أصوات الشمال
الجمعة 10 جمادى الثاني 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * إصدارات جديدة : هجرات سكان وادي سوف الى مدينة بسكرة خلال القرن العشرين   * إليها في عيد الحب    * حمية حب    * الحبّ في عقيدتنا    * ذكراك يا أبت   * العدد الخامس من بصمات الشعر الشعبي في ضيافة مريصان   * مسرحية الرئاسيات.. بمشاركة مئتي كومبارس !   * فقدنا شاعرنا خليل توما   * من تراثنا الثقافي كتاب إعراب الجمل للشيخ نور الدّين عبد القادر بن إبراهيم البسكري   * فضاء أينشتاين أمام قصرى..محاولة للربط بين الفيزياء واحساس الانسان   * كتاب " شعرية المعنى الجنائزي" للأديب المغربي احمد الشيخاوي   * محكمة الضمير / محاكمة الإستدمار الفرنسي على جرائم التجارب النووية بالجزائر / نص مسرحي   *  الحيل الدّفاعيّة عند سيغموند فرويد/ ((الإسقاط)).   * الشاعر اللبناني وديع سعادة يفوز بجائزة الأركانة العالمية للشعر.   * حضـن الـمـنصـورة    * الخرساء   * قراءة تحليلية لنص قصصي- نحت- للكاتب: جمال الدين خنفري   * من اغتال الأديب والمثقف العراقي علاء مجذوب    * ليلى والهاوية   * مالك بن نبي : رؤية أدبية    أرسل مشاركتك
قراءة في ديوان "قصائد من مدخنة القلب" للمبدع: عادل بلغيث
بقلم : د.عادل بوديار/ جامعة تبسة
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 1845 مرة ]
النقد إبداع

إن لحظة المكاشفة الشعرية التي يمارسها الشاعر هي إطلالة على الغياب الكامن في الحضور، لأنه ينفذ إلى ما وراء الظاهر العيني من أبعاد لا تراها العين التي لا تنشغل بالغياب ولا ترى الخفاء، فتتلبس الموجودات والمدركات بأبعادها الرمزية التي تملؤها حياة فتطفح بالخيالي الكامن فيها، مما يجعل من القصيدة الشعرية تعبيرا رمزيا يستمد دلالته من مجموعة من التجليات الشعرية المشحونة بالدلالات، والموشحة بالعلامات.

"قصائد من مدخنة القلب"، ديوان شعري للمبدع: عادل بلغيث، وهو أول عمل أدبي مطبوع للشاعر الشاب الطموح في درب الكلمة الشاعرة المعبرة، تضمن زفرات حارة نفثها قلبه الرقيق في سماء الوجع العربي، والوجد الوطني. والديوان بعتبة عنوانه "قصائد من مدخنة القلب" الذي تصدر الطبعة وسط الصفحة على الغلاف جاء بنسق لساني بلون أبيض ناصع، بدت فيه ألف المد في لفظتي "قصائد" و"القلب" وكأنها دخان أبيض ينبعث متراقصا ومترنحا من سيجارةٍ صاحبها أرخى الليل عليه سدولا ليبتلي، فسهر أرِقا يتحرق في انتظار فجر جديد يجلي همومه.
وأما خلفية صفحة الغلاف فتمثلت في لوحة فنية جميلة تكاد تنبض بالحياة، جمعت بين صورة دخان وصورة دم في تمازج وتناسق لوني متدرج من القتامة إلى الانفتاح يوحي بذلك الوجع الذي يعتصر الذات الشاعرة التي نزفت مشاعر وأحاسيس خضبت صفحة الفضاء أو الماء، وبدا ذلك الدم المتدفق من مدخنة القلب منتشرا على الصفحة يتلاشى دكنه في هدوء يغري على التأمل، وبدا وكأنه يغسل رماد اللحظة المتفلتة من عقال الهم الإنساني.
ويبدو أن الشاعر عادل بلغيث كان موفقا في اختيار لوحة غلاف ديوانه إذ يوحي اللون البني المائل إلى لون الحزن وهو يتماهى متراقصا، ومتماوجا، ومنفلتا، ومتحررة من قلق اللحظة، ثم هو ينتشر في فضاء الأمل بلون الحياة الذي يضارع لون الدم المنسكب في أوردة الحلم الشبابي الذي يتطلع إلى سماء الانعتاق من وطأة الواقع الأليم.
افتتح الديوان بمقدمة نثرية طويلة نوعا ما في ما يقارب ثلاث صفحات للأستاذ: عبد القادر رابحي، ميزها الجانب التنظيري الذي وظف اللغة الإبداعية توظيفا كاد يخرج بها إلى غياهب الفلسفة، ولكن هذه المقدمة لم ترق إلى مستوى المكنون المباح الذي زفر به قلب الشاعر المتيم بقضايا عصره، بل إن استفتاح المقدم بقوله:" الشاعر عادل بلغيث يعيد الإنسان إلى القصيدة وهو يتسلق مسالك العارفين" كان بعيدا كل البعد عن فهم الذات المبدعة للشاعر الذي راح يتمدد في مساحات شاسعة، ويتشظى في موضوعات جديدة، وينتشر بكل أريحية خارج التحجيم أو التصنيف أو الانتماء إلى فئة بعينها، قد تحشره كشاعر مبدع في زاوية تضيق به، فتحرمه حرية الانطلاق في الفضاء الشعري الرحب، وتكبح جماح شاعريته، وانتشاره في سماء القصيدة؛ لأن "مسالك العارفين" الذين تأسرهم لحظة التأمل، والحلول، لا تتناسب ومسالك الشعراء المبدعين الذين تراهم يوغلون في متاهات الهيام، ويسبحون في دياجي الخيال.
وبعيدا عن المقدمة وفوضى الانتصار لقصيدة النثر زفرت مدخنة قلب الشاعر الشاب ثلاثين زفرة حارة كانت شراراتها تومض بعلامات ذات دلالة موغلة في غياهب الأسى والانكسار، صاغهما في جمرتين رئيسيين هما: "شمس اللغة هي ذاتها قمر الإنسان الحزين"، و" لا أفهم الشمس إلا بالماء" وجعل شررا يتطاير من الجمرتين .. فعلى سبيل المثال نجد الشاعر في جمرة "شمس اللغة هي ذاتها قمر الإنسان الحزين" يشظيه العنوان في عدد من الشرر منها: "خبري"، و"بهاء الدين" و"في الجزائر"، و"شكري بلعيد" و"شيء من غزة"..
ويتساءل الشاعر في قصيدة "خبري" متى سيبدأ؟ ومتى سيكون كالنجم في سر المواقع؟" مضيئا وبعيد عن الأيدي الآثمة، وقريبا من الرؤى الحالمة، أو متى سيكون "كرؤى صبي ما بلغ الحلم بعد؟" يختصر الكون في حبة حلوى، ويمتد بآماله إلى غد مشرق تكبر معه الأحلام، وتتحقق، وتطيش، ويظل الشاعر يحمل أسفاره في رحلته المضنية بعيدا عن "قرية مكسورة القرميد" أضاء لها الفجر ففتحت عينيها على الليل البهيم فما أبصرت غير العمى.
ويبدو أن الشاعر في رحلة البحث هذه يستعذب مضناه الشقي فيحاول تفسير الأرضي بالسماوي، ويوظف عناصر الطبيعة في تجربته الشعرية، ويعطيها حق مشاركته أحاسيسه، وعواطفه، وآماله، وآلامه، فتحنو عليه بصنوبرة لها "حبٌ في العناقيد ليس ثمارا ولكن دواء" تقف كمنارة هادية للسحاب الذي يرسو على البيت العتيق، ويغدق ودقه، فيسقي "أخوة وجدت في الفلك القديم".. ويظل الشاعر يستنهض الطبيعة ويحمل شعره رسالة السلام الأبدي "مثل الضباء التي تعيش على حلم عشب طري" دائم الاخضرار والنمو، إنه في رحلته هذه يعشق قيلولة في أمان المدى" ويعدو وحيدا وئيدا وراء انعكاسات وتمدد ظل حلم في مساحات لا نهائية من الحزن الأبدي، حتى أن الزهرة الجميلة " تنبت بين الحياة والردى" ترتشف من نهر الدمع الجاري مرسلة جذورها في قلب الأرض، وتنشر عطرها في سماء الحقيقة التي سعى الشاعر إلى إدراكها في قصيدته لينتهي به المطاف إلى العودة من جديد إلى السؤال السرمدي الذي استعجمه منذ البداية " فيا خبرا اختبر ما اقول واخبر غدا"...

نشر في الموقع بتاريخ : الخميس 2 ربيع الأول 1438هـ الموافق لـ : 2016-12-01

التعليقات
السـعيد مـرابطي
 الـمحتــرم/ الـدكتـور عـادل بـوديار.

تحـية تليـق بـمقامكم المـبجل أزفهـا تقديرا لـجهدكم الـمتواصل في تنـوير الـقارئ وتتـبع مـا يقع بين يدكم من إنتـاج يستـحق الإطلالة والذكر. ذا أنت تدبج هذه الـمقالة الـنقدية في مقـاربة لافتة من حول هذا الديوان الـخصب إن فـي شـكله وإن فـي مـضمونه ،وذلك لـصاحبة الـشاعر الصديق / عـادل بـلغـيث / هـذا الـمسافر بـلـغتـه الـخصـبة إلى جـمرات الـرؤى وحلـيب الـجرس الـموسيقي الـنافذ في أشكـال من القصـائد الـمتنوعة في اللـون والـعمق، والـذي من خـلال مـقالكم ،يحلو لـي أن أســدي لـه تهـاني الـخالصة
وهـو يـقطع الـمسافة الـحرجة مـا بين ضـخ شـريانه في الـقصيد كتـابة وقــــارئه فــي عـالم الـورق..والـولوج لـسوق الـكتاب.
وأنا أرجـو لـه الـمزيد من التـطلع والإبداع كـمبدع مثقف ونـاضج الـمدارك.

شـكراعـلى هـذا البـهاء الـنابض تـحت سن قـلمكم الأكاديـمي.
هـامش/
تمـنيت لـو رافق مـقالكم صـورة الـمجموعة الـشعـرية
" قـصائد من مـدخنة الـقلب".

 




أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

مواعيد ثقافية " رؤى "

برنامج " رؤى " مع الاعلامية غنية سيد عثمان

اصوات الشمال
مواضيع سابقة
من تراثنا الثقافي كتاب إعراب الجمل للشيخ نور الدّين عبد القادر بن إبراهيم البسكري
بقلم : محمد بسكر
من تراثنا الثقافي  كتاب إعراب الجمل   للشيخ نور الدّين عبد القادر بن إبراهيم البسكري


فضاء أينشتاين أمام قصرى..محاولة للربط بين الفيزياء واحساس الانسان
بقلم : ابراهيم امين مؤمن
فضاء أينشتاين أمام قصرى..محاولة للربط بين الفيزياء واحساس الانسان


كتاب " شعرية المعنى الجنائزي" للأديب المغربي احمد الشيخاوي
بقلم : الشاعروالناقد المغربي احمد الشيخاوي
كتاب


محكمة الضمير / محاكمة الإستدمار الفرنسي على جرائم التجارب النووية بالجزائر / نص مسرحي
بقلم : العقيد بن دحو / ادرار / الجزائر
محكمة الضمير / محاكمة الإستدمار الفرنسي على جرائم التجارب النووية بالجزائر / نص مسرحي


الحيل الدّفاعيّة عند سيغموند فرويد/ ((الإسقاط)).
بقلم : فضيلة زياية ( الخنساء).
                 الحيل الدّفاعيّة عند سيغموند فرويد/ ((الإسقاط)).


الشاعر اللبناني وديع سعادة يفوز بجائزة الأركانة العالمية للشعر.
بقلم : القاص/الإعلامي عبدالكريم القيشوري
الشاعر اللبناني وديع سعادة يفوز بجائزة الأركانة العالمية للشعر.


حضـن الـمـنصـورة
بقلم : د. أحمد الخميسي
حضـن الـمـنصـورة


الخرساء
بقلم : سعدية حلوة - عبير البحر
الخرساء


قراءة تحليلية لنص قصصي- نحت- للكاتب: جمال الدين خنفري
بقلم : طالب ديوب
قراءة تحليلية لنص قصصي- نحت- للكاتب: جمال الدين خنفري


من اغتال الأديب والمثقف العراقي علاء مجذوب
بقلم : شاكر فريد حسن
من اغتال الأديب والمثقف العراقي علاء مجذوب




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2019م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com