أصوات الشمال
الخميس 10 محرم 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * فرعون وقصة ميلاده الالهي   * .ا لـــــــذي أسـعد القـلب..   * الشاعرتان اللبنانية نور جعفر حيدر والعراقية مسار الياسري تفوزان بجائزة سعيد فياض للإبداع الشعري للعام 2018*   *  كلمة عزاء لتيارات التنوير العربي المزيف و سرابها و حلمها في إبعاد القيم عن معيوشنا    * الأستاذ الدكتور موسى لقبال ... أستاذ الأساتذة و شيخ مؤرخي الجزائر في التاريخ الإسلامي   * ما الأدب؟ سؤال سريع ومختصر وخطير..   * أحاديث سامي وسمير 2: رائحة التفّاح   * ندوة وطنية حول فكر و نضال العقيد محمد الصالح يحياوي   * بين كفّين.!   * أدباء منسيون من بلادي / الشاعر زامل سعيد فتاح    *  صابرحجازي يحاور الشاعرة والناشطة اليمنية مليحة الأسعدي   * المفارقة في الرواية الجزائرية دراسة تطبيقية للباحث الدكتور شريف عبيدي   *  لماذا يضحك "هذان"؟؟؟   * التشكّل المرآوي و تمثلات الانعكاس في أعمال أنيش كابور   * أحاديث سامي وسمير (1): ضمير "الكلونديستان" مرتاح!   * "العَيْشُ معًا في سَلاَمٍ"..الطّرِيقُ نحو "المُوَاطَنَة" الحَقِيقِيَّة   * خيالات ذابلة   * الـــــنـــــقـــد وتـحلـــيــــل الـخطاب وقضايا نظـرية الأدب   * مجروحة القلب انا اليوم   * ثلاثية حصن الحصين ودليل الخيرات وآية الكرسي    أرسل مشاركتك
لحظة عابرة
بقلم : محمد هواري
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 648 مرة ]
باحث في الأدب العربي المعاصر

ظهرت في حياتي فجأة .. كوميض برق في ليلة ظلماء .. بهيئتها الأسطورية ونظرتها الغامضة .. ثم اختفت وتركتني نهبا لأسئلة كثيرة كانت تدق في رأسي كأنها مطارق .. ولما لم أجد منها خلاصا؛ حملت هواجسها بين جوانحي وهجرت المنطقة ..

في ذلك اليوم الشتوي .. كانت زخات المطر تبلل وجه الأرض فتكسيه كآبة .. والسكون يلف الكون بهدوء لا يقطعه سوى وقع خطواتي المنتظمة .. كنت أشق طريق العودة بين المروج، سارحا بخيالي في عوالمي المتخمة بالقصص والأحلام .. مستأنسا بجمال الطبيعة العذراء .. وحين اقتربت من إحدى الينابيع التي كنت أروي بها عطشي؛ تفاجأت بفتاة تملأ إناءً وبمجرد ما انتبهت لوجودي ظهر الفزع على محياها مثلما أفزعني وجودها غير المتوقع .. وقف كلانا متواجهين نتبادل نظرات الدهشة والقلق.
كان الظلام قد بدأ يجر أذياله على الكون وقرص الشمس بدأ يغيب خلف التلال .. بينما زخات المطر لا تزال تتساقط منذرة بليلة مطيرة ..
بعد لحظات زالت الدهشة عن محياها فحملت إناءها وانصرفت وهي تتلفت بين الفينة والأخرى كأنما تخشى أن أقتفى أثرها .. لذلك كنت حريصا على أن لا أثير ريبتها .. فأبديت ملامح التودد ولازمت مكاني حتى اختفى ظلها بين الأحراش .
كانت فتاة متميزة بزيها الغريب الذي تبدو فيه وكأنها قادمة من أعماق التاريخ؛ بقامتها المديدة وجسدها النحيل .. بوجه أسمر متواضع الجمال تجلله مسحة من الكآبة تضيع خلالها معالم سنها الحقيقي .. غير أن ما يلفت الانتباه فيها شعرها الأسود المنسدل على كتفيها وعيناها الواسعتين ذات النظرات الغامضة .
أمضيت أياما مشغول البال بأمرها وكثر ترددي على المكان؛ عساني أظفر منها بنظرة، أو أكشف لها سرا .. لم تكن بعد قد حركت خلجة من مشاعري، بيد أني كنت حريصا على أن أفك لغزها المحير .. ومع مرور الوقت تسرب اليأس إلى نفسي وخامرني الشك فيما رأيت؛ لعلها كانت خيالا مما يخطر على الذهن أحيانا فنتصوره حقيقة !
إلى أن كان ذات مساء؛ حين كنت أشق طريق العودة على مألوف عادتي .. وعندما اقتربت من النبع شاهدتها منحنية على آنيتها مشغولة بملئها. فتسمرت في مكاني أفتح عيني جيدا واستحضر ذهني لأتأكد مما أرى .. وبعد أن ملأت آنيتها تراجعت إلى الخلف قليلا واستدارت لتتفاجأ بوجودي، فارتسمت الدهشة على محياها .. نفس النظرة ونفس الملامح .. غير أنها كانت مضطرة هذه المرة على اجتيازي فقد كنت أسد عليها الطريق .. وبعد تردد نقلت خطوات مضطربة وتحركت باتجاهي وعيناها تراقباني بحذر شديد، وعندما اقتربت مني زاد اضطرابها، ثم تجاوزتني مسرعة .. بينما كانت دقات قلبي المتسارعة تكاد تسمع من شدة الفزع .
استجمعت شجاعتي وتبعتها .. قوة نابعة من أعماقي المترعة بالفضول والمغامرة كانت تمدني بطاقة عجيبة لأخوض الطريق المجهول .
كانت الفتاة تنعطف بين الأحراش الصغيرة التي تضيق أحيانا و تتسع أخرى وهي تغوص في عمق الوادي .. وكانت تتلفت من حين لآخر فأتعمد الاختباء؛ لأني كنت أراقبها بحذر شديد حتى لا تتفطن لوجودي .. حتى انتهى بها المطاف إلى دوحة كبيرة في أصل الوادي فأزاحت بعض الأغصان لتنكشف عن فتحة تسللت منها مسرعة إلى الداخل وعادت الأغصان إلى مكانها .. بينما وقفت قريبا متعجبا وقد ازدادت دقات قلبي خفقانا ..
بعد تردد تسللت عبر الفتحة فإذا هي مغارة .. كنت كلما توغلت فيها يزداد الظلام كثافة من حولي فأصطدم بالجدران والنتوء .. و لكن ذلك لم ينل من عزيمتي .. كانت قوة غريبة تسري في جسدي كالتيار وتدفعني إلى الأمام بكل إصرار .. وبعد لحظات ظهرت نقطة مضيئة في الأفق كانت تتسع كلما اقتربت منها فإذا مخرج آخر يطل على مرج أخضر يتوسطه كوخ متداعي تتصاعد منه أعمدة الدخان، وتمرح بين أرجائه بعض الخراف بكل حرية .. إنه مكان غير مألوف لدي أبدا .. رغم أني أمضيت وقتا طويلا أجوب المنطقة حتى لم أكد أترك فيها شبرا لم أكتشفه !
وبينما أنا مأخوذ بسحر المكان أحسست بيد تربت على كتفي .. كانت هي نفسها الفتاة الغريبة بنظراتها الغامضة، أمسكت بيدي وقادتني إلى الكوخ بعد أن استسلمت لها وتبعتها مسلوب الإرادة ..
كل شيء في الكوخ كان رثا يوحي بقدم نشأته؛ قاعة وحيدة تتوسطها طاولة مهترئة حولها بضع مقاعد، وسرير عليه غطاء من صوف مزركش.
أجلستني على حافة السرير ثم أحضرت صندوقا به رزمة من الأوراق وضعتها بين يدي. ففككت رباطها ونفضت عنها الغبار ثم شرعت في قراءتها .. كانت مكتوبة بخط قديم دقيق من الصعب فهم دقائقه ولكني علمت منه أن والدتها تزوجت شابا دون رضا والديها، ويبدو أنه لم يكن رجلا نزيها فقد هجرها بمجرد أن تحرك الجنين في بطنها .. فلم تجد بدا من الفرار إلى المجهول .. أما كيف وصلت إلى هذا المكان .. وكيف تهيأت لها الظروف حتى تنجب وليدتها وتتعهدها بالرعاية ؛ فذلك ما لم أجد له جوابا؛ لأن الفتاة ظلت تلوذ بالصمت طول الوقت .
بعدما انتهيت من قراءة الأوراق أمسكت بيدي وترجتني بحركات فهمتها؛ أن أدعها وشأنها ولا أهتك سرها ، ثم قادتني إلى المغارة ورافقتني صامتة حتى الجهة الأخرى حيث وقفت تشيعني بنظرات لم أجد لها معنى في كل العيون التي رأيت!
بعد عودتي إلى البيت شرعت أسأل الناس في القرية عن قصة امرأة تزوجت من غير رضا والديها والتي هجرها زوجها بعد أن حملت منه .. فأخبرني الشيوخ أنهم سمعوا مثل هذه القصة من أسلافهم لأنها وقعت منذ زمن بعيد .. بعيد جدا.
بعد ذلك لم أعد أصادف تلك الفتاة .. وعندما قررت أن أتوجه إلى المغارة من جديد تهت طويلا ولم أهتد إليها أبدا ..

نشر في الموقع بتاريخ : الخميس 9 رجب 1438هـ الموافق لـ : 2017-04-06



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

رابح بلطرش وحديث للاذعة الثقافية موعد للنقاش

موعد للنقاش الاعداد : رشيد صالحي

مواضيع سابقة
بين كفّين.!
بقلم : وليد جاسم الزبيدي
بين كفّين.!


أدباء منسيون من بلادي / الشاعر زامل سعيد فتاح
بقلم : علاء الأديب
أدباء منسيون من بلادي /  الشاعر زامل سعيد فتاح


صابرحجازي يحاور الشاعرة والناشطة اليمنية مليحة الأسعدي
حاورها : الاديب المصري صابر حجازي
 صابرحجازي يحاور الشاعرة والناشطة اليمنية مليحة الأسعدي


المفارقة في الرواية الجزائرية دراسة تطبيقية للباحث الدكتور شريف عبيدي
موضوع : الأديبة نجاة مزهود
المفارقة في الرواية الجزائرية  دراسة تطبيقية للباحث الدكتور شريف عبيدي


لماذا يضحك "هذان"؟؟؟
بقلم : فضيلة زياية ( الخنساء)
                                          لماذا يضحك


التشكّل المرآوي و تمثلات الانعكاس في أعمال أنيش كابور
بقلم : نورالدين بنعمر
التشكّل المرآوي و تمثلات الانعكاس  في أعمال أنيش كابور


أحاديث سامي وسمير (1): ضمير "الكلونديستان" مرتاح!
بقلم : الكاتب طه بونيني
أحاديث سامي وسمير (1): ضمير


"العَيْشُ معًا في سَلاَمٍ"..الطّرِيقُ نحو "المُوَاطَنَة" الحَقِيقِيَّة
بقلم : علجية عيش كاتبة صحافية



خيالات ذابلة
بقلم : أ/عبد القادر صيد
خيالات ذابلة


الـــــنـــــقـــد وتـحلـــيــــل الـخطاب وقضايا نظـرية الأدب
الدكتور : محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة
الـــــنـــــقـــد وتـحلـــيــــل الـخطاب وقضايا نظـرية الأدب




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com