أصوات الشمال
السبت 11 رمضان 1439هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * قُمْ يَا صَلَاحُ وَأَنْقِذِ الْقُدْسْ الشاعر والروائي/ محسن عبد المعطي محمد عبد ربه..شاعر العالم    * جزائر الألم والندم   * المقاهي الأدبية .. مجالس الأنس، ومنبع التثاقف   * لازلتُ ارسمُ وجهك   * الدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة من كلية الآداب بجامعة عنابة يُصدر كتاب: «أبحاث ودراسات في أدب الخليج العربي»   * عودة النوارس   * أبو طالب خير سندٍ للاسلام و خير عمٍ لنبي الإسلام    * أمل مرقس في تسجيل وتوزيع جديدين لأغنيتها القديمة " لا أحد يعلم "    * في الحاجة إلى زعيم... جزائر 2018   * الحركة الاصلاحية و التربيو بمطقة عزابة بسكيكدة   * اضاءة على رواية "فيتا .. أنا عدوة أنا " للروائية ميسون أسدي   * أرض تسكن الماضي   * لسَعَاتُ..اللوْم.. وطعَناتُ الْعِتابِ.!! / الحلقة: 03   * حفريات دلالية في كتاب ” الفلسفة و البلاغة .. مقاربة حجاجية للخطاب الفلسفي ” لــدكتور عمارة ناصر   * بين غيابين: (الذين عادو إلى السماء) مهرجان شعري بامتياز   * بيت الشعر الجزائري بالبويرة يحي أربعينية شهداء الطائرة المنكوبة   * كأس الردى   * يا ابن التي....؟ !   * لعنة الظلام   * تجلّيات الحياة و الموت في المجموعة القصصية " على هامش صفحة " للكاتبة / الدّكتورة فضيلة بهيليل    أرسل مشاركتك
بين استيطيقا البوح و بوح القضية ... قراءة نقدية لنص
بقلم : أ/فضيلة عبدالكريم
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 2023 مرة ]
 الكاتبة سميرة بولمية


بين استيطيقا البوح و بوح القضية ... قراءة نقدية
لنص " فضيحة أخرى " للكاتبة سميرة بولمية
قراءة / الأستاذة / فضيلة عبدالكريم

--------
سميرة بولمية كاتبة جزائرية من طراز خاص عرفت نصها على صفحات مجلة أصوات الشمال الالكترونية ذات الصيت الوطني و العربي ، في أول نص اطلعت عليه شعرت بعالم له صوت خاص في زحمة النشر ، الكتابة عندها لها نسيج خاص ، قلم يوجه لنخبة بعينها ، و أعتقد بان هذه الحقيقة يلمسها الكثير من قرائها ...

سميرة بولمية كاتبة جزائرية من طراز خاص عرفت نصها على صفحات مجلة أصوات الشمال الالكترونية ذات الصيت الوطني و العربي ، في أول نص اطلعت عليه شعرت بعالم له صوت خاص في زحمة النشر ، الكتابة عندها لها نسيج خاص ، قلم يوجه لنخبة بعينها ، و أعتقد بان هذه الحقيقة يلمسها الكثير من قرائها ، مقالاتها توقف معك اللحظة لتبرز ظاهرة هي جزء من واقعنا الثقافي ، تَوجُه انبرت فيه سلطة العقل و الدهشة الفلسفية فوق كل الاعتبارات رغم الجماليات الأدبية . و مع المتابعة لنصوصها اكتملت الصورة الفكرية و الجمالية عندي في أهم جوانبها ، و لا أدعي بأنني قد ملكت الناصية الجمالية التي تقدم بها نصها للمتلقي ، أذكر هنا فيلسوف العقلانية الاسلامية ابو الوليد ابن رشد بأن الخطاب ينقسم إلى فئات ثلاثة " العامة و الخاصة و خاصة الخاصة " ، فكانت الأحكام تأخذ مجريات التغير النسبي مع ايقاع كل نص جديد تطرزه أناملها و في كل مرة أحس بحروفها تتنقل بين شغاف القلب ، فتكتب لقضايا الحياة اليومية للإنسان بجماليات رفيعة المستوى و هي هنا في هذا المقال." فضيحة أخرى " تربط الحرف بالقضية ، مقال مطول و قفت من خلاله الكاتبة على الحدث الذي انتشر في كل العالم الا هو جثة الطفل السوري " ألان " الذي لفظه البحر قبالة الشواطئ التركية ،فكان النص ربط بين اللفظ الجمالي الأدبي و السرد اللغوي في ضبط حقيقة مخجلة في واقعنا المتردي ، فتشعر مع الصياغات بحالة فريدة تبهرك و تشدك بهالة من نور ينبثق من تناسق الفكرة و جمالية البوح .
بين زيف الواقع و رؤى الحالمين و الاغتيالات المتكررة لهذا العقل كانت منطلقات الكاتبة في تحرير مقولاتها التي تشهر فيها صرخة صوتها ...
مع هذا النص تشعر فعلاً بأن القضية لم تعد جوهرية و محصورة في السائد لدينا و هو القضية الفلسطينية ، بل أصبحت كل بؤرة نزاع و حرب في الوطن العربي هي ألم جديد يضاف للقضية .
تختصر بوحها في مقولة تبدأ بها " آيلان .. الكبير ، ساهم بجسده الصغير في تعرية مردة الغرب و أباطرة الشرق " فكانت القسمة في أوضاع سوريا بين الشرق و الغرب .." آليات النص ارتكزت على هذه الحالة التي تربط فيها بين راهن يفرض نفسه و واقع يعيشه الشرق ساهم فيه الغرب و الشرق ، في صورة جدّ متوازنة حاولت الكاتبة أن تعري هذا الراهن من مقولاته المغلوطة ، و التي لم تعد ترقى إلى مستوى طموحات العقل الذي يسعى إلى رسم حدود أخرى خارج هذا التماهي اللامعقول في حياة الفرد العربي ، قد تكون هذه التفسيرية لدى الكاتبة من حيث المنطلق قطيعة تذكرني بالفكر " الباشلاري " نسبة للفيلسوف الفرنسي " غاستون باشلار ، تأويلية تعود إلى بناء رأي جديد يحاكي حالة بائسة لمجتمع يائس ، من كل الذين مروا و قد تنتقل عدوى البؤس للذي سنبني عليه واقعا ً آخر ، وهي محاولة من الكاتبة لمعايشة فرح قد يكون و قد لا يكون ، و بين هذا و ذاك تحاول الخروج من شرنقة الهالات التي صنعها إنسان و فرضها على كل الناس ، المتتبع يمتعه الوصف للألم و محاولة ردمه بقطيعه تحاكي الحياة ، و في ذلك جمال الفكرة و متعة التحدي ، و لا ننسى أن الدهشة التي ترافق القلم للمشهد في صورة معبرة بإحساس عال كانت فيه الكاتبة في بعض الحالات تقترب من الحقيقة في صورتها البعيدة عن التجسيد لأنها ترى بأن هذا اللفظ غير قادر على احتواء الحدث .
مقال مطول في كل فقرة فيه صورة تربط فيها بين الوجه السياسي و الفن ، أبدعت في هذه المتقابلات في قولها : " .. انها محاولة ذكية من امرأة استثنائية قد يخلد العالم سيمفونيتها الكورالية العاشرة .. لقد بلعت المستشارة لسان السياسة و حررت لسان الانسانة .. متصورة أن الجمهور سيقف لها خمس مرات كما فعلوا مع " بتهوفن " أو أكثر .. وأنهم سيلقون بقبعاتهم ومناديلهم في الهواء وسيرفعون أيديهم في محاولة للفت انتباهها .. المشكلة هذه المرة ليست في " أنجيلا" التي تسمع بل في العالم الأصم .. ساحة الشمس عارية و " أنجيلا " تنشد الكلمات متوعدة " عبر أربع مغنين سولو وجوقة " : (( غدا سنخبر أطفالنا أن اللاجئين السوريين هربوا من بلادهم إلى بلادنا ، وكانت "مكة بلاد المسلمين " أقرب اليهم .. غدا سنخبر أطفالنا أن رحلة اللاجئين السوريين إلي بلادنا ، كانت كهجرة المسلمين الى الحبشة ، ففيها حاكم نصراني لا يظلم عنده أحد ابدا ))ولكن بعد ماذا ياسيدة " أنجيلا ميركل " !! .. بعد ماذا ))...
التساؤل هنا يحملنا لليأس بعد أن كنا سنقترب من الأمل قليلاً ، الكاتبة السرد عندها تحت معول المشهد و رائحة الموت التي تلاحق اللفظ في انتقاله بين فاصلة و نقطة ، لان اللاجئ السوري على أرض غير أرضه ، و هو يحمل صور الفناء أكثر من الوجود هكذا هو فاقد الوطن .
أما في هذه الفقرة التي تقول فيها "قياصرة الدمار والخراب ، برابرة الدماء و الفساد ، اتحدوا مع عبدة الشيطان كي يضربوا قلعة " صلاح الدين " معتقدين أنهم سيظفرون بمفاتيحها وسيرقصون في ساحة الأمويين رقصة ابليس اللعين متناسين أن الضباع قد استخدمتهم كما تستخدم الأحمرة في حمل المشقة حتى يسهل على أعداء الحضارة عبور الممرات السرية والجوية والبرمائية ، فمتى تفهم الأحمرة أن الضباع لا تجوع أبدا لأنها تأكل الجيفة و أن الأسود تولد وهي ملوك .."
كانت من أمتع البصمات لفظا و ايقاعاً و دلالة تتحدى فيها من مروا و من سيمرون على جثث و جماجم الأبرياء ، لا واقع لكم الا الأوهام و لا وجود لكم الا العدم .
أذكر هنا مقولة لكارل ماركس رغم أنني لا أتفق معه في بعض الآراء الا أنني هنا معه في الفكرة "كل الثورات أثبتت شيئاً واحداً حتى الآن، ألا وهو أن كل شيء يتغير إلا الإنسان." فعلاً تتغير الأحوال و يبقى الإنسان ، الذي يصنع واقعاً يرتبه و ينظمه على الأرض ، هكذا هو وعد الكاتبة وهي تحاول دائماً الاقتراب من المشهد بجمالية رغم الألم .
الأسئلة تلاحق النص ، واضح حبكها و سردها ، هي لن تجيب عليها لأن الإشكالية أقوى من شعور نرصده على الورق ، و أكبر من صوت الضمير الذي يأمر و ينهي و بين الأمر و النهي مسافة لا تقدرها الا المشاعر النبيلة و العقول التي تفكر بصفاء ، مقال يعد من أكثر الموضوعات التي ربطت الحدث بالسردّ المعقلن ، تحياتي للكاتبة و لقلمها الذي أمتعنا رغم الألم الذي لايزال جاثماً على قلوبنا ، مادامت كرامة السوري لم تردّ و الحال لم تنقشع غيومه .
----------------------------------------------------


النص :
فضيحــة أخـــرى !!
بقلم : سميرة بولمية
----------------------------
" آيلان " الكبير ، ساهم بجسده الصغير في تعرية مردة الغرب و أباطرة الشرق لهذا حفر " دريد اللحام " بإزميل السوري الحر على صخرة الغليان شكل طلقة الهيجان القاتلة : (( تحت حذائه سقط كل فرسان العروبة .. وسقط كل فرسان القومية و سقطت كل البطولات الانسانية .. نكسوا راياتكم أيها العرب .. ها نحن للبيع ، من يشترينا !! )) وحين كسر الزلزال العنيف مرآة المستشارة الألمانية نظرت إلى تجاعيد المآساة فقرأت مستقبل الخريطة الملطخة بدماء الأبرياء .. وحتى لا تغرق حقيبة السنين المتبقية من عمرها في نهر الندامة غطت بئر دموعها بأفنان السيمفونية التاسعة " للودفيج فان بيتهوفن " .. انها محاولة ذكية من إمرأة استثنائية قد يخلد العالم سيمفونيتها الكورالية العاشرة .. لقد بلعت المستشارة لسان السياسة و حررت لسان الانسانة .. متصورة أن الجمهور سيقف لها خمس مرات كما فعلوا مع " بتهوفن " أو أكثر .. وأنهم سيلقون بقبعاتهم ومناديلهم في الهواء وسيرفعون أيديهم في محاولة للفت انتباهها .. المشكلة هذه المرة ليست في " أنجيلا" التي تسمع بل في العالم الأصم .. ساحة الشمس عارية و " أنجيلا " تنشد الكلمات متوعدة " عبر أربع مغنين سولو وجوقة " : (( غدا سنخبر أطفالنا أن اللاجئين السوريين هربوا من بلادهم إلى بلادنا ، وكانت "مكة بلاد المسلمين " أقرب اليهم .. غدا سنخبر أطفالنا أن رحلة اللاجئين السوريين إلي بلادنا ، كانت كهجرة المسلمين الى الحبشة ، ففيها حاكم نصراني لا يظلم عنده أحد ابدا ))ولكن بعد ماذا ياسيدة " أنجيلا ميركل " !! .. بعد ماذا !! ))
منذ أعوام لم تشرق الشمس في سماء " كوباني " ولم يسهر القمر مع ينابيعها المتدفقة من خاصرة الخصيب ولم تتوقف عربة الربيع أمام أقدام أراضيها وبوابات حقولها ومقاعد ضيعاتها و استقرت أسراب السنونوات بمطارة خريف الهجرة ، وانطفأت القناديل التي كانت تقود غزلان الآمال إلى ملازها ، ولم تعد الحناجر تصدح بالأغاني .. صار الموت الجائع يسير إلى جانب الأفاعي المختبئة في أفمام التتار الذين خرجوا من مآسد الوحشية وهم يحملون صماصم البطش وحراب الانتقام ونبال الغدر من أبناء الحياة .
طالت عجرفة حصارهم لأحلام الحمام وطال تعنت صوالج خرفاتهم وشعوذتهم ودروشتهم وفاحت رائحة عربدتهم ومجونهم وجنونهم النتنة فلم يعد يتحملهم نعيق غربان الخلاء وبوم القفار المهجورة .
قياصرة الدمار والخراب ، برابرة الدماء و الفساد ، اتحدوا مع عبدة الشيطان كي يضربوا قلعة " صلاح الدين " معتقدين أنهم سيظفرون بمفاتيحها وسيرقصون في ساحة الأمويين رقصة ابليس اللعين متناسين أن الضباع قد استخدمتهم كما تستخدم الأحمرة في حمل المشقة حتى يسهل على أعداء الحضارة عبور الممرات السرية والجوية والبرمائية ، فمتى تفهم الأحمرة أن الضباع لاتجوع أبدا لأنها تأكل الجيفة و أن الأسود تولد وهي ملوك ليس لأنها من فصيلة السنوريات الأربعة الكبيرة المنتمية لجنس النمر أو لأنهم يملكون فكوك وقوائم قوية و أنياب يبلغ طول الواحد منها 08 سنتتيمترات مما يمكنهم من الإمساك بفرائس ضخمة تفوق حجمهم ، بل لأن الأسود لا تأكل الا الفريسة الحية ! ، ففي ليلة ليلاء أضرم التتار نيران أحقادهم في ضفائر " كوباني " ولم تسلم " ريحان " من جلدات سياط الشك و القلق حين لمحت رقطاء تحوم حول مغازل الصفصافة التي تستر جذوع الدار .. نامت على تخت الجمر وهي مكبلة بأصفاد الرعب .. وحين استيقظت أخبرها " عبد الله " بأن أحذيتهما قد تراكبت ففهما أنها علامة سفر قريب ! .. ، لكن " آيلان " لم يفهم السبب الذي جعل أمه تطيل النظر في عيناي خزانة الذكريات الواقفة وسط أكبر حجرة ببيتهم الصغير .. كانت تريد أن تأخذ معها كل جذور الماضي الجميل .. فراحت تجمع في جوف حقيبة السفر وصايا راية الشموخ ووقار النجمتين ، جدران السنين البرشاء ، شبابيك امسيات الأفراح ، دهليز الأمان ، نبتة الصفاء ، صور العائلة و الوطن ، شموع حجرة النوم ، ضحكات حجرة المعيشة ، ابريق الشاي الأسود ، فناجين القهوة المرة ، موقد الحجايا و الأزجال ، فرن الرغيف و الفطائر والبرجر ، الصحن الذي ملأه " عبد الله " بالحلوى و القطع النقدية و الحنطة يوم عرسه ورماه من سطح البيت ليظهر أنه قادر على إعالة المنزل و القوامة عليه ، وشوشات فراشات حجرة الأطفال ، أغصان المكتبة الخضراء ، الستائر البنفسجية ، السجاد الأحمر ، أشعار الشمعدان الفضي ، مزامير حديقة الياسمين ، أحاديث الجوري و الخزامى و المردقوش ، العبير المنبعث من عباءة التراب ، خمار سهل " سروج " ، خيوط روايات الشهد في حلق المروج ، " /شـ/ روال " " عبد الله " و دشدشتها المطرزة بالمنمنمات والحراشف البراقة الشبيهة بحراشف السمك ، مهر زواجها : الحزام ، الكردانة ، الدرع و الحجل ، كمان عين " كوباني " وبعض السنابل الحبلى بالقمح ، حفنة من القطن ، و الفستق الحلبي و الكمون وحفن من الجوز و اللوز ، برطمان من الفخار ملأتها بالماء و أخرى بالعسل ولم تنس خريطة العودة إلى عهد الأرض و العبارات الموشومة على مقل الأهل و الأحباب و الجيران ولعبة " آيلان " المفضلة !! .
توقفوا قليلا بدمشق الذي قال فيها الأديب الرومي و الخطاط ومؤلف الموسوعات " ياقوت الحموي " : (( ماوصفت الجنة بشيء إلا و في دمشق مثله )) ، دمشق التي ذكرت في ألواح الميلاد باسم " تيمساك " وفي رسائل تل العمارنة باسم " تيما شكي " وسماها الآشوريون " دمشقا " و أحيانا استخدموا اسم " إيميري شو " ، وبعد الفتح الإسلامي للشام عرفت المدينة بدمشق الشام تميزا لها عن مدينة غرناطة في الأندلس التي سميت أيضا " دمشق العرب " و" ذات العماد " لكثرة الأعمدة التي سميت في أبنيتها ، و " باب الكعبة " لوجودها على طريق مكة ، و " الفيحاء " لاتساعها ورائحتها الزكية ، و " جلق " ، و" حصن الشام " و " فسطاط المسلمين " و" مدينة الياسمين " ، و " درة الشرق " ، و " شامة الدنيا " و " شام شريف " ، و أنصار الجذر العربي للاسم يرونه ناجمًا عن مصطلح دَمْشَقَ في العربية القديمة أي "إذا أسرع"، ولذلك يُقال أن المدينة سُميت باسمها لأن "أبناءها دَمْشَقوا – أي أسرعوا – في بنائها " ، (( وكتب الله أن تكوني دمشقا .. بك يبدأ و ينتهي التكوين )) كما قال فيها شاعرها الأصيل " نزار قباني " .. لكن باب الرزق من حرفة الحلاقة شح ولم يعد يشبع أربعة أفواه ، ولا دمشق صارت قادرة على اخماد لهيب أوجاع الفجائع والنكبات ببلاسم صبر ياسمينها أو اسكات صغار مدائن القلب عن البكاء .
في غياهب زمن هشاشة عظام النخوة و انتشار آفة الخيانة وتجبر قراصنة الأوطان وتسلطن الأوباش على أسياد الحضارة و تعجرف الجير والرمل و الصديد والسجود لغير الله و الردة من أجل بريق النضار وتغير الملة و التنكر لأفضال الغلة و التأثر بعادات ولهجات العبيد و الجري وراء قطارات السراب قرر " عبد الله " أن يغامر بالكنز الذي معه وحمسه وميض أمل ائتلق في سماء رؤاه فجأة وحرضه على رفع مرساة الانتظار والاقلاع صوب ضفة الأمان .. أو كما تصورها .. جزيرة الأحلام !! .
خرجوا من خندق الجحيم فوقعوا في خندق السعير ، لم يرحب بهم جسر " البوسفور" ولا واجهات اسطنبول ، ولم يحبهم نسيم " جزيرة الأناظول " ولم تحن إليهم أعمدة مكتبة " سيلسوس " ، ولم يحاول السور السابع لطروادة التقرب من جرحهم المفتوح ، وأغلقت " مرمريس " أبواب شاطئها في وجه رجائهم الصغير ، وتجاهلت " أنقرة " و " إزميل " و " بورصة " آهات " آيلان " وفي جامع " سليمية " توسلوا الله الكريم أن يحرسهم بعينه التي لا تنام ويكنفهم بكنفه الذي لايرام و أن يهب لهم ما لا ينقصه و يغفر لهم ما لا يضره و أن يرسل لهم فرجا قريبا و صبرا جميلا ! .
ضاق صدر القلب و اتسعت دوائر الهم ولاح في الأفق شراع امبراطورية " الاسكندر الأكبر المقدوني " وفاح عطر " أثينا " المحوطة بأشجار الزيتون رمز السلام والأمان والجسر إلى مرمى الهدف " كندا " التي تعتبر ثاني أكبر دولة من حيث المساحة بعد روسيا و أغناهم والتي اكتشفها المسكتشف و الرحالة الإيطالي " جون كابوت " والمقيمة بها " تيما " أخت " عبد الله " والتي سعت الى استصدار تأشيرة له في شهر حزيران الماضي ولكن الطلب قوبل بالرفض من طرف السلطات الكندية بسبب الاجراءات المفروضة على منح التأشيرة للسوريين القادمين من تركيا !! .
ولم يتردد " عبد الله " في دفع أربعة آلاف يورو لمهربين أتراك لينقلوه إلى مهد الحضارات أرض الأساطير و الإلياذات ، " هيلاس " أو كما يطلق عليها اليونانيون اسم " إلاس " أو " إلادا " ويطلقون على أنفسهم اسم " هيلينيس " .
لم يكن " عبد الله " يعلم أن البحر سيغدر به و برفيقه دربه وبولديه وبحقيبة السفر وبكل من كانوا معه فما أن تسلطت عفاريت الفزع على سواعد القارب حتى ارتجفت كل مفاصله وفقد القدرة على التوازن حين ثقبت خناجر الصخور المسننة غلاصمه المرتعشة وهاجت اللجاج في ظلمات البرد و أخرجت مخالبها الجائعة فانقضت على " ريحان " و " غالب " و انتزعت " آيلان " من بين ذراعي " عبد الله " .
لم يصمد القارب طويلا واستسلم لطعنات الغرق ووجد الركاب أنفسهم بين فكي البحر ، ولم يستطع " عبد الله " سماع نداءات زوجته وو لديه ..
صار الوصول إلى جزيرة " كوس " اليونانية ضربا من المستحيل ولم تشبع الأمواج الشرهة ولم تتوقف عن المطالبة بالمزيد ! .
" آيلان " الذي لم يتجاوز ثلاث سنوات ولم يستقر به المقام في أي مكان عثر عليه أحد عنصر خفر السواحل منكبا على بطنه فاقد الروح على شاطىء شبه جزيرة " بودروم " التركية ، وتصدرت صورة الصغير الذي يرتدي قميصا أحمر كبريات الصحف الغربية على شبكة الانثرنت ..
أخيرا وبعد مآسي كثيرة ومذابح ومجازر لا تعد ولا تحصى وتاريخ حافل بالجرائم التي يندى لها جبين البشرية اهتز ضمير العالم الغربي المستلقي على أريكة وثيرة المتكأ على نمارق مريحة على اثر الزلزال العنيف الذي قدر بـ 10 درجة على سلم ريختر الذي تسببت فيه صورة " آيلان " السوري المنكفىء على وجهه وأنامل الماء المالحة تداعب زنابق شعره الذابلة ! .
وأخيرا تذكرت الحكومات المخملية محنة السوريين اللاجئين غير مرغوب فيهم و أهم آية في معتقد الانسانية ودورها في زرع بذور استراتيجيات السلام بدلا من زرع سموم الأسلحة الكيميائية ومشاتل الألغام القاتلة ! .
لقد تحول " آيلان " الى قربان مقدس روض أسوار الحصار وخطابات التهديد و الغضب وقبضات الأحقاد والانتقام وفتح ألف جسر وجسر للسوريين الذين خنقتهم الأدخنة المنبعثة من فوهات الخراب ، مفضلين الفرار إلى أحضان لبؤة الغربة المتوحشة حتى لاتدوسهم جزم من يدعون أنهم جنود الله ، أو تقطع رقابهم بسيوفهم المصابة بالسادية وهم في الحقيقة جنود الشيطان والخزي و العار وبينهم وبين العفة والعزة وتاج الشهادة وقصور الجنة ورضى الرحمن وشفاعة نبيه المختارمحمد عليه أفضل الصلاة و السلام مقدار مابين الأرض و السماء .
غير أن روح " آيلان " ترفعت على الأمواج اللاحمة التي سرقته من بين ذراعي والده فلم تعد تربطه أية صلة بآلهة السياسية الذين يشعلون محارق الحرب في الصيف ويأمرون بإطفائها في الشتاء ، وينشرون وباء الدواعش في الربيع العربي / المزعوم / ويطالبون بمهاجمة مواخيرهم في الخريف ، ويسلحون الحرابي و التماسيح و الديناصورات و الفيلة ثم يبيعون الرادارات التي تدل على مواقعهم ، ويتسببون في سواقي من دماء الأبرياء ثم يهرعون إلى كنائس التوبة وهم يرتدون أقنعة بيضاء و قفازات من دانتيل !!.
لقد تحرر " آيلان " من وخز أشواك الضياع التي كانت ستلسع شفاه أحلامه الزهرية وهو خارج حدود داره بـ " كوباني " ، ومن قسوة الرياح المدججة بمخالب جليد الغل و النقمة على من تولتهم الشمس اللافحة برعايتها واهتمامها .. ولم يعد يريد أن يعرف أي شيء عن الطبخات المشبوهة والسيناريوهات الرديئة و المسرحيات الفاشلة و المغامرات القاتلة و المؤامرات العابرة للقارات .. واسم الأرض التي خرجت من تحت أنقاضه ، واسم المعنى الذي رفعه المتظاهرون في كل أنحاء العالم ودافعوا عنه أمام كاميرات المصوريين !! .
" آيلان " الذي لن يدخل قلعة " الأكروبوليس " ، و " معبد أغورا " و مسرح " ديونيسوس " ولن يلمس سور " كيراميكوس " ولن يتنفس هواء تلة " بنيكس " وسهل " أتيكا " ولن يتأثر بفلسفة " أفلاطون " : (( التفكير حوار الروح مع ذاتها )) و (( الحياة أمل فمن فقد الأمل فقد الحياة )) ، ولن يجلس مع المعلم " سقراط " ولن يتلذذ بزبدة دروسه : (( الناس يعتقدون أنهم يعرفون شيئا وهم في الواقع لا يعرفون أي شيء ، أما أنا فإني أعرف شيئا وهو أني لا أعرف شيئا على الاطلاق )) و أنه (( لا فضيلة بلا معرفة )) ، " و لن يسأل معلمته بكنداااا عن سر تأثر الرموز الوطنية بالمصادر الطبيعية والتاريخية و السكان الأصليين ، واستخدام ورقة " الاسفندان " على الأعلام وعلى فئة البنس الواحد و على شعار نبالة البلاد ، ورمز القندس و إوز كندا و الغواصيات و التاج الملكي وشرطة الخيالة الكندية الملكية وعمود الطوطم .. ولن يقلد ريشة الرسام " هيمن توم تومسون " ودهشة " شجرة صنوبر جاك " ، والمشاهد الخلابة للفنانة " إيملي كار " ، ولن يستمتع بما كتب " كاليكسا لافاييه " موسيقى لقصيدة وطنية من تأليف الشاعر والقاضي السير " أدولف باسيلي روتيير" .. ولن يلتقي بالملكة " إليزابيث الثانية " !! ..
" آيلان " الذي لن يمارس رياضة الهوكي و الكيرلنج وكرة القدم و الغولف و البيسبول و التزلج و الكريكت ، ولن يكون بطلا من أبطال كرة السلة او الطائرة ، ولن يقرأ مانزفه قلم الاديب السوري " محمد الماغوط " : (( ما من جريمة كاملة في هذا العصر سوى أن يولد الانسان عربيا )) ولن يتفرج على مسرحية " كاسك ياوطني )) : (( الله وكيلك مو ناقصنا الا شوية كرامه !! )) ولن يصدمه حزن " مظفرعراق النواب " : (( مو حزين لكن حزين .. ! مثل ماتنقطع جو المطر شقة ياسمين ! .. مو حزين لكن حزين مثل صندوق العرس ينباع خردة عشق عقب السنين !! )) ولن يغرف من بحيرة دموع الشاعر الفلسطيني محمود درويش الوطن " في قرطبة " عندما كان مع أحد شعرائه المفضلين " ديريك آلتون ولكون " - من جزر الهند الغربية حائز على جائزة نوبل للأدب سنة 1992 – (( وقفت أمام بوابة بيت خشبية وبحثت في جيبي عن مفاتيح بيتي القديم ، كما فعل " نزار قباني " لم أذرف دمعة ، لأن الجرح الجديد يخفي ندبة الجرح القديم لكن " ديريك ولكوت " فاجأني بسؤال جارح : لمن القدس ؟ لكم أم لهم ؟ .. )) ولن يعرف أسباب خروج العرب من الأندلس ولما قالت الأميرة عائشة الحرة لابنها " أبو عبد الله محمد " الثاني عشر آخر ملوك الأندلس المسلمين الملقب " بالغالب بالله " (( ابك كالنساء ملكا مضاعا لم تحافظ عليه كالرجال )) ، " عبد الله " الذي أطلق عليه الاسبان اسم " el chico" أي " الصغير " و " أبو عبديل " Boabdil " بينما سماه أهل غرناطة " الزغابي " أي المشؤوم أو التعيس .. من حسن حظ " آيلان " أنه لن يلقب بحفيد الخيبات ، و لن يقلب صفحات حرائق " زفرة العربي الأخيرة " وصفحات تاريخ زفرات هزيمة عمرها خمسمائة سنة ، ولن يعتريه الخجل أمام لوحة " تسليم غرناطة " للرسام الاسباني " فرانثيسكو براديا " " Francisco Pradilla " ( بالإسبانية : La rendición de Granada) - وهي لوحة كبيرة الحجم (3,50م × 5,42 م) فازت بالجائزة الأولى في معرض أقيم في ميونيخ سنة 1993- ، ولن يتعثر برميم الفردوس المفقود ، وبرزمة مفاتيح البيوت و الدكاكين و الحدائق و الحمامات التي علاها الصدأ التي تركها أصحابها حين غادروا غرناطة على أمل العودة بعد استرجاع سلطان بني الأحمر ، و بجثث المورسكيين الذين تعرضوا لأبشع أنواع الابادة والتعذيب وأرغموا على التنصير، وشاهدوا المصاحف و الأحاديث النبوية الشريفة و كتب الفقه الاسلامي النادرة وهي تحرق بأمر من الكاردينال ، و المآذن تهدم لتعلق مكانها أجراس .. فمنعوا الصلاة ومنعوا الحجاب و الختان والتكلم بالعربية ومنعوا عدوتهم النظافة وقهروا الجمعة المباركة ورفعوا من شأن القساوسة و والصلبان ولحم الخنزير وبنت عنب وأوحال الدناسة و النجاسة ، من حسن حظ هذا الغريق الذي نجى من حمل أعباء خريطة الرماد وصكوك تمليك اليأس و البؤس أنه لن يتعثر بكلاب " فرناندو " القشتالي وزوجته " إيزابيلا " و " الكاردينال الأكبر "خمنيس" العضاضة ، و بأظافر محاكم التفتيش ، وبشراع سفينة " كيستوفر كولومبوس " ببرج الحمراء " حين استقبلته " إيزابيلا " قاهرة العرب باسبانيا و أذنت له بالابحار لاكتشاف العالم الجديد " أمريكا " ، وبكلاليب مدافع النصارى العملاقة من طراز " لومباردو " التي اشتراها اليهود وأنفقوا على نقلها من إيطاليا حتى أسوار غرناطة ، وبنعال بنات نعش الكبرى و الصغرى التي كانت شاهدة على تسليم مفاتيح المدينة للملوك الصليبيين التي دخلها المسملون عام 710 م ، وكان قائد الجيش " طارق بن زياد " ، و قائد الحملة " موسى بن نصير " .. ولن يصدمه قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 الذي أصدر بتاريخ 29 نوفمبر / تشرين ثاني / 1947 القاضي بانهاء الإنتداب البريطاني على فلسطين و تقسيم أراضيها إلى 03 كيانات جديدة ، دولة عربية ، دولة يهودية ، القدس وبيت لحم و الأراضي المجاورة تحت وصاية دولية ، وفي سنة 1967 قامت إسرائيل باحتلال مدينة القدس وتهويده وتهجير الفلسطينين وسحب الهويات وووو ، ولن يحني رأسه كلما حل عيد الأضحى المبارك الذي يذكرنا بالشهيد العربي " صدام العراق حسين " الذي اختارت أمريكا مثل هذه المناسبة المقدسة لدى المسلمين وقامت بتنفيذ حكم الاعدام فيه فجر العاشر من ذو الحجة الموافق لـ 30 كانون الأول 2006 تاركا مقولته : (( هي هاي المرجلة )) صفعة على وجوه من أرادوا ان يفعلوا شيئا يكتبهم رجالا عظاما ولكن التاريخ كان لهم بالمرصاد حين حشرهم مع الجرذان و الحشرات و الزواحف و الصعاليك و الجبناء و اللئام ، وكانت آخر جملة نطق بها بعد الشهادتين : ((الموت لأمريكا ، الموت لإسرائيل ، عاشت فلسطين ، الموت للفرس المجوس ! )) ، ولن يلجأ الصغير الى جرعة مسكن آلام حين سيقرأ مثل هذا الخبر : ((حبل إعدام " صدام حسين " للبيع بسبعة ملايين دولار ! ))
" آيلان " الذي لن يتغير جلد بشرته بفعل العوامل المحيطة بشرفات عمره ، ولن تشيب زنابق خميلة شعره ، ولن يتلعثم هدهد نيسانه ، ولن تصفر ابتسامته المشرقة ، ولن يسكت هديل القمري في نظراته الساحرة ، و لن تفرط أصابعه الرقيقة في أوتار كينارة السرمد .. ستضمه ملائكة سدرة المنتهى إلى صدرها كي تنسيه لسعات سياط الأمواج ، وسيلتقي " بشهيد البيارة " محمد الدرة " صيحة الصقر الحر الذي قالها بكل جرأة : " أبي أمازالت فلسطين بعيدة !! " ، و " شهيد الفجر الغزاوي " محمد ابو خضير " ، و شهيدة الجنوب " العروس سناء محيدلي " ، و " شهيدة الحقيقة " يارا سورية عباس " ، وشهيد " لا لكاتم الصوت " " ناجي فلسطين العلي " والد الطفل " حنظلة الذي ولد في سجن " أبلح " بلبنان عام 1960 على ظهر علبة سجائر ، وشهيد منارة القضية الفلسطينية " ياسر عرفات " ، و شهيد عسقلان " الشيخ ياسين " ، و " وبكل شهداء غزة الذين كانوا وليمة " موشي يعلون " في معركة " الجرف الصامد " التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة ابتداء من 08 يوليو 2014 ، و قبلة دبابات " الميركافا " و طرائد الفوسفور الأبيض ..
" آيلان " الذي لم يعرف عدد الأسرى الفلسطينين الذين أفرجت عنهم إسرائيل في تشرين الثاني 2011 مقابل إسترجاع الجندي الإسرائيلي " جلعاط شاليط " الذي خطفته فصائل فلسطينية في حزيران 2006 ، على تخوم قطاع غزة ، ومصير الجندي الإسرائيلي " شاؤول آرون " الذي تم أسره يوم الأحد 20 يوليو 2014 من قبل كتائب القسام و الذي يحمل الرقم العسكري (6092065) ، ولن يتأثر بهزة انخفاض أسعار النفط و إرتفاع أسعار تهريب المحاصرين بجحافل الحرب من خندق جهنم الى خندق السعير !! .. ولن يكون بحاجة إلى شهادة ميلاد ، و بطاقة هوية ، وجواز سفر ، وعملة صعبة ، أو إلى سيارة " لامبور جيني جالاردو " و " لاب توب " ، وإلى إرادة لربط حسابات في مواقع التواصل الاجتماعي ، وإلى قناعة لتعلم الفرنسية و الانجليزية و القليل من الألمانية !! ، وإلى أشعة رغبة فوق البنفسجية لمتابعة أخبار المركبة الفضائية الكندية " نورذرن لايت " التي تهدف إلى البحث عن آثار الحياة على المريخ ودراسة الإشعاع الكهرومغناطيسي المريخي وخصائص الغلاف الجوي لتكون ثالث بلد يهبط على كوكب آخر ! .
" آيلان " الذي كان يحلم بدفء بيت عمته " تيما " و بهديتها الثمينة المتمثلة في دراجة ثلاثية العجلات التي وعدته بها لم يتوقع يوما أن حاكم عربي سيدفع 03 مليون دولار لشراء جحشة انجليزية صغيرة عمرها أقل من ثلاثة أشهر ضمن مزادات الخيول الصغيرة الذي أقيم في نيو ماركت في انجلترا ليضمها إلى آلاف الجحشات في إسطبلاته في بريطانيا ومنحها اسم" شمردل " .
صديق الدولفين و المحار و اللآلىء والمرجان و الربيان و الربيب و السمان الأحمر و القرقفان و الكنعد والفسكر و النيسر و الشحاديد و الحاقول و الهامور والجيذر ، صاحب القميص الأحمر عاد إلى مسقط رأسه " كوباني " ملفوفا في الحلة البيضاء ليتوسد تراب سورية .. وصار والده الملك الحزين الذي توجته أشباح الفجيعة بإكليل مملكة الفراغ الرهيب وقيدت معصميه بعقال قبوالذكريات .
" آيلان " الكبير ، ساهم بجسده الصغير في تعرية مردة الغرب و أباطرة الشرق لهذا حفر " دريد اللحام " بإزميل السوري الحر على صخرة الغليان شكل طلقة الهيجان القاتلة : (( تحت حذائه سقط كل فرسان العروبة .. وسقط كل فرسان القومية و سقطت كل البطولات الانسانية .. نكسوا راياتكم أيها العرب .. ها نحن للبيع ، من يشترينا !! )) وحين كسر الزلزال العنيف مرآة المستشارة الألمانية نظرت إلى تجاعيد المآساة فقرأت مستقبل الخريطة الملطخة بدماء الأبرياء .. وحتى لا تغرق حقيبة السنين المتبقية من عمرها في نهر الندامة غطت بئر دموعها بأفنان السيمفونية التاسعة " للودفيج فان بيتهوفن " .. انها محاولة ذكية من إمرأة استثنائية قد يخلد العالم سيمفونيتها الكورالية العاشرة .. لقد بلعت المستشارة لسان السياسة و حررت لسان الانسانة .. متصورة أن الجمهور سيقف لها خمس مرات كما فعلوا مع " بتهوفن " أو أكثر .. وأنهم سيلقون بقبعاتهم ومناديلهم في الهواء وسيرفعون أيديهم في محاولة للفت انتباهها .. المشكلة هذه المرة ليست في " أنجيلا" التي تسمع بل في العالم الأصم .. ساحة الشمس عارية و " أنجيلا " تنشد الكلمات متوعدة " عبر أربع مغنين سولو وجوقة " : (( غدا سنخبر أطفالنا أن اللاجئين السوريين هربوا من بلادهم إلى بلادنا ، وكانت "مكة بلاد المسلمين " أقرب اليهم .. غدا سنخبر أطفالنا أن رحلة اللاجئين السوريين إلي بلادنا ، كانت كهجرة المسلمين الى الحبشة ، ففيها حاكم نصراني لا يظلم عنده أحد ابدا .. ))
ولكن بعد ماذا ياسيدة " أنجيلا ميركل " !! .. بعد ماذا !! ..

الجزائرية /
سميرة بولمية
نشر في موقع مجلة أصوات الشمال بتاريخ : الجمعة 27 ذو القعدة 1436هـ الموافق لـ : 2015-09-11

نشر في الموقع بتاريخ : الأحد 12 جمادى الأول 1437هـ الموافق لـ : 2016-02-21

التعليقات
عزيز خينوش
 هذا النص جميل جدا لاديبتنا المتميزة سميرة بولمية صاحبة الحضور المبهر في منصة الادب..أديبة تستحق دراسات اعمق واكبر..أشكر الاستاذة فضيلة على هذه الالتفاتة الطيبة ..بوركتما 


خمال زهرالدين
  أبدعت في هذه المتقابلات في قولها : " .. انها محاولة ذكية من امرأة استثنائية قد يخلد العالم سيمفونيتها الكورالية العاشرة .. لقد بلعت المستشارة لسان السياسة و حررت لسان الانسانة .. متصورة أن الجمهور سيقف لها خمس مرات كما فعلوا مع " بتهوفن " أو أكثر .. وأنهم سيلقون بقبعاتهم ومناديلهم في الهواء وسيرفعون أيديهم في محاولة للفت انتباهها .. المشكلة هذه المرة ليست في " أنجيلا" التي تسمع بل في العالم الأصم

نعم الاديبة الجزائرية سميرة بوليمة..كاتبة رائعة بامتياز..وادبها ادب نخبوي..رائد..أشكر الاستاذة فضيله على هذه القراءة المجيدة..مزيدا من التألق والابداع
 


نور حياة
 قراءة جمسلة ومثقفة..ومتميزة..لنص رائع ابدعت من خلاله الكتابة سميرة..في رسم هموم العالم العربي بطريقة ذكية وملفته لللانتباه..بوركتما 


الشاعر عريب عبد المطلب - برج بوعريريج -
 أولا..أتقدم بالشكر الجزيل للأستاذة فضيلة على هذه القراءة الر ائعة..لنص الاديبة العربية سميرة بولمية..الذي كان موضوعه..الهم العربي متختصر في الطفل ايلان الذي لفظته امواج البحر..ولفظت معه حقائق مرة..عما يحدث في البلاد العربية..بل وفي العالم الاسلامي برمته..قراءة مجيدة وواعية ومثقفة..تناولت جوانب مهمة ورائدة في كتابات اديبتنا العربية..صاحبة النص المشحون بالجمال..والتميز والتفرد...هذه القامة الاديبة التي من حقنا ان نفخر بها...ونعلي صيتها..بين الاديبات المتميزات..اللائي يأسسن لادب نخبوي..رائد وفاعل ونافذ...في زمن الرداءة..واأدب السوندويش..أو لست ادري....فتحياتي كل تحياتي إلى مثل هذه الاقلام..التي يجب ان نأخذ بيدها وندعمها...حتى تجد لها مكانا يليق بها...فهنيئا للجزائر أديبة مثل سميرة بولمية...وهنيئا للادب العربي..وللنثر العربي هذا الانتصار الاخر...لادب الفضيلة والالتزام...مع تحياتي ايضا الى الاستاذة الفاضله فضيلة..على هذا الفيض..وعلى هذه القراءة الواعية..المثقفة..التي سطرت..لمواعيد..الجمال والبهاء 


djeber tabti
 نص رائع جدا...حول الطفل ايلان الذي مات في البحر...وانظار العالم كله تنظر دون ان تقدم شيئا ..ودون ان تحمي هذا الشعب السوري الاعزل...تحياتي للكاتبة ولاستاذة صاحبة القراءة 


سماته هشام
 نص جميل جدا هذا الذي كتبته الاديبة الجزائرية بولمية سميرة، والذي عرفت من خلالك كيف تصف لنا الهم العربي مختزلا في صورة الطفل السوري الكردي ايلان الذي لفظه موج البحر على الساحل جثة هامدة ..كما تحياتي للاستاذة فضيلة صاحبة هذه القراءة المبدعة.يعطيكم الصحة 


سميرة بولمية
 إلى الاستاذة الفاضلة " فضيلة عبد الكريم " :
" بين استيطيقا البوح و بوح القضية ... قراءة نقدية لنص " فضيحة أخرى " ... " ، أو حين تتوقف قافلة أميرة الصحراء أمام سفينة الكتامية كي تعيد قراءة جرحها المفتوح على شبابيك جراح جثة ملاك صغير غدرت به أمواج الهلاك ورمت بأحلامه الى شاطىء الموت البارد .. بفنية كبيرة أعدت قراءة لوحة " أيلان " وبحس رقيق وضعت يدك على جبين الوجع وعزفت باحترافية مبهرة على أوتار كمان الفجيعة فسرقت مني لآلىء التاج و ضفائر البحر وبريق الإسورة .. ليس لأنك قرأت بحيرة دموعي أقول لك أنت مدهشة ومبدعة وجريئة وغنية بكنوز ثمينة و تملكين أدوات كثيرة ومتنوعة .. بل لأنك تجمعين بين حس الانسانة التي تقرأ وحس الانسانة التي تكتب .. لقد عرفت سر المتاهة فما عاد يصعب عليك العثور على رأس الخيط فصار لك عالم متميز .. عالم من عرفت كيف تكتب عن كل كبيرة وصغيرة .. تكتب عن عالم النمل السرقاط و النحل وعن عالم الذئاب و الكلاب و الديناصورات .. تكتب عن أوركيد الحب و عن مردقوش الحنين و عن أشواك الحرب و القهر و الكراهية .. تكتب عن الانسان الذي لم يتنكر لقاعدة الصلصال ولحكمة الكفن و لحقيقة الصراط ومزلة الأقدام .. و عن الانسان الذي صار يطل على شرفات درب التبان وهو لايعرف كيف يكتب رسالة قصيرة تفهمها حمائم السلام .. وعن الطفل الذي لم يلتق قط بحزيران و الطفل الذي صاروا يصنعون من جلد طفولته أحذية لعفاريت الخراب .. تكتب عن المؤامرة وعن المغامرة .. عن المدن التي ماتت و المدن التي هي في طريقها الى الموت .. وعن القيم التي سحقتها جزم المرحلة .. تكتب عن الانبياء وعن الدعاة الى الدين الجديد وعن موطن الدراويش و الشياطين .. وعن كوكب الطباشير والممسحة و الفكر المحفور بإزميل الخلود على جداريات الأزل .. و عن الضمائر المستترة وعن واجهات أقفاص الأوهام .. وعن " سارتر " و " كانط " و " مونتسكيو" و " كونفوشيوس " و دينيه " و حجر الرند وعودة طاعون الشك و الفاشية .. تكتبين تارة بنار الندى وتارة اخرى بنار المدى .. وفي كل المرات احسك تبصرين بعيون قلبك وتتكلمين بلسان روحك وتنيرين شموع الامل للطيور المحلقة بالقرب من سربك .. لم أتعجب لأنك شعرت بعطش حقولي لقطرة ماء صافية و بلهفة فراشات حديقة بوحي لتراتيل مزامير ساحر أو ساحرة .. وبعمق ألمي حين سقطت صخرة الليل على صدر " أيلان " .. ولم أكن أرى قوافلك بعيدة عن خيام نصوصي بل كنت أشم رائحة عطر هودجك كلما أفرشت سجادة البوح وكلما احرقت ذنوب الجمر وكلما بخرت ساحة الحكي ببخور الذكريات .. لقد نجح " أيلان " الوحيد في توحيدنا في عروق نص واحد .. أنا اكتوت بنيران اللوحة و انت اكتويت بنيران الفضيحة .. لقد صرت يا سيدتي علامة بارزة في ساحة العطاء الادبي .. وما عدت أسأل الفلسفة كثيراااااااااااا عنك .. وماعدت أتعجب من مزامير الشعر التي صارت تنام في خزائن مقصورتك .. ولم أعد اسأل القضايا عن هويتك وعن عناوين همومك وعن أفاق العنقاء في رؤاك .. لانك يا أميرة بوسعادة صرت تملكين مفاتيح مملكة الصدق والدهشة .. كل التقدير والاحترام لك ولقلمك الشامخ .. شكراااااااا لمجلة اصوات الشمال الرائدة التي لم تغلق الباب في وجه " مرآة الغريبة " و منحتني فرصة النهوض من تحت هشيم النسيان ..
 




أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

الشاعر حمري بحري

.
مواضيع سابقة
في الحاجة إلى زعيم... جزائر 2018
بقلم : سمير عباس ( طالب دكتوراه في الأدب)
في الحاجة إلى زعيم... جزائر 2018


الحركة الاصلاحية و التربيو بمطقة عزابة بسكيكدة
الدكتور : وليد بوعديلة
الحركة الاصلاحية و التربيو بمطقة عزابة بسكيكدة


اضاءة على رواية "فيتا .. أنا عدوة أنا " للروائية ميسون أسدي
بقلم : شاكر فريد حسن
اضاءة على رواية


أرض تسكن الماضي
بقلم : الشاعر جلاوي محمد
أرض تسكن الماضي


لسَعَاتُ..اللوْم.. وطعَناتُ الْعِتابِ.!! / الحلقة: 03
بقلم : محمد الصغير داسه
لسَعَاتُ..اللوْم.. وطعَناتُ الْعِتابِ.!! / الحلقة: 03


حفريات دلالية في كتاب ” الفلسفة و البلاغة .. مقاربة حجاجية للخطاب الفلسفي ” لــدكتور عمارة ناصر
بقلم : أ/ فضيلة عبدالكريم
حفريات دلالية في كتاب ” الفلسفة و البلاغة .. مقاربة حجاجية للخطاب الفلسفي ” لــدكتور عمارة ناصر


بين غيابين: (الذين عادو إلى السماء) مهرجان شعري بامتياز
الدكتور : عاشور فني
بين غيابين: (الذين عادو إلى السماء) مهرجان شعري بامتياز


بيت الشعر الجزائري بالبويرة يحي أربعينية شهداء الطائرة المنكوبة
عن : خالف دحماني .
بيت الشعر الجزائري بالبويرة يحي أربعينية شهداء الطائرة المنكوبة


كأس الردى
بقلم : سهام بعيطيش"أم عبد الرحيم"
كأس الردى


يا ابن التي....؟ !
بقلم : سعدية حلوة - عبير البحر
يا ابن التي....؟ !




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1439هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com