أصوات الشمال
الثلاثاء 12 ربيع الأول 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * البحر في الادب الفرنسي   * حب يشبه الصحراء   * في مسألة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف.. على علماء المشرق أن يتعلموا من المغرب   * ملتقى حضور النص الشعري في المنظومة التربوية ( بيت الشعر الجزائري فرع ورقلة )   * الْمَخَاضُ (1)   * جمعية شعبة سيدي عيسى في زيارة سياحية للعاصمة   * الدكتور مصطفى كيحل وقضايا الفلسفة في مجتمعنا   * صاحب يا وليد الحاج قادة القفي مولاي عمار بن الحاج بكار في ذمة الله بمتليلي الشعانبة ولاية غرداية   * غياب   *  حصيلة لسجال جميل.   * يارمزمجد للسلام محمـــــد    * الى القائد الفلسطيني الخالد ياسر عرفات    * فقط أروها بالحب   * اتحاد كتاب فرع سيدي عيسى يُقيم تأبينية على روح الفقيد"عمر بوشيبي"رحمة الله عليه    * كتاب جديد للدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة   * أحفاد عقبة بن نافع الفهري   * رؤيا..   * الإعلام الثقافي : القوة الناعمة !   * لو أسعفتني مراسيل الليل   * اللّي ما يقدر على الحمار    أرسل مشاركتك
في الذكرى الأولى لوفاة الشاعر محمد مفتاح الفيتوري
بقلم : شادية حامد
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 1584 مرة ]
الشاعـر محمد الفيتوري


احادي اللون رباعي الابعاد

شادية حامد -

شاعرة وباحثه من فلسطين


مثل نسمة من " ريح تمر" ( ) من العام المنطوي(24.04.2015) .رحل الشاعر وحل الشعر! شِعر لايحفر الضاد إلا ليرقد في كل شبر من الأبدية . انهاالذكرى الأولى لرحيل السيزيف الأسمر ذو الأياديالبيضاء الشاعر محمد مفتاح الفيتوري . هذاالعملاق القادم من عصر الكلمات , معتمرا عمامة الأبجدية الأزهرية , متعطفا بجبة عنترة بن عبس , معتلياً مطية شِعره الأسود المكلل بديباجالبياض...مُهرقاً دواة العبودية السحماء علىصحائف الشمس المشعة .... يعود بذكراه اليومإلينا... بعبق روح تعتلق صبابة وجدانها بأربعةأقطاب : شَدّتها خيوط من حرير المعاناة لتسمو بهانحو ذرى سماوات الرؤى , فتفشي ما تفشيه فيشطحاتها , وتسفر عما يؤرجها من بديع أسرارها وفاتن أنوارها

مسيرة لطالما قدمت قرابينها على موائد الفكر والوعي ومنابر الذائقة مانحة خبزها المقدس المعجونبمائهِ المطيب ب :

أفريقانية ناصعة الزنوجة ,

ثورة لا ساحل لها ,

صوفية أسمرية

وعروبة بامتياز

ابعاد تجلت في شعر هذا السيزيف الأسمر : السوداني المولد , المصري النشأة , الليبيالجنسية , اللبناني الهوى , المغربي المقام والأجلوالأزل . يمزج بعجائبية - أين منها أسرار جبل قاف- مِدادِ الشرق بالغرب , في معادلة كيميائية ناصعةالرذاذ فوق جغرافية سوداء عطشى للحرية.

ولد محمد الفيتوري بحسب شهادة والدِه في24.11.1929 في قرية الجنينة ( ) والجنينة اسمعلى مسمى قرية خضراء مطلة على النيل في غربالسودان وعاصمة لدار مساليت ( ).

والد الشاعر ليبي الأصل من مدينة زليتن ( ) التيتقع على الساحل الغربي من ليبيا ينتمي الى قبيلةالفواتير ومن هنا تأتي تسميته بالشيخ مفتاح رجبالشيخي الفيتوري شيخ سجادة صوفية وخليفة منخلفاء الطريقة الشاذلية( ) العروسية ( ) الأسمرية ( ).

أما والدته فسيّدة جَهمِية سليلة احد البيوتاتالبرقاوية وهي (عزيزة علي سعيد) وتنتسب الىاحدى الأُسر الشريفة من قبيلة الجهمة العربيةالحجازية الأصل ( ) . وهي ابنة ل ( علي سعيد بنيعقوب الشريف ) جد الشاعر , الذي "كان تاجررقيق وعاج وذهب وحرير. وكانت له

صلات بسلاطين أفريقية والسودان ,( ) وكان يتّجرعن طريق( درب الاربعين )() التي تربط ما بينالسودان وليبيا ."

أما جدَّته لأمه وتدعى (زهرة) فأصلها من قبيلةفرسان وهي أميرة سوداء جميلة ابنة شيخ احدىأهم القبائل ما بين الجنوب السوداني وغربه,

وتحديدا من منطقة بحر الغزال في قبيلة (القرعان) , تم اختطافها عنوة في سن 9 سنوات من خلفالكثبان الرملية( ) وهي تملأ الماء وإهداءها كجارية الى جد الشاعر , هذا الجد الذي أعتقهاوجعلها حرة , ليس لجمالها فحسب بل لكونها أبنة شيخ قبيلة كبار قومها, وتزوجها فأنجبت له ذكراتوفي وانثى ( ) وهي عزيزة والدة الشاعر( ).

في حضن هذه الجدة السمراء المعذّبة (زهرة) تربىمحمد الفيتوري مدة ما من حياته وكان لها تأثيرهاالعميق في تكوينه النفسي والشعري ( ) هذه الجدةالجارية المخطوفة, المهداة الى تاجر رقيق هي التيستوقظ مارد التناقضات من قمقمه, وستُشعل لاحقاًبقصصها ومأساتها جذوة معانى ضِرام العبودية , في كيان الحفيد الطفل ,لتسطع في مآقيه وقلبهالصغير أقباس مرآة الآلام الافريقية بأقدارهاالجريحة وكلومها النازفة ,فيكبر ويجد نفسه كمايصف بكلماته " واقفا على صراط ما بين الحريةوالعبودية.. هذه الجدة مستعبَدة .. هذا الجد تاجررقيق.. وأنا طفل صغير لا يعرف معنى العبودية ولامعنى الحرية ..اعتقد أن هذه السيدة هي التي بذرتهذه البذرة التي لا أقول انها سوداء , وإنما البذرةالنارية في روحي.. البذرة التي أشعلتني"( ).

تألفت أسرة الفيتوري من الاب والأم وشقيقة واحدة ومنه. فقد توفي لها ذكور ثلاثة وهم محمد ,وإبراهيم, وعبد السلام ( )." ثم هاجرت هذه الأسرة الجديدةالى مصر وبالتحديد الى الإسكندرية منشأالفيتوري().

التحق الفيتوري بالمدرسة الأولية (مدرسة الاخلاق) للشيخ عبد الخالق البسيوني لحفظ القرآن, تأهباً لدخول الأزهر الشريف كما قضت بذلك رغبة والديه, إذ نذراه ليكون خادماً لكتاب الله العزيز ( ) وقدالتحق بهذه المدرسة في سن كبيرة نسبياً أي بعد أنتجاوز الحادية عشرة من عمر( ).

ثم تابع دراسته في المعهد الديني في الاسكندرية التابع للأزهر وهناك تقدم لمباراة شعرية بقصيدة ( واجب الطالب) ففاز بالمرتبة الثالثة وبجائزة قدرها 10 جنيهات. انتقل للقاهرة فامضى عامين في كلية دار العلوم في الأزهر الشريف لكنه لم يتخرج بل اتجه الى العمل الصحفي والى كتابة الشعر

عمل الفيتوري محررا ادبيا بالصحف المصرية والسودانية كما عين خبيرا للإعلام بجامعة الدول العربية في القاهرة ثم مستشارا ثقافيا في السفارة الليبية بايطاليا , ثم مستشارا وسفيرا بالسفارة الليبية في بيروت , ثم مستشارا للشؤون السياسية والإعلامية بسفارة ليبيا في المغرب

اسقطت عنه الجنسية السودانية عام 1974 بعهد جعفر النميري وتم سحب جواز السفر السوداني منه لمعارضته نظام الحكم لكن العقيد معمر القدافيمنحه جواز سفر ليبي واستقبله في ليبيا

زوجاته وأولاده

1-كانت الزوجة الأولى للفيتوري سيدة فلسطينيةمن غزة عقد عليها في القاهرة وهو ما يزال طالبا, لكنها تعرضت لحادثة احتراق أمام عينيه فأصابهالوجل والخرس والهمود, ولم يستطع انقاذها إلا بعدأن نالت النيران منها وضربها التشويه في وجههاوجسدها , فأصابه اكتئاب من عشرتها وترك القاهرةفارا بجلده منها ( ) وولدت له هذه السيدةالفلسطينية ولدين وبنتين حسام وخضر عزة ونانا ( ).

2-الزوجة الثانية سودانية الأصل وهي الممثلةآسيا عبد الماجد التي عشقت التمثيل عاشت معه فيمد وجزر وحالات من الخصام والوئام ( ) ودرستفي كلية الفنون المسرحية في القاهرة في بعثةدراسية بمصر على حسابها الشخصي وكانتالأولى على دفعنها التي ضمت الممثل المرحوم احمدزكي ( ) وولدت له ابن وابنة هما تاج الدين أو(إيهاب) وسولارا.

3-الزوجة الثالثة مغربية وهي السيدة رجات أرمازوالتي لازمته ورعته بإخلاص وبقيت معه في الرباط في منزلهما في حي سيدي العابد ( فيلا أشرقت ) حتى آخر أيامه وولدت له ابنه اطلق عليها اسم"أشرقت".

وهكذا تكون حصيلة الفيتوري من الزوجات ثلاثبالإضافة الى 7 أبناء

في عام 2005 بحسب ما يذكره الصحافيالسوداني الاصل طلحة جبريل والذي يعيش فيالمغرب انه اجرى مع الفيتوري اتصالا في بيتهبالرباط وكان قد اصبح مريضا طريح الفراش , زاره اثره في منزله وكان يعاني من شلل نصفي فيالجزء الأيمن من جسده ( ) فيخلد الفيتوري الى المنزل لكن مع سقوط نظام القذافي تسحب منهالسلطات الليبية جواز السفرالليبي فيستمر فيالاقامة بالمغرب مع زوجته المغربية (رجات ارماز) فيضاحية سيدي العابد في الرباط ( ) وفي عام 2014 تعود الحكومة السودانية فتمنحه جواز سفردبلوماسي ( ).

وفي تاريخ 24.4.15 يفارق الحياة في مستشفىالشيخ زايد بالرباط ويدفن في مقابر الشهداء فيالرباط . حيث كتب طلحة جبريل على شاهدة قبره :

محمد الفيتوري شاعر افريقيا

الميلاد بمدينة الجنينة بالسودان بتاريخ 24.11.1936 (لكن هذه غير دقيق)

الوفاة بالرباط بتاريخ 24.4.2015

تقمص الفيتوري الهم الافريقي واصدر أربعة اعمال تخص افريقيا( أغاني افريقيا 1955 )( عاشق من افريقيا1964)(اذكريني يا افريقيا 1965)( أحزان افريقيا 1966) والتي سميت فيما بعد سولارا . بالإضافة الى (البطل والثورة والمشنقة 1968)(سقوط دبشليم 1969)(معزوفة درويش متجول1971)(ثوة عمر المختار1973 )(ابتسمي حتى تمر الخيل 1975(ابتسمي حتى تمر الخيل 1975)(عصفورة الدم 1983)(اقوال شاهد اثبات 1988)(شرق الشمس غرب القمر 1985)( يأتي العاشقون اليك 1989 )( يوسف بن تاشفين مسرحية1997)(الشاعر واللعبة مسحية1997)(نار في رماد الأشياء)(اغصان الليل عليك)(عريانا يرقص في الشمس 2005)

وهنالك مسرحيتين لم تنشرا الأولى: نثرية بعنوان ( السجين) والثانية شعرية بعنوان (تاجوج)

حصل على جائزة وسام الفاتح الليبي من ليبيا والوسام الذهبي للعلوم والفنون والآداب بالسودان

وشعر الفيتوري رباعي الابعاد ( الزنوجة ) (الثورة ) (العروبة) (الصوفية ) لا يضم تحت اجفانه القارة السوداء فحسب بل كل الوطن العربي بأزماتهوأفراحه وتطلعاته ؟ أو كما يصفه الكاتب اللبنانيعبده وازن " شاعر التخوم ,لا ينتمي الى وطننهائي, فهو يقيم على تخوم الخارطة العربيةوالافريقية وعلى تخوم العروبة والزنوجة أيضا "( ).

البعد الزنوجي :

يتجلى في الكثير من اعمال الفيتوري الشعرية , بريق ذلك الصراع الأزلي ضد الرق والاستعبادوالاستعمار والقمع والقهر مناقشا قضية الزنوجة . نابذا لكل ألوان العنصرية , موقظا للشعوب المقهورةمن سباتها داعيا إياها الى الاعتزاز والفخر بلونهاالأسود والذي ينبغي ان لا يقل شأنا عن اللونالأبيض المستعمر . كاشفا عن اهتمام بالغ بالحركاتالتحررية الافريقية على طول القارة السمراء.

هادفا من الزنجية الى المحافظة على العرق الأسودومنع ذوبانه في الكيانات الاستعمارية البيضاء , واثبات حق الأسود في الحياة , وتحطيم الخرافةالقائلة (بتفوق الأبيض) عاملا على غرس بشاعة ما اقترفته ايادي الأبيض في الذاكرة الجماعية مناديا بالاعتزاز بالافريقانية والزنجية

" أنا زنجي..

وأبي زنجي الجد ..

وأمي زنجية ..

أنا أسود ,,

أسود لكني حر أمتلك الحرية

أرضي إفريقية ..

عاشت أرضي ..

عاشت إفريقيا ! " ( )

مستخدما كل ما يخص المجال الافريقي وطوطميتهالطبول , والغاب , والنار , والسفينة :

"كافريقيا في ظلام العصور

عجوز ملفعة بالبخور

وحفرة نار عظيمة

ومنقار بومة

وقرن بهيمة

وتعويذة من صلاة قديمة"()

البعد الثوري في شعر الفيتوري

يقول الفيتوري " انني أضرب على الأبواب المؤصدةحتى تدمي كفي...اكون في حالة تمرد على الحصارالنفسي والسياسي والمكاني ..وعندي رغبة فيتمزيق ستر الظلام ..وعندما افعل ذلك تسقط الابياتعلى الورق" ( ).

" ولدت فوق عتبات الصمت والغضب

أنا تمرد التعب

أنا تجسد الذهول "( )

روح ثائرة مُثَقَّلة بالغضب هكذا هو الفيتوري , وهذاما يقوله محمد علي شمس الدين أيضاً : "عرفتمحمد الفيتوري شخصيا أثناء إقامته في بيروت مندوبا سياسيا لليبيا في سبعينات القرن العشرين...وكان أبرز ما يطبع شخصه أنه انسان شموس(شموص) , بمعنى أنه مُستفَز , بل حاضرللاستفزاز , واغلب الظن انه ينطوي على روح معذبةوكبرياء مجروح "( ) شخصية متوترة استفزازيةغاضبة حانقة متمردة ثائرة على كل شيء , اللون, الشكل, التمييز العنصري , الحب ,الاسترقاق , الاستعمار ,الهوية المذوّبة , الشعر , المكان, الزمان . ثورة عارمة متأججة بنار ما تتغذى عليه من وممايختلج وجدانه من تناقضات , الاسترقاق والسيادة , الأسود والأبيض , العبودية والحرية , الوطن والمنفى. شاعر مطبوع بموهبة متوهجة متدفقة الوجدانوالوجد , الهدوء والعنف , وحمى السؤال والتخبط.

لا يقتصد الشاعر في احضار كل الرموز الثورية والشخصيات : لومومبا ونكروما قائد ثورة العبيد والسلطان تاج الدين ومانديلا وعمر المختار والكردي وجميلة بوحيرد وستانلي فيل , وهاييتي, والكونغو :

" لا تطرقي رأسك يا جميلة

لا تخفضي جبهتك النبيلة

خُوّف جنود الإمبراطورية

قفي بوجه العذاب

شامخة بالعذاب

لا تدعي نقتهم تقتلك

لا تدعي رحمتهم تغسلك

إنك قبر الإمبراطورية ( )

بُعد العروبة في شعر الفيتوري

ان الفيتوري كما نعلم ابن الوطن العربي بأسره , وكما وصفه محمود مين العالم " لم يكن يستشعر انتسابا حقيقيا الى وطن"( ) ولد فيالسودان ونشأ في القاهرة وعاش في ليبيا وعمل في بيروت واستقرفي المغرب وورِي الثرى فيه .

لقد تنبه وعيه على الحياة بكل مناقضاتها, بكل الآمها , كيف لا وهوالذي خبر العديد من المجتمعات واحتك بكل العرب , مطلعا على أزماتالامة العربية , يشارك بالأحداث المتفجرة في المنطقة , مواجها اياها بإدراك إنسان معاصر متعاملا مع احداثها بفكر متحضر كاشفا عنمسار وعي سياسي جديد للفيتوري ,ينم عن تعايشه وتفاعله معالاحداث اليومية على المسرح السياسي العربي في المنطقة , يتصادممع الأنظمة العربية تارة , ويثور تارة اخرة ويهادن مرة ثالثة , مجتهدافي التعبير عن خلجات الامة من خلال مشاعره الفردية واحاسيسه,فتارة تراه يهاجم عبد الناصر في مصر وتارة يرثيه , ويمجد بن بللا في الجزائر, ويمدح الشابي التونسي وينشد للعراق , ويرثي عبد الخالق محجوب ورفاقه ,ويهجو الصادق المهدي في السودان, ويكتب عن حرب بيروت, وأطفال الحجارة في فلسطين , والقذافي في ليبيا ,فالجماهير عنده " مصدر الفن والفكر والحياة والتاريخ , وهي تياراتنهر الإنسانية العظيم الذي لا يتوقف " ()

"حين يأخذك الصمت منا

فتبدو بعيدا..

كأنك راية قافلة غرقت

في الرمال

تعشب الكلمات القديمة فينا

وتشهق نار القرابين

فوق رؤوس الجبال

وتدو بنا أنت

يا وجهنا المختفي حلف الف سحابة

في زوايا الكهوف التي زخرفتها الكآبة

ويجر السؤال ,السؤال

وتبدو الإجابة نفس الإجابة"()

ويضيف:

" في غبار الحرب الكونية ( 1939-1945) تلاشى وهج كلايديولوجيات النظم العربية القديمة , وفي نكبة 1948 دقت نواقيسافلاس النظم العربية القائمة. وفي هزيمة 1967 تكرس عجز الجيلالعربي الحاكم عن قبول التحدي ومكانية المواجهة . وفي السبعيناتأمكن للخيانة وحدها , ولروح الهزيمة أ، تسود الساحة , وأن تشق لهاطريقا متعرجة عبر طريق النضال المسدود . ومع تتابع حلقات سلسلةالنماذج أو المواقف المفرغة , تستفحل ظواهر عقمنا الفكريوالسياسي , ويزداد الواقع العربي ضعفا وفسادا , بانتظار قدومالثورة الاجتماعية , والشاعر العربي العظيم. "( ).

" الآن وانت مسجى

انت العاصفة ..الرؤيا.. التاريخ .. الاوسمة.. الرايات

الآن وانت تنام عميقا تسكن في جنبيك الثورة ..ترتد الخطوات

تعود الخيل مطأطئة من رحلتها .. مغرورقة النظرات "()

ويتغنى الفيتوري بكل المدن التي عاش فيها او مر منها حتى القدسوفلسطين التي لم تطأها قدمه :

" ليبقى كل بطل مكانه

ولتصعق الخيانة

ولتخرس الرجعية الجبانة

فالشع سوف يغسل الإهانة"()

وللقدس: "شوارع القدس الإلهية

تصفر في أرجائها الريح الرمادية

وعطر راشيل اليهودية

وتستحم الأرض بالدماء

حيث مشى الأنبياء"()

البعد الصوفي في شعر الفيتوري

بعد نكسة 1967 كتب الشاعر الفيتوري مجموعه (معزوفة لدرويش متجول)أراد من خلالها ان يصور رحلة هذا الدرويش في الطريق الصوفي حين ينتابه القلق والشك , مما يجعله يفكر في وحدته وضياعه تماما مثل المريد الذي يتعلق بشيخه رغبة منه في المعرفة يقول الدكتور ابو الوفا الغنيمي التفتازاني التصوف فلسفة حياةتهدف الى الترقي بالنفس الإنسانية أخلاقيا وتتحقق بواسطة رياضاتعملية معينه تؤدي الى الشعور في بعض الأحيان بالفناء في الحقيقةالاسمى , والعرفان بها ذوقا وعقلا وثمرته السعادة الروحية ويصعبلتعبير عن حقيقته بألفاظ عادية لأنها وجدانية الطابع وذاتيته ()

ان التصوف معروف في كل الحضارات والأديان منذ القدم وعندما تستخدم كلمة صوفية Mysticism في اللغات الأوروبية فهذا للدلالة على الصوفية بوجه عام اما كلمة تصوف Sufism فهي كلمة حديثة استخدمت لأول مرة عام 1821 بألمانيا كما يقول ادريس شاه"()

ولو وضعنا تعريفا للتصوف باعتباره سلوكا , في مقابل تعريفه باعتبار فلسفة او نظرة في الحياة لتبين لنا ان التصوف في جانبه السلوكي هو اقرب الى التصوف الديني , واما تعريفه باعتباره نظرة او فلسفة حياة فهو فكر وفلسفة كما نراه عند الفيتوري , فعندما تخلص الشاعر من عقدة اللون ومن نبشه في الذات الافريقية المعذبة واشتعال احاسيس الحقد والنقمة والغضب دخل الى عوالم الوجدان الصوفي , وراح ينظر في داخله , ليفجر ما بداخله من قوى روحية مؤسسة على تراث ثر مثل مجموعة (معزوفة لدرويش متجول) أو (ابتسمي حتى تمر الخيل) وراح يصعد بالإنسان نحو الإلهي, راح يرفع الناسوت الى اللاهوت محاولا ترقية درجة العبد من مكانته الى درجة تليق بمقام الانسان في حضرة الله عز وجل , وهو ليس بغريب على من نشأ في بيت تتلى به الأذكار وتقام فيه الحضرات وهو ابن شيخ السجادة الشاذلية العروسية الاسمرية:

"في حضرة من أهوى

عبثت بي الاشواق

حدقت بلا وجه

ورقصت بلا ساق

وزحمت براياتي وطبولي الآفاق

عشقي يفني عشقي

وفنائي استغراق

مملوكك لكني سلطان العشاق "()

في هذا المقطع يحس الشاعر بانه مثل ابن الفارض أو سلطان العاشقين في رقصه الصوفي وما يمثله من وحدة كونية ورمز للتوحد مع الحقيقة المطلقة والفناء , يصور لنا حالة عشق وتوحد مع المحبوب وهي غاية هذه الطريق

ففي الرؤية الصوفية للعالم يتقدم الذوق والكشف, ويتأخر العقل, لأنه عاجز عن الوصول الى الحقيقة امام الله, والعالم , والانسان

فالله هو الحقيقة المطلقة والصوفي هو من يجتهد من اجل الفناء : أي امّحاء الذات البشرية الفردية في الذات الإلهية :

" شحبت روحي صارت شفقا

شعّت غيما وسنا

كالدرويش المتعلق بقدمي مولاه انا

اتمرغ في شجني

اتوهج في بدني

غيري اعمى مهما لن يبصرني

فأنا جسد...حجر

نرى الفيتوري من خلال هذه السطور كالصوفي الذي يستعد من اجل الحضرة لان ما يسمى بالشهود ( حدقت بلا وجه) والفناء (صارت شفقا) هما آخر الطريق الى الحضرة : أي الى المثول امام الحقيقة المطلقة و الحضرة الإلهية , وهذا لا ينتج الا عن حالة وجد , فحالة الشهود والغياب في الوجد , والفناء في الحضرة انما هو دنو من ذات الحق من فرط المحبة ومن فرط الرغبة في المعرفة ولهذا قال النفري(من احببته اشهدته , فلما شهِد حبّ)() والفيتوري يرغب في خوضالتجربة ويبحث عن طريق الضياء والنور:

"قنديل زيتي مبهوت في اقصى بيت في بيروت

أتألق حينا ثم أرنّق ثم أموت"()

وحينما يخاطب الشاعر بيروت فلأنه أقام فيها مدة طويلة وأحبها وأحس فيه بالانسجام والطمأنينة والاستقرار وفجأة يوح أمامه شبح الرحيل , لأسباب سياسية واحيانا لأسباب أخرى تصير علاقته بهذه المدينة علاقة عشق بل فناء

ان الفيتوري بتجربته الصوفية هذه انا يطلب (عمق الحياة ) والفن والجمال والحب وبه ظمأ لهذه الصوفية الفكرية , فهو فنان, والفن قباس من السماء وهو يبحث ويبحث عن نشوته الروحية عساه يجدها في الفكر والمعرفة.

نشر في الموقع بتاريخ : السبت 16 رجب 1437هـ الموافق لـ : 2016-04-23



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

أخبار سريعة

مواعيد ثقافية " رؤى "

برنامج " رؤى " مع الاعلامية غنية سيد عثمان

اصوات الشمال
مواضيع سابقة
غياب
بقلم : سامية رحاحلية
غياب


حصيلة لسجال جميل.
بقلم : فضيلة زياية ( الخنساء).
                                     حصيلة لسجال جميل.


يارمزمجد للسلام محمـــــد
بقلم : د.فالح نصيف الحجية الكيلاني
يارمزمجد للسلام محمـــــد


الى القائد الفلسطيني الخالد ياسر عرفات
بقلم : شاكر فريد حسن
الى القائد الفلسطيني الخالد ياسر عرفات


فقط أروها بالحب
السيدة : وفاء احمد التلاوي
فقط أروها بالحب


اتحاد كتاب فرع سيدي عيسى يُقيم تأبينية على روح الفقيد"عمر بوشيبي"رحمة الله عليه
بقلم : سعدية حلوة - عبير البحر
اتحاد كتاب فرع سيدي عيسى يُقيم تأبينية على روح الفقيد


كتاب جديد للدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة
بقلم : إسماعيل غراب عراني
كتاب جديد للدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة


أحفاد عقبة بن نافع الفهري
بقلم : الدكتور فؤاد فلياشي
أحفاد عقبة بن نافع الفهري


رؤيا..
بقلم : وردة ايوب عزيزي
رؤيا..


الإعلام الثقافي : القوة الناعمة !
بقلم : د. سكينة العابد
الإعلام الثقافي : القوة الناعمة !




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com