أصوات الشمال
الأحد 9 ربيع الثاني 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * تراتيل الفجر   * أحزان وأحلام متكسرة - قراءة في ديواني تميم صائب (حزن الجواد المتعب وحزة السكين)   * من دفتر الذكريات    * الكتابةُ لحظة ُوعْيٍ..   * مع الروائي الشاب أسامة تايب    * اتحاد كتاب فرع سيدي عيسى و النادي الأدبي يذكران بأحداث 11ديسمبر    * الدكتور الأنيق لا يضرب إلّا بالهراوات، أحمد سليمان العمري   * حوار خاص مع الشاعرة الفلسطينية هيام مصطفى قبلان   * النخبة تسترجع الأيام الذهبية لإتحاد الكتاب الجزائريين في ذكرى رحيل الأديب مصطفى نطور    * في الثقافة الجزائرية في القرن العشرين   * مثل الروح لا تُرى   * اليلة   * في وداع المربية المرحومة أميرة قرمان - حصري    * سطوة العشق في اغتيال الورد   * ما يمكن لرواية أن تفعله بك   * اتحاد كتاب بسكرة يوقّع: لقاء ثقافي مع النّاقد والدّبلوماسي إبراهيم رمّاني   * الدّراسات الثّقافية ..والنّقد الثّقافي بين..مالك بن نبي والغذّامي..   * فلسطينيون: لا نريد شيئا سوى أن نحظى بفرصة العيش في سلام   * ملامح من ديوان مزيدا من الحب للشاعر عبد العلي مزغيش   *  احتفاءٌ بعالم...مآثرٌ تُنشر، ومفاخرٌ تُذكر    أرسل مشاركتك
شعرية أرسطو في كتاب (فن الشعر)
بقلم : الأستاذة وردية الجاصة جامعة سطيف 2
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 3789 مرة ]
وردية الجاصة

ظهرت الشعرية في العصر الحديث كمصطلح عند رومان جاكبسون، الذي جعلها إحدى وظائف الاتصال الست، فـ"استهداف الرسالة بوصفها رسالة والتركيز على الرسالة لحسابها الخاص هو ما يطبع الوظيفة الشعرية للغة" ، لكن قصة الشعرية تعود إلى ما قبل الميلاد، إذ يعد كتاب أرسطو «فن الشعر» أقدم كتاب يذكر هذا المصطلح، وقد كان مرجعا أساسيا للنقاد الغربيين في تقعيدهم للشعرية.

الشعرية لغة هي تعريب للمصطلح الفرنسي poétique، الذي يرجع بدوره إلى الكلمة اللاتينية (peotica)، المشتقة من الكلمة الإغريقية (poiètikos) بمعنى كل ما هو مبتدع، مبتكر وخلاق، وكل ذلك مشتق من الفعل الإغريقي (poiein) بمعنى: فعل أو صنع « Faire » " . وبهذا تتقاطع الدلالة اللغوية للشعرية مع الدلالة الاصطلاحية التي وصلت إليها في النقد المعاصر؛ فلم تعد الشعرية تقتصر على الشعر بل تجاوزته إلى النثر، و"اتسعت لتشمل فنونا إبداعية أخرى منها الفن التشكيلي والفن السينمائي" ، لتضم كل ما يتضمن إبداعا وخلقا. أما فيما يخص الترجمة، فقد تعددت المرادفات المقابلة لمصطلحpoétique ما بين: الشعرية، الشاعرية، الشعريات، فن الشعر، الشعرانية... لكن الترجمة الرائجة عند معظم النقاد هي "الشعرية" رغم ما يثيره هذا المصطلح من تمويه خاصة بالنسبة للباحث المبتدئ؛ الذي يتوه أحيانا بين هذا المصطلح وبين اللفظة من حيث كونها مجرد نسبة لـ: الشعر.
ففي كتاب (فن الشعر) يتعرض أرسطو إلى طبيعة الفن، حيث تكمن قيمة العرض الأرسطي في محاولة وضع قوانين للفن " طبقا لعرض استدلالي من تحديد مبادئ أولية عامة ومن ثم التدرج نحو جزئيات الموضوع" حيث تكلم عن الفن عامة وكيفية نشأته ثم شرع بدراسة كل نوع منه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد اعتمد على منهج استقرائي؛ ذلك أنه "ينتقل من وقائع أدبية وينتهي بقوانين مستنبطة من تلك الوقائع" . والشعرية في كتابه هي بحثه عن القوانين التي تنتظم جنسين أدبيين على وجه الخصوص هما: التراجيديا والملحمة.
بداية يفسر أرسطو نشأة الأدب برده إلى المحاكاة، وهو في ذلك يعتمد على المحاكاة التي جاء بها أفلاطون لكن بعيدا عن عالم المثل؛ فمحاكاة أرسطو تتخذ من الواقع مرجعا لها؛ فهي" هنا مكتسبة معنى أرسطيا جديدا، يجعل العملية الشعرية ليست مجرد نسخ ونقل حرفي، وإنما هي رؤية إبداعية، يستطيع الشاعر بمقتضاها أن يخلق عملا جديدا من مادة الحياة والواقع، طبقا لما كان، أو لما هو كائن، أو لما يمكن أن يكون." ويجعل أرسطو المحاكاة خصيصة فطرية إنسانية يتعلم عن طريقها الإنسان سائر الأشياء حيث يقول: "فالمحاكاة فطرية، ويرثها الإنسان منذ طفولته ويفترق الإنسان عن سائر الأحياء في أنه أكثرها استعدادا للمحاكاة، وبأنه يتعلم عن طريقها معارفه الأولى" ، هذا بالإضافة إلى كون عملية المحاكاة متعة يشعر بها الإنسان ويتعلم عبرها؛ فقد ينفر من منظر واقعي بشع، لكنه قد يستمتع بالمنظر نفسه إذا رآه محاكيا في عمل فني ما.
كما يفسر أرسطو من ناحية أخرى نشأة الفنون الأدبية، وهو يرى أن نشأة التراجيديا تعود إلى الملحمة وشعر الديثرامب، والكوميديا تعود إلى شعر الأهاجي "فذووا الطباع الجدية الرزينة، حاكوا الأفعال النبيلة، وأعمال الأشخاص الأفاضل، بينما حاكى أصحاب الطباع المتضعة أو العادية أفعال الأردياء، فأنشأوا الأهاجي في البداية، في حين أنشأ ذوو الطباع الجدية الترانيم الإلهية، والمدائح لمشهوري الرجال" والمقصود بالترانيم الإلهية الديثرمبي، وبالمدائح الملحمة.
ويبدأ أرسطو دراسته للفن أو الإبداع بتقسيمه إلى"الشعر الملحمي والتراجيدي والكوميدي، والديثرمبي" هذا التقسيم الذي اعتمده النقد الغربي في تصنيفه للأجناس الأدبية والذي فهم فيه الديثرمبي بأنه الشعر الغنائي، غير أن الديثرمبي (الأنشودة المدحية) الذي يقصده أرسطو هو:"الأغنية الجماعية التي تنشد إكراما لديونيزوس" ؛ فعدم تناول أرسطو للشعر الغنائي، رغم وجوده في تلك الحقبة جعلهم يلجؤون إلى تفسير الديثرمبي بأنه الشعر الغنائي، حيث أقحم " في كتاب أرسطو عنوة وذلك بتفسير الأنشودة المدحية، بوصفها مثالا للجنس الغنائي، وقد حدث هذا الإدماج على يد كتاب القرن الثامن عشر، ولاسيما القس باتو" ، هذا الأمر الذي فنده النقد المعاصر. فيما يخص الشق الثاني من الدراما، ونقصد الكوميديا فإن عدم وجود دراسة مفصلة لها في كتاب «فن الشعر» قد فسر بضياع الجزء الخاص بها.
يعرف أرسطو الكوميديا بـ: "محاكاة لأشخاص أردياء، أي أقل منزلة من المستوى العام" والرداءة التي يقصدها أرسطو هي ذلك الجانب الناقص في الإنسان الذي لا يسبب عند رؤيته الشعور بالألم، وإنما يثير الضحك. أما فيما يخص التراجيديا فيرى بأنها: "محاكاة لفعل جاد، تام في ذاته، له طول معين، في لغة ممتعة لأنها مشفوعة بكل نوع من أنواع التزيين الفني. كل نوع منها يمكن أن يرد على انفراد في أجزاء المسرحية، وتتم هذه المحاكاة في شكل درامي، لا في شكل سردي، وبأحداث تثير الشفقة والخوف، وبذلك يحدث التطهير" أما عناصر التراجيديا فتتمثل "فضلا عن الأشخاص الذين يعملون أمامنا، بالمنظر المسرحي والنشيد أو الموسيقى وتركيب الأوزان الذي يسميه أرسطو (المقولة). وتتصل هذه الأجزاء بالتمثيل المسرحي، فهي أجزاء خارجية، فيما تتعلق الأجزاء الداخلية بالمؤلفين وهي الخرافة والأخلاق والفكر" . أما القسم الآخر من الكتاب فيعرض للملحمة التي "تتفق في أجزائها مع المأساة باستثناء الموسيقى أو (النشيد) والمنظر المسرحي، وتختلف كذلك عن المأساة في طولها ووزنها" .
وبعد بسط أرسطو لماهية التراجيديا والملحمة وعرضه قواعدهما، يخلص في نهاية المطاف إلى أن" التراجيديا تتفوق على الملحمة من كل الوجوه، بالإضافة إلى أنها تحقق وظيفتها الشعرية[....]فإنه يصبح من البين، أن التراجيديا تعد أسمى شكل فني لأنها تبلغ غايتها على نحو أفضل من الملحمة" . فعناصر التراجيديا برأي أرسطو تحتوي الملحمة وتزيد عليها بالمؤثرات البصرية، على الرغم من إمكانية إحداثها الأثر نفسه قراءة فحسب دون تمثيل.
لا شك أن المفاهيم التي جاء بها أرسطو كانت أساسا مهما للنقد الغربي المعاصر، كما أنها كانت ذات تأثير حاسم حتى في الدراسات النقدية العربية بالنسبة للفلاسفة المسلمين: الفرابي، ابن سينا، ابن رشد. وخاصة عند حازم القرطاجني فيما يتصل بمفهومي المحاكاة والتخييل.

نشر في الموقع بتاريخ : الجمعة 27 جمادى الأول 1438هـ الموافق لـ : 2017-02-24

التعليقات
طارق عاشوري
 شكرا على هذه القراءة القيمة لبعض فكر أرسطو الشعري، وسأعقب على النقطة الأخيرة التي تخص حازم القرطاجني.
نحن نعرف أن هذا الفكر قد شكل مصدرا لا يستهان به للقراءات البلاغية العربية منها والغربية الحديثة، ولا شك أن حازما القرطاجني قد استعان ببعض جزئيات الفكر الأرسطي الشعري ولا سيما في مصطلحي التخييل والمحاكاة إن من قراءات أرسطو أو ممن سبق حازما من أمثال ابن سينا والجرجاني وغيرهم. غير أنه استعانته تلك لم تبقه حبيس المنهج الأرسطي بل الأمر كما قال الإمام العزاوي في مقاله (إشكال التخييل والإقناع في بلاغة حازم القرطاجني): "نجد حازما يسعى أن يؤطر مشروعه البلاغي ضمن المعالجة الفلسفية أو المنطقية لبلاغة الشعر أو بناء نظريته، كما تجلت عند أرسطو في كتابيه الشعر والخطابة، وعند الفيلسوفين المسلمين الفارابي وابن سينا، بل اعتبر حازم عمله تتمة لعمل المعلم الأول (أرسطو)، وتلبية لحلم وطموح ابن سينا، ففي نظر حازم أن الشعر جنس أدبي يحمل خاصية ثابتة عند كل الأمم وهي التخييل أو المحاكاة، ولكن تجليات التخييل وتحققاته الفعلية في الإنجاز الشعري تختلف من أمة إلى أخرى، وقد تتباين من عصر إلى آخر، وقد استطاع المعلم الأول أن يكشف طبيعة المحاكاة الشعرية وقضاياها في الشعر اليوناني، إلا أن عدم اطلاعه على الشعر العربي جعل نظريته حول الشعر قاصرة، ولهذا وجب تمديدها وإثراؤها لتشمل الشعر العربي.."
أتمنى أني لم أحد عن الموضوع والشكر لك موصول أولا على الإفادة التي أتمنى أن لا تنقطع. 


طارق عاشوري
 شكرا على هذه القراءة القيمة لبعض فكر أرسطو الشعري، وسأعقب على النقطة الأخيرة التي تخص حازم القرطاجني.
نحن نعرف أن هذا الفكر قد شكل مصدرا لا يستهان به للقراءات البلاغية العربية منها والغربية الحديثة، ولا شك أن حازما القرطاجني قد استعان ببعض جزئيات الفكر الأرسطي الشعري ولا سيما في مصطلحي التخييل والمحاكاة إن من قراءات أرسطو أو ممن سبق حازما من أمثال ابن سينا والجرجاني وغيرهم. غير أنه استعانته تلك لم تبقه حبيس المنهج الأرسطي بل الأمر كما قال الإمام العزاوي في مقاله (إشكال التخييل والإقناع في بلاغة حازم القرطاجني): "نجد حازما يسعى أن يؤطر مشروعه البلاغي ضمن المعالجة الفلسفية أو المنطقية لبلاغة الشعر أو بناء نظريته، كما تجلت عند أرسطو في كتابيه الشعر والخطابة، وعند الفيلسوفين المسلمين الفارابي وابن سينا، بل اعتبر حازم عمله تتمة لعمل المعلم الأول (أرسطو)، وتلبية لحلم وطموح ابن سينا، ففي نظر حازم أن الشعر جنس أدبي يحمل خاصية ثابتة عند كل الأمم وهي التخييل أو المحاكاة، ولكن تجليات التخييل وتحققاته الفعلية في الإنجاز الشعري تختلف من أمة إلى أخرى، وقد تتباين من عصر إلى آخر، وقد استطاع المعلم الأول أن يكشف طبيعة المحاكاة الشعرية وقضاياها في الشعر اليوناني، إلا أن عدم اطلاعه على الشعر العربي جعل نظريته حول الشعر قاصرة، ولهذا وجب تمديدها وإثراؤها لتشمل الشعر العربي.."
أتمنى أني لم أحد عن الموضوع والشكر لك موصول أولا على الإفادة التي أتمنى أن لا تنقطع. 


وردية الجاصة
 لكم جزيل الشكر على قراءتكم المتفحصة للمقال، وهو بالفعل مثلما تفضلتم به حول حازم القرطاجني، فهو وان كان قد وظف مصطلحي المحاكاة والتخييل الارسطيين، فإنه قد أسبغ عليهما الطابع النقدي العام،الذي جعل نظريته تتجاوز المقاربات النقدية العربية السابقة، تلك التي تتعلق بالمفاضلة البلاغية بين الشعراء، الى بناء نظرية أدبية محكمة خاصة بالخطاب من الناحية العقلية... واحيطكم علما انه لدي دراسة مستفيضة حول حازم القرطاجني.. سعدت كثيرا بقراءة تعقيبكم ، شكرا 




أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

مواعيد ثقافية " رؤى "

برنامج " رؤى " مع الاعلامية غنية سيد عثمان

اصوات الشمال
مواضيع سابقة
حوار خاص مع الشاعرة الفلسطينية هيام مصطفى قبلان
حاورها : عبدالكريم القيشوري
حوار خاص مع الشاعرة الفلسطينية هيام مصطفى قبلان


النخبة تسترجع الأيام الذهبية لإتحاد الكتاب الجزائريين في ذكرى رحيل الأديب مصطفى نطور
بقلم : علجية عيش
النخبة تسترجع الأيام الذهبية لإتحاد الكتاب الجزائريين في ذكرى رحيل الأديب مصطفى نطور


في الثقافة الجزائرية في القرن العشرين
بقلم : إبراهيم مشارة
في  الثقافة الجزائرية في القرن العشرين


مثل الروح لا تُرى
بقلم : الدكتور/ محمد سعيد المخلافي
مثل الروح لا تُرى


اليلة
بقلم : أ/عبد القادر صيد
اليلة


في وداع المربية المرحومة أميرة قرمان - حصري
بقلم : شاكر فريد حسن
في وداع المربية المرحومة أميرة قرمان - حصري


سطوة العشق في اغتيال الورد
الدكتور : حمام محمد زهير
سطوة العشق في اغتيال الورد


ما يمكن لرواية أن تفعله بك
بقلم : جميلة طلباوي
ما يمكن لرواية أن تفعله بك


اتحاد كتاب بسكرة يوقّع: لقاء ثقافي مع النّاقد والدّبلوماسي إبراهيم رمّاني
بقلم : عبد الله لالي
اتحاد كتاب بسكرة يوقّع: لقاء ثقافي مع النّاقد والدّبلوماسي إبراهيم رمّاني


الدّراسات الثّقافية ..والنّقد الثّقافي بين..مالك بن نبي والغذّامي..
بقلم : محمد جلول معروف
الدّراسات الثّقافية ..والنّقد الثّقافي بين..مالك بن نبي والغذّامي..




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com