أصوات الشمال
الاثنين 3 جمادى الثاني 1439هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * جمعية العلماء المسلمين شعبة سيدي عيسى تكرم الدكتور عمار طالبي   * التدريس الفعال   * قراءة في قصة "غابرون " للكاتبة الجزائرية / مريم بغيبغ   * سلسلة شعراء بونة وأدباؤها سيف الملوك سكتة شاعر المعنى والمعنى الآخر   * ملاحظات عن الفرق بين مصطلحي الثقافة والحضارة   * دكتوراه بجامعة تبسة عن نقد النقد   * وقفة تذكر و ترحم 11 سنة مرت 2007--2018 الفقيد الأستاذ بن مسعود الحاج الشيخ بن محمد    *  صابر حجازي يحاور الشاعرة الجزائريه رزيقة بنت الهضاب    *  مَا يُكتبُ فِي الْجَرَائِد ومَا يُقال في القنوات ..    * بونة تئد شعراءها وتلتهم مثقفيها    * انتربولوجية القلب في قصيد ( وتعلم كم أنت عندي) للشاعر إسماعيل عريف..   * الروائي رابح بوشارب: أنا ضد تدريس اللغة الأمازيغية في المدارس و مقر الجاحظية ليس للبيع   * حوار مع الإعلامية رجاء مكي   * جاءت متأخرة   * ومضةُ حنيـــنٍ وأنين    * شبابنا   * الاستاذ الملهم   * جائزة السَّيف الشّرقي للأديبة آسيا جبّار حيَّرت كثير من النقاد    * عندما تكتب النّساء...   * قراءة في رواية(خرافة الرجل القوي) لبومدين بلكبير    أرسل مشاركتك
الكاتب المصري د. جمال الجزيري لـ "أصوات الشمال": "صار الفضاء الإلكتروني متنفَّسًا للكتّاب لينشروا فيه كتبهم، بعيدا عن استغلال ناشري الكتب الورقية"
حاوره : نورالدين برقادي
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 967 مرة ]
د. جمال الجزيري

يتحدث الكاتب والناشر الالكتروني المصري د. جمال الجزيري ـ في هذا الحوار ـ عن أهداف تأسيسه مع كاتب آخر لدار نشر الكترونية، وينفي وجود فرق بين الكتاب الإلكتروني والكتاب الورقي من جهة القيمة المعرفية. كما يتحدث أستاذ الأدب الأنجليزي عن تجربته في عالم الكتابة، وخاصة كتابة قصيدة الهايكو.

س 1: أسست دار نشر الكترونية تتكفل بنشر الكتب مجانا، ماذا قدّم هذا الفضاء للشباب الباحث عن فرص النشر ؟
ج 1: أولا، دار كتابات جديدة للنشر الإلكتروني دار مشتركة بيني وبين المبدع الأردني محمود الرجبي قمنا بتأسيسها في أكتوبر الماضي (2015) لتحل محل دار حمارتك العرجا للنشر الإلكتروني التي أسستُها بمفردي في مايو 2014. وهي دار نشر مجانية تسعى لترسيخ مفهوم العمل التطوعي في مجتمعاتنا العربية ولمساعدة الكتّاب من مختلف أنحاء العالم العربي في نشر كتبهم وإبداعاتهم، سواء أكانت عبارة عن نصوص إبداعية أم عن مواد ثقافية عامة أو خاصة أم عن ترجمات، كما تسعى لأن تشجع مختلف أنواع القراء على جعل الكتاب الإلكتروني مصدرا أساسيا من مصادر ثقافتهم.
نشرنا حتى الآن 400 كتاب في مختلف جوانب الإبداع من شعر وقصة ورواية ومسرح وهايبون، كما نشرنا مجلتين نقديتين وهما مجلة سنا الومضة القصصية ومجلة الهايكو العربي، وهناك سلسلة للحوارات الثقافية وسلسلة للدراسات الثقافية وسلسلتان للترجمة من العربية وإليها، وسلسلة للإبداع العربي المكتوب في الأصل بلغات أجنبية. وهناك إقبال كبير على الدار من مختلف الأجيال لنشر كتبهم فيها، فالفضاء الإلكتروني صار الآن متنفَّسًا للكتّاب والمبدعين لينشروا فيه كتبهم، بعيدا عن استغلال ناشري الكتب الورقية.
س 2: بين الكتاب الورقي والكتاب الالكتروني، هل يوجد فرق في القيمة المعرفية ؟
ج 2: الكتابُ كتابٌ في كل الأحوال، وتتوقف قيمته المعرفية على مدى جودته ومدى الإسهام النوعي المتفرد الذي يقدّمه الكاتب. ولا يوجد فرق نوعي بين الكتاب الإلكتروني والكتاب الورقي من جهة القيمة المعرفية، ربما إلا من وجهة نظر المؤسسات الأكاديمية في عالمنا العربي التي ربما لا تقبل أن يكون الكتاب الإلكتروني موجودا في مراجع الدراسات الأكاديمية، وبوجه عام المؤسسات الأكاديمية في الغالب لا تعترف بالكتَّاب الشباب حتى ليكونوا مادة مدروسة في الدراسات والأبحاث الأكاديمية، مع العلم بأن الكتاب الإلكتروني في الثقافات الأخرى معترف به كمرجع في أي نوع من الدراسات والأبحاث، وكتب توثيق المراجع تشرح طريقة توثيق كل مادة حتى لو كانت عبارة عن رسائل بريد إلكتروني متبادلة بين الباحث والمؤلف محل الدراسة. وأظن أنه في الفترة القادمة سيتزايد الإقبال على النشر الإلكتروني من كل فئات الكتَّاب والمثقفين والباحثين. وفي الدار عندنا، يوجد تنوع كبير في الكتب المنشورة، وبعضها يحمل قيمة فنية ومعرفية وإبداعية ونقدية كبيرة جدا.
س 3: غربلة الأعمال المرشحة للنشر تحتاج إلى وجود لجنة قراءة، بمن تستعينون في قراءة الكتب قبل نشرها ؟
ج 3: في البداية، نقوم بنسخ محتويات ملف الكتاب ولصقها في مستند جديد مع إلغاء التنسيق الأصلي كي تظهر لنا المشاكل الموجودة في الكتاب من جهة أخطاء اللغة وأخطاء التنسيق على برنامج الكتابة. وإذا كانت الأخطاء قليلة تتم قراءة الكتاب، وإذا كانت الأخطاء كثيرة يتم النظر سريعا في محتوى المادة الموجودة في الكتاب لنرى إذا ما كانت قابلة للقراءة، أو بالأحرى تستحق القراءة أم لا، فالكاتب الذي لا يهتم بمخطوط كتابه ولا يحترم لغته قد يكون مستواه في الغالب سيئا. وإذا كان كذلك، نبلغ صاحب الكتاب بأن كتابه فيه مشاكل ونحددها له بحيث يراجع كتابه – إذا أراد – ويعيد إرساله لنا.
وحتى الكتاب رقم 305 تقريبا، كنا نقرأ بأنفسنا كل الكتب المرسلة للنشر ونراجع معظمها لغويا. ولكن مع تزايد أعداد الكتب المرسلة للنشر – في أبريل 2016 نشرنا 93 كتابا – لا يمكننا أن نقوم بذلك، ويتم النظر في الكتاب سريعا لتحديد ما إذا كانت الأخطاء اللغوية الموجودة به نسبتها معقولة أم لا، وبالنسبة لمادة الكتاب ذاته أو محتواه، فهذا لا شأن لنا به، فكل كاتب من حقه التعبير كما يشاء، بشرط عدم احتواء المادة المكتوبة على أفكار عنصرية صريحة، وبشرط توافر الحد الأدنى من الجودة الفنية.
حتى وقت قريب، كانت لجنة القراءة مقصورة عليّ وعلى الأستاذ محمود الرجبي، ولكن الآن نحاول أن نستعين بأشخاص نثق فيهم وفي قدراتهم الإبداعية واللغوية والفكرية، ولكن ذلك ليس متاحا دائما، ففي عالمنا العربي للأسف معظم الناس لا يهتمون إلا بأنفسهم ولا يريدون أن يقدموا خدمة إلا في مقابل مادي، كما أن الكثيرين من الأشخاص الذين على استعداد لأن يقدموا خدمة مجانية أوقاتهم لا تسمح لهم بذلك. ومن هنا، تحول دور لجنة القراءة إلى قراءة فقط وتحديد مستوى الكتاب ومدى قابليته أو صلاحيته للنشر، وكل كاتب لا بد أن يقدم لنا كتابه بحالة لغوية جيدة. وتتكفل لجنة القراءة بتحديد المستوى الفني للكاتب أو مدى جودته، مع وضعنا في الاعتبار تنوع الأساليب والرؤى الفنية: أي أننا لا نناصر أسلوبا أدبيا محددا، ونترك الكاتب يقدم نفسه للقراء بالطريقة التي يراها مناسبة، والقارئ هو الذي سيحدد ما إذا كان سيقرأ لهذا الكاتب أو ذاك لاحقا أم لا، لأن الواقع التاريخي الأدبي يقول إن نسبة الكتَّاب الذين يصمدون أمام اختبار الزمن وينجحون فيه بحيث تستمر قراءة القراء لهم على مر الأجيال نسبة صغيرة جدا من مجموع عدد الكتَّاب. ولذلك قد تجد بعض الكتب تُنشر تشجيعا لبعض الكتّاب مادام بها الحد الأدنى من المستوى الفني، كما قد تجد كتبا تُنشر كما هي بما لها وما عليها، فالكاتب هو المسئول عن كتابه في المقام الأول، والقارئ ذكي في العادة، والتاريخ والزمن لا يرحمان أحدًا.
س 4: وصول الكتاب إلى القارئ يحتاج إلى ترويج إعلامي، من يتكفل بالتعريف بمنشورات "دار كتابات جديدة للنشر الإلكتروني"؟
ج 4: كما أعلنا في شروط النشر الجديدة مؤخرا، مسئولية الترويج للكتب مسئولية تضامنية مشتَرَكة، فالدار تنشر روابط الكتب في بعض المواقع الخاصة بها أو المتعاونة معها، ومن هذه المواقع صفحة الدار على الفيسبوك وصفحة الدار السابقة، وصفحتان لشجن الحروف، وهي دار نشر إلكترونية أيضا، وصفحة تحميل كتب وصفحة مكتبة الكتب العربية وصفحة اتحاد ناشري الكتب الإلكترونية، وصفحة رابطة الأدب المعاصر وصفحة دار حمارتك العرجا للنشر الإلكتروني، ومدونة الدار ومدونة كتب، وغيرها من الصفحات، كما يشارك الأستاذ محمود الرجبي روابط بعض الكتب على المجموعات التي يديرها حسب النوع الذي تتخصص فيه المجموعة.
ولكن هذا لا يكفي، فالشروط الجديدة تطالب الكتّاب بأن يشاركوا روابط كتبهم وكتب غيرهم على صفحاتهم والصفحات الأخرى المتاحة، وهناك نسبة قليلة من الكتَّاب الذين يفعلون ذلك. وأرى أن الكتّاب الذين تنشر لهم الدار لا بد أن يكون لديهم إحساس بالمسئولية التضامنية والتطوعية عن الترويج لجميع الكتب، فهذا يصب في مصلحتنا جميعا في النهاية وفي مصلحة الكتاب الإلكتروني كواقع أساسي للنشر في العصر الحالي، خاصة وأنني والأستاذ محمود الرجبي ننفق معظم وقتنا في سبيل خروج كتب الدار للنشر ولا نجد الوقت حتى للترويج لكتبنا الخاصة، فهناك كتب كثيرة لي على سبيل المثال منذ بداية العام الماضي لم أجد الوقت للترويج لها الترويج الكافي.
أما بالنسبة للترويج الإعلامي، فيكون إما عبارة عن أخبار عن بعض الكتب الصادرة عن الدار، وفي الغالب أصحاب الكتب هم من يقومون بذلك، أو عبارة عن حوارات أو لقاءات أو تحقيقات صحفية، ومنها هذا الحوار، وحوارات أجراها المبدع والصحفي والسينمائي اليمني حميد عقبي والصحفي والمبدع السوري بسام جميدة وغيرهما.
كما أن هناك معرض الكتاب الإلكتروني العربي الذي شاركت فيه الدار في دورته الأولى في مارس الماضي، وتجري الاستعدادات حاليا بين دار كتابات جديدة للنشر الإلكتروني ودار حروف منثورة للنشر الإلكتروني لصاحبها مروان محمد ودار شجن الحروف لصاحبها عمر لوريكي وغيرها الكثير من دور النشر الإلكتروني لعمل معرض للكتاب الإلكتروني في يوليو القادم، وأتمنى أن تشارك كل دور النشر الإلكترونية المجانية العربية فيه. ووعد الأستاذ مروان محمد بعمل موقع مستقل لمعرض الكتاب الإلكتروني بإذن الله.
س 5: لك اهتمامات متنوعة في عالم الكتابة، خاصة شعر الهايكو، أين وصل شعر الهايكو المكتوب باللغة العربية مقارنة بتجارب أخرى ناطقة بمختلف اللغات ؟
ج 5: هذا السؤل يتضمن عدة أسئلة فرعية، وسأجيب عليها بالتفصيل على حدة.
اهتماماتي الأولى كانت بالقصة بجميع أنواعها في بداية تسعينات القرن الماضي، ومنذ منتصف التسعينات بدأت أضيف إليها كتابة النقد الأدبي والترجمة، ومع نهاية التسعينات بدأت في كتابة السرد الطويل. والشعر ظهر في تجربتي بشكل متواصل منذ منتصف العقد الأول من القرن الجديد – الحادي والعشرين – بعد إقامتي خارج مصر، ويبدو أن الغربة لعبت دورا في بلورة تجربتي الشعرية، فالقصائد التي كتبتها قبل هذا التاريخ كانت معدودة جدا.
وأسعى في مختلف أنواع كتاباتي – التي تتنوع في الرؤيا الفنية حسب النوع الأدبي – إلى أن أقدم شيئا جديدا خاصا بي، أي شيء يميزني وفي الوقت ذاته يُعتبر إضافة للنوع الأدبي الذي أكتب فيه.
ولذلك أعتبر كل كتاباتي منذ 1991 حتى الآن كتابات تجريبية، بالرغم من أن بعضها تعمَّق على الطريق، ولكنني عندما أظن أنني بدأت أضع قدمي على طريق معين أجد طريقا جديدا للتجريب ينفتح أمامي، وهكذا.
نشرتُ حتى الآن أكثر من 120 كتابا، منها 40 كتابا تقريبا نشرتهم ورقيا حتى عام 2013 تقريبا، معظمها بالعربية ومنها ثلاثة كتب بالإنجليزية صادرة في ألمانيا، ويعد ذلك تراجعتُ عن النشر الورقي واكتفيت – في الأعمال الإبداعية على وجه الخصوص – بالنشر الإلكتروني، وقمت بمراجعة كتبتي الورقية السابقة وإعادة توزيعها وتصنيفها ونشرها إلكترونيا بالإضافة إلى كتاباتي الجديدة بحيث تكون الطبعة الإلكترونية هي الطبعة المعتمدة من كتاباتي.
وبالنسبة للهايكو، فتعرفتُ عليه منذ التسعينات عن طريق اللغة الإنجليزية، لأنني متخصص أكاديميا في الشعر الإنجليزي، ولكنني لم أكن أكتبه لأن صورته كانت مشوشة في ذهني ولأن ما قرأته من نماذج عربية متناثرة هنا وهناك على النت أو في مجلة هنا أو مجلة هناك لم يشكل في ذهني صورة فنية أصيلة، فما أعرفه عن طريق الشعر الإنجليزي وعن إزرا أو عزرا باوند على وجه الخصوص أن الهايكو عبارة عن علاقة تكافؤ أو تداخل بين حالتين أو صورتين، وما كنتُ أراه من شعر هايكو في العربية عبارة عن صورة أحادية في الغالب، وبالتالي لا تختلف كثيرا عن أي خاطرة شعرية، جيدة أم سيئة، حسب حالتها. وأنا، بوجه عام، لا أتحمّس لتجربة إلا إذا كانت صورتها الذهنية متشكلة بشكل متماسك في رأسي أو في مخيِّلتي.
ومع انتشار مجموعات الهايكو على الفيسبوك مثل نادي الهايكو العربي لمؤسسه محمود الرجبي، بدأتُ أدرس الهايكو وأتأمله في العربية وفي غيرها، وأصدرتُ في فبراير الماضي كتابا كاملة بعنوان مقدمة نقدية في قصيدة الهايكو، وهذه الدراسة رسَّخت قناعاتي السابقة بأن الصورة الأحادية أو الحالة المفردة لا تنتج قصيدة هايكو جيدة.
ومنذ يونيو الماضي (2015)، نشرتُ حتى الآن 11 ديوانا لي في مجال الهايكو وكل ديوان يشمل 100 قصيدة ماعدا الديوان الأول – لعنات طبيعتك البائسة – فبه 80 قصيدة فقط، نظرا لأنني كتبتُ مقدمة نقدية له للتعريف بقصيدة الهايكو وطبيعتها.
دون أن ننكر فضل الرواد السابقين الذين نشروا قصائد هايكو في دواوين أو في مجلات أو مواقع أو صفحات إلكترونية قبل انتشار الهايكو على الفيسبوك والذين يسعى الشاعر والنقاد المغربي عبد القادر الجموسي الآن للتأريخ لهم من خلال أنطولوجيا الهايكو العربي، لا بد أن نعترف أن الفيسبوك هو الذي فتح مجالا كبيرا لازدهار الهايكو وانتشاره في كل أنحاء العالم العربي. وهذه النشأة لها مزاياها ولها عيوبها.
بالنسبة للمزايا، أصبح الهايكو فنا جماهيريا، على الأقل على مستوى الانتشار، وأصبح هناك مئات الكتَّاب من مختلف أنحاء العالم العربي يكتبون قصيدة الهايكو.
أما بالنسبة للعيوب، فإن الكثيرين من كتّاب الهايكو على الفيسبوك لم تكن لهم سابق تجربة في مجال الكتابة الأدبية، ودخلوا مجال الكتابة مباشرة عن طريق الهايكو – وهذا لا يقتصر على الهايكو وحده، وإنما يسري على كل الأنواع الأدبية، والأنواع القصيرة منها على وجه الخصوص مثل الومضة القصصية والقصة القصيرة جدا والإبيجراما وغيرها.
وهذا يتنافى مع الواقع الأدبي الخاص بتاريخ الأدب أو تاريخ الكتابة أو مراحل التكوين الأدبية أو تنمية الذائقة لدى الأديب من خلال القراءة والتعمق في فهم تراث النوع الذي يكتبه. بمعنى أن غالبية الكتاب في مجال الفيسبوك لم يصنعوا تاريخا لذائقتهم أو ذوقهم ولم يسعوا لأن تتشكل لديهم حساسية أدبية وفنية خاصة بهم، فالأدب والإبداع – كما تعرف – يقومان على التفرد والأصالة والإلمام بكل التجارب السابقة ولو بشكل جماعي والتمرد على هذا التراث من داخله، بمعنى أنني ككاتب لا بد أن أستوعب كل الكتابات السابقة عليّ والمعاصرة لي وأتمثَّلها جيدا وأسعى لأن أضع يدي على ما ينقصها – وفقا لتصوُّري التراكمي – بهدف تعويض هذا النقص من خلال كتاباتي. وهذا لا يحدث عند نسبة كبيرة جدا من كتّاب الهايكو وغيره من الأنواع.
وقبل أن أجيب على السؤال الأخير، تجربتي في قراءة الهايكو المكتوب بالإنجليزية أو المترجم إليها تقول إن كتّاب أقلاء فقط استطاعوا استيعاب تجربة الهايكو وجعلها مشروعا شعريا أيضا يشكِّل جزءا لا يتجزأ من مشروعهم الشعري العام في اللغات غير العربية، لأن هناك خلطا في كل اللغات تقريبا، وينشأ هذا الخلط من اعتبار أن الهايكو فن ياباني ولا يملك الكاتب إلا أن يسير في الإطار الذي سار فيه اليابانيون، ولذلك تجد الكثير من قصائد الهايكو المكتوبة بالإنجليزية عبارة عن صور باهتة من قصائد يابانية أو عن قصائد فجة خاصة بالطبيعة لا ترى في الطبيعة إلا مواسم أو فصولا وخضرة أو ذبولا، دون أن يتمثَّل ذلك الشاعر في تجربته الخاصة بحيث تصير القصائد ذات بُعد إنساني أصيل يمكنه أن يعزف على وتر وجداني في نفس القارئ وقلبه.
ونجد نفس الشيء في معظم الهايكو المكتوب باللغة العربية، ولذلك كتبتُ مقالة منذ شهور ونشرتها على موقع مقالة وفي كتابي عن الهايكو أسميتها "دع ما في اليابانية لليابانيين وما في الهايكو للعرب"، مخاطبا الشاعر العربي الذي يكتب قصيدة الهايكو. وأرى أن غالبية كتّاب الهايكو العرب أصوليون ومتشددون ولا يستطيعون التعمق في روح التجربة الأدبية أو روح الشكل الأدبي. فالهايكو فن في المقام الأول، وهو فن شعري، والشعر والفن لا يقتصران على ثقافة بعينها أو أسلوب بعينه، ولا يمكن تحجيمهما أو تقليص إمكاناتهما للوقوف عند الشكل الظاهري.
مازال الكثيرون من الكتاب العرب ينظرون إلى قصيدة الهايكو على أنها موضوع، ويبدو أنها عندهم لن تتحول إلى ذات أبدا، ولن تمتزج بذواتهم لأنهم يتهيبون المغامرة ويتهيبون التجريب، ويظنون أن الهايكو يابانية ولا بد أن تظل يابانية حتى لو كُتِبَت بالعربية، كما أن معظمهم لا يستوعبون الفلسفة اليابانية في الأساس، ولا أطالبهم بأن يستوعبوها، وإنما أطالبهم بأن يصبوا الشكل – روح الهايكو – في فلسفة خاصة بهم، لأن قصيدة الهايكو اليابانية مفهومة لليابانيين لأن عناصر الطبيعة عندهم لها دلالة خاصة، ولكننا عندما نترجم معظم هذه القصائد إلى العربية على سبيل المثال، سنجد أنها فقدت فلسفتها الخاصة وبقي أمامنا الشكل الفج الخالي من الروح، وعلينا نحن العرب أن نحقن هذا الشكل بتجاربنا الخاصة وثقافتنا الخاصة وذائقتنا الخاصة وجمالياتنا الخاصة، وبدون ذلك لن تكون هناك قصيدة هايكو عربية يمكن لها البقاء على مر الزمن.
كما أن الطبيعة أحد الموضوعات التي تتناولها الهايكو، وخاصة قصيدة الهايكو التقليدية. وفي وقتنا الحالي، وفي مختلف اللغات والثقافات، قصيدة الهايكو خرجت – في أحوال كثيرة أو في معظم الأحوال – عن مجال الطبيعة والتحمت بكل جوانب حياة الإنسان. الروح واحدة، ولكنها قابلة للتناسخ والحلول في أي تجربة إنسانية، أيا كانت طبيعتها. ولذلك أدعو جميع شعراء الهايكو العرب إلى أن يجربوا كتابة الهايكو بعيدا عن موضوع الطبيعة، وسيكتشفون أن الهايكو شكل شعري قادر على تطويع كافة التجارب الإنسانية والتعبير عنها شعريا من خلال الهايكو.
في دواويني الأولى في مجال الهايكو، كان كل ديوان يحتوي على قصائد متنوعة، والطبيعة بالنسبة لي ليست مادة ميتة، وإنما هي ذات في الأساس، وهذه الذات تلتحم بذاتي أنا شخصيا التحام المتكافئين، وحتى عندما تكون موضوعا، يكتسب هذا الموضوع حياة خاصة من تجربتي الشخصية ورؤيتي الفنية والشعرية والهايكوية.
وفي دواويني اللاحقة، صارت قصيدة الهايكو قصيدة نوعية، فتجد ديوانا مثل لوحة مفاتيحي النابضة يكاد يكون مكرسا للتعبير عن التكنولوجيا بأسلوب الهايكو، وديوانا مثل عيون تنعش قلبي مكرس كله لمفهوم العيون وتجلياتها بحيث تتناول كل قصيدة العينَ من زاوية ما، وديوان مثل نشرة أخبار الموت أو مثل وهل عاد لي وطن؟ مخصص كله لقصائد الهايكو السياسية وربما الدينية، وهكذا.
أي أن الهايكو قادر على أن يستوعب كل التجارب البشرية بشرط التزام الشاعر بوح الهايكو، ألا وهي: حلول روح تجربة في تجربة أخرى أو امتزاج حالة بأخرى أو تداخل لقطتين أو صورتين أو رؤيتين أو موقفين، والتقاؤها في منطقة برزخية ثالثة تمثِّل لحطة الهايكو أو موضع الهايكو، وأقصد بذلك النقطة التي يلتقي عندها الطرفان بحيث ينتجان لحظة ثالثة أو مكانا ثالثا، وهذه اللحظة أو هذا المكان هو قصيدة الهايكو ذاتها باعتبارها روحا وجسدا في الوقت ذاته. الوقوف عند أعتاب الشكل أو اللحظة الواحدة لا ينتج قصيدة هايكو قابلة للبقاء على مر الزمن.

نشر في الموقع بتاريخ : الأحد 1 شعبان 1437هـ الموافق لـ : 2016-05-08



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

ايام لها حضور بالتاريخ

17 أكتوبر 1961 اليوم الوطني للهجرة

.
مواضيع سابقة
مَا يُكتبُ فِي الْجَرَائِد ومَا يُقال في القنوات ..
بقلم : محمد الصغير داسه
             مَا يُكتبُ فِي الْجَرَائِد ومَا يُقال في  القنوات  ..


بونة تئد شعراءها وتلتهم مثقفيها
بقلم : الاستاذ عرامي اسماعيل
بونة تئد شعراءها وتلتهم مثقفيها


انتربولوجية القلب في قصيد ( وتعلم كم أنت عندي) للشاعر إسماعيل عريف..
الدكتور : حمام محمد زهير
انتربولوجية القلب في قصيد ( وتعلم كم أنت عندي) للشاعر إسماعيل عريف..


الروائي رابح بوشارب: أنا ضد تدريس اللغة الأمازيغية في المدارس و مقر الجاحظية ليس للبيع
حاورته : علجية عيش
الروائي رابح بوشارب: أنا ضد تدريس اللغة الأمازيغية في المدارس و مقر الجاحظية ليس للبيع


حوار مع الإعلامية رجاء مكي
بقلم : بلعامري فوضيل
حوار مع الإعلامية رجاء مكي


جاءت متأخرة
بقلم : محمد بتش"مسعود"
جاءت متأخرة


ومضةُ حنيـــنٍ وأنين
بقلم : البشير بوكثير
ومضةُ حنيـــنٍ وأنين


شبابنا
بقلم : عربية معمري
شبابنا


الاستاذ الملهم
الدكتور : بدرالدين زواقة
الاستاذ الملهم


جائزة السَّيف الشّرقي للأديبة آسيا جبّار حيَّرت كثير من النقاد
بقلم : علجية عيش
جائزة السَّيف الشّرقي للأديبة آسيا  جبّار حيَّرت كثير من النقاد




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1439هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com