أصوات الشمال
الأربعاء 13 ربيع الأول 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  *  عاشق الضاد،   *  من وراء انحرافهن؟؟؟   * البحر في الادب الفرنسي   * حب يشبه الصحراء   * في مسألة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف.. على علماء المشرق أن يتعلموا من المغرب   * ملتقى حضور النص الشعري في المنظومة التربوية ( بيت الشعر الجزائري فرع ورقلة )   * الْمَخَاضُ (1)   * جمعية شعبة سيدي عيسى في زيارة سياحية للعاصمة   * الدكتور مصطفى كيحل وقضايا الفلسفة في مجتمعنا   * صاحب يا وليد الحاج قادة القفي مولاي عمار بن الحاج بكار في ذمة الله بمتليلي الشعانبة ولاية غرداية   * غياب   *  حصيلة لسجال جميل.   * يارمزمجد للسلام محمـــــد    * الى القائد الفلسطيني الخالد ياسر عرفات    * فقط أروها بالحب   * اتحاد كتاب فرع سيدي عيسى يُقيم تأبينية على روح الفقيد"عمر بوشيبي"رحمة الله عليه    * كتاب جديد للدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة   * أحفاد عقبة بن نافع الفهري   * رؤيا..   * الإعلام الثقافي : القوة الناعمة !    أرسل مشاركتك
ابن الشاطئ عبقرية شعرية على امتداد سبعة عقود
بقلم : فضيلة معيرش
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 1736 مرة ]

الشاعر إسماعيل إبراهيم شتات صوت أقوى من رهبة ودوي المدافع والقنابل، فألفاظه وأشعاره كانت في مستوى التحدي الصهيوني ، لم يتوقف عند تصوير حالته بل راح يصور حالة إخوانه ومن شاطروه الكفاح بالقلم والسلاح ، حيث كان الصدى والتأثير والتحفيز ....شاعر جعل من قلمه سلاح يحقق به النصر في ساحات الحرب لا يقل أهمية و خطورة عن سلاح الرشاش في يد الجندي ، ويبقي ابن الشاطئ من الشعراء الذين قذفوا بأشعرهم وأفكارهم في أتون الثورة الفلسطينية ، وأرضها الصامدة حتى امتزج أديمها بحبر الأدباء و ودماء الشهداء وهذا كله لانتزاع الحرية فسلاح الحرف لا يقل أهمية عن سلاح البندقية والمدفع ..

تجذر بأرض الروح و الزيتون ، وطاف بمروج القصيد وكأنه على ضفاف نهر مزدان بالكلمة الحلم ، قصائده كلها أشبه بالسنفونيات البديعة ، أشبـــــه بحبات المطر الأولى على أرض جدباء ، أشبه بتنهيــــــدات الآه ...قصائد امتـــزجت بالعذاب ،وجاءت في شكل إنتاج شعري معبقة بعبق شعرية عمودية عربية ، في استناد قوي للبحور الشعرية الصافية ، أعطت رؤاه الهادفة ، نوازعه الفردية الشعرية الممتزجة بملامح ثورة ، استفاد من جماليات التلقين الجمالي رغم وطأة الحصار الثقافي الصهيوني ، واغترفت من ينابيع الغربة و الاغتراب .وهو الذي يقــــر بذلك في قصيدة قناديل حمراء :
وأقرأُ في عينيك أســــرار غربتي = على شطِّها المهجور سَطْرُ حياتي
تشرَّدَتِ الأيام في جفن زورقي = وضاعتْ جيادي في نَوَى بسَماتي..!!
ترامَتْ على كَفِّ الزَّمان يتيمةً = تُكَوِّنُ حرف النَّار في كلــــــماتي
عشقتُك طفلاً لَمْلَمَ الصَّبْر مهدهُ = ندِيَّ الرُّؤى والشــــوقِ والقَسَماتِ
تغنِّيك أوتار الحياة طفولتي = وكمْ رقَصَتْ في زهـــوِها خفقَاتي
على مقلتيها النور يسحب ذيلهُ = شموخاً.. ويذكو رائع الخُطــواتِ
هو القادم من قرية الجسير " الواقعة بين الخليل وغزة " ، فقد اغترف من بحر غزة شعرا صافيا ممتعا ، ذاق مرارة اليتم باكرا ، حمل لــــواء رعاية أسرته المكونة من ستة أفراد.وعن اسمه تقول الدكتورة " حسناء بوعلاق " :
" رحمك الله يا ابن الشاطئ.. "ابن الشاطئ" هكذا سمى نفسه فعاش كما اسمه على شاطئ الحب والعشق هائما بربوع أمته الحبيبة ووطنه الغالي.. أما اسمه في بطاقة الهويّة فإسماعيل إبراهيم شتات.. وكان له من اسمه النصيب الأوفر ".
غربة يؤكدها ابنه الشاعر عدي قائلا :" إيه..!! صحيح أن من عاش غـــــريبا مات غريبا..!! رغم أن الوطن لا تحدده الجغرافيا.. الوطن شعور ورغبة وانتماء.. نحن من خلق الوطن.. خلقناه من حبنا.. من حلمنا.. من أفراحنا وأحزاننا.. من شوقنا إليه.. وتضحيتنا من أجله.. وخارطة الوطن تتسع كلما زدنا ارتباطا به.. وكلما اتسعت آمالنا.. وبعدنا عنه يحدده مدى استعدادنا للتضحية من أجلـه الوطن يعيش فينا وإن لم نعش فيه... لم أعش الغربة لأنني الوطن.. والوطن يبدأ من قلبي وينتهي إليه, مثلما يبدأ الحب من فلسطين، وينتهي بفلسطين "
ابن الشاطئ رغم تلك الالتزامات نبغ في دراسته ورغم حداثة سنه , إلا أنه أصبح من أفضل شعراء الضفة الغربية والأردن في خمسينيات القرن الماضي خبر النضال ، التحق بصفـوف الحركة الوطنية الفلسطينية في سن مبكرة ، سجن ابن الشاطئ فهل كان السجن بداية لإلهامه ومهدا خصبا لبداية ولادة روائعه وتفتق قريحته ليصبح صوتا خالدا مجلجلا ؟ وهو القائل :
يا أمَّ أَوْفَى كُنْتُ أُدْرِكُ ما وراءَكِ من سجــــــونِ..!
ومَنِ المُتاجِرُ.. والعَميلُ.. ومَنْ يُريدُكِ أنْ تَكوني..!
لَكِنَّهُمْ سَدُّوا الطَّريقَ.. وزَوَّروكِ.. وزوَّروني..!؟
يَتَشَدَّقونَ بِحُبِّهِمْ ويُصادِرونَ ضُحَى الجُفـــــــــــــونِ
فر من السجن العسكري بمساعدة رفاقه , وقد حكم عليه بسبعة عشرة سنة 17 سجنا فكانت وجهته لبنان ، لكن سرعان ما شـــد الرحال لمصر ، حيث درس هناك اللغة العربية وتتلمذ على يد طه حسين وعز الدين إسماعيل وعائشة عبد الرحمن الملقبة ببنت الشاطئ , والتي اشتق اسمه الأدبي من اسمها حين قرأ سيرتها الذاتية ووجد تقاطعا كبيرا بين ما كابدته وما يكابده .
فبرع في الشعر وفنونه ، ويثبت ذلك ما تركه من تركة شعـــرية واسعـــــــة ودواوين كثيرة ، طبع منها حوالي أحدى عشر ديوانا ، وهي في مجملها سبعون ديوانا .
والواقع أن بذور الثورة نبتت في وجــدان ابن الشاطئ .وراء قضبان المنافي ، وسراديب زنزانات الشتات . فزهرة الحرية تطارد فكره النير لتشكل حقول من
معنى الكرامة و تفتح له بابا عريضا لإنسانيته .المتماهية في الصفاء وهو القائل :
زهرةَ المَنْفَى..! أَمِنْ أمَلٍ..؟ = وا فَرْحَتاهُ حينَ نتَّفِـــقُ..!
سأظَلُّ مُنْتَظِرًا ويُسْعِدُني = أن نَلْتَقي والشَّوْقُ مُعْتَنَقُ
فعلى امْتِدادِ الشَّعْرِ فاتِنَتي = تمتَدُّ أبعادي وتنْطَلـــــــِقُ
وتموجُ قافِيَةً مُمَيَّزَةً = ومواسِمًا خضراءَ تَأْتَنِقُ..!
هل تُشْرِقينَ..؟ أنا على ثِقَةٍ = أنَّ الهوَى الورْدِيَّ مُؤْتَلِقُ
وبأنَّنا رغمَ الدُّجَى وَطَنٌ = للياسَمينِ وموْعِدٌ عَبِقُ
تحتَلُّنا حَيْفا وكَرْمِلُها = ومَعاصِرُ الزَّيْتونِ.. والعَرَقُ..!
...فتحقيق آمال الأمة المتدفقة و المحفوفة عادة بالجراح والأوجاع ليس بالأمر
الهين ، وابن الشاطئ صب رحيق شعره المتوغل تمردا وعشقا وثورة ، رؤاه النضالية كانت كبركان يتفجر حماسة وغيظا ، وقد كانت الحمم أكثر اندفاعا فشكلت إحياء بعث قوي وهو القائل في العروبة:
لا تطلقي ساقيك للريح إذا شاخ المكان
أنا والعروبة توأمان ولن يحرقنا الزمان
فعلى ضفاف الوحدة الكبرى تلوح عسقلان
وتشاطرهما ابنته الأديبة سفانة في الحنين للوطن والإحساس بالغربة ، وأنه يبقي ساكنا في الوجدان قائلة :
" الارتباط بالوطن ، خاضع للعقل والوجدان ...والنصر والعودة ، حلم يتردد صداه في الروح ، ذات اليقظة أجدني في أتون القلق والحزن والثورة التي تتأجج في صدري مما يدور حولنا ينقض مضجعي ليل نهار ............" .
فلسطين هي وطن ينتسب إليه الشاعر من أب غادر الحياة باكرا و عمـــره لا يتجاوز إحدى عشر سنة 11 سنة وترك له مسؤوليات جسام ، إعالة أسرة مكونة من ستة أفراد ، وفلسطين أيضا هي موطن ألحانه وأناشيده وصرخاته ، ومكان خصب لثورته وتمرده، أبى أن يتناول فتات الأشواك والجراح من حقول الأسياد و اليهود ، فحقول فلسطين قد سقيت بدماء وجراح وعروق كل المناضلين الأحـرار وصوت العروبة يخصه بالنداء ، فهي تسري في عروقه سريان الدماء المشتركة بأوردة التوائم والأشقاء ...صلة متجذرة منذ حقب .
وهو القائل في قصيدة إطلالة أوراسية:
أَتَطْلُبينَ ودادي = في لحظَةِ اسْتِشهادي..؟
وتسألين المرايا = عن كبرياءِ انْشِدادي
أنا الحبيبُ المُعَنَّى = ولا أخافُ الأعادي
أظلُّ كالأمسِ صَبًّا = أفيضُ عَبْرَ امْتِدادي
فكيف لا يكون شعره نبضا صادقا للمعاناة الفلسطينية ، ومكابدة مريرة لحياة
يومية قاسية ، فرضتها قوة المستعمر الحديدية الغاشمة ... وهـــــــو المناضل الباسل المستميت في سبيل تحقيق أهدافه وطموحاته ، أثناء تواجده في لبنان لاجئا في فترة الخمسينات تعرف بشعرائها : الأخطل الصغير ، أمين نخلة ، الجواهري ، نزار قباني ، أحمد الصافي النجفي ، أدونيس ، سعيد عقيل ، نديم محمد, مصطفى البدوي ... وفي فترة تواجده بسورية ، وإلى جانب عمله محررا أدبيا في صحفها كذا عمل محررا سياسيا في جريدة كان يصدرها الحزب التقدمي الإشتراكي بزعامة اللبناني كمال جنيلاط ، لكن مرة أخرى ولأن الشاعر له الحظ الأوفر من اسمه " شتات " ونتيجة للصراعات المحلية في لبنان وجد نفسه لاجئا مرة أخرى في سورية. فتنقل بين القامشلي والرقة شرق سوريا, ليحط به الرحال في مدينة اللاذقية وفيها ومنها تزوج ....
بيروت ومن بعدها دمشق فتحتا له أبواب الشهرة والإعلام ، وكان له الفضل في تأسيس أول رابطة أدبية في سورية سمّاها : " رابطة أدباء الساحل سنة 1966 م ، كما كان أحد الأعضاء المؤسسين لاتحاد الكتاب العرب في سورية.
لم يدخر ابن الشاطئ جهدا في سبيل القضية الفلسطينية ، التحق بصفوف الثورة منذ اندلاعها في كانون ثاني / جانفي 1965 م , فتقلد عدة مهام سياسية وإعلامية وعسكرية أمنية .
بما أنه صرخة مدوية في وجه الطغيان والظلم و العبودية ،أرادوا إخماد نيران تمرده وعدم رضوخه لقوة المستعمر المغتصب ، ظنا منهم أنهم قادرون على إسكات الأصوات الثائرة ،
في مطلع السبعينيات من القرن الماضي, حطا الرحال إسماعيل إبراهيم شتات في الجزائر ليعمل مدرسا لشهور في مدينة وهران, بعدها انتقل إلى الإعلام بدعم من صديقه الحميم الأستاذ الطاهر بن عيشة, فاستلم القسم الثقافي في مجلة المجاهد الأسبوعي لسان حال جبهة التحرير الوطني , ليأسس أول صفحة أدبية في الجزائر حملت اسم "مرايا أدبية" وكانت أقرب لمدرسة للشعر والأدب العربي مفتوحة لجميع الطاقات الإبداعية الجزائرية وغير الجزائرية.
وعند تأسيس الإذاعة الجزائرية الموجهة للمشرق العربي استدعي ابن الشاطئ ليكون أحد أبرز معدي ومقدمي البرامج الثقافية فيها, تزامنا مع إعداده لبرنامج "كلمات إلى فلسطين" في إذاعة فلسطين التي كانت تبث من الجزائر.
لم يدم التفرغ للإعلام أكثر من سنتين, فسرعان ما عاد للتعليم, مع احتفاظه بمرايا أدبية في المجاهد ومن بعدها أوتار وموازين في جريدة الشعب. فدرس في ثانويات تيزي وزو ومعسكر وجيجل, وفي المعاهد التكنولوجية في المدية وجيجل, وكذا في جامعة جيجل كأستاذ متعاقد.
ربطت ابن الشاطئ علاقة حميمية مع شاعر الثورة الجزائرية المرحوم مفدي زكريا والذي كان يصر على مناداة ابن الشاطئ رحمه بلقب شاعر الثورة الفلسطينية, واستمرت المراسلات بينهما حتى وفاة مفدي زكريا, ويحتفظ أهل بيت ابن الشاطئ بعشرات الرسائل من مفدي. كما ارتبط بعلاقة متميزة من الشاعر الجزائري الكبير محمد الأخضر السائحي , والذي فتح لابن الشاطئ باب التعامل مع الملحنين والمطربين الجزائريين فغنوا له العديد من القصائد.
في صحيفة " المجاهد الجزائرية "بزغ صيته ونال الانتشار الواسع من خلال تقديمه لصفحتين أدبيتين بعنوان " مرايا أدبية "
فكان محط أنظار المستبدين ، والمستعمرين الجائرين ...لأنه قادر على إيقاظ النخوة ، وبعث نبض الشعب وبث الوعي التحرري .
وهو القائل :
فإذا الجليـل علـى مَفـارِقِ غـزَّةٍ
وإذا (الحسين) يثور فـي البيـداءِ
وإذا فلسطين الحبيبة مهرة
طائية في كبــــــــرياء سناني
أَو تسألين الآن يا سفانتــي
عن رحلتي في الثورة المعطاء
إني وحبك ما أزال كما أنا
وطني الهوى ...ومشيئة العلياء
أوَ لم تكن أرض الجزائر ثورة
عربية في بعــــــدها الوضاء
روائعه رأت النور رغم دياجير الجحود والعتمة ..، فجاءت قصائده كقلائد نفيسة
حملت الصفاء والصدق وقوة الإحساس لامتزاجها بروح المعاناة الصادقة ، ما كان يخشي الاستعمار المستبد ، فحرفه انبثق من أتون ثورة مبادئه الحقيقية التي آمن بها ، ووهبها أنفاسه وخلجاته وعبقريته .. فقصائده تجلجل في الأسماع ، وتدغدع المشاعر ، شكل الشاعر ابن الشاطئ ذلك الميلاد الشعري المتميز المبشر ، وقد نبتت رياحين قصائده في حقول الياسمين والورود وأضحت دواوين متعددة ....نضجت في حنايا محبيه من رفقاء القلم وأصدقاء النزيف المشترك فسكنت ذاكرتهم الجماعية فراح اسمه يتردد صداحا قويا ، فاستقبلته الأوساط الأدبية بكثير من الحفاوة لأنه شكل ظاهرة قوية وفريدة في الشعر العربي واحتوته المحافل الشعرية وخصته بالتبجيل على امتداد رقعة الأرض العربية ... .كتب عنه الشاعر المصري " صالح جودت " في مجلة الهلال من سبعينيات القرن الماضي كلمة بعنوان : " شاعر فلسطيني واسمه شتات ... يواصل قائلا : كان بيني وبين ابن الشاطئ نقطة فلسفية نتلاقى فيها لا تبعث عن مال أو منصب أو شهرة أو دعاية ، مسكون بالهم الثقافي ، و وتهمشنا من طرف أصدقائنا ولم يكن يئن " .يقول في إحدى القصائد:
تَزاحَمَتِ الرَّداءَةُ.. واكْفَهَرَّتْ = وجوهُ النَّاسِ.. وانْكَسَرَتْ قلوبُ
وأثقَلَ خاطِري ما ضاعَ مِنَّا = جُزافًا.. فاسْتَباحَتْنا العُيوبُ..!؟
لماذا تَضْحَكينَ؟ رغيفُ خُبْزٍ = يُساوي العُمْرَ ـ عَفْوَكِ ـ ما العجيبُ..؟
على زَبَدِ السَّفينِ يموتُ (سَعْدٌ) = وتُؤْسَرُ (خَوْلَةٌ).. ويَعيشُ ذيبُ
حنانَكِ ما الذي تَبْغينَ مِنِّي = تَجَنَّى الأهْلُ.. واغْتَرَبَ الأديبُ
أَضَأْتُ مساحَةً كُبْرَى.. ولكِنْ = غَريبُ الدَّارِ.. سَيِّدَتي.. غريبُ..!
..صوت فيه من التغريد والتطريب ...ما يجعل من قصائده ذات خصائص متسمة بالعبقرية والموهبة الفذة ، أشعار هذا الصوت القادم من شواطئ عزة ، وجبال الخليل فقد أذن بميلاد شاعر ارتوى من ينابيع الثورة ، وتفجرت ينابيعه أعين من القصائد المدوية يشهد لها الداني والقاصي بقوة الصدى ..فكانت أنامله تصب شعرا رقراقا ، وأحاسيسه تتدفق دفقات مرهفة بحيث تأخذ برهافتها مجامع القلوب وتسحر الألباب فهذه قصائده تكاد تكون متساوية في قوة بنائها ، فمكانته محفوظة في قلوب محبي الحرف ومتذوقي الشعر خاصة .... فقدم القصيد في أصفى وأبعد معانيه .
طغيان المستعمر الصهيوني لم يكن قادرا على حجب صوت الشاعــــر وردم آلام ريشته ، وانصرافه عن نصرة إخوانه من المناضلين الذين نال المكانة والحظوة في قلوبهم و.....صوته كان قويا وهو يصدع في المنابر الشعـــــرية
فمثل الأردن وفلسطين في مهرجان تتويج الأخطل الصغير أميرا للشعراء عام 1962 م ببيروت .، كما شارك في تأبين الأديب المهجري - جبران خليل جبران وهذا حاله مع رفاقه وتلك هي إنسانيته يقول في ذكرى الأديب العربي الجزائري
د. أبو العيد دودو
كنا و كان الهوى الجوري عنوانا = نجسد الحرف أكوانا و أكوانا
كنَا نجاهد في عز النهار و لا = نغضي و نفتح باب الضَاد عنوانا
و نهزم اللَيل لا نخشى دهاقنة = كانوا هناك مساحيقا و أردانا.. !!
يغايرون الضحى في كل منعطف = و يركضون وراء الغرب خصيانا.. !!
يقول محمود درويش " إن فكرة الفردوس المفقود تغري الشعراء المفتقرين إلى موضوع مؤثر ، لكنها تصاب الحال الفلسطيني بتراكم الدموع ، وفقر الدم وهذا تفوق الوطني على الجنة ".
الشاعر إسماعيل إبراهيم شتات صوت أقوى من رهبة ودوي المدافع والقنابل، فألفاظه وأشعاره كانت في مستوى التحدي الصهيوني ، لم يتوقف عند تصوير حالته بل راح يصور حالة إخوانه ومن شاطروه الكفاح بالقلم والسلاح ، حيث كان الصدى والتأثير والتحفيز ....شاعر جعل من قلمه سلاح يحقق به النصر في ساحات الحرب لا يقل أهمية و خطورة عن سلاح الرشاش في يد الجندي ، ويبقي ابن الشاطئ من الشعراء الذين قذفوا بأشعرهم وأفكارهم في أتون الثورة الفلسطينية ، وأرضها الصامدة حتى امتزج أديمها بحبر الأدباء و ودماء الشهداء وهذا كله لانتزاع الحرية فسلاح الحرف لا يقل أهمية عن سلاح البندقية والمدفع ...
رغم محاولات الإجهاض العديدة والمتعددة ...يقول " أدونيس " عن مفهوم شعر الثورة : " لا يكون الشعر ثوريا ، لأنه يكون ثورة أو لا يكون شيئا ، ولهذا لا يمكن أن يكون أداة أو وظيفة ... والشعر العربي الحاضر بعيد كله
عـن أن يكون ثورة وأعني بشعر الثورة ، الشعر الذي تقرأ فيه تفكك العالم
القديم ، العالم التقليدي ، وانفجار المكبوت المقموع على جميع الأصعدة ،
وانفتاح آفاق الحساسية والمعرفة بلا حد ، وتجدد للغة وبناها التعبيرية بما يتطابق مع هذا كله .... " .
شعر الثورة هو تجسيد جمالي في بعده الكلي الشامل والكامل .
حيث نقرأ من خلاله تغير العالم والإنسان واللغة في فضاء رحب واســـع ،
يتجاوز العوائق والراهن المزري والمعطى.وهو القائل :
وسافرَتْ من محطّات الأنـا قُـبَـلاً مـن الـلِّقاء عـلى أهداب مُرتـقِـبِ
إخال ذاكرة الـيرموك فـوق دمي تسـيَّـبَتْ فـي مرايـا الثلج والأرَبِ
تُـحاصر الورد ريّـا في هوامـشهــا وتسـتـبيـني على سكّـين مغـتصبي
وتشـرب الـدمع حِبْراً حين يـقـتـلـني (أيـلول) في غـابة الـمنفـى بلا سبَـبِ
كأنّ صحراءنا الـعـنقاء ما حـبِلَتْ يوماً.. ولا خـاصرتهـا الـخيل في طربِ
ابن الشاطئ عاش. عمرا على امتداد السبعة عقود زاخرا بالعطاء والإبداع والتميز
شاعر تستوقفك أشعاره ، وتغريك دواوينه بدء بديون " خفقات القلب"
الذي رأى النور في سورية ، ولج من خلاله إلى أعماق عوالم الحرف الشعري
واكتشاف كنهه ، شاعر تشهد له جغرافيا فلسطين التي أنجبته ...وخصاله الحميدة ستذكر به قصائده ، وسيذكر أيضا مع صناع الكلمة من رواد التحرر ومناضلي الكلمة .
شاعر تبرز نجوميته في الفعاليات الشعرية يقول في قصيدة في إحدى الملتقيات
بالأردن .
عمّان..!! جئتكِ فوق صهوة ثائرٍ = عشقته (جِلَّق).. وانتخته عُمانُ
وعلى لظى جفنيه مُهرة عاشقٍ= من(تَلْمِسان).. تضمّها (حُلوانُ)
حلمتْ به بغداد جذوة أمّةٍ = وهَوَته عبر ضبابها لبنانُ
جَدَلَته عكّا من سنابل ليلها = فجراً يُهَدِّبه رؤىً قحطانُ
شاعر عانى ما لم يعانيه شاعر غيره ...فنال التقدير، يقول الشاعر الجزائري
الكبير سليمان جوادي في رثاء ابن الشاطئ طيب الله
ثراه ،
إنـهَـض فـأَنـتَ الـزَيـتُ والمِشـكَـاةُ
و اسطَـع عَلَينَـا إِنَـهَـا المَـأسَـاةُ
يَا فَارِسَ الفُصحَى وَزَينَ شَبَابِهَا
حَـالَــت عَـلَـيـنَـا بَــعــدَكَ الأَوقَــــاتُ
أُكتُـب عَـلَـى حَــالِ العُـرُبَـةِ غَافِـيَـا
فـالـحَـيُّ .. أَنـــتَ وكُـلُـنَـا أَمــــوَاتُ
الشاعر كانت جميع الأقطار حاضرة
هو من خلال إنتاجه الشعري الوفير ، ودواوينه المتعددة ...لم يسلك مسالك المنصب أو المديح ، لأنه كان أسمى من طلبه...وقد قيل فيه :
: " المطلع على شعره يدرك أنه إنسان عابر على وقته ، وقافز على زمانه ، ربما لن نرى ابن الشاطئ يتكرر ثانية ، ولو كان لنا من الدعاية مثلما كان لشعوب أخرى ، وشعرائنا لكان ابن الشاطئ الآن في قمة هرم العظماء وبقدر أكبر مما أعطيناه " .
ما كانت المناصب ولا الدعاية العابرة تعنيه ، ولا الأموال الطائلة الزائلة
هاجسه ، الثقافي لا يكن ولا يهدأ .
أحب الجزائر ونظم فيها روائع ما جادت به قريحته الفذة وهو الذي صرح
ذات مرة أمام أدباء العرب في المربد قائلا:
" وإن سهم أصابك في بلاد ..ففي الجزائر لن تصابا ".
فديوان: "وطن تتوضأ فيه الشمس" أو ديوان الجزائر لابن الشاطئ ضم بين ضفتيه أزيد من مائة وخمسين قصيدة كلها تتغنى بعشق الجزائر وما يزال هذا الديوان الضخم ينتظر أن يرى النور , ونأمل أن تكون مناسبة قسنطينة عاصمة الثقافة العربية مناسبة لتكريم هذا الشاعر الفذ من خلال طباعة مجموعته الكاملة, وديوان الجزائر .
كان مناضلا فذا ، عمل مدرسا للرياضيات باللغة الإنجليزية في ثانويات بيروت ، إلى جانب عمله محررا أدبيا في صحفها
بدأ مرحلته الشعرية الفتية بديوان " خفقات قلب " صدر عن مطبعة الشرق بحلب سوريا عام 1964 م .تلك مرحلة معاينة الذات الخاصة بكل شاعر ، تضمنت بطاقات أحلامه الرومنسية وهواجس النضالية ، وأوجاع المنافي ، وإن كانت الأحلام التي صاحبته أكبــــــر من الإمكانات المتاحة .فجاءت في شكل إنتاج شعري متمرد لكنها معبقة برائحة شعرية عمودية عربية ...مستندا على البحور الخليلية الصافية ...فمكنت من بناء هرم لقصائده الهادفة ،
يقول في قصيدة لحن ونغم من هذا الديوان وقد نظمها في بيروت سنة 1959:
غَـنِّي عـلى وَتـري وعودي = فَلَـقَدْ لَمَـلمْتُ حُـطامَ كوبـي
وملأتُه مـن مهجـتـي = أمـلاً لغـفـرانِ الـذُّنوبِ
غــنِّـي..!! لـقـدْ أطـرَبْـتِـنـي = وأعَـدْتِ قـلـبي للـوَجيــبِ .
- الديوان الثاني " محطات على ذاكرة الزمن " الذي طبع لمطبعة الشرق حلب عام 1966 م .
- أما الديوان الثالث " دائرة الرفض " الصادر عن منشورات اتحاد الكتاب الفلسطينيين 1978 م يستهله بهذا التقديم الموجع ................ .
من جذور الثورة يا أمي *** أتنفس دائرة الرفــــض
فأحطم أسوار المنفى *** وأمصمص أثداء الأرض
- الديوان الرابع " الزمن الفلسطيني في البعد الثالث " دار الكتاب بيروت 1979 م
- الديوان الخامس " غاليتي لا تجيد فن الرقص : منشورات وزارة الثقافة العراقية / بغداد عام 1983 م
- يقول في قصيدة المعنى المقلوب..في..ثوبٍ شفّاف
سألتُ عينيْكِ: ما المنفى.. وما الدارُ =
وكيف يرفض من لفّوا.. ومن داروا؟
سألتُ عينيْكِ.. آهٍ يا معذّبتي
تنافختْ في الدم المحروق أذكارُ!؟
وأصبح الشِّعر عمقاً غائباً وفماً
تعزّيه في (حلقات الذكر) أدوارُ!
- الديوان السادس : " ميسون وسرطان الموقف الصعب " منشورات وزارة الثقافة العراقية / بغداد عام 1983 م
- يقول في ميسون وهي ابنة للشاعر غيبها الموت باكرا .
مَيْسُونُ ياَ زَهْرَةً كَالقُدْسِ تَحْتَرِقُ
ماَذاَ وَراَءَكِ..؟؟ كِبْر الهَمِّ يَنْدَفِقُ..؟؟
ماَذاَ وَرَاءَكِ..؟؟ أَوْجاَعي مُهَدَّبَةٌ
أَكاَدُ مِنْ زَخْمِها الصَيْفِيِّ أَخْتَنِقُ
تَمْشِي اللَّياَلِي عَلىَ صَدْري مُبَطَّنَةً
فَيَسْتَبي القُبَلَ الظَّمْياَءَ مُنْزَلَق
- الديوان السابع " اعترافات في عز الظهيرة " منشورات وزارة الثقافة العراقية / بغداد 1983 م يقول في إحدى قصائده
- هذي اعترافاتنا مقروءة الهُدُبِ=تصحو على دمنا المحروق في غَضَبِ
هذي اعترافاتنا لا حَدَّ يفصلها=عن السنابل أو أرجوحة اللَّهَبِ
تجتَثُّ كلّ هلاميٍّ تُبَرْوِزُهُ=محاجر الريح في المنفى وفي(النَّقَبِ)
ويسكن الحبّ في أعماقها قدراً=يمتدُّ من(أطلسي)الظامي..إلى حَلَب
- الديوان الثامن بعنوان " الحدائق المعلقة والزمن البديل " منشورات وزارة الثقافة العراقية / بغداد 1999 م يقول في إحدى قصائده :
- يا أمَّ أَوْفَى كُنْتُ أُدْرِكُ ما وراءَكِ من سجونِ..!
ومَنِ المُتاجِرُ.. والعَميلُ.. ومَنْ يُريدُكِ أنْ تَكوني..!
لَكِنَّهُمْ سَدُّوا الطَّريقَ.. وزَوَّروكِ.. وزَوّضروني..!؟
يَتَشَدَّقونَ بِحُبِّهِمْ ويُصادِرونَ ضُحَى الجُفونِ

- الديوان التاسع " دوامة النخل وسيف الحق". يقول في قصائد هذا الديوان .
- أنا الزَّوراءُ.. يسكُنُني الوفاءُ=ويؤلِمُني التَّعَلُّلُ.. والرِّياءُ
أنا الزَّوراءُ.. أدركُ كلَّ شَيْءٍ=وأعرفُ كيفَ تنفَعِلُ النِّساءُ
وكيفَ يُخَبِّئُ العُشَّاق سِرًّا=على جسَدي.. وتَشْتَعِلُ الظِّباءُ..!
هنا.. في كلِّ زاوِيَةٍ مدارٌ=أريجِيٌّ.. وصَدْرٌ كسْتناءُ
- الديوان العاشر " أبجدية المنفى والبندقية " منشورات رابطة إبداع الجزائر 2004 م.
- الديوان الحادي عشر "أم أوفى تتجدد رغم الليل الطويل" منشورات الجزائر عاصمة الثقافة العربية / الجزائر 2007 م .
- وللشاعر أيضا العديد من الأعمال النثرية والدراسات الأدبية والسياسية والكتب المدرسية والجامعية وكتاب لقواعد اللغة العربية عنوانه: "الشامل الميسر في قواعد اللغة العربية" ويقع في ثلاثة أجزاء .
ومن روائعه معلقة بابل/ على عتبات..سَيِّدَتي..!
أَ تسْألينَ..؟ وهذا الحرفُ نَشْوانُ = وأنتِ في طَلْعَةِ الأيَّامِ عُنوانُ..؟
أَ تَسْألينَ..؟ ونهر الشَّوقِ راحِلتي = وحُبُّكِ الصَّعْبُ موصولٌ وفتَّانُ..؟
يمتَدُّ في عمقِهِ نبعُ الحنينِ مَدًى = ويستفيقُ على جفْنَيهِ (سَحْبانُ)
وكَمْ يفيضُ.. وكْمْ تَحْلو ضَفائِرُهُ = وكمْ يروقُ إذا ما حطَّ نيسانُ..!
يَنْداحُ في خاطِري دَوْمًا.. وتَسْكُنُهُ =ريحُ الصَّبَا... وعصافيرٌ.. وغُدْرانُ
يحتَلُّني كُلَّما جاهَدْتُ ذاكِرَتي = سِرًّا.. ولا يعْتَريهِ قَطُّ نِسْيانُ..!
أَ تَسْألينَ دَمي..؟ ما زِلْتِ سَيِّدَتي= قِدِّسَتي.. ودَمي المحروقُ طوفانُ
الأستاذة : فضيلة معيرش

نشر في الموقع بتاريخ : الجمعة 29 جمادى الأول 1436هـ الموافق لـ : 2015-03-20



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

مواعيد ثقافية " رؤى "

برنامج " رؤى " مع الاعلامية غنية سيد عثمان

اصوات الشمال
مواضيع سابقة
الدكتور مصطفى كيحل وقضايا الفلسفة في مجتمعنا
الدكتور : وليد بوعديلة
الدكتور مصطفى كيحل وقضايا الفلسفة    في مجتمعنا


صاحب يا وليد الحاج قادة القفي مولاي عمار بن الحاج بكار في ذمة الله بمتليلي الشعانبة ولاية غرداية
بقلم : الاستاذ الحاج نورالدين بامون
صاحب يا وليد الحاج قادة القفي مولاي عمار بن الحاج بكار في ذمة الله بمتليلي الشعانبة ولاية غرداية


غياب
بقلم : سامية رحاحلية
غياب


حصيلة لسجال جميل.
بقلم : فضيلة زياية ( الخنساء).
                                     حصيلة لسجال جميل.


يارمزمجد للسلام محمـــــد
بقلم : د.فالح نصيف الحجية الكيلاني
يارمزمجد للسلام محمـــــد


الى القائد الفلسطيني الخالد ياسر عرفات
بقلم : شاكر فريد حسن
الى القائد الفلسطيني الخالد ياسر عرفات


فقط أروها بالحب
السيدة : وفاء احمد التلاوي
فقط أروها بالحب


اتحاد كتاب فرع سيدي عيسى يُقيم تأبينية على روح الفقيد"عمر بوشيبي"رحمة الله عليه
بقلم : سعدية حلوة - عبير البحر
اتحاد كتاب فرع سيدي عيسى يُقيم تأبينية على روح الفقيد


كتاب جديد للدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة
بقلم : إسماعيل غراب عراني
كتاب جديد للدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة


أحفاد عقبة بن نافع الفهري
بقلم : الدكتور فؤاد فلياشي
أحفاد عقبة بن نافع الفهري




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com