أصوات الشمال
الخميس 6 ذو القعدة 1439هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * مؤسسة المحبة و التضامن لولاية غرداية تحل بمدينة قسنطينة   *  لمقرّ سكني محطّتان.   * قصيدة _ انا في انتظارك امام هذا الضوء_ سليم صيفي الجزائر    * قصة قصيرة جدا / مدمن   * مهرة الأشعار   * اطروحة دكتوراه بجامعة عنابة عن الشاعر محمود درويش   * المجاهد القائد حسين بـــــــوفــــلاقـــــــة -الذكرى والعبرة-   * د. ماري توتري في غيهب الموت حياة نيرة    * حيِّ القديم   * مسافرة   * الندم افيّد للبشر / ( شرطي الأعماق ) (*)   * الأسطورة التاريخية الرمز الأنموذج الفريد من نوعه العم أحمد بيده بن الفسيان في ذمة الله.بمتليلي الشعانبة ولاية غرداية    * فهل رحلت أمي ياترى.. ؟   * رحلة قيام الصهيونية .....و أكذوبة أرض بلا شعب لشعب بلا أرض   * بياضات تلوّنها فلسفة الغياب في تجربة الشاعر المغربي محمد الزهراوي أبو نوفل   * المسافرة    * شاعر الحرية أمحمد عون في ذمة الله.   * فلسفة مبسطة: الماركسية بين الجدلية والمركزية   * قدموس ثائرا أو جبران ونزعة التمرد   * أزمة الإبداع عند من يدعون علمانيين و حداثيين عرب     أرسل مشاركتك
الأندلس
بقلم : هناء قاسمي الحسني
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 970 مرة ]

كلما ذكرت هذا الاسم تذكرت قصيدة كتبها الفيلسوف و الشاعر المسلم 'محمد إقبال اللاهورى' بعنوان "مسجد قرطبة " عندما قام بزيارة إلى الأندلس سنة 1932 بدأها بقوله " سلسله روز وشب نقش كر حادثات سلسله روز و شب أصل حياة وممات..."
زرت مرارا أسبانيا و لكنى لم أعرج أبدا على مقاطعة الأندلس تفاديا لإثارة المواجع ’واستثارة الأحزان واستنطاق الماضي التعيس و من أراد النياحة على كل هدا فليقرأ قصيدة أبو البقاء الرندي في رثاء الأندلس :
لمثل هذا يذوب القلب من كمد...................... إن كان في القلب إسلام و إيمان.

هذه المرة سيطرت على عواطفي و عقدت العزم على زيارة هذه القطعة من ذاكرة الأمة فقصدت جنوب اسبانيا و كانت المرحلة الأولى من هذه الزيارة مدينة قرطبة... كنت كلما اقتربت من مشارف المدينة زاد قلبي خفقانا خاصة حين بدأت تلوح أمامي معالمها و في مقدمتها المسجد العتيق بمنارته الشامخة التي تحدت القرون و الخذلان و بقيت شامخة’منارة المسجد التي أصبحت برجا يحمل أجراسا كما يحمل السجين أغلاله الحديدية... أصابني الذهول وارتعدت فرائسي فاغرورقت عيناي و لولا الحياء لأطلقت العنان للبكاء لأستفرغ الدمع من عين قد امتلأت فاغسل به ما علق بقلبي من أوجاع و حسرة على النكبات المتتالية التي ضربت أمتنا مند قرون خلت .
عند وصولى إلي قرطبة لم أعط نفسي وقتا للراحة من عناء السفر بل دخلت غرفة الفندق فرميت حقيبتي و خرجت مسرعة متلهفة لا تفقد ما بقي من آثار للفردوس المفقود...إنها قرطبة لؤلؤة الأندلس...حاضرة العلوم و المدنية و الثقافة و التعايش السلمي و التسامح الديني.
كان علي أن أعبر الجسر الذي أقيم فوق الوادي الكبير "كوادا الكفير"الذي يعانق المدينة القديمة كأنه يحضنها كما تحضن الأم صغيرها...دخلت قرطبة ليس في كوكبة
من الفاتحين’ولكن في جمع من السائحين و في مهجتي غصة النائحين على الذين قدموها أكلة صائغة للحاقدين الذين لم ينتظروا طويلا ليعبروا عن لؤمهم و شماتتهم رغم ما قدمته
الحضارة الإسلامية لهم. حين كانت باريس تبيت في غيهب الديجور و شوارعها مليئة بالأوساخ و الوحل كانت قرطبة تبيت في حلة من نور بفوانيسها التي تضاء كل مساء مع آذان المغرب حتى يغشى المدينة أبو السرج...... نعموا بتسامح العقيدة السمحاء طيلة قرون فما أن نكست راية التوحيد حتى أقاموا محاكم التفتيش لأهل هذه العقيدة فأجبروهم على التنصر تحت حد السيف ر أرغموهم على القيام بكل ما يخالف تعاليمها وكان على المدجن المدخار..(أي من بقى من المسلمين الذين لم يهاجروا من ديارهم قاصدين الشتات فى حواضر المغرب) أن يترك باب بيته مفتوحا ليلا نهارا حتى يباغت في عقر داره في أي ساعة للتأكد من أنه لا يقيم شعيرة و لا يقرأ قراءنا وأن رائحة طهي الخنزير تزكم الأنوف في مطبخه.
دخلت المدينة ورحت أتجول في شوارعها العتيقة الضيقة مقارنة بشوارع عصرنا’والألم يقطع أحشائي تقطيعا ساعتها أدركت مغزى و بعد شعار "و لا غالب إلاالله" الذي لازال يزين قصور الأندلس ....
تابعت تجوالي في الأزقة و احساس غريب يغمرني تخيلت نفسي في سنوات العز في قرطبة و الناس من ذلك العصر يمرون من حوالي لا يلقون لي بالا حتى و إن كنت من عصر لم يعرفوا عنه شيئا و هو يعرف عنهم الكثير نساء بملابس ذلك العهد بعباءات و أقمشة مطرزة وجبات محتشمة أطفال يركضون هنا و هناك رجال على اختلاف أعمارهم و مراكزهم الاجتماعية بل و وظائفهم يتهادون عليهم أردية متعددة الأشكال و الأجناس بحسب تعدد المناطق كما وصفهم لسان الدين بن الخطيب " والأردية الأفريقية و المقاطع التونسية و المآزر المشفوعة فتبصرهم في المساجد أيام الجمع كأنهم الأزهار المتفتحة في البطاح الكريمة تحت الأهوية المعتدلة"
بقيت أمشى على غير هدى و أنا أتأمل المساكن القديمة التي حافظت على طرازها المعماري لم يتغير منها شيء إلا الساكنة.
كنت أتخيل المحلات والدكاكين مفتحة الأبواب يعمرها الحرفيون من صانعي النحاس و الجلد و الخزف و الذهب و الفضة و مواد التجميل و العطور و مكتبات مكتظة بنفيس الكتب و المخطوطات ناهيك عن المدارس و الجامعات التي كانت مقصد طلبة العلم من كل أقطار العالم...... فقرطبة كانت قبلة العلوم حين كانت أوربا قاطبة مربض الجهل و التخلف و تجارة صكوك الغفران...
كنت أسرع الخطى في الطرقات المبلطة بالحجر و مازالت تظهر مجارى المياه لكل بيت قرطبي للنظافة و الاستعمالات اليومية......كانت النظافة مقدسة بل جزء من إيمان حين كان الأوربي لا يقرب الماء إلا قليلا.....أسرع لأرى المسجد الكبير الذي غيروا اسمه و مهامهه إلي كاتدرائية...... مدخل كبير مشرع على مصراعيه يؤدى إلى حديقة المسجد توجهت مباشرة إلي باب القاعة الوحيد الذي يلج منه الناس و قد كانت تتوافد منه جموع المصلين في يوم ما .....كنت كالنائمة و أنا أتابع سيرى فأيقظني صوت حارس حين طلب مني تذكرة الدخول فقلت في نفسي في هذا المكان كانت تقف ملائكة لا تطلب التذاكر و لكن تذكر المصلين بالوضوء للولوج......فأين نحن اليوم في حكم العلوج...؟ التفت يمينا و شمالا فلم أرى إلا طوابير السياح ينتظرون دورهم لشراء التذاكر و أغلبهم نساء كاسيات عاريات... مسجد قرطبة...
جاء دوري فوقفت وسط الصحن أتأمل بقايا حلم جميل ...المسجد الجامع بمساحة تقدر ب 22500م2 بأعمدته كغابة من نخيل عليها أقواس مزدوجة ملونة بالأبيض و الأحمر الأعاجم في غدو ورواح بين أرجائه المترامية الأبعاد كثير من ترى على وجوههم علامات الغبطة و الفرح والتباهي بما أنجزه بنو ملتهم حين أخرسوا الأذان من هذا المكان فاستبدل بالنواقيس و اخرج أهله أذلة صاغرين ’ و نصبت الصلبان في كل اتجاه...
القاعة التي تسع سكان قرطبة برمتهم و قتئد لأداء الصلاة أصبحت مظلمة بعد أن سدت كل نوافذها الكبيرة بالطوب و الأسمنت و قد صممت خصيصا لتنير المسجد بضوء الشمس من كل جهة...
جلست على كرسي خشبي أحملق في جنبات المسجد فإذا به ملء مقصورات في كل زاوية’عبارة عن كنائس صغيرة و مذابح و قبور لرهبان… و الطامة الكبرى هي الكاتدرائية التي تتوسط المسجد فشوهت الطراز المعماري الجميل الذي اعتمده محمد بن أبى عامر المنصور(987 ه) حين أراد أن يجعل من هذا الجامع تحفة فنية لا مثيل لها في العالم آنذاك...
ألتفت يمينا و شمالا فأحسست بأن هذا المكان قد مات فعلا و ماتت معه قدسيته مع جموع السياح الذين زادوا قلبي هما وغما و هم بلباس يحسسك بأنك على شاطئ البحر لا في مسجد...حتى الوسخ تطاول على هذا المكان فأصبح شاحبا لم تلامس جدرانه مسحة طلاء منذ أن داسته أرجل إيزابيلا و فرديناند...
قمت خارجة و أنا أعانق الأعمدة أسائلها في صمت و في كمد.. كم مصليا موحدا سجد بجانبك؟ كم من منصت إلى درس أو خطبة جمعة أو عيد أسند ظهره إليك؟ كم شيخا مؤمنا عانقك مستعينا بعرصاتك ليقوم من مصلاه؟ فأجابتني دعامة بلسان الحال قائلة.."تفانوا جميعا فلا مخبر و ماتوا جميعا و مات الخبر... تروح و تغدوا بنات الثري و تمحوا محاسن تلك الصور فيا سائلي عن أناس مضوا أما لك فيما ترى معتبر؟ تمنيت أن أستقبل القبلة و أصلى ركعتين تحية لمسجد قرطبة أو ما بقى منه و لكن القوانين الصارمة منذ محاكم التفتيش إلي يومنا هدا تمنع المسلم من إظهار شعائره الدينية ليس في هذا المكان فحسب بل في أثار الأندلس قاطبة.أحسست بالاختناق فخرجت إلى الصحن ونظرت في كل اتجاه مودعة أردد كلمات ابن الرندى.
تبكى الحنيفية البيضاء من أسف *********** كما يبكى لفراق الألف هيمان
على ديار من الإسلام خالية *********** قد أقفرت و لها بالكفر عمران
حيث المساجد قد صارت كنائس ما***********فيها إلا نواقيس و صلبان
حتى المحاريب تبكى و هي جامدة*********** حتى المنابر تبكى و هي عيدان
عدت إلي الفندق بت تلك الليلة حزينة متأملة مرددة
لكل شيء إذا ما تم نقصان *********** فلا يغر بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتها دول*********** من سره زمن ساءته أزمان
و هذه الدار لا تبقى على أحد*********** و لا يدوم على حال لها شان

وعلى مضض قمت بزيارة أماكن و مدن أخرى من بلاد الأندلس .. اشبيلية طليلطة ,المدور, مالقا, وأختتمها بغرناطة لاخرج من هذه البلاد كما خرج أخر ملوكها و قد كانت أخر حصن لم يرفع الإسلام و لا الوجود العربي رأسا من بعد في هذه الرحاب... و أنا اخرج من قصر الحمراء رفعت رأسي فرأيت مكتوبا على قوس الباب الكبير عبارات بالخط العربي تخلد و تمجد مشيد القصر كما جرت العادة انذاك و كما أعتاد إن يفعله من بددوا ملكا و خربوا بيوتهم بأيديهم و هم كما ذكر ابن رشيق...
مما يزهدني في أرض أندلس ***********أسماء مقتدر فيها و معتضد
ألقاب مملكة في غير موضعها *********** كالهر يحكى انتفاخا صولة الأسد

كنت أقرا بصوت عال فبادرتني امرأة اسبانية هل ما قرأت يحكي عن ايزابلا وفرديناد و يمجد صنعهما؟ فنظرت اليها بحزن و أدركت أنها لا تعرف عن بلاد الأندلس إلا هذين الشخصين و ما صنعا بالمسلمين لا تعرف ألا ما روج له مؤرخوهم حول الصليب الذي يحطم مئذنة و فرديناد و هو يستلم مفاتيح مدينة غرناطة من أبى عبد لله الذي خرج من عز قصر الحمراء ألي ذل مزبلة التاريخ...أبو عبديل يقف على نشز بسفح جبل الريحان فتصعد منه زفرة و تنساب من عينه دمعة لم تخف على أمه عائشة الحرة التي كانت بجانبه فنقول له بنبرة ملؤها الأسى و الحزن ( أبك مثل النساء ملكا مضاعا لم تحافظ عليه مثل الرجال)
ما لاحظته خلال هذه الزيارة هو أن بلاد الأندلس لازالت تعيش على موارد السياحة للآثار التي تركها لهم ما لا يصح أن نسميهم بالمسلمين لأن أخر أيامهم كانت كلها مؤشرات لقرب زوال النعمة’كانوا قد قطعوا شوطا من الترف و اللين’و التنعم’و تفرغوا لسفاسف الأمور و الانحلال حتى صار الحاكم يعتنق المسيحية من أجل جارية فتصبح هي الحاكمة و المسيرة للبلاد و العباد... كنت كثيرا ما أفكر في أمر واحد و هو انه كيف بعد سبعة قرون من الوجود الإسلامي لم يوجد مسلم واحد من بين أهالي البلد الأصلين مع سقوط غرناطة لا أتكلم عن المدجنين و الجواب بسيط يتلخص في أن المسلمين إذا صحت تسميتهم بذلك لم يكن همهم نشر العقيدة وارساء تعاليمها بين ربوع البلاد المفتوحة وإنما غاصوا في الملذات و طيب العيش كما يغوص الجائع في قصعته...
توجهت إلى مطار اشبيلية للعودة من حيث أتيت و صوت ابن الرندي يزمجر في أذنى...

أتى على الكل أمر لا مرد له *********** حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا
و صار ما كان من ملك و من ملك *********** كما حكي عن خيال الطيف و سنان

حلقت الطائرة عاليا فبدت بلاد الأندلس بأراضيها الشاسعة فتذكرت قوله تعالى.."كم تركوا من جنات و عيون و زروع و مقام كريم و نعمة كانوا فيها فاكهين كذلك أورثناها قوما آخرين" الدخان أية 28-



نشر في الموقع بتاريخ : الأربعاء 9 جمادى الثاني 1438هـ الموافق لـ : 2017-03-08



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

أخبار سريعة

الشاعر حمري بحري

.
مواضيع سابقة
حيِّ القديم
شعر : محمد محمد علي جنيدي
حيِّ القديم


مسافرة
بقلم : فضيلة بهيليل
مسافرة


الندم افيّد للبشر / ( شرطي الأعماق ) (*)
بقلم : العقيد بن دحو / ادرار / الجزائر
الندم افيّد للبشر / ( شرطي الأعماق ) (*)


الأسطورة التاريخية الرمز الأنموذج الفريد من نوعه العم أحمد بيده بن الفسيان في ذمة الله.بمتليلي الشعانبة ولاية غرداية
بقلم : الأستاذ الحاج. نورالدين بامون
الأسطورة التاريخية الرمز الأنموذج الفريد من نوعه العم أحمد بيده بن الفسيان في ذمة الله.بمتليلي الشعانبة ولاية غرداية


فهل رحلت أمي ياترى.. ؟
بقلم : سعدي صبّاح
فهل رحلت أمي ياترى.. ؟


رحلة قيام الصهيونية .....و أكذوبة أرض بلا شعب لشعب بلا أرض
بقلم : سوابعة أحمد
رحلة قيام الصهيونية .....و أكذوبة أرض بلا شعب لشعب بلا أرض


بياضات تلوّنها فلسفة الغياب في تجربة الشاعر المغربي محمد الزهراوي أبو نوفل
بقلم : احمد الشيخاوي
بياضات تلوّنها فلسفة الغياب في تجربة الشاعر المغربي محمد الزهراوي أبو نوفل


المسافرة
بقلم : وسيلة المولهي
المسافرة


شاعر الحرية أمحمد عون في ذمة الله.
بقلم : طهاري عبدالكريم
شاعر الحرية أمحمد عون في ذمة الله.


فلسفة مبسطة: الماركسية بين الجدلية والمركزية
بقلم : نبيل عودة
فلسفة مبسطة: الماركسية بين الجدلية والمركزية




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1439هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com