومثاقفة ما هضمتُه سابقا، بالإضافة إلى شغلها الرئيس في الخلق المجازي المتجدد للمعاني والاتحاد مع الباعث النوراني الذي توحدتْ معه في الجزء الأول من النص. فنلاحظ استدعاءها لروح المتنبي وعلاقته مع الشعر، من خلال تركيب وتناص خفي ، فتقول الشاعرة إباء الخطيب:
على حُــــــرَقٍ خَاتَلْــــتُ رِيحَ مَجَــــــازِه
ففــــــرَّ لــــــــه ظَبْــــــــــيُ الكـــلامِ وأَقْــــلَـقَــــــهْ
والمتنبي يقول:
على قَلقٍ كأن الريح تحتي
أوجههــــــــا جنوبا أو شمالاً
في هذا السياق تستكمل الشاعرة خصائص القول من خلال حوارٍ بين تركيبها (على حُرقٍ)، وقول المتنبي (على قَلقٍ )، وبين التحكم بناصية القول ومخاتلته من خلال استدعاء الريح المخربة لما مضى، الباعثة لما هو آتٍ على يد المتنبي سابقاً ويد الشاعرة في الحاضر.
المتنبي يقول ( كأن الريح تحتي) وإباء الخطيب تقول ( خاتلت ريح مجازه) فنرى مصادر أخرى للتوظيف تتشابك من خلال الوظائف والمستويات المعنوية، بحيث يبدو النص حواراً بين النص وكاتبه؛ وما يحمله الكاتب من خبرات سابقة.
فإباء الخطيب أخذت من نصوص سابقيها رؤى خصبة، فذوّبتها في نصّها من خلال هذه الحوارية بين " الغائب والحاضر" ، لتستفز المتلقي بما يملكه من ثقافات، ثم تساعده على فهم هذا الاستدعاء ووظيفته الرؤيوية في النص الحاضر. وهذا ما يجعلها تصرّ على بعث تلك المقولات الغائبة ضمن إطارها النوراني، فهي تقول أيضاً:
هو الشّعرُ.. كم كَنْتَ انتِظَارَ شِتائِه
لِتُؤْنِــــــسَ في الأَرْضِ اليَبَـــــابِ تَفَتُّـــــــــقَهْ
وهنا تعيدنا إلى (ت. س إليوت) في نصه الشهير ( الارض اليباب) بشكل غير مباشر، فالتركيب الشعري فتح باباً للتكرار من خلال بنيتي ( هو الشعر) ليكونا فيضاً زمنياً يتتابع بعد ذلك من خلال إحالتنا إلى استدعاء جديد وهو نص (ت . س إليوت)، فيتجسَّد في ذلك الباعث النوراني الذي تغشاها مصدرٌ جديد، يبرز من خلال رمزية (الأنس والتفتق)، وكأننا في مرحلة ولادة، أو مرحلة بدئية في حياة الإنسان، تتَّسم بالصفاء والطهر والبراءة، لكن سرعان ما تنتهي هذه المرحلة لتبدأ مرحلة الغرائزية، المحمَّلة بالاشتهاء. مع الاستفادة من التكرار الاستهلاليّ الذي بدأت به نصها( لأنك مائي)، ( هو الشعر) ليكونا فيضاً زمنياً يتتابع بعد ذلك من خلال إحالتنا إلى استدعاء جديد وهو نص (ت . س إليوت)، فيتجسَّد في ذلك الباعث النوراني الذي تغشاها مصدرٌ جديد، يبرز من خلال رمزية (الأنس والتفتق)، وكأننا في مرحلة ولادة، أو مرحلة بدئية في حياة الإنسان، تتَّسم بالصفاء والطهر والبراءة، لكن سرعان ما تنتهي هذه المرحلة لتبدأ مرحلة الغرائزية، المحمَّلة بالاشتهاء. مع الاستفادة من التكرار الاستهلاليّ الذي بدأت به نصها( لأنك مائي,فيؤكد أيضاً فكرة الاندماج والتوحد مع ذلك الباعث، الذي تحولت معه الكوّة النورانية إلى بؤرة شهوانية، من خلال استحضار روح ولادة بنت المسكتفي ، فنرى إباء تقول:
لأنّكَ مَـــــــائي صِــــــرْتُ شَهْــــــــداً،
فـــقُبْلَةً ..
أُمَكِّــــــــنُ عِطْـــــــرَ الخــــدِّ مِن كُلِّ زَنْبَــقة
وولادة تقول في بيتها الشهير:
أمكّنُ عاشقي من صحن خدي
وأعطي قبلتي من يشتيها
هذا التوظيف الثقافي يدفع النص نحو التفاعيلة الجمالية، وإن اختلفت كنتيجة في التوجسات بين بداية النص النورانية ، ونهايته الحسية، لذلك طرائق الاشتغال أفرزت معها شفرات متعددة السياقات، فرضت علينا التفاعل معها لتفكيكها ، ومن ثم تركيبها، لأن التفكيك فقط لم يعد هو الحل هنا، بل ينبغي الدمج بينه وبين التركيب المؤسس كي تكتمل العملية الإنتاجية ، فهذا التناغم والتشاكل اللذين نلاحظهما بين الذات الشاعرة و الآخر الذي قد يكون ( الحبيب / الشعر / الحرف / الباعث / أو حتى القارئ ..إلخ) جعل النص يتأرجح بين الطاهر والفاجر، بين النوراني والحسي، بين المسكوت عنه والرغبة في القول، فتظل تعيش الشاعرة حالات المخاض والولادة مراراً على مساحات القصيدة.

نشر في الموقع بتاريخ : الأحد 12 رجب 1438هـ الموافق لـ : 2017-04-09



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

ايام لها حضور بالتاريخ

17 أكتوبر 1961 اليوم الوطني للهجرة

.
مواضيع سابقة
مَا يُكتبُ فِي الْجَرَائِد ومَا يُقال في القنوات ..
بقلم : محمد الصغير داسه
             مَا يُكتبُ فِي الْجَرَائِد ومَا يُقال في  القنوات  ..


بونة تئد شعراءها وتلتهم مثقفيها
بقلم : الاستاذ عرامي اسماعيل
بونة تئد شعراءها وتلتهم مثقفيها


انتربولوجية القلب في قصيد ( وتعلم كم أنت عندي) للشاعر إسماعيل عريف..
الدكتور : حمام محمد زهير
انتربولوجية القلب في قصيد ( وتعلم كم أنت عندي) للشاعر إسماعيل عريف..


الروائي رابح بوشارب: أنا ضد تدريس اللغة الأمازيغية في المدارس و مقر الجاحظية ليس للبيع
حاورته : علجية عيش
الروائي رابح بوشارب: أنا ضد تدريس اللغة الأمازيغية في المدارس و مقر الجاحظية ليس للبيع


حوار مع الإعلامية رجاء مكي
بقلم : بلعامري فوضيل
حوار مع الإعلامية رجاء مكي


جاءت متأخرة
بقلم : محمد بتش"مسعود"
جاءت متأخرة


ومضةُ حنيـــنٍ وأنين
بقلم : البشير بوكثير
ومضةُ حنيـــنٍ وأنين


شبابنا
بقلم : عربية معمري
شبابنا


الاستاذ الملهم
الدكتور : بدرالدين زواقة
الاستاذ الملهم


جائزة السَّيف الشّرقي للأديبة آسيا جبّار حيَّرت كثير من النقاد
بقلم : علجية عيش
جائزة السَّيف الشّرقي للأديبة آسيا  جبّار حيَّرت كثير من النقاد




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1439هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com