أصوات الشمال
الثلاثاء 7 صفر 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * الشدة المستنصرية   * اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى يفتتح موسمه الثقافي   * مقطع من روايتي" قلب الإسباني "   * فجيعة الوطن العربي الكبرى   * وليد عبد الحي: السلوك العربي أنتج منظومة فكرية غرائزية متكاملة   * في رحابِ الموعـــد..!   *  في عدمية النص الفلسفي الغربي و موضة الإتباع... إيميل سيوران نموذجا عابرا   * العدد (50) من مجلة "ذوات": "السوسيولوجيا العربية في زمن التحولات"   * 13 سنة تمر على رحيل الشاعرة و الروائية نجية عبير   * شاعرة حالمة ... قراءة في تجربة ريتا عودة الشعري    * أنا و الآخر   * الودّ المعرفي   * قصائد نثرية قصيرة   * لضَّاد و نزف الرَوح   * قصة قصيرة جدا / كابوس   * للحرية عيون مغمضة   * مَنْ يَكْبَحُ جِمَاحَ الْمُتنمِّرِينَ..؟! / وَمَنْ يَنْتَشِلُ الأسْتَاذَة..؟!   * عادل عبد المهدي   * استعجلت الرحيل   * بلا دبابة..فرنسا تحتل الجزائر؟؟    أرسل مشاركتك
قصة ريحانة
بقلم : جميلة طلباوي
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 812 مرة ]

في عيد المرأة : مصدر ألم المرأة امرأة أخرى.

ماذا يعني أن تصير حياتك بين دفتيْ كتاب؟
هل من عزاء في حروف ننثرها على الورق عوضا عن جراحنا المتراكمة في العمق ، توخزنا فلا نستطيع أن نطلق العنان لصرخة مدوية في هذا الواقع الصادم؟ تزاحمت الأسئلة في رأسي و أنا أستعيد ملامح وجهها النحيل، لا أدري كيف استطاعت عيناها أن تحتلا فيه المساحة الأكبر، اتساع يشي بمكنونات قلبها الذبيح.
تعرّفنا إلى بعضنا بمحض الصدفة و الفضل في ذلك يعود إلى الأخصائي النفساني ا أ. بن عامر لذي كان يتابع حالتها، و الذي كان في نفس الوقت شريكا جادا في برنامجي الإذاعي " معا للحياة "الذي كان يسمع أصوات المعذّبين في هذه الحياة، ينقل معاناتهم و يبحث عن منافذ للأمل من أجلهم. تزامن تقديمي للبرنامج مع صدور روايتي"أوجاع الذاكرة"، كنت أحمل نسخة منها معي أهديتها للأخصائي النفساني ليتصل بي بعد أسابيع و يخبرني بأمر حيّرني.
أخبرني بأنّ سيّدة كان يتابع حالتها وقع نظرها على الرواية التي كانت فوق مكتبه، أخذتها و بدأت تقلّبها ،ثطمّ لبت منه أن يعيرها إياها، بعد أن تملكتها لحظتها رغبة شديدة في قراءتها.أخبرني بأنّه أعارها لها ، و بعد أسبوع وجدها تتصل به و تلح عليه في الطلب أن يبرمج لها لقاء مع المذيعة كاتبة القصة.
أخبرتْه بأنّها تحتاجها في أمر مهمّ،و ما كان منه إلا أن اتصل بي و شرح لي الموضوع ،فأعطيتها مباشرة موعدا بمقرّ الإذاعة و انتظرتها بكلّ محبّة. و كان يوم اللقاء، وجدتني أمام ريحانة خجولة امتدّت أيد لتسرق منها بضع بتلاتها، لكنّ أريج روحها كان قويا يصل إلى أبعد مدى في الروح. سعدت بلقائها، و انتظرت أن تقول لي ما أرادته منّي، فكانت المفاجأة بالنسبة لي.
سألتني إن كان الأخصائي النفساني أخبرني عن حالتها، أجبتها بالنفي.
قالت: لقد عدت مؤخرا من مدينة البليدة أين أجريت لي عملية جراحية في المعدة استغرقت وقتا طويلا لاستئصال ورم خبيث. ثمّ استدركت قائلة بأن حالتها تحسنت و أنّها ما زالت تخضع للعلاج الكيميائي .
كانت كلّها ثقة بأنّ العلاج الكيميائي سيقتل ما تبقى من خلايا سرطانية، و بأنّها ستعود كما كانت زهرة من زهرات ربيع الحياة ، تحدّثت بألم ،فاستطعت أن أدرك بأنّ المرض ليس وحده سبب حزن تلك الريحانة، أخبرتني بأنّ القهر كان وراء الورم الذي خرّب معدتها،و راحت تسرد عليّ مأساتها و العذاب الذي سلطته عليها أخوات زوجها ،أخبرتني بأنّ الأذى الذي تسبّبن لها فيه كان كبيرا فكانت له نتيجته الكارثية على نفسيتها .أخبرتني أنّها كانت صبورة جدا كي تحافظ على بيتها ، تجرّعت المرارة و تحمّلت الآلام النفسية لكنّهن لم يرحمنها و اتخذن القرار بتطليقها و ما كان على زوجها سوى الامتثال لهنّ تحت تهديدات والدته له ب "دعوة الشر" إرضاء لبناتها.
قالت و الألم يخنقها : قهروني
و طلّقها زوجها ، لتبقى تحت الصدمة مدّة من الزمن و القهر يحفر دهاليزه في أعماقها، و ينخر كيانها، و يوما بعد يوم يكبر الألم في معدتها، السبب في البداية كان نفسيا،لكن مع مرور الوقت و أمام طبيعة تركيبتها الإنسانية الحساسة لم تفلح في تجاوز الصدمةو مع ازدياد جرعة الألم و الحزن، تحوّل المرض على مستوى المعدة إلى ورم خبيث. قالت لي: لن أسامحهم خربوا لي حياتي.
كنّا غادرنا مقرّ الإذاعة و رافقتها إلى الطبيعة بكل صمت الصحراء فيها لأخفف عنها مرارة ما علق بروحها، كم كانت بهيّة ، كم كانت أنيقة ، امتلأت بعطرها، بجمال روحها، ببريق دموعها المنحازة لشرفات عينين مبهرتين بذلك الاتساع.
ألحّت عليّ ألا أنسى طلبها كلّ ما كانت تريده هو أن أكتب قصّتها.قلت لها يومها أنّ الحياة أوسع من أن تنتهي عند شخص أو عند تجربة معيّنة، قلت لها بأنّ عليها كسر قيود الماضي و الخروج إلى الآفاق الرحيبة في الحياة ، يكفي فقط أن تقرّر البدء من جديدأن تبتدئ، لكنّ القهر كان أخذ مساحة كبيرة من أعماقها.
ودّعتني و قد تركتني يومها ريشة تتقاذفها الحيرة و يعتصرها الألم.
بعد أسابيع اتصل بي الأخصائي النفساني أ. بن عامر ليخبرني بأنّها فارقت الحياة....
بكيت بحرقة و ألم ، و ما أعجزني اليوم على لملمة كلّ هذا الألم في نص قد يُقرأ، ما أعجزني على استيعاب مخزون الشرّ في الإنسان و قدرته على إبادة أخيه الإنسان و كسره و هزيمته، لماذا تصرّ المرأة على إيلام امرأة خرى؟ ماذا يحدث في أسرنا، كيف يباد فيها الإنسان؟
أليس لذلك القهر الذي عانته تلك الريحانة صدى في زاوية ما من زوايا هذه الحياة، ألا تلاحق روحها أولئك الذين مارسوا عليها القهر و عاشوا نشوة الانتصار بسحق بتلاتها؟ يا لهذا الوحش الكاسر فيك أيّها الإنسان...رحم الله تلك الريحانة، لترقد في سلام، و لتسامحني روحها الطيبة.

نشر في الموقع بتاريخ : الاثنين 7 جمادى الثاني 1438هـ الموافق لـ : 2017-03-06

التعليقات
نادية مداني
 بين السيرة الذاتية والرواية شعرة ،تلعب التموية بين لون الصبغة واللون الأصلي .....تحياتي السيدة جميلة طلباوي 




أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

رابح بلطرش وحديث للاذعة الثقافية موعد للنقاش

موعد للنقاش الاعداد : رشيد صالحي

مواضيع سابقة
13 سنة تمر على رحيل الشاعرة و الروائية نجية عبير
بقلم : علجية عيش
13 سنة تمر على رحيل الشاعرة و الروائية نجية عبير


شاعرة حالمة ... قراءة في تجربة ريتا عودة الشعري
بقلم : شاكر فريد حسن
شاعرة حالمة ... قراءة في تجربة ريتا عودة الشعري


أنا و الآخر
بقلم : حفصة موساوي
أنا و الآخر


الودّ المعرفي
بقلم : د: ليلى لعوير
الودّ المعرفي


قصائد نثرية قصيرة
الشاعر : محمود غانمي سيدي بوزيد - تونس
قصائد نثرية قصيرة


لضَّاد و نزف الرَوح
بقلم : فضيلة معيرش
لضَّاد و نزف الرَوح


قصة قصيرة جدا / كابوس
بقلم : بختي ضيف الله المعتزبالله
قصة قصيرة جدا / كابوس


للحرية عيون مغمضة
بقلم : د. محمد سعيد المخلافي
للحرية عيون مغمضة


مَنْ يَكْبَحُ جِمَاحَ الْمُتنمِّرِينَ..؟! / وَمَنْ يَنْتَشِلُ الأسْتَاذَة..؟!
بقلم : حمد الصغير داسه
مَنْ يَكْبَحُ جِمَاحَ الْمُتنمِّرِينَ..؟! / وَمَنْ يَنْتَشِلُ الأسْتَاذَة..؟!


عادل عبد المهدي
بقلم : علاء الأديب
عادل عبد المهدي




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com