أصوات الشمال
السبت 11 رمضان 1439هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * الفرد والتاريخ في فلسفة جورج بليخانوف   * من سيخلف محمود عباس ..؟؟   * قُمْ يَا صَلَاحُ وَأَنْقِذِ الْقُدْسْ الشاعر والروائي/ محسن عبد المعطي محمد عبد ربه..شاعر العالم    * جزائر الألم والندم   * المقاهي الأدبية .. مجالس الأنس، ومنبع التثاقف   * لازلتُ ارسمُ وجهك   * الدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة من كلية الآداب بجامعة عنابة يُصدر كتاب: «أبحاث ودراسات في أدب الخليج العربي»   * عودة النوارس   * أبو طالب خير سندٍ للاسلام و خير عمٍ لنبي الإسلام    * أمل مرقس في تسجيل وتوزيع جديدين لأغنيتها القديمة " لا أحد يعلم "    * في الحاجة إلى زعيم... جزائر 2018   * الحركة الاصلاحية و التربيو بمطقة عزابة بسكيكدة   * اضاءة على رواية "فيتا .. أنا عدوة أنا " للروائية ميسون أسدي   * أرض تسكن الماضي   * لسَعَاتُ..اللوْم.. وطعَناتُ الْعِتابِ.!! / الحلقة: 03   * حفريات دلالية في كتاب ” الفلسفة و البلاغة .. مقاربة حجاجية للخطاب الفلسفي ” لــدكتور عمارة ناصر   * بين غيابين: (الذين عادو إلى السماء) مهرجان شعري بامتياز   * بيت الشعر الجزائري بالبويرة يحي أربعينية شهداء الطائرة المنكوبة   * كأس الردى   * يا ابن التي....؟ !    أرسل مشاركتك
رجل من زمن النكبة
بقلم : زكية علال
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 1015 مرة ]

قصة قصيرة

رجل من زمن النكبة

كم عمرك ؟
سؤال نزل عليّ كطوفان داهم وغير منتظر في يوم صيفي ، وجعلني أرتجف مثل طفل باغته إعصار مفاجئ بعيدا عن صدر أمه ، فبلّل الخوف ثيابه وزاد من تصلّبه في مكانه ..
كم عمرك ؟
استفهام عبث بمشاعري التي كنت أعتقد أنها تكفي لاحتواء أي حب مباغت يأتي ولو في أرذل العمر ، لكني أجدها اللحظة عارية .. حافية وحاسرة . ..
كم عمرك ؟
سؤال جعلني أتعثّر أمامها كتلميذ ضيّع كل النظريات والقوانين التي تساعده على فكّ معادلة يقف عليها مستقبله .........
قبل هذا ، ظهورها في حياتي كان مباغتا ..
لست أدري كنه هذه المباغتة ..
قد تكون عاصفة هبّت بعد أيام مقمرة صافية ، فقلبت حياتي ومناخي .. وقد تكون شمسا أطلّت في سمائي الأخيرة بعد عواصف ظلت تقتلع وتٌسقط كل طلع يظهر في شجرة العمر، وتعبث بلون الورد الذي ظللت أجمعه في يمين القلب لأهديه لامرأة لا تشبه كل النساء ، ولا يقين عندي بأنها ستظهر يوما .
التقيتها ذات تعثر لنبضها .. أو نبضي ، لست أدري ، كل ما أدريه أنّ كلا منا دقّ على صدر الآخر ، وعبر إلى ممراته السرية في محاولة منه لإعادة النبض المتعثر ، واشتهينا هذا النقر لأنه غيّر ملامحي وملامحها وجعلني أعيش بنبضها وتحيا هي على نبضي ، فأصبحت قدري الذي لا مهرب إلا إليه ، وأمسيت قدرها الذي لا تملك إلا أن تلجأ إليه .
منذ أن كتبتْ لي أول تعليق على قصة نشرتها في مجلة إلكترونية " رجل من غبار " أحسست أنها اندسّت بين جلدي وعظمي وانتشرت في دمي .. أحسست أنها قرأت كل أفكاري التي خبأتها والتي تستّرت بين سطور القصة .. سارعت إلى الرد على تعليقها وكأني أرد تحية امرأة ظل باب بيتها مقابلا لباب بيتي عشرات السنين .. وكان من السهل أن أعثر على بريدها الإلكتروني لأكتب لها أول رسالة وكأننا نكمل حديثا سابقا . مع أول مصافحة لقلبينا في هذا العالم الافتراضي انغمسنا في ترقيع ما تمزّق منا .. كانت هي منهارة بعد تجربة زواج فاشلة ، وكنت أنا تخطيتُ بريق العمر وأحتاج إلى بياض يعيد إليّ تألق السنين .. حدثتني عن ولوجها إلى عالم الصحافة وحماستها التي دفعت بها إلى مصاف الصحفيين البارزين في صحيفة مرموقة ، وحدثتها عن صدمتي الموجعة التي تركتها زوجتي برحيلها المبكر من حياتي ، وعن الفراغ الذي لم تستطع أن تعمّره امرأة في هذا العالم .. حدثتني عن زواجها الذي اعتقدته جنة ستعيش فيها نعيما مقيما ، فإذا هو نار تقذفها إلى تعاسة مقيمة ، وحدثتها عن وجعي الذي أصبح قصصا وأشعارا تمسح على تعاسة الآخرين ، بحيث أصدرت مجموعات قصصية ودواوين شعرية جعلت مني نجما في سماء الأدب ، لكنها كانت تأتي من فراغي المستتر لتشكّل في سمائي فراغا أكبر وأوسع وأكثر وضوحا .. حدثتني عن نجاحها الذي لم يستوعبه زوجها ، فوقع انكسار لم تجبره كل محاولات الصلح التي قام بها الأهل والأصدقاء فكان الانفصال ، وحدثتها عن حاجتي لامرأة تلملم انكسارت العمر ..
كم عمرك ؟
آه أيتها الجليلة البهية
كان الأحرى بك أن تسأليني : كم عمر خيبتك على امتداد انتماء لم يمنحك غير مرارة الانكسار .. كان ميلادي تاريخ أكبر نكبة عصفت بجعرافية أمة وعبثت بحدودها لتجعلها تتآكل شيئا فشيئا .. عام ، بسط اليهود سلطتهم على فلسطين وأقاموا دولة من معدن فوق أرض الأنبياء ليغادر ألاف الفلسطينيين أرضهم ويتفرقوا في كل العالم .. حينها كنت رضيعا ، لم أكن أعي ما يدور حولي ، لكن أمي أخبرتني ـ عندما بدأت أتجاوز باب البيت وأرى أترابي يمسكون بأيدي آبائهم وهم مبتسمون في نشوة ـ أنّ أبي قضى نحبه في فلسطين , خرج مع الجيوش العربية للدفاع عن الأرض الطاهرة ، كانوا يعتقدون أنهم ذاهبون في نزهة لتأديب العصابات الصهيونية ، لكن الخيانة حفرت لهم مقابر وقع فيها بعضهم ورجع أكثرهم بها في قلوبهم ، لأن الموت يحفر للإنسان قبرا ويقف الذين يحبهم ليواروه التراب وهم يذرفون دمعا حارقا ، أما الخيانة فهي تحفر له قبرا داخل قلبه يلازمه طول حياته ، وينحدر إليه شيئا فشيئا وحيدا كأقسى ما تكون الوحدة ، ويتيما كأشد ما يكون اليتم .. أبي كان من صعيد مصر وكان يؤمن حدّ القداسة أننا أمة واحدة لا يتأوه منها فرد إلاّ وهبّ له كل العرب .. لكنه لم يعد من نشوة إيمانه الراسخ ، داسته الخيانة قبل أن يصيبه رصاص العدو .. منذ ذلك الحين وأنا شاهد عيان على كل نكبة حلّت بالعرب، وحاضر في كل نكسة أحنت رؤوسنا .. نكبة 48 أحالتني على يتم دائم ومقيم .. نكسة حزيران جعلت شبابي نكتة يتسلى بها العالم ، وظلّ هذا الجسد مسرحا مكشوفا لكل النكبات التي قلّصت من جغرافيتنا .. معاهدة كامديفد ومعاهدة السلام أدميا قلبي ، العدوان على العراق خرّب بعض أمل كان لا يزال قائما أقتات منه فيما تبقّى من العمر ، وجعلني أقف مفجوعا أمام أطلال مدينة عشت فيها أربع سنوات وكانت فاكهة العمر التي تركت في الروح حلاوة .. إعدام صدام حسين صبيحة العيد جعل الاعتقاد عندي يقينا بأن العربي عاري الظهر ويمكن لأي أجنبي أن يدخل بيته ويشنقه أمام أبنائه ليعلّمهم الانحناء ، ويجعل الحبل مرخيا على رقابهم ويمكن شده في أي وقت شقوا عصا الطاعة كما أبيهم .. ضَرْب غزة وتحويلها إلى محرقة أكّد لي أنّ دمائنا رخيصة ، و........
آه أيتها البهية ، بعد كل هذا الخراب تطرقين باب مكتبي لتسأليني كم عمرك ؟
..............
عندما أبدت لي رغبتها في أن تجري معي حوار ترددت كثيرا ، بل كدت أرفض لأنني أكره الأضواء وأحب أن أكتب مستظلا بخيبتي ، ولأني لجأت إلى القلم ليس رغبة في الشهرة ، وإنما لأخفّف من حدة وجع مكشوف . عندما دخلت إلى مكتبي أحسست أن الشمس أشرقت من الباب الذي ولجت منه لتهديني قبسا من نورها وتخرجني من ظلمات الوحدة إلى وهج الألفة .. وقفت لأصافحها فوجدت أنها هي التي تصافح قلبي بجمالها الهادئ الذي يظهر من خلال وجه صاف كطفل يخرج إلى العالم من وقت قصير فلم يخالطه غبار ولا لؤم ولا أي شيئ مما يشوه وجوهنا من تقادم وجودنا في الحياة .. عندما جلستْ على الكرسي المقابل لي أحسست أني أتصالح مع العالم بعد فتور دام عمرا . كانت أكثر بهاء من الصورة التي تتداولها مواقع التواصل الاجتماعي ومختلف المجلات الالكترونية .. قالت لي وهي تبتسم ابتسامة تكشف عن أسنان عاجية تزيدها بهاء :
ـ كان بإمكاني أن أجري معك حوارا عبر هذا العالم الافتراضي ، لكنه سيكون بلا روح ، ولهذا فضلت أن يكون الحوار مباشرا .
أجبتها تأكيدا لكلامها :
ـ كنت أنتظر هذه المقابلة من زمن بعيد ، ليس طمعا في حوار يُنشر في جريدة مرموقة ، بل بحثا عن لقاء يصالحني مع العالم بعد طول قطيعة .
قالت وفي عينيها ضعف شهي :
ـ وأنا سعيت إلى هذا اللقاء لأني كنت في حاجة إلى من يعيد إليّ الأمان الذي افتقدته بعد تجربة زواج فاشلة جردتني من هدوئي وجعلتني أعيش فوضى خفية لا يحسها إلا المقربون مني .
ـ أحس أنه لم يبق في رصيد العمر ما يكفي لأمنحك الأمان الذي تنشدين .. شجرة حياتي تتعرى شيئا فشيئا ، ولم يبق منها إلا وريقات تستر بعض ما خلفته فجائع في زمن أولانا ظهره ..
ابتسمت ونظرت إليّ وكأنها تسحب ما تبقّى من حلاوة الروح :
ـ كم عمرك ليغزوك هذا الإحساس وتشعر بأن شجرة عمرك تتعرى ؟
فاجأني السؤال ووجدت نفسي كتلميذ لا يحسن الحساب ويستعمل أصابعه لضبط عملية حسابية بسيطة ، لكني أعمل أصابعي لحساب ما مرّ من عقود ، ورسم على وجهي تضاريس مدينة غائرة . وبعد جمع وطرح اكتشفت أنني من جيل النكبة وهي من جيل ورث النكبة وبيني وبينها مسافات وجع غير قابلة للجمع .............
زكية علال

نشر في الموقع بتاريخ : الثلاثاء 8 ربيع الأول 1436هـ الموافق لـ : 2014-12-30

التعليقات
آسيا رحاحليه
 قصة رائعة
أهنئك . 


زكية علال
 شكرا عزيزتي آسيا .. سعدت كثيرا بقراءتك للقصة ، وأهنئك بدوري على ما تكتبين لأني أقرأ كل ما تنشرين ، وأفتخر أنك جزائرية
زكية علال  


سارة بجاوي
 فعلا قصة رائعة حين انهيت قراءتها بقيت افكر في عمق هذا المعنى الذي تحمله هذه القصة  




أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1439هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com