أصوات الشمال
الاثنين 5 جمادى الأول 1439هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * قراءة في المسار الإبداعي عند محمد مفلاح   * خبر ثقافي اتحاد الكتاب الجزائريين    * الساق فوق الساق في ثبوت رؤية هلال العشاق   * عودة الأستاذ مسعود بومعزة عميد معهد الأندلس بشيلتغايم ستراسبورغ فرنسا وإستناف نشاطه بخير   * ندوة احاديث العشيات    * رشيد موزاوي مخترع جزائري يخترع برنامج الأول من نوعه عالميا يكشف عن الكذب   * ومن وحي المدرج   * "كتاب القول الأوسط في أخبار بعض من حَلَّ بالمغرب الأوسط"   * وتعلم كــــم أنت عندي   * حُقَّ لنا   * يا فتى لك في ابن باديس قدوة   * تعريف بالكاتب الجزائري مالك شبل    * دروب شائكة (ق.ق.ج)   * صحافي إسرائيلي ينتحل شخصية "ناشط إسلامي" ويفبرك حلقات وثائقية عن "الخطر الإسلامي " في الغرب !!   * صقـرُ الكتائب   *  لِلْهَوَاتِف رُقاَةٌ.. و فِي المَدِينَةِ مُشَعْوِذُونَ..؟!   * الاستغفار(الماهية_الكيفية_الفوائد_الثمار)   *  رؤية ادبية لقصيدة" الحب في العصر الغادر "لـ صابر حجازى بقلم محمد الشيخ    * المجنون والسحاب   * العانس     أرسل مشاركتك
تجليات الطبيعة في شعر فاكية صباحي
بقلم : الأستاذ عامر شارف
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 434 مرة ]
الأستاذ عامر شارف

موضوع يتناول كيفية تعامل الشاعرة الجزائرية فاكية صباحي مع عالم الطبيعة، وكيف عانقتها في صوفيتها الهادئة .


تجليّات الطبيعة في شعر فاكية صبّاحي
( ديوان نزيف على مقصلة الصّمت ..أنموذجًا)
مقاربة الأستاذ : عامر شارف

2016 /2017








تـجليّات الطبيعة في شعر فاكية صبّاحي ( نزيف على مقصلة الصّمت .. أنموذجًا )
تعامل الشعراء منذ القدم مع الطبيعة، وفاتحوها، وفتحوها مثل كتاب، قرأوا صوَرها الرّبّانية قراءات
متعددة ، وأكثروا الأسئلة، وتعاملوا مع ما هو قريب منهم، بدءًا من الشاعر الجاهلي الذي خاطب
الفرس وحاوره ، كما خاطب الناقة ووصفه، وخاطب الطلل، حيث فكّر فيه مليًّا، وتحدّث إليه وبثّه
كل همومه، وأسئلته الوجوديّة .فالطبيعة عند الشّعراء العرب الجاهليين، كانت عبارة عن صورةً لما
تراه العين مشاهدًا مجسّدًا ماديًّا، وسؤالا فكريًّا وعقائديًّا، أكثر من كونه مشاركةً للعواطف التي توحي
بها الطبيعة، وانفعالًا ذاتيًّا للشعور.ثم اختلف التعامل معها باختلاف العصور إلى اليوم حيث
تفتّحت رؤيتهم،ورؤاهم، فهؤلاء الشعراء خاطبوا الطّيرَ وما في السماوات من أجــــــرام، وخاطبوا الموج
وما في البحار من درر ويــــواقيت، وخـــــاطبوا الرّاسي والماشي وما في الأرض وما عليها، وخاطبوا
الحدائق وما فيها من أشجار وعناقيد، من نخيل وعراجين، وورود، وعطر، ولكلّ شاعرٍ خصوصيّة
تناوله لهذه العناصر التي شكّلت مشاهد الطبيعة التي استقطبتهم بروائعها، ومنهم من تميّز شعره
بصورة يضرب بها المثل في وصفها ومحاورتها وأُنسها، قال امرؤ القيس في العصر الجاهلي :
ــــ قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ بسقط الِّلوى بين الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ
قال البحتري في العصر العبّاسي:
ــــ
قال ابن خفّاجة في العصر الأندلسي :
يا أهــــل الأندلس لله دركم ماء وظــل وأنــــهار وأشجارُ
ماجنة الخلد إلا في دياركم ولو تخيرت هذا كنت اختارُ
و قال آخر :
حــــــبذا أنـــــــدلسٍ من بـلدٍ لم تـزل تنتج لـي كل سـرورْ
طـائرٌ شادٍ وظـلٌ وارفٌ ومـياهٌ ســــائــــــــحـاتٌ وقـصــورْ
إن شعر الطبيعة اكتشفه النقّاد كمصطلح جديد في الأدب، لأن شعر الطبيعة" أصبح ظـــاهرة أدبيــّة
وغرضًا فنيًّا بارزًا، موجودًا في الشعر العربي قديمًا وحديثًا، لكن الجديد الذي أدخله الغربيون هو
المصطلح فقط للدراسة، ومقاربة النصوص التي تكثر فيها عناصر الطبيعة بشكل طاغٍ، وبخاصة
في لأندلسيين الذين عاشوا في طبيعة أندلسيّة خلابة وتأثّروا، وليس بجديد وجود الطبيعة في شعرنا
العربي كما يراه الآخرون، لكن قد برزت مع الحركة الإبداعية الأدبيّة الرومانسية عند جـــماعةالحداثة،
وبخاصّة عند جمـــــــاعة أبوللو في أواخر العقد الثالث من القرن التاسع عشر، وقد وجـــــد الشعراء في
الطبيعة غايتهم، حيث تحرّرت عواطفهم الإنسانية، ووجدوها مساحة للبوح الطّاهر، وطمأنينة لنفوسهم
القلقة ، فكيف استلهمت الشاعرة فاكية صبّاحي من هذه الطبيعة نصوصها الوطنيّة ؟؟ .
الطبيعة معبودة البشر :
قد كانت الطبيعة تبدو للإنسان في العصور القديمة مظهرًا غريبًا، قيه أسئلة وتعجّب، وتمثل القوة الخارقة، حتّى أنّها عبدها بدهشة، وانحنى لمظاهرها التي حيّرته، ولم يجد لها إجابةً خنوعًا وخشوعًا. كا قد عَبَدَ الإنسان الكواكبَ مثل: الشمس، النجوم، القمر، والحيوانات مثل البقر، فبعد عبادتها أصبحت ملاذًا له، أمّا الشعراء، أصبحتْ سندًا ووسيلةً في الكتابات الإبداعية،فهذا التغيّر الفكريّ أُتّبِعَ بتغيّر فنّي ، وتغيُّر في رؤية الإنسان، وفي رؤيا الشاعر بخاصّة، وقد أصبحت كونًا من الإلهام الروحي، النفْسي، والجمالي وسيلة للتّقرّب من الآخر، وتشكيلها مع اللغة . وهكذا تأثّر الشاعر نفسيًّا تأثُّرًا كبيرًا بقيمة الطبيعة المُدْهِشة، فأصبحت مصدرًا له آخذًا منها صوره الشعرية وإبداعاته من خلال التساؤل، التّعجّب، الاستفهام، والمحاورة، ومنه نلاحظ اليوم تلك العلاقة بين الشُّعراء والطبيعة، وما مدى انعكاسها في إبداعاتهم ، قد تغيّرت تغيّرًا بارزًا فكريًّا وفنّيًّا، وهو ما تبرزه بعض ما اختزن في الذاكرة، في النفس الإنسانية وشعورها، وفي اللغة أيضًا، من تراث ، إنّ كل هذه الأمور انعكست على قريحة الشعراء في شعرهم بدءًا من العصر الجاهلي الذي كان منطلقًا إلى اليوم ، وغدًا، بملامح متميّزة ، ورؤى مختلفة فی التصوير باللغة شعريًّا .
ومنه أرى أنَّ الشاعر العربي والغربي اهتمّ بکثير من مظاهر الطبيعة، ،ولأنّها الصّديق الوحيد الذي يلجأُ إليه في وحدته، وفي سفره، وفي مصيبته، كان معظم الشعراء يقفون على الطلل، كما وقف امرؤ القيس، وصوروا المطر والغيم، ، وأجرام الكون ، وسجّلوا الرحلة وما فيها من أتعابٍ، ووصف بعض الحيوانات، وبخاصّة راحلته الناقة وصديقه الفرس في السلم والحرب ، وسردوا قصص الحيوانات المختلفة كبقر الوحش والثور وغيرها، وسرد صراعاته مع الطبيعة أجمعين؛ فکان اتصال الشاعر ـــ منذ العصر الجاهلي إلى اليوم ــ بهذه المظاهر الطبيعية، ومحاورته لها أهميّة كبيرة فی رسم إبداعه ، وتشكيل بصماته الشعرية، حتی شکلت الطبيعة مصدرا هامًّا لإبداعاتهم ، وتمکّن الشعراء من خلال الربط بين عناصر الطبيعة المختلفة أن يتغلغلوا في أسرارها التي أنطقوها من جديدٍ فی قصائدهم الشّعريّة فتميّزت، وأخذوا من كلّ ما تأسره بخاصيّتها أسرًا مبينًا ، وقد أسرتهم بانفراديّتها مثلما أخذوا ( الضياء) من الشمس، القمر النجوم، وأخذوا ( الحركة ) من البحر والحيوانات، وأخذوا( الصلابة، الصبر، والقوة) من الناقة، ومن الحجر، وأخذوا الشساعة من الصحراء ، وأخذوا ( السرعة) من الفرس، والرياح، وهكذا .... وما يزال الشعراء إلى اليوم يتفاعلون مع الطبيعة باختلاف رؤياتهم ورؤاهم، ومنه نلاحظ اختلافات في كيفية الاتصال، التعانق، والمحاورة ، ونلاحظ اختلافًاتٍ آخراة في البنية الدلالية بخاصّة، وكيف ينطلق كل شاعر حسب رؤيته، وإيديولجيّته عبر العصورالفكرية، والأدبية ، وقد روى ابن قتيبة : «أنه لم يستدع شارد الشعر بمثل الماء الجاري، والشرف العالي، والمکان الخضر الخالي» 6.
فالشاعر وإن كان يقدّم الفكرة بشكل ما حتّى لا أتَّهَمُ بالعبثية، فإنّه لا ولن يتنصّل من الفکرة القديمة ( خرافة، اعتقادًا، تشبيه وغيرها ...) ولكنّه يتعصب إلى رسم الصُّورة البلاغية، وتلوينها، وصدمة المتلقّي، وكسر أفق التوقّع، وفتح فجوات للمتلقي لكتابة نصٍّ ثانٍ ، هذا من خلال محاورة الطبيعة . والدليل القاطع أن الشعراء العرب والغربيين استلهموا من البوادي الوديان والسواقي والسحاب والغيم والأمطار والأنهار والجداول، والاخضرار (الكلأ) والصحراء وامتداد البراري، كذلك البحار والموج، البساتين، الورد، الزهر، العطر، الشمس، القمر، والنجوم ... استلهوا هذه المظاهر الطبيعية العظيمة في قصائدهم ، وقد افتتنوا بها افتنانًا لا مثيل له من خلال البيئة التي عاشوا بين أحضانها ، والعصر الذي عاشوه ، کانت الطبيعة أغنية فغنّوها وكانت نشيدًا سرمديًّا ، تلك هي الطبيعة التي ألهمت کثيراً من الشعراء بل كلَّهم بسحرها الرائع المُدهِش وجماليات خلقها ربُّ العالمين لينبهرَ بها الإنسان ، والإنسان الشاعر بخاصّة حتی صارت مصدرا أساسيا، يُسْتَقَی منه، وكم استفاد منها الشاعر کثيرا أمام إبداعات خالق الكون تعالى ، ولم تقف الدهشة والاستمتاع والاستغلال عند الشعراء بل تمثل الإعجاب وبرز بصورةٍ بارزةٍ أيضا عند النقاد القدماء لما قدّمته إبداعات الشعراء الذين قدّموا صُوَرَهم الشعرية من الطبيعة وبالطبيعة ، وأبرزهم إمرؤ القیس أشعر الشعراء لأنه ' أول من لطف المعاني، واستوقف علی الطلول، ووصف النساء بالظباء والمها والبیض، وشبه الخیل بالعقبان والعصی...' ومنهم من ظلوا في تصويرهم للطير والتفاؤل به والتشاؤم، مع ما مثَّلوا في الحمام من حنين لا ينضب معينه ، ألم يقف يومًا الشاعر ابن خفاجة بجبل .. فتخيل ذلك الجبل رجلا معمرا منذ زمن بعيدٍ، قد شهد عهودا وحروبًا، وعاش عصورا.. وأدرك الحلو والـمرّ، كذلك الخبيث والطيب .. وميز بين أصناف الورى ، فمنهم اللص والناسك و هذا من خلال محاورته للجبل كأنه شخص بقلبه وعقله ولسانه ، وهو يحاكيه وهو من شعراء الأندلس من الذين أبدعوا في هذا المجال . مرجعه
الشاعرة فاكية صباحي بين أحضان الطبيعة : .
استغلت الشاعرة فاكية صبّاحي الطبیعة التي تحيط بها من كلّ فج، وبکل ما تحمله من جماليات كي تحقّق فی محفل إبداعاتها الشعريَّة من خلال الصور الشعريّة في كثير من الأحيان، وبالفكرة أحيانًا أي( مزج الفكرة والفنّيّة )، بمعنى لم تنقل الطبيعة حرفيًّا كما يتراءى لبعضهم، ولكن هناك فنّيّة تحاور بها محاورة المتيم، محاورة اللاجئ إلى أمّه، فكيف تعاملت الشاعرة بين أحضان الطبيعة ؟؟ .
قد أستهوتني القصيدة فجعلتني أنكبُّ لمقاربة الطبيعة في شعرها نظرًا لمَا یظهر جيّدًا من جديد فی شعرها ، ومن ابتكارات، وکیف أضفت بمحاورتها الطبيعة سماتٍ قويّةً في بنية النّصّ الشعري من حيث المعاني وتوليد الدلالات . ومن المعلوم إن الطبيعة من العوامل المؤكَّدة في فنّ الشعر وتميُّزه، وإنّها تلك التي تثير قريحة الشعراء، وتجعلهم مبدعين، وتحفّزهم علی الإبداع، ومن جمال الطبيعة يستشعرون فيه كثيراً من الأحاسيس والمشاعر والعوطف الإنسانية النبيلة، فيستلهمون من كل عنر من الطبيعة ما يميّزه .
وفي هذا التکرار لصورة الطبيعة الذی تتناوله الشاعرة البدر/ النجوم / الليل ..... ، وما تحمله كل لفظة من شفرات داخل الجملة الشعرية، كي تتمكّن من صياغتها في كلّ مرةٍ بشكل جديد محايدٍ. یمکن أن نقول إن هذه للفظة قد ارتبطت بمعتقدات دینیة مثل (البدر)، تحيلنا إلى طلع البدر علينا
أيّها البدر تُمنّينِي بنورٍ لا يؤوبْ
فيهيم الخطو منّي قبل ميقات
الغروبْ ص7 .
لو تأملنا هذا النداء 'أيها' يمكن الحكم على الجملة بالخطابيّة وما توحيه من أثر نثري لكن الشاعرة أولا لا تسائلُ بشرًا بل تسائل أحد عناصر الطبيعة ؛ وهو البدر، وهي رؤية رومانسيّة من طرف الشاعرة، تستعطف الطبيعة من خلال هذا المنادَى القريب ـــ إحساسًا منها ـــــ هي علاقة وجد بين الشاعرة والطبيعة (البدر)، وما فيه من صور التّعالي التي تأخذنا إلى خلق الله، ومنه يتجلّى من هذا الرّمز جلالة خالق الكون الذي عزّزتها بدعائها (انتشلني )، والحقيقة ها هنا سينتشلها من ظلام الأنظمة العربية، كما سيتَّضحُ لنا فيما بعد، وعليه فالبدر أخذ دَلالة فنّية أخراة ليست الضوء والإنارة بل تجليّاته تكمن في تلك الطّاقة العظيمة للخروج بها من محنتها ، ومن الظروف السياسية، والاجتماعية التي يعيشها الوطن العربي .
تناجي البدر منبع النور، وهي تلومه ، لأنه لا يتمّ عهده ووفاءه كي تصل الشاعرة إلى حلمها ، ثمّ تعيد اللوْم بشكل سؤال ' أيّها البدر لمَ استأنستَ أدوار الوجومْ ..؟ ' ولا تستعمل ياء المنادى لأنّها تحسّ بقربها من البدر الذي تلومه، وتتحدّث إليه ، ثم تأمره حين رأته لا يعيرها اهتمامًا :
قمْ وسرْ بين تسابيح النجومْ ....
وانتشلني من ظلامي .' ص7
إذا نحن قرأنا الألفاظ شفراتٍ؛ فإنّنا : البدر( مكرورة)/، النجوم/ الأفق/ ظلامي/ الرصيف/ نلاحظ أن الشاعرة أحست بعتمة المكان وأزمة الزمن، فرأت في الطبيعة ملاذها، منقذها البدر، لانتشالها من الظلام، بأخذها نحو النجوم، فلا حياة على هذا الرصيف (الحياة اليوميّة) .فالعنوان هو ما تشعر به الشاعرة ، ولكن تحاول محوه ، وانتهت القصيدة بالرصيف(لفظة معرّفة)، لتبدأ القصيدة الثانية بعنوان رصيف (نكرة) .
القصيدة الثانية بعنوان ' رصيف '، ص8 :
تقول الشاعرة: " حينما تنداح حبّات المطر
وتلفّ الكونَ طوقًا مثل نفاس
السّحرْ / أقتفي عزفَ السواقي وتراتيل َ
الرواءْ " ص8
تحوّلت الطبيعة إلى مخلِّصة تصنع الطمأنينة، والسّعادة، تمارس الشاعرة طقوسها الرومانسيّة كما يحلو لها،كي تهزم العتمة ( السنوات السّود)، أصبحت الطبيعة حالة نفسيّة، حالة عشق تتماهى في ذات الشاعرة، هذا الحضور الرومانسي يجعلها تقول :
أقتي عزفَ السواقي وتراتيلَ
الرواءْ
إن جلا وجه الروابي ضاحكًا يندو
كما وجه المساءْ " ص 8
ترى ضحكة الروابي التي تشبه وجه السماء ضياءً، وبهاءً، قد تحوّلت إلى جدلية الفرح والحزن، وكأنّ الشاعرة تهرب من الواقع الاجتماعي والسياسي إلى حبيبتها الطبيعة كي تطارد ألحانها، وتغنّي شعرها:
ثمّ أمضي خلف أسراب القوافي
نحو أفياء الصفاءْ
وأيّ صفاء أطيب من صفاءٍ في رحاب الطبيعة ..؟؟ ، وهي تريد إحياء ربيعًا ( لا الفصل الزمني) لكي تعيد جوًّا هادئًا طيّبًا ، وترى النور سيولا ينحر الليل، ويزرع الفجر على الطلل القديم، ليفسح دروبًا للعبور إلى يومٍ آخر لا يشبه أيام العتمة في السنوات الماضية .
أمّا القصيدة الثالثة فقد كانت ترتيلة رومانسيّة حالمة ، تشبه الأطياف،بلغةٍ هفهافةٍ طيّعةٍ ولكن تحمل دلالات تعكس نفسية الشاعرة الحزينة ، راحلة مع الطُّيور تقول
" لم
/ أكن يومًا طيورًا
/ ترتجي عرْشَ الأفقْ
/ لا .. ولا وردًا بـــَهيًّا .. ص 10
الطيور شفرة تدلّ على الحرية والانفتاح، والورد شفرة ثانية تدلّ على الطهارة والعفة والاستسلام، أمنية الشاعرة أن يكون العبور من الوجود المطبَقِ إلى المطلق ، وإن كان عنوان القصيدة "مدخل" فهو مدخل إلى المطلق ، والمآل المتبقّي للتوحّد مع الطبيعة والذوبان فيها معها ، لتصبح الشاعرة هي الطبيعة بذاتها تمتّع وتستمتع لكن حال بينهما الواقع المرّ ، فتقول :
لم أكن إلا تراتيلا
تصلّي بصدور الأمنيات . ص11
فهل هذه يعوّل عليها لإعادة بناء عالَمًا جديدًا ؟؟ . لنصل إلى مرفإ قصيدة " نزيف على مقصلة الصمت "
قصيدة " نزيف على مقصلة الصمت " ص13
إنّي هنا ..
يا قصّة قبل البدء انتهت
إنّي هنا .. ص13
صرخة عالية، مثل صرخة العربية التي نادت ' وا معتصِماه'، وليتها عادت أحداث التاريخ، فبَيْنَ المطلع والعنوان جدلية ، مبنية على التحدّي والانتماء، طبعا كان النزيف البوح هو قصيدة الشعر الماثلة أمامنا المتحصِّلة على جائزتها بين الأدباء العرب .
أنّات روح بالمنافي غرّبت
إنّي هنا .." ص 14
لم تعد جسدًا في هذا الوجود ،بل أصبحت بقايا أنّات روحًا في عالم النفي، لكنّها تمتطي " درب الربيع إلى الحياة " وهي من تخبّئ لوعةً في صدرها، وتسابيح في شفتيها، وأدعية الصلاة من على مقصلة الصمت العربي،لأن الشاعرة ما صمتتْ أبدًا وحجتُنَا هذي القصيدة، فالربيع لم يعد الفصل الزمني من حياتها بل هو الحلم والأمل المرابط في جأشها،والربيع هنا له دلالة نفسيّة، للتفاؤل، والقيمة النفسيّة المعقودة على وعود هذا الربيع الجميل البهيّ، ولفظة الحياة تشير إلى المجيء العاجل حيال الوطن العربي، لأنه كان من زمن ربيعًا حيًّا، وغادرنا، واللوعة هي صمت العالم العربي وخنوعه أمام القوى المستعمِرة، والتسابيح هي التمنّي وأدعية الصلاة هي ما تقدّمه الشاعرة عملا، بدءً من كتابة هذه الصّرخة من على مقصلة الصّمت العربي.أما الإشارة إلى المكان(هنا) لم تعد كذلك ،قد اتحدت الشاعرة مع المكان، وأعطت دلالة أخرى دلالة وجود وتحدٍّ وهيمنتها على الواقعي، وهي الحياة التي تطالب بها الشاعرة في البلاد العربية .فمبدعة النّص غيَّرت الدلالات من موضوعها الوقعي (الحريّة والحياة) إلى موضوعٍ فنّيٍّ يفيض بشعريّة ..................
"صمتًا أكبّر بين قضبان الطغاة
والنّاي لحنٌ نازفٌ أضناه دمعُ
الأغنيّات . ص14
حين تقول "صمتًا أكبّر" تلك هي قمّة الإيمان، وتعتقد الشاعرة بالوجود الدلالي والعلاقة القائمة بين الدّال والمدلول في لفظة التكبير التي تشعل الفتيل، وتشغل الرّأي العربي ، لتقول إذا صمت الحكام العرب فالشاعرة لا، ولن تصمت أبدًا ،يحدو بها إيمانها إلى وطنٍ حرٍّ يملأه الفرح والأغنيّات.
وتبقى الشاعرة تصرخ وتصرخ :
يا كلَّ من كفّنتهم بيدي وحرّ ِقصائدي
بين البيوت
يا كلَّ من شربوا هنا دمع الثرى والرّزء
قوتْ ص 14
إن الشاعرة لا تتفرّج على مشاهد الطبيعة وفقط، بل تتمسّك بما يقدّم شيئا لقضيّتها الوطنية، فاستمسكت " بالبيوت/ والثرى/" ونادت بـياء لا للنداء ولكن للتأوّه والضجر، هي تنهيدة الصّعداء على هذه الأرض العربيّة .
تقول الشاعرة :
"تعبت خطاي..
ورغم أوجاعي أتيتُ
كي أستعيد الشمس من حضن الأفول" ص 15
تقيم الشاعرة علاقة فنّيّة للشمس التي جاءت معرّفة، لكن مجرّدة من طاقتها الحرارية، وقوتها في الكون، ومن هالتها التي جعلتها معبودة الخلق في يوم ما، لتصبح ضعيفة في يد الشاعرة تديرها، وتنقلها من ضعف إلى قوة، هنا تستعرض الشاعرة قوّتها وتحدّيها من أجل إعطاء قوّة مميزة للإنسان، وتبشّر بعظمة بشرية في قصيدة إنسانية، وهكذا لمّا يصبح الإنسان الشاعر فردًا من الطبيعة ، لكن الهزائم لم تغادر عالمنا العربي، بل تزداد كلّ يوم ومنه تآمرت المحن، وحلّ التشتّت والضياع، تقول الشاعرة : "
عبثا ألوّح للنوارس وابتسامات
الحقول
عبثا أفرُّ كما السهول من الذّبول إلى الذّبول
عبثا أعيد السنبلات بسحرها بين الطلول
تعِبَ التّعبْ . ص15
تصل الهزيمةُ ذات الشاعرة،تراها بأمِّ عينها، وتعترف بها، وحينها تتكرّر لفظة (عَبَثًا ) في صدر كلّ جملةٍ شعريّةٍ؛ شطرًا شطرًا، نلاحظ تكرارها مما يفيد إحساس الشاعرة بهزيمة النظام العربي الفاشل؛ الذي انحنى أمام الطغاة، تراوح الشاعرة بين حالتين من الطبيعة ( النوارس/ ابتسامات/ الحقول)، ومن جهة ثانية ( الذبول/ الذّبول/ الطُّلول) هي مفارقة دلاليّة بين عناصر الطبيعة تجعل الشاعرة واقفة على ضفّتين من الحالة النّفسيّة؛ بين ما تتمنّاه أن يكون ( الوعي الممكن)، وما هو واقعي تراه في الوجود ( الوعي الفعلي ) هذه الثنائية التي ترسم لنا مشهدًا من مواقف كثيرة في حياة الإنسان ورؤيته ( من الخلف/ من الخارج/ الرؤية مع ) ليبوح معنًا ولو بإيماءاته، وتحتفظ الشاعرة بـ ياء المنادى التي لا تقصد من ورائها المناداة، لكنها تناهيد الوجع والآهات،. تقول :
يا جمرة بالقلب من عمر الأحبّة
تحتطبْ
فيها من الدلالات ما فيها لكن سأبوح بواحدة وفقط، وهي أن ما أصعب أن يموت الإنسان بفعْل جمرةٍ/ وما أسهل أن يموت بفعْل رصاصة وللشعر دلالات، وللشاعرة مغامرتها مع البوح ، وللقصيدة بلاغتها .
تقول الشاعرة :
تعب السّفرْ..
ملّتْ مراكبنا شراعًا قُدّ من وجع البشر
كم لا..ولا.. حبلى بصدري تنتظرْ .. اا ص16
إنَّ' فعل قدَّ ' يهوي بالذاكرة إلى قصّة يوسف عليه السلام وامرأة العزيز، ( الخيانة/ الحقد/ المكر / واللاإنسانية البشر) ، ولا نستغرب إنْ مثّلتْ أنظمتَنا العربية بامرأة العزيز، وعليه فلفظة قدَّ هس بؤرة البوح لأسباب هزيمتنا العربية، شفرة محملة بمدلول خفيّ، حملتها الشاعرة مدلولها الفنّي ، وأحالتها من مشروعها القصصي الديني التاريخي إلى مشروع فنّيّ شعريّ تقرأه الإحالة بشكل مغامرة.وتقول :" كم لا ..ولا بين المواويل الحزينة ترتدي
ثوب الـحذر
تعبت جراحي من نزيف صامتٍ بين
المقاصل والحصون ص 16
تبدو ثنائية (المقاصل والحصون ) تشكل دلالة واحدة، بمعنى أن الحصون التي يحتمى بها هي نفسه مثل المقاصل التي تعدم الإنسان ،حيث لا حماية مع تلك ولا حياة مع الأخرى، إنّ أعراس الشاعرة، ومواويل الفرح وحذرها لهو تعبير عن عشقها لهذه الأرض،لأن الفرح والحزن هما قوا م الحياة، وما المواويل والدّمع إلا علامات سيميائية لكل علامة دلالة ، لتواصل :
وأنا هنا أنفاس صبح هاربٍ خوف العيون
والدّربُ جمرُ الغدر تنتعل الخطى يا نهرَ
دجلة والفرات ص 16
نرى الشعرة تستفزُّ المتلقّي بجملة تركيبية معفّرة بالغموض، مشفّرة بالإبهام، بدءًا من ( أنا هنا ) حُلُول الأنا مع المكان، ثمّ (أنفاس/ صبح/ العيون/ الدرب/ نهر/ دِجلة/ الفرات)، فالصُّبح أُضيفتْ له الأنفاس فأنْسَنَتْهُ (يحس/ يتحرك/ يهرَب) خوفًا ، العيون باتتْ تخيف الأزمنة والأمكنة ، فهذا الدرب حرائق تملأ الدنيا ( البلاد العربية)، أما دِجلة والفرات أجمل الأمكنة، وأعرق الحضارات، الضاربة في عمق التاريخ، تعود بهذا الشكل المخزي ومواسم البؤس و اليأس إلى بغداد مدائن الحضارة العباسيّة، وزعم الذين يرون العرب والعروبة هكذا تقول: ............................................
"زعموا بأنّا الخائنون مدى الحياة
زعموا بأنّا القابعون مع الرّفاتْ
وأنا الغريبةُ كم يبعثرنِي الـمُحالْ ص 16
وبتكرار فعل 'زعموا' هو اليقين الذي لا شك بأن ما تقوّلوه يشبه الهراء، وستريهم الأيّام زيفَ هذه الظُّنون، وإذا تأمّلنا في لفظتي 'الحياة/ الرفاة' فيه ثنائية مبنية على التضاد، وإن كان هناك توازن إيقاعي لكن علاقة الخيانة بالحياة أعطتها سلبية ، كأنّها هي الـرفاة التي لها دلالةً على الموت الفناء، تقول الشاعرة :
هبّ الظّلامُ مُبعثرًا ريحَ القطيعةِ
بالدّرب لتنمحي
خلفي المعالم والأثر .
للظلام دلالة على الطّغاة الذين يريدون تحطيم الوطن العربي من خلال ريح تشتّته تشتيتًا ؛ ما يذكّرنا بالآية الكريمة ﴿ وأمّا عاد فأهلكُوا بريح صرصر عاتية ﴾ الحاقة/6 التي بعثها الله على القوم الكافرين ، وهي دلالة نيّة الطغاة على التدمير الشامل لعروبتنا، وحــجّتنا في ذلك تعزّزها جملة " لتنمحي خلقي المعالم والأثر " وهو ما يضيف تعزيزًا للقصد الذي ذهبنا نحوه .
تقول الشاعرة :
كي لا أعودَ إلى الأحبّة بالسنابل والمطر ...ص17
هكذا الخطاب بالطبيعة، بعناصر الطبيعة ؛حيث السنابل ( النّعم /الخير )،( المطر ( النّماء/ الحياة)، بوساطة هذه ترتسم سعادة الوطن العربي، لكن يتوقّف الأمل والحلم ( المتخيّلين) ،وتعود الشاعرة إلى واقعنا العربي متسائلة عن حظوة الزمني الجميل الآتي بعد هذا الحصار المقيت :
فإلى متى هذا الحصار..؟
وإلى متى يبقى يبعثرنا الدّمار ..؟
وإلى متى تغرّبنا الحدود ..؟ ص17
كم يعظمُ الزمن في نفس الشاعرة، لأنّ الإنسان من طبعِهِ هو الذي يصنع الزّمن ويجعله عظيمًا بفعله وإنجازاته ، تحاول استرجاع الزّمن الماضي المضيء للوطن العربي، وهذا التكرار 'إلى متى ' فيه دلالات القلق والحيْرة ...
"وإلى متى تبقى تغرّبنا الـحدود ؟
والنارُ تأكلنِي هشيمًا والأحبّة ينزفون ..
تمزّقــًا خلف الجحود . ص 18
سنمسكُ بإحدى الدَّلالات ـــــ على الأقلّ من خلال قراءتنا التأويليّة ؛ التي قد تقصدها الشاعرة أو لا تقصدها ــــــ وعليه فلفظة الحدود هي كلّ ما تمليه الأنظمة العربية الفاشلة من قوانين بين الأخوة العرب، وكلّ الأسباب التي تفرّق لا تجمع، وتنفّر لا تؤاخي،وتكرّه لا تحبّب ، لأنّها تخاف من جمع شمل الشعوب العربية، ويخاف الغرب من العرب إذا اتحدُوا ، أمّا لفظة النّار تدلّ على ( الأنظمة الفاشلة والحكّام العرب)،التي تأكل الشعوب هشيمًا يابسًا جفاءً، وحقدًا، وجحُودًا، واستصغارًا، والمواطن العربي البسيط يموت في وطنه مغتالاً مسجونًا، أم بسكتة قلبية غمًّا ،والمواطن الرمز التاريخيّ يمشون في جنازته، وحينها يعظّمونه ويقولون فيه الخطبَ الرنّانةَ من مدحٍ وثناءٍ، ويذكرون بطولاته العظيمة المعَظَّمَة ( عراجين مدَلْوَحَة)بينما كان في حاجةٍ إلى (تمرة صيش)، وهي من تجلّيّات طبيعة الأنظمة العربيّة .

لقد استعارت الشاعرة الألفاظ ( لحدود/ النّار/ الهشيم) نسجت لها دلالات فنّيّة وأعطتها علاقات من حيث الارتباطات، التي أخرجتها من عَالَمِها القاموسي إلى دلالات رمزيّة محملة بقراءت تأويلية، وإحداها قد تكون قراءتي هذه .
عبر الضفاف يلوِّحون كما الطُّيوف
وعلى مدى الأبصار بالنار استوت كلّ / السُّيُوف ص18
كما ألبست الشاعرة لفظة الضفاف دلالات أخراة لأنّ لفظة ضفاف من لازمتها الإضافة إلى لفظة أخراة مثل 'البحر/ النهر/ الحقل/ الوادي/ الساقية، لكن أوقفتها الشاعرة بنفسها من دون إضافة لتعطيها دلالة لا قاموسيّة، وذلك لتكون قراءتها التأويلية متعدّدة، لتجمع دلالات كلّ الضفاف بدءً من ضفاف الوطن العربي من الخليج إلى المحيط، وهكذا استلت الشاعرة لفظة واحدة من الطبيعة وأعطتها رمزيّة لها معنى ذات دلالات .
لبس الربيعُ كبلبل وكر الغروبْ
والرّيح ُكالطُّوفان بند ٌوقعَّـتهُ يدُ اللّيالي
المظلمات مع الهبوبْ ص18
نلاحظ الشاعرة أيضًا قد جمعت بين حقلين من الطّبيعة، الأوّل من صفاتها الخلاّبة( الربيعُ/ البلبل/ الغروب/الهبوب)، وهناك حقلٌ ثانٍ ( الريحُ / الطوفان/ الليالي)، لتنسج مفارقة بين اللفظة والدلالة ( لا الربيع ربيع، ولا البلبل غنّاء)، لتحقق بها موضوع فنّيّة لغويّة، غير معتمدة على ( الدّال/ المدلول)، ولهذا تبدو الصورة مختلفة تمامًا عن اللفظة الدّال، وإيجابيّة الجملة ذابت في تركيبها سحقتها السلبيّة، بإضافة لفظة وكر النكرة الدّالّة على ضيق المكان، وإضافة لفظة الغروب الدّالّة على السكون والفناء، وهذا نظرًا لما تشعرُ به الشاعرة .إنّ قد جرّدت الشاعرة عناصر الطبيعة من كلّ طاقاتها الجماليّة ورمتْ بها في عالم آخر آنيّ الدلالة : إذا كان :
الرّبيع : عنوان الجمال والسعاذة/ البلبل رمز الغناء والطّرب، والحرّيّة/ الغروب يفيد رومانسيّة ممدّدة، والهبوب حامل العطر إلى العالم ، / الريّح الواقح حاملة الخصب/ الليالي زمن السكون، الهدوء، الرّاحة، والطمأنينة ، فالحقل الثاني ( الريحُ / الطوفان/ الليالي)، والطوفان بخاصّة من دلالاته الهلاك، هي شفرات التي خرجت بشكل ما معبِّرةً عمّا يحسّه الشاعرة من عنفٍ، وخسارةٍ ، وموتٍ أيضًا . ووظّفت كلّ عناصر الطبيعة في خدمة الدلالة، وتمكين الصورة من الوضوح، بما يوافق من مجازات؛ صورة العتمة القصيدة الأولى، والرّصيف العربي الحزين، ومدخل لحرائق الوطن العربي في هذا الزّمن.
يلاحق الشاعرة سؤال الأزمنة المتكرّر في هذا المقطع وفي مقطع آخر بـمتى :
فمتى تهيمُ زوارقي صوب الـجنوبْ ..؟ا
ومتى سنُخمِد بيننا هذا اللهيب ..؟ا
ومتى بصوْتٍ واحدٍ يشدو العربْ : ....
إنّا هنا إسلامُنا لهو السّببْ ص18
نظرًا لقلق الشاعرة من صمت الأنظمة العربية تكرَّر السُّؤال ثلاث مرّاتٍ، داعية إلى ( التّفاهم/ إخماد النّار/ الوحدة) تحت راية الإسلام ،وإذا كان الشمال رمز الغرب، فإن الشاعرة رمزت للعرب بالجنوب (الصّحراء) ؛ العرب والبترول، وفيه شيء من الحنين إلى الصحراء لأنّ الشاعرة من منطقة صحراويّة / بسكرة / ( وهي تحنُّ إليها حنين الأمِّ إلى ولدها،) لذلك كان لها أن ترمز بهذا ، ودلالة اللهيب هي الفتنة العربية وعدم اتّحاد الأنظمة العربيّة في الأمور السياسية بشكل عام عروبيًّا ..... وفي كثير من الأحيان تلاحق عناصر الطبيعة بإضافات تنحو بها اتجاه دلالات تصدم المتلقّي ، وتبني متغيّرات جمليّة يـحقّ من خلالها التّأويل في قولها عبر الإسناد الإضافي :
ـــ قضيّة الدّرب : مشاكل الحياة التي يتعرّض لها الوطن العربي فالدّرب أخذ دلالة الحياة.
ـــــ إعدام الضياء: يعطي دلالة ضدّيّة تمامًا ما كان ينتظرها المتلقّي، والضياء الميت دلالة الظلام .
ــــ ذابت كصبحٍ، ولا تضفي كيفيّة الذوَبان،والصبح دلالة العزيمة، والرفض، والبدايات الصعبة للتّشكّل.
ــــ أهوال الـمساء: وقد جاء المساء بصورة أخرى لم نألفْها من قبل، من طبيعة المساء البهاء، فلم يعد.
وهكذا تشكّل الشاعرة من عناصر الطبيعة صورًا صادمة، مغايرة لمَا تحمله اللفظة من معان قاموسيّة
وتجيء بألفاظٍ أخراة مثل :اليمّ/ رحلتي/ خطّ العبور/ قوس الهجير/ الغدير/ كلّها محمّلة بدلالات
الضّياع، حيث أكسبتْها الشاعرة دلالة فنّيّة عوضًا من دلالاتها القاموسيّة التي تخاطب بها المتلقّي
مباشرةً ، كــما تأخذ الشاعرة عناصر مختلفة من الطبـــــيعة تشكّل بوساطتها مشاهد مثيرة للسّؤال من
حقول، ومؤثِّرة بالدّهشة مثل مشاهد المآسي ، وما فيها من قيمة الوجع، والألم وكــذلك سنوات الأسى
التي يعيشها الوطن العربي ، فتأخذ مثلاً : ( البحر/ الليل / العباب / الصّقيع / ' الفلا ' جمع فلاة' ؛
أخذتها معبِّرة عن :
ـــــــ الليل دلالة عن تيهان الأنظمة العربيّة وفشلها .
ــــــــ الفلا دلالة عن ضياعها .
ـــــــ البحر دلالة عن غرقها .
فاقرأ قصاصات التغريب في يدي يا بــــحرُ وانثرْ للمدى آهاتي ص45
ـــــــ الصقيع : دلالة عن سكونها وسكوتها .
وهنا لا تتــــــنافر معانيها؛لأنّها شـــفرات ذات دلالات موحـــية مغامرة ،مغازلة أحيانًا ، ومن الصعب لمِّ
شمل هذه الدَّلالات وإعادة تركيبها في نصّ شعريّ آخر يقابل على الأقلّ دلالة واحدة يدركها المتلقّي
وليس ما تقصده الشاعرة؛ لأنّ تأويله الأوّل والأخير يعود إليها وفقط .
ويعود بها الحنين إلى الوطن تسائله :
من ذا الذي يُصغي إلى صوت الحمام
المشتكي
فوق القِباب ؟؟
من ذا الذي قد يمسحُ الدّمغ الغريب
إذا هنا ..
حنّ الترابُ إلى التّراب .. ؟ ص21
تسند ببوحها إلى الطبيعة التي لا تستنجد إلا بها حين تريد البوح هذا( صوت الحمام/ القباب/ التّراب/
الدّروب/ النجود) ؛ لكي تحقّق الطّمأنينة، وترتمي في أحضان التّراب عبر الدُّروب الموصلة، من
دون حدود، فالحُلُولُ في الطبيعة أكسب الشاعرة إحساسها بالانتماء ، وأعطاها قوّة الالتحام ( ذات
الشاعرة في ذات الطبيعة )، تلك هي الحقيقة الكبرى بين الشاعرة والطبيعة ، واللغة ( إحساس
الشاعرة /حمام الطبيعة / وشاعريّة اللغة )، لتحقيق الطمأنينة .
حتّى هنالك للمدى فاضت بها كأس
القصيد
عبثا أحاول أن توسّدني الوعود
وإلى المدائن صدّني وهنٌ مسجّى بالقيودْ
فمن الذي يُنسي السواقي والحدود وطني الذبيح من الوريد إلى الوريد ..؟ ا
كما نسجت من عناصر الطبيعة أيضًا ما يجعلها تتفاعل بعفوية تامّة كي ترتّل بوحها في شكله
المتحرّر، وبصوته الطبيعي:
ـــ المدى :حين فات كأس القصيد، وأيّ فيض حين ينكسر المدي في عين الرّائي ؟؟
ـــ الـمدائن : القيود والصّدود عن الشاعرة ، وجوازات السفر في الوطن العربي .
ـــ السّواقي :ما تحمل من مياه جارية تعيد الحياة لهذا الكون .
ـــ الحدود :كل ما تراه الشاعرةُ قيودًا لأبناء الأمّة العربيّة، وقوانين تشتيت .
ـــ الثرى :هو الأصل لكلّ أمتنا العربية والأصالة ، وخريطة الوطن العربي من الخليج إلى المحيط ،أنا
للثرى المطعون دمعةُ عاشقٍ تهمي لتــحـيـي بالـــدّجى أقماري 26 ص
لكن الشاعرة ثائرة متمرّدة على الحالة التي يعيشها الوطن العربي ، تحاول إعادته إلى مقامه السّيّد :
تقول :
ولسوف أبقى ثورةٌ بين الرّبى يا بدرَ ص23
فالرّبى ، والبدر لهما قيمة نفسية في ذات الشاعرة، ستبقى من على الرّبى عالية أو متعالية، ترقب
من شرفاتها البدر الحلم الآتي متفائلة ، ولو أمنية لبناء هذا االوطن العربي ، وستبقى متفائلة ولو لم
يكتمل الحلم .

أمضي لأنشرَهَا وُرْقًا محرّرةً جذلى يوضّئها من عهدا المطر
المطر مظهر إبداعي متمیز فی الشعر العربي كما عرفوه؛ فهو مصدر الخصب والنماء، وأحدمظاهر
مظاهر الطبیعة التی أدهشت الشعراء فكثرت الأسئلة، والإيهام بإعتباره سببا من أسباب الحیاة
والخصب، فأبدع، وبرع الشعراء في أخذه لبناء الجملة الشعرية؛ فأصبح مصدرا ملهمًا لإبداعهم
الشعري، فالصورة الشعریة التی رسمتها الشاعرة فاكية صبّاحي للمطر لا تحمل فی ثنایاها صور
الخصب والحیاة والانبعاث بل تحمل عمليّة التطهير التي أبدها أرسطو في العهد اليوناني،لمعالجة
المصابين، ویبدو الشاعرة منتظرةً ولو حبّات مطر، لا نزول المطر الغزير كي تتغيّر الحياة،
وتنتشي من علی هذه الأرض . والطبيعة في بهائيّتها سماويًّا (حمام)، وجويًّا( قباب)، أرضيًّا
(تراب)، ألوانًا (ورود)، طيبًا(عطر)، ضياءً ( بدر)، لنقول قد كان الاحتواء من الطرفين؛ حيث
احتوت الطبيعةُ الشاعرة َ، واحتوت الشاعرةُ الطبيعةَ من جهة أخراة ، فكان التشكيل الجميل بكلّ
أنواع الطبيعة من الماء ومن الرفاة وما بينهما .
نتيجة المقاربة :
إن مظاهر الطبیعة والبيئة الجزائرية من (تِ إلى تِ )، أعني من ' تيزي وزو إلى تمنراست ' ، ومن '
تبسة إلى تموشـــنت ' من البحر وموجه وشواطئه، ومن المنطقة الجبليّة أطلسيها التلّي والصحراوي ،
وأشجارها المتنوّعة، ومن هضــابها (القمح والسنابل) ومن صحرائها الشاسعة ورمــــالها الذهبية، ومن
ينابيع مائها الزلال، لقد صنعت العرس الشعري من الطبعة وبالطبيعة، ونسجت ديوانًا بهيًّا اختزلت
فيه روائع الطبيعة وجماليّاتها بلغة بسيطة سلسة تمتِّعُ المتلقّي وتسحره بأسلوبٍ موحيٍّ ،... لقد
وظّفت عناصر الطبيعة كي لا تباشر المتلقّي بشكل رهيب، وتتمكّن من بوحها بشكل مؤثِّر، أسلبت
الطبيعة جعلتها تنطق من خلال إعادة تشكيلها لتنطق بكلّ أغراضها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الـمصادر والمراجع :
ـــ القرآن الكريم برواية ورش عن نافع .
1ـــ نزيف على مقصلة الصمت،فاكية صبّاحِي، دار ابن الشاطئ للنشر والتوزيع، جيجل ،الجزائر،ط1،2016م.
وسم الديوان بإحدى القصائد التي تحصّلت على جائزة الأرض سنة 2011م ،المرتبة الثالثة هربيّا مناصفة مع
البروفيسور محمد إسحاق الرّيفي فلسطين)، والدكتور خليل عليوي ( اليمن) ، وتحصلت قصيدة نزيف على مقصلة
لصّمت على الجائزة الأولى للشعر النسوي(قسنطينة) سنة 2011م. ترجمت هذه القصيدة إلى لغات عديدة :ـ
ــــ إلى اللغة الفرنسيّة من طرف الأديبة والمترجمة منيرة الفهري (تونس).
ــــ إلى اللغة الإنجليزية من طرف الدكتور فيصل كريم ( الكويت) .
ـــــ إلى لغة الأطياف السبعة من طرف الفنّان التشكيلي سائد ريان (فلسطين).
2 ـــ ديوان أبن خفاجة .
3 ــــ إبن قتیبه ، أبو محمّد عبدالله بن مسلم،الشعر والشعراء،القاهرة، دارالمعارف، 1995م.
4 ــــ ابن خفاجة إبراهيم، بن أبي الفتح عبد الله،1979م، تح :سيد مصطفى غازي،ط2، الاسكندرية، مصر .

الأحد 08/ 01/2017


نشر في الموقع بتاريخ : الثلاثاء 22 جمادى الثاني 1438هـ الموافق لـ : 2017-03-21



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

ايام لها حضور بالتاريخ

17 أكتوبر 1961 اليوم الوطني للهجرة

.
مواضيع سابقة
وتعلم كــــم أنت عندي
بقلم : اسماعيل عريف
وتعلم كــــم أنت عندي


حُقَّ لنا
بقلم : فردوس جبّار
حُقَّ لنا


يا فتى لك في ابن باديس قدوة
بقلم : : جمال الدين خنفري
يا فتى لك في ابن باديس قدوة


تعريف بالكاتب الجزائري مالك شبل
بقلم : الكاتب عبد الكريم الجزائري
تعريف بالكاتب الجزائري مالك شبل


دروب شائكة (ق.ق.ج)
بقلم : المختار حميدي (خالد)
دروب شائكة (ق.ق.ج)


صحافي إسرائيلي ينتحل شخصية "ناشط إسلامي" ويفبرك حلقات وثائقية عن "الخطر الإسلامي " في الغرب !!
بقلم : محمد مصطفى حابس: جنيف/ سويسرا
صحافي إسرائيلي ينتحل شخصية


صقـرُ الكتائب
بقلم : سعدية حلوة / عبير البحر
صقـرُ الكتائب


لِلْهَوَاتِف رُقاَةٌ.. و فِي المَدِينَةِ مُشَعْوِذُونَ..؟!
بقلم : محمد الصغير داسه


الاستغفار(الماهية_الكيفية_الفوائد_الثمار)
بقلم : جمال نور
الاستغفار(الماهية_الكيفية_الفوائد_الثمار)


رؤية ادبية لقصيدة" الحب في العصر الغادر "لـ صابر حجازى بقلم محمد الشيخ
بمشاركة : صابر حجازى
   رؤية ادبية لقصيدة




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1439هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com