أصوات الشمال
الاثنين 15 جمادى الأول 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * ما يجب أن يكون للنهوض بالمجتمعات العربية   *  قراءة أولى في القصيدة الفائزة في "المنارة الشعرية في وصف جامع الجزائر الأعظم"   *  للبرد صهيل الأوسمة.   * رحلة المشتهى او حفر في صورة "العشيقان" .......نقد د.حمام محمد زهير   * وللنساء جنون آخر   * محافل الثقافة العربية بين قلق الرّسالة وشحّ الدعم /حوار مع الشاعر والكاتب التونسي خالد الكبير    * المبدع عزالدين شنيقي ابن سكيكدة يصدر رواية "الانهيار"   * أمثال عربية أندلسية   * الثقافة الجماهيرية وقيادة شراع الإعلام الاجتماعي   * العولمة وتأثيرها على الرياضة في الوطن العربي    * رواية العزلة .للكاتب خالد الهواري   * يناير والانتقال الضروري من الطابع الفولكلوري إلى البحث العلمي:   *  إشكالية الـحب في الـحياة الـفكرية والروحية في الإسلام    * في أصل الامازيغ..عودة لتاريخ الكنعانيين واساطيرهم   * lما يمكن لرواية أن تفعله بك   * مشكلة الأمازيغية: اللغة والثقافة والهوية   * حوار مع لاعب وفاق سطيف قدور شايب ذراع ( علي حداد)   * في الحزن الباعث على الموت و الحزن الباعث على الحياة   * " أصداء مجاورة الموتى" زجليات التقنّع بالخطاب الصّوفي   * رحلة الى المشتهى    أرسل مشاركتك
قراءة في قصيدة لمرة واحدة للشاعر أدونيس
بقلم : لكناوي عدنان/جامعة سوق أهراس
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 1888 مرة ]
لمرة واحدة

لا جدال في أنَّ إنتاج أدونيس الإبداعي- أدبيا كان أم نقديا، فكريا أم فنيا- أثار زوبعة ثقافية أنتجت ضروبا مغايرة من الأحاسيس و الإنفعالات والتعليقات؛ فأدونيس شاعر الرفض والتَّمرد اتخذ المفاهيم الجدلية محورا لمادته، وقام بخرق المعايير السائدة من خلال ثورته على النمطية و التماثل. كرّس أدونيس اللّغة و طوَّعها لتحريك الثوابت وخلخلتها، ولم يكتفي بهذا فحسب بل جعل منها طريق البحث عن الوجود.

لست متشائماً. أنا ثائر على كل شيء، والمتشائم لا يكون ثائراً بل يكون منهزماً. وأنا القائل: يرق لي تمردي فأشتهي تمرداً حتى على التمرد.
أدونيس

لا جدال في أنَّ إنتاج أدونيس الإبداعي- أدبيا كان أم نقديا، فكريا أم فنيا- أثار زوبعة ثقافية أنتجت ضروبا مغايرة من الأحاسيس و الإنفعالات والتعليقات؛ فأدونيس شاعر الرفض والتَّمرد اتخذ المفاهيم الجدلية محورا لمادته، وقام بخرق المعايير السائدة من خلال ثورته على النمطية و التماثل. كرّس أدونيس اللّغة و طوَّعها لتحريك الثوابت وخلخلتها، ولم يكتفي بهذا فحسب بل جعل منها طريق البحث عن الوجود.

نص القصيدة:
لمرة واحدة
لمرَّةٍ واحدةٍ لمرةٍ أخيره
أحلم أن أسقط في المكانْ-
أعيش في جزيرة الألوانْ
أعيش كالإنسانْ
أصالح الآلهة العمياء والآلهة البصيرة
لمرَّةٍ أخيره.

(أدونيس، أغاني مهيار الدمشقي وقصائد أخرى، دار المدى للثقافة والنشر، دمشق، سوريا، 1996،ص 220.)

نسعى على امتداد هذه الورقة محاورة القصيدة ومقاربة فضاءتها المعتمة، وليس فضّ أغلاق النص والوصول إلى ضوالّه غاية في ذاتها.
يعدُّ العنوان مرتكزا أساسيا في قراءة الشعر الحديث والمعاصر، باعتباره نصا موازيا للقصيدة. ونظراً لما يحمله من دلالات تعبيرية و إيحائية؛ فقد أصبح يجسّد السند الأول لسبر أغوار النص وولوج تلابيبه.
عند الرجوع إلى قصيدة "لمرة واحدة" نجد العنوان يتركب من ألفاظ ثلاثة: اللام + مرة + واحدة، لفظة "مرة" تحمل دلالة الحدوث و التجربة والفرصة..وعندما تتصل بــ"واحدة" تفيد الرغبة الجامحة و التوسل والفشل السابق ...إنَّ الجمع بين المفردتين يضعنا أمام أفقٍ شاسعٍ للتأويلات والدلالات، ففي ظلّ غياب الفعل المشكل للحركة، تعبرُّ الأسماء عن سكون زمني شكَّلته لغة تأبى الحركة و تسخر من الآني.
من الجانب التركيبي يضعنا العنوان في إشكال البحث عن تتمة مكمِّلة له، ثم التساؤل عَمَّن يكون هذا المخاطَب المفترض الذي ترجى مرة واحدة منه، هذا ما يجعلنا نستنجد بالنص، فهل سنتمكن من معرفة المرة التي يتحدث عنها الشاعر؟ من هنا نحاول تلمُّس المعنى في الخطاب النصي.
بمحاولة تتبع المكوّن العنواني داخل القصيدة، نلاحظ أنه ذكر مع بداية القصيدة مرتبطا بـ:مرة أخيرة
"لمرَّةٍ واحدةٍ لمرةٍ أخيره"
يواصل الشاعر تغييب الفعل وإقصاء التحول، معبّرا بهذه الإضافة"لمرة أخيره"عن انكسارات الذات ورغبتها الطافحة في الحصول على الفرصة، ويبقى الإبهام يلفُّ هذه "المرة" التي قيَّدت اللحظة الآنية وأجَّلَت الحركية والانتقال، إذ تشظي الذات وهوسها بالبحث المستمر جعلاها تقبع في منفى الزمن الثابت.
أحلم أن أسقط في المكانْ-
أعيش في جزيرة الألوان
تلوح لحظة التحوّل ليمارس الشاعر تمرُّدا على اللغة/الذات، من خلال تفعيل الحركية رافضاً السير الأفقي للحرف، وتحدّد الأنا وجودها بتجلّي الفعلين"أحلم"و"أعيش" ، كما تظهر غربتها منعكسة في انفلات الحلم المصرًّح به "أن أسقط في المكان" هذا الحلم الذي يقرُّ نسبية التحرر، وقد يكون "المكانْ" " جزيرة الألوان" مكاناً يوتوبيّاً مطلق التكوين غائبا عن النفس وهو ما تبحث عنه باستمرار.
أعيش كالإنسانْ
أصالح الآلهة العمياء والآلهة البصيرة
لمرَّةٍ أخيره.
تستمر الذات الشاعرة بفرض وجودها المتصدع، حيث يضمحل التماثل وتتعثر الهوية، فحين يبرز التشبيه "كالإنسان" يحيلنا النص إلى كينونة ممزقة تفتقر إلى الكمال.
في خضم اليأس، رضخت اللغة في لحظات مشتتة لتصير بوحاً في وجه الوجع اللانهائي المتعلق بالعلاقة الأزلية بين الإنسان والآلهة بشقيها "العمياء" و"البصيرة"، فتنقل شهوة الألم "أصالح الآلهة" ومنها يحاول أدونيس تحطيم المسافة بين عالم المادة وعالم الغيب.
و في الأخير تستلم اللغة القديمة مركزيتها؛ بعد أن دام التغيير مدة وجيزة فتعاود الظهور في قوله: " لمرَّةٍ أخيره" ويواصل وجع الشاعر مختبئا في ثنايا اللغة.
تعد تجربة أدونيس في ديوانه "أغاني مهيار الدمشقي" تجربة فريدة استطاعت أن تعكس واقع الإنسان المعاصر،تمزقاته،توتره، وبحثه الدائم عن الحرية، فجاءت قصائده مساءلة مشرعة في وجه المجهول، وبفضل فلسفته الفذة و طاقته الخيالية في التقويض والتركيب تمكن من خرق المُسَلّمات وأسهم بلورة وعي أدبي مغاير.

نشر في الموقع بتاريخ : السبت 5 جمادى الثاني 1438هـ الموافق لـ : 2017-03-04



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

مواعيد ثقافية " رؤى "

برنامج " رؤى " مع الاعلامية غنية سيد عثمان

اصوات الشمال
مواضيع سابقة
الثقافة الجماهيرية وقيادة شراع الإعلام الاجتماعي
بقلم : د. سكينة العابد
الثقافة الجماهيرية وقيادة شراع الإعلام الاجتماعي


العولمة وتأثيرها على الرياضة في الوطن العربي
بقلم : نعمان عبد الغني
العولمة  وتأثيرها على الرياضة في الوطن العربي


رواية العزلة .للكاتب خالد الهواري
بقلم : ايمن بدر . صحفي مهاجر في النرويج
رواية العزلة .للكاتب خالد الهواري


يناير والانتقال الضروري من الطابع الفولكلوري إلى البحث العلمي:
بقلم : نورالدين برقادي
يناير والانتقال الضروري من الطابع الفولكلوري إلى البحث العلمي:


إشكالية الـحب في الـحياة الـفكرية والروحية في الإسلام
الدكتور : محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة
        إشكالية الـحب في الـحياة الـفكرية والروحية في الإسلام


في أصل الامازيغ..عودة لتاريخ الكنعانيين واساطيرهم
الدكتور : وليد بوعديلة
في أصل الامازيغ..عودة لتاريخ الكنعانيين واساطيرهم


lما يمكن لرواية أن تفعله بك
بقلم : جميلة طلباوي
lما يمكن لرواية أن تفعله بك


مشكلة الأمازيغية: اللغة والثقافة والهوية
بقلم : أ.د.أحمد زغب
مشكلة الأمازيغية: اللغة والثقافة والهوية


حوار مع لاعب وفاق سطيف قدور شايب ذراع ( علي حداد)
بقلم : حاوره: البشير بوكثير
حوار مع لاعب وفاق سطيف قدور شايب ذراع ( علي حداد)


في الحزن الباعث على الموت و الحزن الباعث على الحياة
بقلم : حمزة بلحاج صالح
في الحزن الباعث على الموت و الحزن الباعث على الحياة




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2019م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com