أصوات الشمال
الخميس 9 صفر 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * قد زارني طيف الحبيب   * الذوق الجمالي فلسفة تستمد قيمتها من الذات    * إنّ كيدكنّ عظيم.   * البسكري الذي قتله فضوله   * الدكتور محمد بغداد.. نحو إعادة النظر في المفاهيم القديمة للخطاب الديني   * الأيام الأدبية السابعة بالمدية تسلط الضوء على ذكرى ألـ17 أكتوبر   * الشاعر والأديب ب . فاروق مواسي يضيء الشمعة السبع والسبعين    * الشدة المستنصرية   * اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى يفتتح موسمه الثقافي   * مقطع من روايتي" قلب الإسباني "   * فجيعة الوطن العربي الكبرى   * وليد عبد الحي: السلوك العربي أنتج منظومة فكرية غرائزية متكاملة   * في رحابِ الموعـــد..!   *  في عدمية النص الفلسفي الغربي و موضة الإتباع... إيميل سيوران نموذجا عابرا   * العدد (50) من مجلة "ذوات": "السوسيولوجيا العربية في زمن التحولات"   * 13 سنة تمر على رحيل الشاعرة و الروائية نجية عبير   * شاعرة حالمة ... قراءة في تجربة ريتا عودة الشعري    * أنا و الآخر   * الودّ المعرفي   * قصائد نثرية قصيرة    أرسل مشاركتك
رجل من زمن النكبة
بقلم : زكية علال
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 1107 مرة ]

قصة قصيرة

رجل من زمن النكبة

كم عمرك ؟
سؤال نزل عليّ كطوفان داهم وغير منتظر في يوم صيفي ، وجعلني أرتجف مثل طفل باغته إعصار مفاجئ بعيدا عن صدر أمه ، فبلّل الخوف ثيابه وزاد من تصلّبه في مكانه ..
كم عمرك ؟
استفهام عبث بمشاعري التي كنت أعتقد أنها تكفي لاحتواء أي حب مباغت يأتي ولو في أرذل العمر ، لكني أجدها اللحظة عارية .. حافية وحاسرة . ..
كم عمرك ؟
سؤال جعلني أتعثّر أمامها كتلميذ ضيّع كل النظريات والقوانين التي تساعده على فكّ معادلة يقف عليها مستقبله .........
قبل هذا ، ظهورها في حياتي كان مباغتا ..
لست أدري كنه هذه المباغتة ..
قد تكون عاصفة هبّت بعد أيام مقمرة صافية ، فقلبت حياتي ومناخي .. وقد تكون شمسا أطلّت في سمائي الأخيرة بعد عواصف ظلت تقتلع وتٌسقط كل طلع يظهر في شجرة العمر، وتعبث بلون الورد الذي ظللت أجمعه في يمين القلب لأهديه لامرأة لا تشبه كل النساء ، ولا يقين عندي بأنها ستظهر يوما .
التقيتها ذات تعثر لنبضها .. أو نبضي ، لست أدري ، كل ما أدريه أنّ كلا منا دقّ على صدر الآخر ، وعبر إلى ممراته السرية في محاولة منه لإعادة النبض المتعثر ، واشتهينا هذا النقر لأنه غيّر ملامحي وملامحها وجعلني أعيش بنبضها وتحيا هي على نبضي ، فأصبحت قدري الذي لا مهرب إلا إليه ، وأمسيت قدرها الذي لا تملك إلا أن تلجأ إليه .
منذ أن كتبتْ لي أول تعليق على قصة نشرتها في مجلة إلكترونية " رجل من غبار " أحسست أنها اندسّت بين جلدي وعظمي وانتشرت في دمي .. أحسست أنها قرأت كل أفكاري التي خبأتها والتي تستّرت بين سطور القصة .. سارعت إلى الرد على تعليقها وكأني أرد تحية امرأة ظل باب بيتها مقابلا لباب بيتي عشرات السنين .. وكان من السهل أن أعثر على بريدها الإلكتروني لأكتب لها أول رسالة وكأننا نكمل حديثا سابقا . مع أول مصافحة لقلبينا في هذا العالم الافتراضي انغمسنا في ترقيع ما تمزّق منا .. كانت هي منهارة بعد تجربة زواج فاشلة ، وكنت أنا تخطيتُ بريق العمر وأحتاج إلى بياض يعيد إليّ تألق السنين .. حدثتني عن ولوجها إلى عالم الصحافة وحماستها التي دفعت بها إلى مصاف الصحفيين البارزين في صحيفة مرموقة ، وحدثتها عن صدمتي الموجعة التي تركتها زوجتي برحيلها المبكر من حياتي ، وعن الفراغ الذي لم تستطع أن تعمّره امرأة في هذا العالم .. حدثتني عن زواجها الذي اعتقدته جنة ستعيش فيها نعيما مقيما ، فإذا هو نار تقذفها إلى تعاسة مقيمة ، وحدثتها عن وجعي الذي أصبح قصصا وأشعارا تمسح على تعاسة الآخرين ، بحيث أصدرت مجموعات قصصية ودواوين شعرية جعلت مني نجما في سماء الأدب ، لكنها كانت تأتي من فراغي المستتر لتشكّل في سمائي فراغا أكبر وأوسع وأكثر وضوحا .. حدثتني عن نجاحها الذي لم يستوعبه زوجها ، فوقع انكسار لم تجبره كل محاولات الصلح التي قام بها الأهل والأصدقاء فكان الانفصال ، وحدثتها عن حاجتي لامرأة تلملم انكسارت العمر ..
كم عمرك ؟
آه أيتها الجليلة البهية
كان الأحرى بك أن تسأليني : كم عمر خيبتك على امتداد انتماء لم يمنحك غير مرارة الانكسار .. كان ميلادي تاريخ أكبر نكبة عصفت بجعرافية أمة وعبثت بحدودها لتجعلها تتآكل شيئا فشيئا .. عام ، بسط اليهود سلطتهم على فلسطين وأقاموا دولة من معدن فوق أرض الأنبياء ليغادر ألاف الفلسطينيين أرضهم ويتفرقوا في كل العالم .. حينها كنت رضيعا ، لم أكن أعي ما يدور حولي ، لكن أمي أخبرتني ـ عندما بدأت أتجاوز باب البيت وأرى أترابي يمسكون بأيدي آبائهم وهم مبتسمون في نشوة ـ أنّ أبي قضى نحبه في فلسطين , خرج مع الجيوش العربية للدفاع عن الأرض الطاهرة ، كانوا يعتقدون أنهم ذاهبون في نزهة لتأديب العصابات الصهيونية ، لكن الخيانة حفرت لهم مقابر وقع فيها بعضهم ورجع أكثرهم بها في قلوبهم ، لأن الموت يحفر للإنسان قبرا ويقف الذين يحبهم ليواروه التراب وهم يذرفون دمعا حارقا ، أما الخيانة فهي تحفر له قبرا داخل قلبه يلازمه طول حياته ، وينحدر إليه شيئا فشيئا وحيدا كأقسى ما تكون الوحدة ، ويتيما كأشد ما يكون اليتم .. أبي كان من صعيد مصر وكان يؤمن حدّ القداسة أننا أمة واحدة لا يتأوه منها فرد إلاّ وهبّ له كل العرب .. لكنه لم يعد من نشوة إيمانه الراسخ ، داسته الخيانة قبل أن يصيبه رصاص العدو .. منذ ذلك الحين وأنا شاهد عيان على كل نكبة حلّت بالعرب، وحاضر في كل نكسة أحنت رؤوسنا .. نكبة 48 أحالتني على يتم دائم ومقيم .. نكسة حزيران جعلت شبابي نكتة يتسلى بها العالم ، وظلّ هذا الجسد مسرحا مكشوفا لكل النكبات التي قلّصت من جغرافيتنا .. معاهدة كامديفد ومعاهدة السلام أدميا قلبي ، العدوان على العراق خرّب بعض أمل كان لا يزال قائما أقتات منه فيما تبقّى من العمر ، وجعلني أقف مفجوعا أمام أطلال مدينة عشت فيها أربع سنوات وكانت فاكهة العمر التي تركت في الروح حلاوة .. إعدام صدام حسين صبيحة العيد جعل الاعتقاد عندي يقينا بأن العربي عاري الظهر ويمكن لأي أجنبي أن يدخل بيته ويشنقه أمام أبنائه ليعلّمهم الانحناء ، ويجعل الحبل مرخيا على رقابهم ويمكن شده في أي وقت شقوا عصا الطاعة كما أبيهم .. ضَرْب غزة وتحويلها إلى محرقة أكّد لي أنّ دمائنا رخيصة ، و........
آه أيتها البهية ، بعد كل هذا الخراب تطرقين باب مكتبي لتسأليني كم عمرك ؟
..............
عندما أبدت لي رغبتها في أن تجري معي حوار ترددت كثيرا ، بل كدت أرفض لأنني أكره الأضواء وأحب أن أكتب مستظلا بخيبتي ، ولأني لجأت إلى القلم ليس رغبة في الشهرة ، وإنما لأخفّف من حدة وجع مكشوف . عندما دخلت إلى مكتبي أحسست أن الشمس أشرقت من الباب الذي ولجت منه لتهديني قبسا من نورها وتخرجني من ظلمات الوحدة إلى وهج الألفة .. وقفت لأصافحها فوجدت أنها هي التي تصافح قلبي بجمالها الهادئ الذي يظهر من خلال وجه صاف كطفل يخرج إلى العالم من وقت قصير فلم يخالطه غبار ولا لؤم ولا أي شيئ مما يشوه وجوهنا من تقادم وجودنا في الحياة .. عندما جلستْ على الكرسي المقابل لي أحسست أني أتصالح مع العالم بعد فتور دام عمرا . كانت أكثر بهاء من الصورة التي تتداولها مواقع التواصل الاجتماعي ومختلف المجلات الالكترونية .. قالت لي وهي تبتسم ابتسامة تكشف عن أسنان عاجية تزيدها بهاء :
ـ كان بإمكاني أن أجري معك حوارا عبر هذا العالم الافتراضي ، لكنه سيكون بلا روح ، ولهذا فضلت أن يكون الحوار مباشرا .
أجبتها تأكيدا لكلامها :
ـ كنت أنتظر هذه المقابلة من زمن بعيد ، ليس طمعا في حوار يُنشر في جريدة مرموقة ، بل بحثا عن لقاء يصالحني مع العالم بعد طول قطيعة .
قالت وفي عينيها ضعف شهي :
ـ وأنا سعيت إلى هذا اللقاء لأني كنت في حاجة إلى من يعيد إليّ الأمان الذي افتقدته بعد تجربة زواج فاشلة جردتني من هدوئي وجعلتني أعيش فوضى خفية لا يحسها إلا المقربون مني .
ـ أحس أنه لم يبق في رصيد العمر ما يكفي لأمنحك الأمان الذي تنشدين .. شجرة حياتي تتعرى شيئا فشيئا ، ولم يبق منها إلا وريقات تستر بعض ما خلفته فجائع في زمن أولانا ظهره ..
ابتسمت ونظرت إليّ وكأنها تسحب ما تبقّى من حلاوة الروح :
ـ كم عمرك ليغزوك هذا الإحساس وتشعر بأن شجرة عمرك تتعرى ؟
فاجأني السؤال ووجدت نفسي كتلميذ لا يحسن الحساب ويستعمل أصابعه لضبط عملية حسابية بسيطة ، لكني أعمل أصابعي لحساب ما مرّ من عقود ، ورسم على وجهي تضاريس مدينة غائرة . وبعد جمع وطرح اكتشفت أنني من جيل النكبة وهي من جيل ورث النكبة وبيني وبينها مسافات وجع غير قابلة للجمع .............
زكية علال

نشر في الموقع بتاريخ : الثلاثاء 8 ربيع الأول 1436هـ الموافق لـ : 2014-12-30

التعليقات
آسيا رحاحليه
 قصة رائعة
أهنئك . 


زكية علال
 شكرا عزيزتي آسيا .. سعدت كثيرا بقراءتك للقصة ، وأهنئك بدوري على ما تكتبين لأني أقرأ كل ما تنشرين ، وأفتخر أنك جزائرية
زكية علال  


سارة بجاوي
 فعلا قصة رائعة حين انهيت قراءتها بقيت افكر في عمق هذا المعنى الذي تحمله هذه القصة  




أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

رابح بلطرش وحديث للاذعة الثقافية موعد للنقاش

موعد للنقاش الاعداد : رشيد صالحي

مواضيع سابقة
اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى يفتتح موسمه الثقافي
بقلم : سعدية حلوة - عبير البحر
اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى يفتتح موسمه الثقافي


مقطع من روايتي" قلب الإسباني "
بقلم : جميلة طلباوي
مقطع من روايتي


فجيعة الوطن العربي الكبرى
بقلم : رشيدة بوخشة
فجيعة الوطن العربي الكبرى


وليد عبد الحي: السلوك العربي أنتج منظومة فكرية غرائزية متكاملة
بقلم : علجية عيش
وليد عبد الحي: السلوك العربي أنتج منظومة فكرية غرائزية متكاملة


في رحابِ الموعـــد..!
بقلم : د. وليد جاسم الزبيدي / العراق
في رحابِ الموعـــد..!


في عدمية النص الفلسفي الغربي و موضة الإتباع... إيميل سيوران نموذجا عابرا
بقلم : حمزة بلحاج صالح
 في عدمية النص الفلسفي الغربي و موضة الإتباع... إيميل سيوران  نموذجا عابرا


العدد (50) من مجلة "ذوات": "السوسيولوجيا العربية في زمن التحولات"
بقلم : عزيز العرباوي
العدد (50) من مجلة


13 سنة تمر على رحيل الشاعرة و الروائية نجية عبير
بقلم : علجية عيش
13 سنة تمر على رحيل الشاعرة و الروائية نجية عبير


شاعرة حالمة ... قراءة في تجربة ريتا عودة الشعري
بقلم : شاكر فريد حسن
شاعرة حالمة ... قراءة في تجربة ريتا عودة الشعري


أنا و الآخر
بقلم : حفصة موساوي
أنا و الآخر




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com