أصوات الشمال
الاثنين 7 شعبان 1439هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * اغتيال البروفيسور" فادي البطش" رحمه الله   * موسوعة شعراء العربية   * أنا وخالدة    * أحاديث العشيات جنة الشعراء و تفاحة الكتاب    *  اللسانيات التطبيقية: الرهانات والتطبيق في الدرس اللساني العربي في حلقة نقاشية بقسم اللغة العربية في جامعة عنابة    * هكذا استخدمت الإيديولوجية المرأة في عمليات التجسّس    * الجامعة الجزائرية و البلاغة العربية   * محنة المثقف في رائعة إسحاق بابل " الفرسان الحمر "   *  مشاهد قبيل الشهادة...عفوًا أيّها الشهداء   * وداعـــــا يا حـــــراس الجـــــزائر : تــعـــــــــــــزية تحطم الطائرة العسكرية ببوفاريك   *  عودة الجدل حول قضية "إمامة المرأة" !! توظيف غربي لإلهائنا عن قضايانا المصيرية    * حوار مع الكاتب والشاعر والاعلامي صابر حجازي اجرته ابتسام حياصات   * زنابق الحكاية الحزينة ...   * حفريات دلالية في كتاب " الفلسفة و البلاغة .. مقاربة حجاجية للخطاب الفلسفي " لــدكتور عمارة ناصر   * سرمدي   * اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى يحييّ ذكرى يوم العلم   * المقامرة الباسكالیة   * قصائد للوطن(قصيرة)   *  لعيادة "سيغموند فرويد".   * دقائق قبل الفراق.... هكذا يفعل أبناء الجزائر    أرسل مشاركتك
التّجريب في الرّواية العربيّة بين المُمارسة الإبداعيّة والتّجربة الذّاتيّة
بقلم : بن يطو محمد الغزالي
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 1299 مرة ]

عرفت الرواية العربية تحولات كبيرة مرت بمراحل عديدة كمرحلة الحداثة و ما بعدها ، خاض فيها الروائي العربي تجارب عديدة فهو لم يكن بمنأى عما يحدث في العالم الذي حوله فتشارك معه الفنون الحديثة والمعارف السردية المتجددة ، و لعل ظاهرة الكتابة والتجريب تشكّل حدثا سرديا ونقديا أكثر جرأة من غيره و لذا راهن الكتاب على ممارسة التجريب لملاحقة بعض الظواهر الحداثية التي تستجيب لمقتضيات الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي العربي

ظهرت الرواية العربية باشتراطاتها الفنية الحديثة منذ أكثر من قرن في مصر على يد محمد حسين هيكل (1888-1956)،و أجمع النقاد ساعة صدورها على أنّ رواية "زينب " هي لحظة التّأسيس لهذا الشكل الأدبي غير المألوف عند المتلقي العربي آنذاك ، الذي تعوّدت هيئته المتلقية الموروثة على فنّ الشعر ، ولذا ظلّت ذائقته الفنية أسيرة هذا النوع من الفنون لعهود طويلة من الزمن .
إذن يمكن القول ومن منظور السياق التاريخي أنّ رواية " زينب " لها فضل السّبق في هذا الشأن رغم مثالبها لو خضعت للمقاييس النقدية الأدبية الصارمة في عصرنا . علما بأنّ هذه الرواية هي تجربة شخصية أو جانب من السيرة الذاتية للكاتب وهو في ريعان شبابه ، وقعت له مع فتاة قروية فقيرة تشتغل مع أهلها في المزرعة التي يمتلكها والده في القرية ." أما أشخاص رواية زينب فهم حقيقيون . فزينب باسمها وحياتها شخصية حقيقية ، ولا يزال بعض الأحياء من أهل كفرغنام : قرية الكاتب يذكرون مأساتها . وإبراهيم الخولي أو رئيس العمال ظلّ حيّا إلى ثلاث سنوات مضت يعمل لدى أسرة الكاتب . والأعجب من ذلك أن حامد هو الدكتور هيكل ذاته ، وأن محمود وجيه القرية وسيدها هو أبوه .وعزيزة كانت إحدى بنات عمه وإن كانت باسم آخر .."(1) ، تعالج هذه الرواية عدة قضايا مصاحبة في ذلك الوقت كالفقر والاستعباد في العمل والمرض والفروق الاجتماعية و كان الحبّ المحتشم هو المحرك الأساسي للأحداث الروائية ،غير أن الحكم عليها بأنّ منها تبدأ طفولة الرواية العربية ذاك أمر فيه نظر،إجحاف وتقصير في حق الموروث السردي لأن تاريخ الآداب العالمية يشهد بمساهمة المنظومة السردية العربية في تأسيس هذا النوع من الفنّ (الرواية) كشكل متطوّر عن الملحمة ويظهر ذلك بوضوح في رائعة " ألف ليلة وليلة " التي ترجمت إلى مختلف لغات العالم ، وقصص " كليلة ودمنة " لابن المقفع (724-759 م) التي تأثر بها الشاعر الفرنسي لافونتين (Lafontaine) وقصص "البخلاء " للجاحظ (776-868م) و " رسالة الغفران " لأبي العلاء المعري (973-1057م) التي ألهمت الشاعر الإيطالي دانتي (Dante) قصيدته الخالدة " الكوميديا الإلهية " ناهيك عن القصة الفلسفية " حي ابن يقضان " لابن طفيل الأندلسي (1105-1057م) كل ذلك يعني أن العرب يمتلكون مورثا سرديا محترما بين الشعوب الأخرى إلاّ أنه لم يعرف أطوارا ومراحل متتابعة ومتسلسلة كتلك التي عرفها الشعر العربي مثلا ، أي من الشعر الجاهلي إلى غاية الشعر الحديث فالمعاصر ومن هنا يأتي الحديث دون خجل أن الرواية العربية الحديثة هي نتاج احتكاك وتماس الثقافة العربية المحافظة بالثقافة الغربية المتحرّرة ،وبعبارة أخرى إذا كان الشعر يرتبط بالبداوة فإن الرواية من إنتاج الحياة المدينيّة لما تمتلكه من مقوّمات تتطلّع إليها المدينة كظاهرة حضارية حديثة ترتبط بوعي الجماعة البشرية المُؤسِّسة لها . وانطلاقا من هذه الظروف السّوسيوتاريخيّة راح الكتّاب العرب يخوضون مغامرة الكتابة الروائية انطلاقا من تجاربهم الخاصة في الحياة وأصبحت سيَرهم الذاتية مادة روائية تتشكّل منها عوالمهم الإبداعية وما دامت هذه المادة مرتبطة ببداية ونهاية محدودتين فإنها قابلة للاستنفاد في أيّة لحظة ، ورغم ذلك لا يمكننا تجاهلها أو تجاوزها ، إذ فيها يمتزج الذاتي بالموضوعي والواقعي بالمتخيل والأنا بالآخر ،وكأن السيرة الذاتية ( autobiographie)هي من تنوب عن الرواية على الأقل في نظر هذا الجيل من الكتاب ، و استطاع طه حسين (1889-1973) بعبقريته أن يحوّل سيرته إلى رواية أو الرواية إلى سيرة ذاتية في كتابه " الأيام " من خلال توظيفه لضمير الالتفات " هو " أي الحديث عن نفسه ولكن بضمير الغيبة )هو (" ممّا يربك المتلقي فيتمثّل اسما بديلا في لاوعيه كمعادل لاسم السارد . " (2)، وقد يكون السبب في اعتقادي لاختياره هذا الضمير إلى الرغبة في التّحرر من قبضة " الأنا " التي تقيّد حركة فعل التّخييل عند الكاتب وهذا ما جعله يمعن في توصيف بيئته والشخصيات التي تعامل معها بدءا من الأسرة الكثيرة العدد إلى الكُتّاب حتى سفره إلى القاهرة ففرنسا ، " القصة بالنسبة للكاتب تعني ممارسة حضوره في الحياة ."(3) ، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ بل راح كتاب كُثُر ممن جاؤوا من بعد يقتفون أثر نفس التجربة ،ولم يكن عباس محمود العقاد (1889-1964) بمنأى عن هذه التجربة في قصته الوحيدة " سارة " (1938)وما هي في حقيقة أمرها سوى قصتهّ مع الأديبة اللبنانية مي زيادة (1886-1941) حيث كان هو ونخبة من الأدباء يرتادون صالونها الأدبي كل يوم أربعاء وقد شغف بها الكاتب حبّا دون أن تبالي به " وقد كانت الآنسة (مي)العاقلة الفاضلة حريصة على ألاّ يصارحها العقاد بحبه ،أو يسمي حبه لها حبا، خشية أن تضعف أمام هذه الكلمة ،أو حذار أن يزداد اجتراء على استهوائها وتزيين الخطيئة لها . " (4)
ومن القرائن التي تكرس هذه الفرضية صورة غلاف الروايه في إحدى طبعاتها ،يظهر فيها العقاد ومي إلى جانبه " كان العقاد يرتاد صالونها غرارا..وقد نظم فيها شعرا كثيرا،ولكنه لمح أنها تنصرف عنه إلى غيره ،من أصحاب الجاه ،وهو يومئذ شاب قليل الضوء مما أثار في أعماقه كثيرا من الشجن .. " ( م س،ص121) ،هذه القرائن تثبت مما لاشك فيه أن العقاد بكبريائه وشموخه وقع يوما أسير هذه التجربة العاطفية الفاشلة مع فتاة لبنانية مهاجرة هي الأخرى مرتبطة بغيره ،وبالتالي يبقى فضاء السيرة الذاتية محدود الأبعاد و ومقيد الحركات (5) ، والسؤال الذي يبقى محيّرا حقا هو لِـمَ تحامل النقاد العرب على قصة " الأجنحة المتكسرة " (1912) لجبران خليل جبران (1883-1931) ولم يصنفوها على أنها أول رواية عربية ؟ علما بأنها صدرت قبل رواية " زينب " رغم رومانسيتها المتفوّقة وموضوعها الجريء وشعرية لغتها المتفرّدة في الأدب العربي الحديث . وهذه القصة أو الرواية إن شئنا هي تجربة حقيقية وقعت للكاتب مع البطلة " سلمى كرامة " ولعلّ حديثه بضمير المتكلم " أنا " مؤشر واضح على ذلك وهي طريقة غالبا ما تحتكرها أنماط التعبير في السيرة الذاتية حيث يتطابق المؤلف والسارد ،" السيرة تكتب دائما من طرف صاحبها " (6)،وكأن المخيّلة العربية الروائية عاجزة على الكتابة خارج هذا النطاق أي الكتابة عن الواقع الاجتماعي والسياسي والغريب في الأمر كلّه أن هؤلاء الكتّاب الذين يمثلون جيلا أدبيا بكامله وبمختلف انتماءاته الأديولوجية والثقافية لم يستطيعوا الإفلات من استبداد هذه القاعدة المتمثلة في الكتابة عن التجربة العاطفية في بداية حياتهم حيث وقعوا فيما يعرف بالإلتباس الروائي ،تتقاطع فيما بينها تناسخ الأحداث و نمطية الشخصيات مع شيىء من التواطؤ في المشاعر نحو الآخر. ونحن الآن مجبرون على سرد هذه النماذج من التجارب لأنها جزء من موروثنا السردي حتى وإن كانت مرحلة محتشمة في منظور الجيل الحالي ،
وفي سياق الحديث عن هذه التجارب الواقعية نستحضر الكاتب الساخر إبراهيم عبد القادر المازني (1889-1949) وقصته المسماة باسمه بـ " إبراهيم الكاتب " (1932) والتي تتحدث عن جانب من سيرته الذاتية "وقصة (إبراهيم الكاتب) هي – مع تغيير طفيف في الأسماء وبعض الأحداث – قصة حياة إبراهيم عبد القادر المازني .." (7)، إذن هذه النماذج تنتمي في مجملها لفترات متقاربة من تا ريخ الرواية العربية ،يجتهد كتابها قدر الإمكان على احترام قواعد السرد التقليدية ،بالمقابل لا يكلفون أنفسهم عناء البحث عن صياغة روائية جديدة على الأقل لكي تحرّرهم من القوالب القديمة وتدفع بهم قدما إلى عوالم تخييلية تتجاوز الواقع ولا تجافيه .
من المعروف في تقاليد الكتابة السِّيرية أن السيرة الذاتية تُكتب في آخر أيام العمر ليستطيع الكاتب أن يقدم خلاصة تجاربه في الحياة بانتصاراتها وانكساراتها للأجيال الموالية بينما نرى خلاف ذلك عند هؤلاء الكتاب حين استهلوا مغامرتهم الإبداعية انطلاقا من السيرة الذاتية وكأنها قصص متشابهة ولكن الشخصيات والمسمّيات تختلف ،دون أن ننكر أن تطويع العرب لفن الكتابة الروائية جاء حسب مقتضيات المعايير الحديثة من جهة والتحوّلات الاجتماعية والثقافية من جهة أخرى .ولم ينجُ من سطوة هذا الأنموذج من الكتابة حتى أولئك الكتاب الذين تعلموا في أرقى الجامعات الأوروبية واستفادوا من معارفها الأدبية ومناهجها الحديثة كـ : توفيق الحكيم (1898-1987) في روايته " عصفور من الشرق " (1938)التي تحدث فيها عن نقطة تماس وليس صدام بين الحضارة الغربية المادية والحضارة الشرقية الروحانية من خلال مغامراته كطالب متشبّع بالقيم الشرقية المحافظة في محيط باريسي متحرّر " نرى الطالب محسن وقد ذهب إلى باريس لاستكمال دراسته ،مما يوحي من جديد بالترابط بين السيرة الذاتية للكاتب وبين شخصية البطل ذي التقاسيم المصرية . "(8) ،إذن يمكننا أن نضيف ودون تردد أن المحاولات الأولى للرواية العربية في أوائل القرن الماضي كانت من مرتكزاتها جانبا من السيرة الذاتية للكاتب نفسه (9)، حتى وإن حاول الروائي العربي التخلص من هذا النوع من النمط الذاتي إلى النمط التخييلي (fiction) ،فقد عرف تدرّجا حذرا نحو الانتقال من السّرد المُسيَّر ذاتيا (من السيرة) إلى الرواية التي تتمتّع بهامش من السيولة التخييلية ،من الأنا إلى الأخر ومن الذاتي إلى الموضوعي " تتعامل الرواية مع إنسان محدّد الاسم ،جاء من الناس وينتمي إليهم ، وبحث عن مصيره مفردا ، أو مع بشر يقاسمونه نفس المصير ولا يختلسون من فرديته شيئا .سيرة لغيره من البشر .بل يمكن القول، إن السيرة الذاتية لإنسان تُساوَى مع غيره ، فإنها تكون ،وفي مستوى منها سيرة لغيره من البشر .بل يمكن القول ، إن الرواية سيرة لواحد من الناس محدّد الاسم والمصير ، وهي في اللحظة عينها سيرة لبشر لا يعرفونه ،كما لو كانت السيرة الفردية الروائية دائما ،سيرا أخرى تحايثها وتفيض عنها . " (10)،وفي الاتجاه نفسه تأتي رواية " الحي اللاتينيّ " (1953) لـ :سهيل إدريس (1925-2008) التي تجري أحداثها هي الأخرى في باريس وفي أحد معاقلها المعرفية والتنويرية حيث جامعة السربون والحي اللاتيني .
فهي أنموذج للرواية العربية الجريئة التي يصطدم فيها الوعي العربي الذّكوريّ بواقع الآخر المؤثّث بالأنوثة المتحرّرة أو على حدّ تعبير غسان كنفاني " حيث الماءُ والخُضرة والوجه الحسن . " فمواجهة المثقف العربي للثقافة الغربية المهيمنة بطاقاتها المادية والفكرية كانت محلّ اهتمام كثير من المبدعين العرب الذين اكتوت مشاعرهم بنيرانها وفي مقدمتهم الروائي السوداني الطيب صالح (1929-2009) في روايته الشهيرة " موسم الهجرة إلى الشمال " وهي من أكثر الأعمال السردية مقروئية في الأدب العربي (1966) وفيها يسرد لنا رحلته نحو الغرب وهو القادم من بلاد النوبة وتجربته العاطفية مع واحدة من هذا العالم المختلف عنا بنيويا .وتستمرّ هذه التجارب الإبداعية السردية إلى درجة المبالغة في الحديث عن الواقع بكل نتوءاته وإكراهاته التي تخدّش حياء الذائقة السردية العربية وهذا ما حدث فعلا في رواية "الخبز الحافي " (1972) لـ :محمد شكري (1935-2003) التي تتناول جانبا من سيرته الذاتية من خلال مغاراته كطفل شبه متشرّد قادم من بلاد الريف بالمغرب و في مدينة طنجة قضى أغلب أوقاته يتعاطى الكحول والمخدرات ويتعقّب بائعات الهوى في مجتمع أسفل المدينة فهي رواية يمكن تصنيفها من منظور الثقافة العربية بالواقعية المبتذلة ،للتجاوزات الأخلاقية الصادمة للمتلقي العربي .
ويمكن أن ندرج ضمن دائرة اهتمامنا رواية " نجل الفقير" (1950)(le fils du pauvre) للكاتب الجزائري مولود فرعون(1913-1962) استثناء لكونها باللغة الفرنسية، وذلك لسببين :
أولا : يمكن تصنيف هذا العمل دون انحياز ضمن الأعمال المقاومة للأنموذج الأدبي الكولونيالي ، و يكتب باللسان الفرنسي ولكن يعبّر بخصوصية جزائرية بحتة.
ثانيا : تتحدث الرواية عن سيرة الكاتب وهو طفل في منطقة القبائل ومدى معاناته في يومياته الدراسية والاجتماعية ، مقارنة مع زملائه الآخرين من أبناء المعمّرين وفي هذا الشأن يقول عبد العزيز بوباكير : " ويتذكر مولود فرعون، الذي افتتن بشجاعة أبيه وصموده وإقدامه وحبه للحياة ، كل ذلك في كتابه (نجل الفقير) الذي هو ضرب من السيرة الذاتية في رواية . " (11)،ما يمكن أن نستنتجه من خلال قراءة استعجالية للأعمال المذكورة سابقا أنها تتقاسم الأسئلة نفسها والمقولات المتوهّجة التي تتطلّع إليها هذه النخبة وهي : الرغبة في التغيير ،الحب ،الجمال ،المرأة ، المساواة ،الوطن .. وفي الوقت نفسه تكرّس مقولة مفادها أن الرواية العربية اكتشفت من خلال اكتشاف الشرق للغرب ، وراحت – فيما بعد - تمهّد لمقروئية عربية جديدة مختلفة عن تلك التي تعوّد عليها المتلقي العربي قد تجد عنده مقبولية تشكّل في الأخير ثنائية متجانسة مع الشعر في ذهن الهيئة المتلقية الجديدة . إذ لا يمكن أن تتحقق الكتابة إن لم تتحقق القراءة ، فالكاتب مهما كان يتًمثًّل دائما قارئه المفترض المقصود بالخطاب الموجّه له .
وبدافع من الحاجة إلى البحث عن إجابات جديدة لأسئلة الكتابة الروائية المثقلة بتراكم نقدي ،ارتأى الروائيون إعادة النظر في صياغة التجربة الروائية وعوالمها التخييلية . ولهذا حاول بعض الروائيين العرب التخلص من أعباء الماضي والدخول في مغامرة التجريب الروائي كرهان لامناص منه ،تقتضيه التحوّلات الحداثية والتاريخية في المجتمعات العربية ،يخرج فيها الكاتب من ضيق الأنا إلى فسحة الآخر إلى المجتمع بكل تناقضاته وصراعاته الطبقية . " بناء على ذلك ،تستمد الرواية العربية حداثتها الفعلية من نزوعها ، في الفترة المعاصرة ، إلى التجريب ، تحت وعي نظري بضرورة نحت شكل روائي عربي جديد .والأمر أن تعدد قضايا هذا الشكل الروائي ،سواء على مستوى مضمونه أو شكله ،يقتضي مقاربات متعددة لرصد مستوى حداثته . " (12)ويتعين علينا أن نتوقّف عند مصطلح التجريب (expérimentation)الذي هاجر من مخابر العلوم التجريبية إلى حلقات البحث في الآداب والدراسات النقدية والذي يعني في جوهره إخضاع أيّة فرضية علمية لمصداقية الاختبار،وقد وجد له دورا جديدا وحيويا في الآداب والعلوم الإنسانية ،من خلال أطروحات المدرسة الواقعية (le realisme) التي ارتبطت تاريخيا بظهور الوعي الاشتراكي عند النخب المعادية للفكر الغربي الرأسمالي أوائل القرن الماضي ، ويرى هذا الاتجاه أن الأدب ملتزم بتجسيد الواقع بدقة ولهذا صار مفهوم التجريب يعني المحك الذي من خلاله تعرف مدى مصداقية محاكاة الروائي للواقع ،و لعل قول كارل ماركس هو أصدق تعبير في هذا الاتجاه " الأديب عامل يفكر " ،لكن التجريب في السرد الروائي أخذ له منحى آخر يخالف المعنى الذي كان مستعملا له في الأصل .فأصبح يعني المغامرة في البحث عن المناطق المجهولة وغير المألوفة في الكتابة ، تدفع بالكاتب إلى اكتشاف طرق جديدة ورؤى مختلفة تتعاطى مع زوايا الواقع كل ذلك من خلال استخدام آليات مختلفة ومستفزّة للمتلقي ،وقاعدة التجريب هي دوما " التّمرد " على قوالب الكتابة المستهلكة وموضوعاتها المستنفدة ،تلعب فيها اللغة دورا حيويا في تشكيل عوالمها التخييلية . " لاشك أن اللغة تشكل إحدى بؤر التجديد والخرق في الكتابة السردية الحديثة ،على اعتبار أنها لم تعد وسيلة للتشخيص فحسب ،إنما غدت إستراتيجية سردية تنحو إلى مواءمة شكلها مع طرائق الكتابة والموضوعات المطروحة . " (13) ، مازال الباحثون منشغلين بقضايا الكتابة الروائية العربية ،مستفيدين من الموروث النقدي العربي ومما تنتجه المخابر النقدية الغربية المعاصرة . كل هذه الجهود في الأخير تسعى إلى بلورة وترسيخ وعي نقدي وإبداعي جديد بإيعاز من فعالية التجريب وقوته التجديدية .
وفي خضم هذا الطموح الجارف وهذه الرغبة الجامحة استعادت العنونة ( La titrologie) مكانها ولم تعد قيمة زائدة بل أخذ العنوان حقه إبداعيا ومنهجيا في الدراسات الحديثة وصار محل اهتمام كثير من الدارسين في الغرب ،لأنه يشكل بنية موازية للمتن بل هو مفتاح تأويلي ، وعتبة من عتبات النص (Seuils)(14) على حدّ تعبير جيرار جينيت التي لا يمكن تجاوزها أو الاستغناء عنها.
لم يعد العنوان مجرّد نُصيص مهمل ، يتربع فوق عرش نصه الأصلي بل صار علامة تحيل إلى متنها " لقد أصبح حلقة أساسية ضمن حلقات البناء الإستراتيجي للنص ."(رشيد يحياوي ، الشعر العربي الحديث في المنجز النصي ،إفريقيا الشرق ن الدار البيضاء المغرب ،1998 )
ويجتهد القارىء الحاذق (Sophistiqué) على امتلاك آليات فهمه لفكّ شفرته والولوج إلى عوالمه المتواريّة ،والمقصود هنا ليست العناوين المسطحة بل العناوين المثقلة بالدلالات والمتقاطعة في نفس الوقت مع جوهر متونها (Textes) التي انبثقت عنها .وتأتي السّميائيات (La Sémiotique)في مقدمة الأدوات الأكثر أجْرأة في التعاطي مع مثل هذه المواقف الإبداعية ،وما تمتلكه من انفتاح على الدرس النقدي ، فالعنوان يشكل بنية صغرى غير مستقلة في جوهرها عن بنيتها الكبرى . و من وجهة نظر بشرى البستاني هو بنية صغري ولكنها بنية افتقار غير مستقلة عن البنية الكبرى أي النص (15) .
وقد عرفت العنونة العربية في الشعر والنثر على السواء تحولات هائلة في العصر الحديث مواكبة نصوصها، بعد أن عاشت دهورا طويلة خاضعة للغة المسجوعة والأساليب العربية القديمة، التي عودتنا عليها كتابات أحمد فارس الشدياق (1804-1887) ورفاعة رافع الطهطاوي (1801-1873) وغيرهما ، وبعد بزوغ فجر الحداثة (Modernisme) وخروج أغلب الدول العربية من ربقة الاستعمار راح الكتاب والشعراء يتفنّون في عناوين غير مسبوقة كل ذلك جاء استجابة لمغامرة التجريب التي راهن عليها المبدع العربي ،فاستلهم عناوين إبداعية متوهجة وجديدة على تاريخ الأدب العربي ومن مختلف مجالات الحياة، من التراث ومن الواقع المعيش ومن الطبيعة يتقاطع فيها اللفظ البسيط مع المعنى العميق ليشكلان معا شعرية الغموض التي تُعد من القيم الفنية الحداثية في الأدب المعاصر .كديوان أُنسي الحاج " لــنْ " (1960) و " الســؤال " (1979)لـ :غالب هلسا ،ورواية " المُتشـائل " (1980) لإميل حبيبي والذي نحته من كلمتين هما : المتشائم والمتفائل ، ورواية " عــــو000 " (1988) لإبراهيم نصرالله و " محاولة عيش " (1985) لـ: محمد زفزاف ،ومن الجزائر نذكر القاص سعيد بوطاجين " ما حدث لي غدا" (2002) و رواية " العشق المقدنس " (2014) لعزالدين جلاوجي والتي جمع فيها بين كلمتين المقدس والمدنس وقائمة الإبداع لا تنضب ،هذه العناوين وغيرها صيغت في إطار حركة التجديد التي صارت قدرا محتوما على المبدعين ومن جهة أخرى لمواكبة المقروئية وحاجاتها المتجددة .
ولأن الرواية هي تصوير للحظة الآنية وتأريخها في نفس الوقت فإن ملاحقة هذه اللحظات في سياقها التاريخي هي مهمة يضطلع بها الروائي الملتزم بقضايا مجتمعه ، ومن هنا يأتي التجريب كظاهرة حتمية تقتضيها طبيعة العمل الروائي ،ويعدّ الروائي واسيني الأعرج من أكثر النماذج الروائية الجزائرية ممارسة لعملية التجريب بعد جيل التأسيس ،فالتحولات العميقة التي شهدتها الجزائر بعد الاستقلال ،انعكست مظاهرها على الحياة العامة بفضل الاختيار الاشتراكي الذي انتهجته المؤسسة السياسية المستقلة ،والمساندة لطبقة العمال والفلاحين التي عانت كثيرا من حيف الاستعمار .
لكن ما لبث الأمر أن اهتزت الجزائر في التسعينيات من القرن الماضي ودخلت في نفق مظلم اصطلح على تسميته بالعشرية السوداء كان فيها العنف هو سيد الموقف ، اختلّت فيها مظاهر الحياة السياسية والاجتماعية ،وكان المثقف والمبدع في عين العاصفة فاستجابت الرواية الوسينيّة للجزائر الجريحة وانبثقت عنها رواية " شرفات بحر الشمال " (2001) التي تصور مظاهر الموت والقتل الأعمى الذي أطال كل الجزائريين في تلك الحقبة .وكأن الرجل راح يبحث في متاهات التاريخ من ينقذ الجزائر من أبنائها فاهتدى لشخصية الأمير عبد القادر(1807-1983) من خلال استرجاع السرد التاريخي الموشّح بالتراث الذي تبلور في " كتاب الأمير مسالك أبواب الحديد " (2005) وقد يكون هذا الكتاب قد فتح شهية الكاتب في البحث والتنقيب عن السرد التراثي ومنابعه التاريخية الجميلة ليجد نفسه أمام باب الجغرافيا الحزينة والصورة الضائعة ، في بلاد الأندلس التي أيقظت مُخيّلة الكاتب الموريسكية في رواية "البيت الأندلسي " (2010) ، ولأن غريزة التجديد متأصلة في نفس الكاتب وصفة ملازمة لشخصيته الإبداعية طوال مساره التجريبي ،وبعد رحلة طويلة في عالم الكتابة والتجريب انتهى به المطاف إلى رواية " سيرة المنتهى : عشتها..كما اشتهتني " (2014) وكأنها تتماثل إيقاعيا مع سدرة المنتهى ، وفيها تظهر سطوة الذاكرة حيث أمعن الكاتب في الحفر بعمق باتجاه " الأنـا " وجذورها التاريخية الأصيلة .تألقت فيها لغة سردية مبتكرة في أسلوب الكتابة " الرواية السّيرية " واختار لها الكاتب أن تكون سيرة في قالب روائي جميل ،فيها كثير من التجليات والأسئلة المنبثقة من تجربتة ككاتب في الحياة والإبداع بشيء من الحنين والانجذاب إلى الماضي المتألق انطلاقا من الحاضر المتهالك ولعل هذا التنوع في الأشكال والانتقال في الموضوعات هو من صميم المدرسة الجديدة التي اختار وسيني الأعرج أن ينتسب إليها وهي مدرسة لا تعترف بالاستقرار على شكل واحد بل القاعدة عندها هي اللاّقاعدة .










الإحالات:
(1) (صاحب زينب محمد حسين هيكل،د .سيد نوفل ،الهلال ،مجلة شهرية تصدر عن دار الهلال ،العدد :05 ، مصر1972 ،ص 25 )
(2) Pierre-LouisREY, leRoman,Ed Hachette, Paris ;1992, P :63)
(3) Philipe Legeune ,L Autobiographie en France,librairie) ArmadColin ,1971,P :14)
(4) ( عبد الرحمان صدقي ، سارة العقاد ، مولدها ،قضاياها ، مكانها من فن القصة ، م س،ص91)
(5) (Philippe Le jeune ,le pacte autobiographique,Collection poètique ,Editions du Seuil,1975 P :23)
(6) jean STAROBINSKI, le style de l autobiographie ,in Loeil vivant 2 –la relation critique , Paris 1970 P : 84))
(7) (المازني .. ساخرا، نصر الدين عبد اللطيف ،م س ،ص112 )
(8) (ينظر : روجر آلـن ،الرواية العربية مقدمة تاريخية ونقدية ،ترجمة وتحقيق حصة منيف ،المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت 1986 ،ص 70)
(9) (ينظر : م س ،ص68)
(10) ( د .فيصل دراج ،نظرية الرواية والرواية العربية ، المركز الثقافي العربي ، الدارالبيضاء 1999 ص 144)
(11) (عبد العزيز بوباكير ،الأدب الجزائري في مرآة استشراقية دار القصبة للنشر،الجزائر2002 ص16
(12) (عبد العزيز ضويو ،التجريب في الرواية العربية المعاصرة، عالم الكتب الحديث ، الأردن 2014 ص5)
(13) (عبد العزيز ضويو، م س ،ص219)
(14) Seuils ; G,Genette ;Ed ;Seuil ;Paris1987 P :73
(15) .( ينظر : بشرى البستاني ،قراءات في النص الشعري الحديث ،الجزائر2002 ،ص 33)

نشر في الموقع بتاريخ : الأحد 6 جمادى الثاني 1438هـ الموافق لـ : 2017-03-05



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

رابح بلطرش وحديث للاذعة الثقافية موعد للنقاش

موعد للنقاش الاعداد : رشيد صالحي

مواضيع سابقة
مشاهد قبيل الشهادة...عفوًا أيّها الشهداء
الشاعر : الشاعر عامر شارف / بسكرة .
 مشاهد قبيل الشهادة...عفوًا أيّها الشهداء


وداعـــــا يا حـــــراس الجـــــزائر : تــعـــــــــــــزية تحطم الطائرة العسكرية ببوفاريك
بقلم : السننية للدراسات الحضارية
وداعـــــا يا حـــــراس الجـــــزائر : تــعـــــــــــــزية تحطم الطائرة العسكرية ببوفاريك


عودة الجدل حول قضية "إمامة المرأة" !! توظيف غربي لإلهائنا عن قضايانا المصيرية
بقلم : محمد مصطفى حابس: جنيف/ سويسرا
 عودة الجدل حول قضية


حوار مع الكاتب والشاعر والاعلامي صابر حجازي اجرته ابتسام حياصات
بمشاركة : صابر حجازي
حوار مع الكاتب والشاعر والاعلامي صابر حجازي اجرته ابتسام حياصات


زنابق الحكاية الحزينة ...
بقلم : سميرة بولمية
زنابق الحكاية الحزينة  ...


حفريات دلالية في كتاب " الفلسفة و البلاغة .. مقاربة حجاجية للخطاب الفلسفي " لــدكتور عمارة ناصر
بقلم : أ/ فضيلة عبدالكريم
حفريات  دلالية في  كتاب


سرمدي
بقلم : بهيجة البقالي القاسمي
سرمدي


اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى يحييّ ذكرى يوم العلم
بقلم : سعدية حلوة / عبير البحر
اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى يحييّ ذكرى يوم العلم


المقامرة الباسكالیة
بقلم : نبيل عودة
المقامرة الباسكالیة


قصائد للوطن(قصيرة)
الشاعر : حسين عبروس
قصائد للوطن(قصيرة)




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1439هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com